تصنيفات مسرحية

السبت، 4 أبريل 2026

الاحتفالية موت الكاتب وخلود الكتابة ــ 143 / د.عبد الكريم برشيد

مجلة الفنون المسرحية


الاحتفالية موت الكاتب وخلود الكتابة ــ 143

                  فاتحة الكلام 
 

يقول الاحتفالي 
للكتاب سحر خاص، في عقل و فكر العقلاء، وفي وجدان وروح أسعد كل الناس، وهكذا هو في عرف و شرع عشاق الكتابة والكتاب عبر التاريخ
وهذا الكتاب هو كائن حي، مثل كل الكائنات الحية الأخرى، وقد تظن أنه مقيم، بشكل دائم، على الرفوف الخشبية، في المكتبات الشخصية او العامة، ولكنه مسافر مع العقلاء والحكماء والشعراء إلى أبعد مدى، وذلك في الجغرافيا وفي التاريخ، وقد يسافر بك إلى اعمق اعماق الإنسان، وقد يصل بك إلى ما وصل إليه المعري في (رسالة الغفران) او إلى ما وصل إليه دانتي في ( الكوميديا الإلهية) او الى ما وصل إليه ابو الغرائب في بلاد العجائب، ويمكنك بهذه الكتابة ان تقبض على الأحلام، وان تدرك اغرب الغرائب واعجب العجائب في عالم الأوهام  
وهذا الكتاب، في نماذجه السامية وفي درجاته العالية، هو عراف يعرف كل شيء، وهو ساحر  خبير في فقه السحر الحلال، وله في حروفه وكلماته وعباراته جاذبية سحرية خاصة، وهذا بالطبع لمن يعرف قيمته ولمن يحسن قراءته
وهذا الكتاب الورقي، يعيش اليوم مرحلة جديدة من عمره، وما اكثر المراحل و الأعمار التي عاشها هذا الكتاب، حتى وصل بالانسان والإنسانية الى ما وصلا إليه 
هذا الكتاب، هناك اليوم من الناس من تنكر له، ومن اصدر في حقه اكثر من فتوى واكثر من حكم، ومن اطلق في حقه اكثر من أكذوبة واكثر من اشاعة، ومن اغرب الغرائب او يتم كل هذا بالكتابة وفي الكتابة،  وان يتم الإعلان عن موت الكتاب وعن موت الكاتب .. من خلال ماءا؟ من خلال فعل الكتابة!
وإذا كان هذا الكتاب، هو الذي أسس هذه الحياة الجديدة، بكل جزئياتها و تفاصيلها الدقيقة، فكيف يعقل ان يكون واهب الحياة والحيوية ميتا؟ 
هذا الكتاب هو الذي غير الإنسان وهو الذي غير التاريخ، وهو الذي غير نظام وجود الإنسان والإنسانية، في الجغرافيا وفي التاريخ، وإلى جانب انه فاعل يغير، فهو ايضا كائن يتغير و يتحول و تجدد في التاريخ، وبذلك يمكن ان نقول بان الآتي في تاريخ هذا الكتاب غدا، لايمكن ان يعرفه إلا العارفون
وفعل تحويل الرموز الصوتية إلى رموز مرئية، في جسد هذه الكتابة، لم يكن ابدا فعلا سهلا، ولقد  كان فعلا خطيرا انتهت و ابدعته العبقرية الإنسانية 
ونعرف ان لكلمة الكتاب معاني كثيرة جدا، يمكن ان يكون من بينها معنى الرسالة ومعنى الخطاب، كما قد تكون في كثير من الكتابات مرادفة للقرآن الكريم، كما ان فعل الزواج لا يمكن ان يتم و يكتمل إلا بالكتابة
والكتابة، لغويا، هي صناعة مثل كل الصناعات الأخرى، مثل النجارة والتجارة والحجامة والصياغة، والتي تقوم على اساس ما تبدعه بد الصانع، في حين أن صناعة الكتابة هي صناعة شاملة و متكاملة، تستحضر في فعلها كل الأعضاء وكل الحواس، و تستحضر العقل المفكر والقلب الشاعر ، و تستحضر الخيال و الوجدان، و تستحضر الذاكرة واللاوعي،. و تستحضر كل الإرث الإنساني في هذه الكتابة  
ومع وجود هذه الكتابة، وهي في درجة الإبداع السحري، فإن الماضي لا يمكن ان يمضي، والكتابة بهذا المعنى هي ذاكرة حسية، يمكن ان نراها بالعين، وان نلمسها باليد، وان نشمها ايضا، في رائحة الورق وفي رائحة المداد وفي رائحة آلات المطابع 

                        الكتاب : الامتاع والمؤانسة

والاحتفالية ترى بأن الاحتفال هو اساسا كتابة، وهو فعل يبدا بالكتابة، ولا يمكن ان ينتهي إلا بالكتابة وفي الكتابة، وما يميز هذه الكتابة الحيوية هو انها كتابة بالأجساد الحية وبالأرواح الحية، وذلك في اللحظات التاريخية الحية، وفي الفضاءات المدنية الحية 
وفي هذه الكتابة نستحضر الآخر، ونفكر في الأخر ، و نخاطب الأخر، ونحتفل مع الآخر وتقتسم معه اجمل افكارنا واجمل احساساتنا، وهل يمكن ان يكون لهذا الاحتفال اي معنى، خارج معنى المشاركة وخارج معنى الاقتسام وخارج معنى الكتابة بالأجساد وبالأرواح ؟
ونحن عادة نتكلم عن الكتاب، و ننسى أن نتكلم أولا عن فعل الكتابة، و ننسى أن هذا الإنسان هو نفسه كتابة، وان هذا العمر الذي نحياه هو كتابة، وان هذا الذي نسميه القدر هو كتابة، وان كل ذلك الذي نسميه في حياتنا اليومية صدفة هو في الحقيقة كتابة،
وماذا يمكن ان تكون كل هذه الأشكال وكل هذه الألوان وكل هذه الأضواء وكل هذه الظلال وكل هذه الأصوات وكل هذه الظواهر والمظاهر في الطبيعة سوى انها كتابة سيميائية، وان كل في ما الوجود وكل في هذه الحياة، هي رموز وعلامات وهي إشارات و كتابات تحتاج لمن يحسن قراءتها 
إن هذا الكتاب، و بتعبير المتنبي، هو اكبر وأخطر من ان يكون مجرد أوراق سودتها الأقلام، وهو عنده خير انيس وخير جليس، وهو الرفيق في السفر، و هو العارف الذي يستمع الى اسئلتنا ويجيب عليها، وقد يخفف من احزاننا، وقد يضحكنا، يقول المتنبي:
(اعز مكان في الدنى ظهر سابح
وخير جليس في الزمان كتاب)
لقد كتب د سهيل ادريس رواية ( اصابعنا التي تحترق) اي اصابع الكاتب، وهو يتحدث عن تجربته مع مجلة الآداب البيروتية من خلال شخصية سامي، ومن خلال المجلة التي اسسها بعد عودته من باريس، و اعطاها في الرواية اسم ( الفكر الحر) 
وعندما تكون هذه الكتابة جمرا، وعندما نجد ان اصابعنا تحترق بها وفيها، ساعتها فقط ندرك بان هذه الكتابة ليست لهوا ولا لعبا، ولكنها مخاطرة وجودية في التاريخ، وان الذي يحترق فينا، قبل اصابعنا، هي قلوبنا و ارواحنا
وفي مقدمة احتفالية ( عبد السميع يعود غدا) ما يلي:
(إنني أكتب لأوضح أشياء وأشياء، وليس لأخفيها عن أعين الناس، وتلك مهمة كل كاتب، ولو كنت أسعى للغموض والالتباس ما كتبت، ولو كان يخجلني هذا الذي أعلنه أمام كل الناس ما أعلنته، ولما بينت حالاتي و آرائي في البيانات وفي المسرحيات)
 
                 لماذا يكتب الكاتب وليس لمن يكتب الكاتب

وفي موضوع هذه الكتابة، يقول الاحتفالي لكل من يهمه فعل هذه الكتابة ما يلي:
إن ما تكتبه انت هو كتابتك انت، وهو صوتك و صدى صوتك، وهو جسدك وظل جسدك، وهو صورتك و خلفية صورتك، وهو إقامتك وعنوانك، وهو جودك الذي لا يمكن ان يتكرر مرتين، ولا احد يمكن ان ينوب عنك في هذه الكتابة إلا انت، ولهذا اعتبرت الكتابة فعلا شخصيا لا يمكن ان ينوب فيه عنك اي احد 
و فعل هذه الكتابة نعرف من يفعله، ولكن القراءة تبقى مفتوحة ولا نعرف من سوف يأتي، اليوم او غدا، و يقرا ما نكتب، ولعل هذا هو ما يغري اكثر في هذه الكتابة، والتي هي في اغلب الأحوال رسائل إلى المجهول، ولهذا يستبعد الاحتفالي سؤال (لمن اكتب) لأنه يستحيل ان يعرف هذا الذي يكتب له، ويكفي ان يكتب للإنسان، عن قضايا الإنسان، ليجد لكتابته من يقراها 
اما السؤال الآخر الذي اكد عليه الاحتفاليون، فهو سؤال:
لماذا نكتب؟ 
هكذا تساءل الاحتفالي دائما، تماما كما تساءل كل الكتاب قبله
هل اكتب لأتعدد و اتمدد بالكتابة، فأكون انا الكاتب، وأكون انا الكتابة، وأكون جزء من ذلك الآخر الذي يمكن ان يقراني؟  
وفي التمدد أكون في هذا المكان هنا، وأكون في ذاك الزمان هناك، ويكون بامكاني ان أتحرر سلطة المكان، ويصبح لي وجود في كل الأمكنة وفي كل الأزمنة
وهناك اشياء كثيرة و خطيرة نحاول في حياتنا اليومية ان نكتمها، وان نخفيها عن أعين الناس، وتأتي هذه الكتابة لتفضحنا، ويصبح ما كان خفيا في الصدور ظاهرا في السطور
وفي بعض الأحيان الاخرى، نحاول ان نمارس فعل الهروب، من غير ان نعرف هذا الهروب إلى أين، والنسبة الاحتفالي فإن أصدق  الهروب هو الهروب إلى الكتابة الصادقة، وقد يكون هذا الانسان، وفي كثير من الحالات، ومن حيث يدري او لا يدري، بعيدا عن ذاته ونفسه، ولكنه، وكلما كتب اكثر، إلا وجد انه يقترب من عالمه ومن نفسه ومن فكره ومن حياته أكثر

                       الكتاب: الأوراق وروح الأوراق 

نحن نعرف بانه عندما جاءت هذه الكتابة، انها قد جاءت ومعها امكانيات جديدة لم تكن من قبل موجودة، واصبح ممكنا لما نقوله ولما نفعله ولما نحلمه ولما نفكر فبه ولما نتخيله ولما نضمره ان لا يضيع، ولهذا فقد كان من حقنا ان نقول بان هذه الكتابة في الكتاب 
هي مؤسسة كل هذا التقدم الفكري والعلمي الذي نحياه اليوم، وهي مؤسسة كل الحضارات التي عرفها التاريخ، وقد يكون هذا الكتاب مجرد ورق، ولكن ماذا بداخل هذه الأوراق؟ وماذا عن روح الورق؟ وماذا عن ذلك كلم الورق، و انطق الورق؟  اي سحر واي سر يختبئ في هذا الورق؟
إن قيمة هذا الكتاب، والذي قد يظهر انه مجرد اوراق،  تكمن أساسا في طاقته الحيوية المتجددة، وهو بهذا عقل من فكر و قدر، وهو روح من أعطى الأوراق شيئا من روحه، وهو عين من رأى و ابصر، وهو جوهر ولسان و وجدان و خيال الإنسان عبر التاريخ
هذا الكتاب يعكس عبقرية الإنسان بكل تأكيد، كما قد يعكس عبقرية بعض المراحل التاريخية، و يعكس عبقرية بعض العواصم العالمية، مثل فاس و بغداد و غرناطة و قرطبة و القاهرة وباريس روما ولندن 
وهذا الكتاب يرتبط أساسا بالكتابة، والتي هي فعل قديم قدم التاريخ، وبهذا يكون قدر هذا الكتاب هو البقاء وهو الخلود وهو التجدد في الازمان المتجددة، وعليه، فإنه لا يمكن أن ننتبه فجأة لنجد أن كل التاريخ البشري قد تم مسحه او التشطيب عليه بجرة قلم، وإن كل من يعتقد غير هذا فهو خاطئ، وهو بالتالي لا يعلم بأن الجديد لا يلغي القديم، ولكنه يعززه ويطوره ويجدده، وبهذا تكون التكنولوجبيا اليوم في خدمة هذا الكتاب، وهي تعمل على زيادة نشره في كل العالم، تماما كما عملت المطبعة في أول الأمر على جعل الكتاب في متناول الجميع، ونفس الدور يمكن أن يلعبه الكتاب الرقمي اليوم وغدا، أي أن يعرف بأمهات الكتب، وأن يجعله قريبا من كل الناس، وبهذا يكون الكتاب الرقمي مجرد آلة للتوصيل، وآلة للتعريف، وأن ينقل ما تم كتابته على الورق إلى من يهمهم الأمر
وعن هذه الكتابة، وهي درجة الإبداع الفكري والجمالي، يقول الاحتفالي في (بيانات كازابلانكا للاحتفالية المتجددة) بان هذه البيانات، وقبل أن تقول و تكتب شيئا جديدا، وقبل أن تكلم الناس بلغة حية جديدة، وقبل أن تبث في جسد هذا المسرح المغربي والعربي دماء جديدة، قبل كل هذا، فقد كانت فعلا جديدا، وكانت رجة وهزة، وكانت ثورة على كثير من البديهيات والمسلمات، وهذه الأفكار لم تأت من المريخ ولا من زحل، وهي في حقيقتها نبت هذه الأرض، وهي عطاء هذه الأزمان الجديدة، وهي أيضا، فيض أرواح إنسانية صادقة، وهي فيض نفوس حية)
وهذا الاحتفالي، العاشق للكتابة و لروح الكتابة هو الذي قال:
(لقد عشقت الكتابة، لأن العمر كتابة، ولأن كل خطواتنا في هذا العمر كتابة، ولهذا فقد كنت الكاتب والكتابة دائما، من حيث أدري أو لا أدري) 
وهو نفسه الذي قال في نفس البيانات ما يلي:     
(ولقد مارست فعل هذه الكتابة المفكرة، لأبين حالاتي وأفكاري و لأنقل للناس شهادتي ورمشاهداتي، ولهذا فقد جاءت هذه الكتابة في شكل بوح وفي هيئة بيانات و اعترافات، ولقد قلت وكتبت، هي مجرد بيانات وليست أي شيء آخر، ولقد كانت تفكيرا مرسوما بالكلمات والعبارات)

.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق