الصفحات

تصنيفات مسرحية

الخميس، 20 أغسطس 2026

البيوميكانيك ومنهج ماير خولد

مجلة الفنون المسرحية

 البيوميكانيك   ومنهج ماير خولد                                                                                
                                                              أحمد . م . مكاراتي 

 هو أحد أهم المناهج الحركية والجسدية في تاريخ المسرح المعاصر والذي طوره المخرج الروسي  فيسيفولود مايرخولد في عشرينيات القرن العشرين كرد فعل وثورة على الواقعية والنفسية الداخلية لمنهج أستاذه ستانسلافسكي.
يقوم المنهج على فكرة جوهرية أن جسد الممثل هوالأداة الرئيسية للتعبير والحركة الجسدية هي التي تقود إلى إنتاج المشاعر وليس العكس.

قبل الخوض في أبعاد هذا المنهج علينا أن نتعرف على ماير خولد :
فيسيفولود مايرخولد: 
                       هو واحد من أبرز المخرجين والمنظرين المسرحيين في القرن العشرين ولد في روسيا 1874 وعاش مسيرة فنية حافلة بالتجديد قبل أن تنتهي حياته بشكل مأساوي 1940.
بدأ حياته الفنية ممثلاً ومخرجاً في مسرح موسكو تحت قيادة قسطنطين ستانسلافسكي ففي حين كان ستانسلافسكي يؤسس لمنهج الواقعية (محاكاة الواقع ومعايشة الشخصية داخلياً ) شعر مايرخولد أن هذا الاتجاه يقيد طاقة المسرح . فانفصل عنه ليبحث عن مسرح تجريبي رمزي.
مايرخولد كان من أوائل الفنانين الذين رحبوا بالثورة البلشفية 1917 وسخروا فنهم لخدمتها إلا أن صعود النظام الشمولي بقيادة ستالين وفرض الواقعية الاشتراكية كمنهج للفن جعل من تجاربه الطليعية تهمة حيث رُفض مسرحه واعتُبر معادياً لأيديولوجية الدولة فتم اعتقاله 1939وتعذيبه ثم إعدامه رمياً بالرصاص في أوائل 1940
ولم يُعد الاعتبار لذكراه وتاريخه الفني إلا بعد عقود. ليترك وراءه إرثاً غيّر وجه الإخراج الحديث وأثرت أفكاره بشكل مباشر في مدارس مسرحية كبرى جاءت بعده مثل مسرح برتولت بريخت الملحمي.
آمن مايرخولد بأن المسرح لا ينبغي أن يخدع المتفرج ويوهمه بأنه يرى واقعاً حقيقياً بدلاً من ذلك نادى بالمسرح الشرطي وهو المسرح الذي يعتمد على الاتفاق الضمني بين العرض والجمهور حيث تُستخدم الرموز والإيماءات والديكورات غير الواقعية لإيصال الفكرة مما يحفز مخيلة المتفرج ويجعله مشاركاً واعيًا في اللعبة المسرحية وليس مجرد مستهلك سلبي.


كيف ابتكر مايرخولد هذا المفهوم ؟
بدأ مايرخولد بالبحث عن منهج مسرحي ثوري يتجاوز الواقعية المفرطة التي كان يقدمها أستاذه ستانسلافسكي وبالاعتماد على دراسات علم الفيزيولوجيا (مثل أبحاث إيفان بافلوف حول المنعكسات الشرطية) فوجد أن المتلقي يستجيب للمثيرات البصرية والحركية بناءً على انفعالات شرطية ينشأ من خلالها التواصل لذلك قام بإلغاء الستارة المسرحية ونزل بالخشبة إلى مستوى الصالة واستبدل الديكورات المنزلية الواقعية بهياكل ميكانيكية وسلالم (الديكور البنائي) مطبقاً نظريته الجسدية البيوميكانيك كأداة تنفيذية داخل فضاء المسرح الشرطي. كما طوّر نظام تدريب جسدي صارم للممثلين يعتمد على :  
الجسد كأداة رئيسية :التركيز على الحركات الجسدية – الأكروبات - والتوازن بدلاً من الاعتماد فقط على العاطفة الداخلية.  
الحركة تولد العاطفة :يرى مايرخولد أن الوضعية الجسدية الصحيحة والحركة الدقيقة هي التي تستدعي الاستجابة النفسية لدى الممثل والجمهور وليس العكس. 
ونتيجة تأثر مايرخولد بالأفكار العلمية والصناعية وأبحاث إيفان بافلوف قام بنقل هذه المفاهيم إلى خشبة المسرح معتبراً أن الممثل هو عامل في مصنع الإنتاج الفني ويجب أن يمتلك سيطرة ميكانيكية وهندسية مطلقة على جسده ليحقق أقصى درجات التعبير بأقل جهد عضلي ضائع.
مضامين البيوميكانيك : 
رفض فكرة انتظار الالهام النفسي أو استجداء المشاعر الداخلية. ورأى بدلاً من ذلك أن - الانفعال السيكولوجي هو نتاج مباشر للمحرض الحركي. فالحركة الجسدية المدروسة والإيقاع العضلي هما اللذان يخلقان الحالة النفسية فالركض السريع يفرز الخوف في الجسد فيزيولوجياً والانحناءة الصارمة تولد شعور المهانة أو الخضوع تلقائياً دون الحاجة لاستدعاء ذكريات الطفولة. 
 الممثل ليس كائناً يذوب في الشخصية بل يصبح مهندساً يمتلك سيطرة مطلقة على أداته (الجسد). فهو يرى أن جسد الممثل آلة إنتاجية داخل مصنع العرض المسرحي. 
قسم مايرخولد أي فعل حركي على خشبة المسرح إلى ثلاثة أطوار ميكانيكية تُعرف بـ 
التهيئة أو الرفض : وهي الحركة العكسية الإستهلالية التي تسبق الفعل ( التراجع للخلف خطوة قبل الاندفاع للأمام أو رفع اليد للأعلى قبل توجيه الصفعة ). 
الفعل أو المقصد : وهو الأداء الحركي الفعلي المحدد في الفضاء. 
الوصول أو نقطة النهاية : التوقف الفجائي الذي يختم الحركة ويمنحها شكلها البنيوي النهائي 
            ويثبتها في وعي المتلقي. 
إن الممثل البيوميكانيكي لا يعيش الدور بل يعرضه إنه لا يبكي لكي يبكي الجمهور بل يتخذ الوضعية الهندسيّة الجسدية التي تحفز عقل الجمهور وتدفعه للتفكير والتحليل. 
الخصائص الفنية والسينوغرافية :
يؤكد المنهج على أن يكون الممثل في لياقة بدنية تقارب لاعبي السيرك (الأكروبات والباليه) فمن وجهة نظره أن الجسد لا يرتجل بل يتحرك بدقة هندسية.
اما التركيبة البنائية بمفهوم منهج البيوميكانيك فهي مرتبطة بالديكورات البنائية والتجريدية حيث تخلت الخشبة عن الجدران والأثاث وحلت محلها منصات و سلالم  . هذا الفضاء الهندسي لم يكن للزينة بل كان بمثابة آلة لعب يركض عليها الممثلون ويقفزون لتأكيد الطابع الديناميكي للعرض. 
رغم أن البيوميكانيك نشأ في فضاءات عرض صاخبة إلا أن تطبيقاته المعاصرة تُعد بالغة الأهمية في 

المسارح التجريبية  مثل مسرح الغرفة وعروض المونودراما مما وضعه في مقاربات جوهرية معهما ففي مسرح الغرفة يقترب المتفرج من الممثل لتصبح كل حركة جسدية محسوبة فان الوعي البيوميكانيكي يمنع الممثل من الحركات العشوائية ويجعل من حركته المعمارية دليلاً درامياً .
وفي المونودراما يواجه الممثل تحدي ملء الفضاء بمفرده وإتقانه لتقنيات البيو ميكانيك يتيح له استخدام جسده كأداة سينوغرافية متحركة تصنع الجغرافيا والإيقاع دون الحاجة لمؤثرات خارجية.
رواد آخرون ساهموا في تطوير المنهج  :
برتولد بريخت : الذي أخذ فكرة الشرطية المسرحية وعدم إيهام الجمهور وحورها ليصيغ نظريته المسرح الملحمي عبر تقنية التغريب حيث يتوقف الممثل ليتحدث مع الجمهور أو يغني كاسراً الإيهام الواقعي تماماً .
فاليري بريو سوف : الشاعر والكاتب الرمزى الروسي الذي كتب مقالات نقدية نادت بضرورة تبني الشرطية المسرحية كوسيلة لتحرير خيال المتفرج وعمل كدراماتورج ومشرف أدبي مع مايرخولد في أبحاثه الأولى.
ونخلص لنقول : 
تثبت القراءة المتأنية لتاريخ المسرح الحديث أن التمرد الذي قاده ماير خولد على ستانسلافسكي لم يكن قطيعة معرفية وإنما توسيعاً هائلاً لحدود التعبير. والمثير للإنتباه أكاديمياً أن ستانسلافسكي نفسه في أواخر حياته تراجع خطوة عن غلوه السيكولوجي وطوّر ما عُرف بـ منهج الأفعال الفيزيائية مقترباً بطريقة غير مباشرة من أطروحات تلميذه حول أهمية الجسد.
 البيوميكانيك لم يكن مجرد تمارين أكروباتية بل كان فلسفة مادية أعادت الاعتبار لفيزيائية الجسد البشري وقدرته على إنتاج المعنى ليظل هذا السجال بين الداخل النفسي والخارج الحركي هو المعين الأساسي الذي تنبثق منه كافّة مدارس إعداد الممثل والمخرج في المسرح المعاصر.
وأخيرا ً إن البيوميكانيك هو تحرير لجسد الممثل من قوالب المحاكاة السطحية وتحويله إلى خطوط هندسية حية قادرة على التعبير عن أعقد الأفكار الفلسفية والصراعات البشرية عبر لغة الحركة والجسد الطليعية.

المراجع:
 1 فيسيفولود مايرخولد( في الفن المسرحي) ترجمة: شريف شاكر
2تطور المخرج المسرحي المعاصر – د. جميل نصيف
3تاريخ المسرح الروسي – مجموعة مؤلفين 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق