مجلة الفنون المسرحية
المسرح الكوردي وأسئلة العصر
بقلم : أرسلان درويش
بين تخوم الرؤيا ومرآة العصر، يقف الإنسان في هذا المطلع المعاصر مستسلماً لمدّ تقني لا يكتفي بأن يعبث بسطح المظهر، بل يتغلغل حتى ينابيع الوجود والجوهر. كأن التكنولوجيا قد غدت قدراً جديداً؛ ما كان بالأمس قيد الأسطورة ومسرى الخيال العلمي، بات في صميم اليومي والعياني. لم يعد الكائن مجرد عابر طريق ترفضه الطبيعة أو تحتضنه في حدود الموت والولادة، بل غدا جسده مدونةً مفتوحةً للمشرط، والتعديل، والمحو، وإعادة الصياغة.
ولا شك في أن التقدم العلمي في المجال الطبي يُعدّ واحدًا من أعظم منجزات التاريخ الإنساني؛ فالقدرة على علاج الأمراض، وإنقاذ الأرواح، وزراعة الأعضاء، وإطالة العمر، وتخفيف الألم، تمثل جانبًا من تلك التحولات العلمية التي غيّرت حياة الإنسان في هذا العصر تغييرًا جوهريًا. غير أن هذا المنجز المذهل يطرح سؤالًا جديدًا؛ سؤالًا يتجاوز المسار العلمي ولا يظل طبيًا فحسب، بل يصبح فلسفيًا وأخلاقيًا وأنطولوجيًا: إذا استطاع الإنسان أن يغيّر جسده، فهل يستطيع في الوقت نفسه أن يحافظ على جوهر إنسانيته، وذاكرته، وخصائصه الذاتية بوصفها جزءًا من هويته؟
يتعمق هذا السؤال حين لا ننظر إلى الجسد بوصفه مجرد مجموعة من الأعضاء والوظائف البيولوجية. فالجسد بالنسبة إلى الإنسان هو موضع الذاكرة، وموضع العلاقات الأنسانية، وموضع الحب، وموضع الألم والفرح؛ لذلك، عندما يُستبدل عضو من الأعضاء، لا يعود السؤال متعلقًا فقط بمصدر ذلك العضو، بل يصبح السؤال: هل يؤثر هذا التغيير في تلك العلاقة العميقة بين الجسد و(الذات)؟
هنا يصبح (القلب) على وجه الخصوص أيقونة شديدة الثراء. ففي لغة الإنسان وثقافته، لا يمثل قلب الأنسان مجرد عضو جسدي؛ بل هو رمز للحب والعشق والخوف و ذاكرة للحياة والسعادة والفقدان أيضًا. أما في العلوم الطبية، فالقلب عضلة مهمة تؤدي وظيفة فسيولوجية محددة؛ غير أن القلب، في التجربة الإنسانية، ارتبط بمجموعة من المعاني الأوسع بكثير.
ومن هنا ينهض عرض مسرحية (ليس قلبي في صدري) للكاتب والمخرج المسرحي الكوردي ديرين حامد؛ ليقدمه - برفقة نخبة من الفنانين الأكاديميين – حيث لا يقف عند حدود الاحتفاء بالمنجز الطبي وتقدمه المذهل، بل يتجاوزه ليغوص في عمق الإشكاليات الفلسفية التي تفرزها تلك الثنائية المعقدة بين سلطة وكولونيالية العلم الحديث، والجوهر الأخلاقي والقيمي للإنسان..
للحكاية : بنية بسيطة تبدأ من مريض يحتاج إلى زراعة قلب. وتصبح العملية الجراحية أملًا في الحياة. وتقف العائلة بين الخوف والأمل. ويمنح الطبيب الطمأنينة بلغة العلم. ويبيّن كل شيء، في البداية كأنه عملية طبية، إلى أن يُطرح سؤال بسيط داخل هذه الحكاية، وهو سؤال أبناء المريض للطبيب، ويعد أحد المفاتيح الأساسية للعرض:
الابن| هل الرجل الذي سيستعيد وعيه بعد العملية سيظل هو أبي نفسه؟
الابنة| أنت ستضع قلب رجل أخر في صدر أبي، مع أن ذلك الرجل له زوجة! فهل سيحب أبي امرأة رجل آخر؟!
من منظور دراماتورجي، تتجاوز هذه الأسئلة حالة المرض لتدخل إلى جوهر سؤال الهوية. فالابن لا يسأل الطبيب: (هل ستنجح العملية؟)؛ بل يقول: (هل سيبقى أبي أبي؟). وبين السؤالين تظهر المفارقة والتحدي بين تقدم العلم والقيم الإنسانية.
يستطيع الطبيب أن يجيب عن السؤال الأول: العملية نجحت!، لكنه لا يستطيع أن يقدم جواب السؤال الثاني بسهولة داخل المستشفى. فهذا سؤال لا يظهر جوابه إلا من خلال العائلة والذاكرة والذات.
بعد العملية، يعود الأب إلى الحياة، لكنه يشعر بالاغتراب عن ماهيته. وهنا تنتقل الحكاية من جراحة الجسد إلى جراحة الذات. يسأل الرجل نفسه: ذلك القلب الذي ينبض في صدري، هو قلب من ؟ وإذا لم يكن قلبي، فما هو إذن؟
ويزداد هذا السؤال عمقًا بوجود الرجل الضيف؛ ذلك الشخص الذي يستمر قلبه في جسد الأب. وهنا يصبح الموت نفسه أمرًا معقدًا. لقد مات رجل، لكن جزءًا من جسده يستمر في جسد شخص آخر. وهكذا يُطرح سؤال إنساني قديم حول الموت واستمرار الوجود، ولكن في صورة علمية جديدة.
وفي سياق هذا العرض، يرتبط هذا الموضوع أيضًا باستدعاء فرانكنشتاين؛ ليس لكي يصبح الأب وحشًا (Monster) بل لكي تنتقل فكرة (إعادة تكوين الإنسان من قطع بديلة) من الخيال الأدبي إلى عالم الطب الحيوي.
بهذه الطرق تنتقل الحكاية من مستوى الحدث إلى مستوى السؤال. وهذه واحدة من نقاط القوة في نص العرض: الحدث ليس نهاية؛ بل يصبح الحدث بوابة إلى السؤال والتأمل.
ديرين حامد وهو من جيل الشباب المسرحي الكوردي الحالي، وقد برزت قدراته في مجالات الكتابة والدراماتورجيا والسينوغرافيا والإخراج، من خلال عدد من العروض المسرحية. من بينها: (هاملت) (2010)، (ملك على فراش الموت) (2011)، (انهيار الثلج) (2013)، (القلادة الممزقة) (2018)، (لا سرّ في الأرجاء) (2022)، (شعر الحرب وشراب السلام) و(المخزن رقم أربعة) (2024). غير أن تجربته الحالية، في رأيي، أكثر إثارة للاهتمام، ويظهر اختلافها على مستويين أساسيين، هما :
عالمية موضوعها؛ إذ تضع تطور التكنولوجيا الطبية والتحديات الأخلاقية التي تفرضها في سياق المجتمع الكوردي،
واختيار المسرح الملحمي (Epic Theatre) بوصفه شكلًا ومنهجًا لصياغة خطاب هذا العرض. فالمسرح الملحمي، كما أسسه برتولت بريشت، يسعى إلى نقل المتلقي من مستوى التعاطف البسيط والمألوف إلى مستوى التأمل والتفكير وطرح الأسئلة، وتحفيز المتلقي على تشغيل العقل واتخاذ موقف نقدي من القضية المطروحة.
(ليس قلبي في صدري) من إنتاج مركز تاڤ المسرحي، ويُعرض ضمن سلسلة العروض المسرحية التي يدعمها مؤسسة مظلة السليمانية الثقافية ، وبالتعاون مع معهد الفنون الجميلة في السليمانية ومؤسسة كوردسات الإعلامية. ويُقدَّم منذ 20 أيلول/سبتمبر 2026 على خشبة مسرح بديعة دارتاش في مدينة السليمانية عاصمة الثقافة في اقليم كوردستان – العراق.
هذه المسرحية عرض يتجاوز حدود المشاهدة التقليدية من خلال تقديم أطروحة بصرية وفكرية، يصل إلى تفكيك دقيق للأزمة التي استبدّت بالإنسان المعاصر وألقته أمام مفارقة وجودية.
من هذا المنظور، يضع عنوان العرض نفسه، في جوهره، سؤالًا أنطولوجيًا؛ فـ(ليس قلبي في صدري) ليس مجرد تعبير عن حالة رجل يشعر، بعد عملية زرع القلب، باغتراب عضو جديد داخل جسده؛ بل هو تعبير عن حالة إنسان يشعر بوجود شيء آخر داخل جسده، ذلك (الآخر) الذي يبدأ من مستوى الجسد، لكنه يتجه نحو نواة (الذات).
وهذا ما يجعل العرض يتجاوز حدود حكاية (المريض والطبيب)، ويضعها ضمن خطاب أكثر شمولًا: عندما يبدأ العلم في تغيير ما كان يُعدّ سابقًا طبيعيًا وثابتًا، فمن الذي يقرر حدود هذا التدخل؟ العلم؟ القانون؟ الدين؟ الأخلاق؟ المجتمع؟ أم الإنسان نفسه؟
ليس المقصود تجريم العلم أو رفض التقدم العلمي، بل المقصود هو طرح أشكالية أنطولوجية هامة تتلخص في ؛أنه عندما تصل القدرة العلمية إلى مستوى يسمح بالتدخل في الأعضاء الداخلية للجسد وفي تكوين الإنسان، فإن سلطة العلم تتجاوز مستوى العلاج لتصل إلى منصة إعادة تعريف الإنسان.
تقف مسرحية (ليس قلبي في صدري) على حدّ هذا النصل ذي الحدين؛ إذ تضع العلم في مواجهة السؤال الأخلاقي والقيم الإنسانية. ففي نص العرض، تنجح العملية الجراحية على المستوى الطبي؛ إذ تستعيد الحياة، لكن الأزمة تبدأ في مكان آخر. فما جرى إنقاذه ليس سوى الجسد؛ أما الإنسان ذاته فما يزال عالقًا في قلب السؤال!
هذه الازدواجية بين النجاح الطبي والتناقض الأنطولوجي يشكل الأساس الدراماتورجي للعرض. يستطيع الطبيب أن يضع قلبًا جديدًا في صدر رجل، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن ذلك الرجل، سيظل الرجل نفسه بعد العملية، على مستوى الذاكرة والعلاقات والانتماء العائلي.
إن ديرين حامد في هذا العمل ككاتب ومخرج؛ يحاول أن يقدم خطابًا متكاملًا، على مستوى الشكل والمنهج، بين الفكرة وطريقة تقديمها. ولهذا الغرض يختار بذكاء، منهج المسرح الملحمي ـ Epic Theatre لدى برتولت بريشت (Bertolt Brecht).
في مجمل أعمال ديرين التي سبق لي أن شاهدتها، ظلّت تجربته في الكتابة والدراماتورجيا والإخراج تتصاعد باستمرار وتتغير. غير أن هذه التجربة الحالية تلتقي مع موضوع يحتاج، بطبيعته، إلى تغيير لغة العرض وشكله. ومن هنا ندرك أن اختيار المسرح الملحمي لم يكن اختيارًا تقنيًا بسيطًا.
فهو لم يُستدعَ بوصفه نموذجًا جاهزًا لتعليق العرض عليه؛ بل جرت محاولة الانتقال من المضمون إلى تشكيل العرض، وتقديم جوهر السؤال الفكري من خلاله، ولا سيما أن جوهر الموضوع يتعلق بتغيير الجسد وكسر وسردية الذات و وحدته؛ لذلك كان من الضروري أن يكسر شكل العرض نفسه سردية المشاهدة.
ويظهر ذلك بوضوح في العلاقة بين الكتابة والإخراج. يبدأ ديرين موضوعه بحكاية عائلية، لكنه لا يسمح للحكاية بأن تبقى ضمن حدود العائلة وحدها. فكسر الجدار الرابع واستخدام التعليق المباشر، والغناء الجماعي، والراب، يخرج الحكاية الفردية من حدودها الدرامية التقليدية ويضعها ضمن السؤال الإنساني العام.
لكن من الضروري هنا التأكيد على أن العرض الملحمي لا يعني فقط كسر الجدار الرابع. فإذا خاطب الممثل الجمهور مباشرة وتحدث إليه، فليس ذلك، بحد ذاته، دليلًا على ملحمية العرض. إن الملحمية تتشكل ضمن منظومة تنشئ علاقة نقدية بين المتلقي ومشاعره؛ أي أن يكون قادرًا، في اللحظة نفسها، على أن يكون داخل الحدث وأن يراقبه من خارجه.
في (ليس قلبي في صدري) تتجسد هاتان المستويان في جسد الممثل، والإضاءة، والغناء، والتعليق، والاتصال المباشر. فالعرض، في بعض اللحظات، يُدخل المتلقي في حالة من التماهي العاطفي مع سردية الحدث، ثم يكسر تلك العلاقة من خلال تجميد الحركة، وإيقاف المشهد، وتغيير الإيقاع، والغناء، أو الحديث المباشر مع الحاضرين في القاعة، فيعيد المتلقي إلى حالة التفكير.
وهذا هو جوهر الهدف؛ لأن العرض يريد في النهاية، أن يسأل المتفرج نفسه: (لو أنا في مكان ذلك الرجل، فما القرار الذي كنت سأتخذه؟)، بل أعمق من ذلك: (إذا استطاع العلم أن يغير جسدي، فما الذي سيبقى لي من ذاتي وكينونتي؟)
في المسرح الملحمي، تكون علاقة الممثل بالشخصية، في جوهرها، علاقة مختلفة. فلا ينبغي للممثل أن يضيع تمامًا داخل الشخصية وأن يذوب فيها؛ بل ينشئ مسافة واعية بينه وبينها. وتظهر هذه المسافة والابتعاد، على نحو خاص، في مفهومي التغريب (Verfremdungseffekt) والغستوس (Gestus).
في هذا النوع من الأداء، لا تُرفض العاطفة بالكامل، بل توضع العاطفة داخل العرض تحت سيطرة التفكير. فالممثل لا يرفض تعاطف المتلقي، لكنه، في الوقت نفسه، لا يريد أن تسيطر عليه الفرضية الدرامية الأرسطية وأن تفصله عن وعيه. وبهذا تصبح جسد الممثل وصوته أداتين لإظهار الظروف والحالات، وليس فقط لإنتاج التوازن النفسي للشخصية.
إن التغريب في المسرح الملحمي ليس مسافة لألغاء إحساس المتفرج؛ بل هو مسافة لتنشيط وعيه النقدي. وفي (ليس قلبي في صدري) تُقرأ هذه الخاصية بوضوح في أداء الفنان بيشرو حسين. فأداؤه لا يقتصر على القدرة على خلق الحالة النفسية للشخصية، بل يصبح الجسد والصوت والوقوف وأيماءة الممثل جزءًا من خطاب العرض. بمعنى أن الغستوس (Gestus) يكتسب معناه على مستوى الفعل: فتصرف الممثل وسلوكه لا يظهران فقط بوصفهما تجسيدًا للأبعاد المألوفة للشخصية، بل يكشفان العلاقة بين الشخصية والنظام المحيط بها.
ولهذا يحمل بيشرو، في دور الأب، مهمة ثقيلة جدًا. فعليه أن يستوعب، في الوقت نفسه، عدة حالات: مريض يخاف من الموت، وأبًا تهمه علاقته العائلية، ورجلًا يشعر بالتغير بعد العملية، وفردًا يسأل نفسه: هل ما يزال الشخص نفسه الذي كان من قبل؟
وعندما يصبح الشكل جزءًا من فهم الممثل وتفكيره، يتحول كل عضو من الجسد والصوت والحركة إلى لغة وأداة للتوصيل.
لذلك أجد نفسي مشدودًا إلى هذا الأداء المسرحي الناجح. فهو يكتب حالة الشخصية بجسده. ووقوفه، وتعبيرات وجهه، وطريقة جلوسه وحركته واتجاه جسده نحو الشخصيات الأخرى، وتغيير إيقاع صوته، كلها تنساب معًا في تشغيل تلك العملية التي يسميها بريشت (Gestus) أو ما يُعرف بـ الإيماءة الاجتماعية أو السلوك التجسيدي، وهو أحد أهم ركائز المسرح الملحمي عند برتولت بريشت (Bertolt Brecht).
ومفهوم أساسي يعبّر عن ارتباط الجسد والوجود الفيزيائي للأشخاص بموقعهم ووضعهم الاجتماعي.
وعند بيشرو يتجلى الغستوس بصورة خاصة في اللحظات التي تنقسم فيها الشخصية بين حالة ما قبل العملية وحالة ما بعدها. فهو يقترب أحيانًا من الدور، ويسمح للمتلقي بأن يشعر باحساس الشخصية وحالتها النفسية، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يبقي المتفرج على مسافة أكبر وأن يقول له: إنه مجرد ممثل على خشبة المسرح يعرض شخصيته.
وبذلك، وفي اللحظات الضرورية، يصبح تأثير إيقاف ذلك التماهي أقوى، وكسر الجدار الرابع، يعمل على توليد فعل التغريب (Verfremdung).
أما الفنان الموهوب (سربست أحمد)، في دور الرجل الضيف، فينبغي أن نقول إن شخصيته خاصة؛ وطراز أداءه مميز لأنه ، في المستوى الأول، هو صاحب القلب الذي يستمر في جسد الأب، وفي المستوى الثاني يصبح (الآخر)؛ ذلك الشخص الذي يواصل وجوده خارج جسده.
يتعامل سربست بدقة مع لحظات التعلق العاطفي والوجداني. فهو قادر على تقريب المتلقي من الشخصية للحظة، لكن ذلك الاقتراب لا يهدف إلى تعميق حالة التماهي النفسي، لأن المخرج يكسر ذلك التعلق في لحظة محددة من خلال عملية التجميد وإيقاف المشهد، وتغيير اتجاه الحوار، والتحدث مع المتفرج، وتغيير الإيقاع، والخروج من داخل الحدث. وكل هذه التأثيرات تأتي من أجل ألا يصبح المتفرج متماهيًا نفسيًا وعاطفيًا مع الممثل في تجسيده الواقعي للشخصية.
سربست أحمد، بوصفه فنانًا أكاديميًا ذو خبرة طويلة في المسرح، يعمل هنا على مستويين في آن واحد: يصنع تأثيرًا عاطفيًا، ثم يكسر التأثير نفسه. ففي لحظة يخلق الشخصية، وفي لحظة أخرى يصبح مفسرًا لذات هذه الشخصية.
وترتبط هذه العملية ارتباطًا عميقًا بمضمون العرض؛ لأن ذات الشخصية نفسها معلقة بين الوجود والعدم. إنه ميت، لكن قلبه حي؛ إنه لم يعد موجودًا، لكن نبض قلبه يُسمع داخل جسد شخص آخر. لذلك ينبغي لأدائه أن يجسد هذه المفارقة، وهو أمر يحتاج، من الناحية الفنية، إلى ممثل محترف ومتمكن.
أما سونيا آوات، وهي من الممثلات الناجحات في هذا العرض، تقدم في دور الطبيبة، نوعًا مختلفًا من الأداء. فمهمتها أداء يقترب بدرجة أقل من منطقة الشعور والوعي والعاطفة، ويجسد بدرجة أكبر مستوى السلطة وموقعها؛ لأن شخصية الطبيبة في العرض ليست ممثلة لفرد عادي، بل ممثلة لتلك المؤسسة العلمية المتقدمة التي تشكل أحد قطبي معادلة المشكلة والتحدي.
ويصبح ذلك جزءًا من معنى الشخصية في طريقة وقوف سونيا وحركتها وصوتها. إنها تستخدم جسدها بدقة هندسية؛ حركاتها محددة، وصوتها أكثر تحكمًا، وحواراتها تقدم بنوع من الثقة المهنية.
يقترب هذا النوع من الأداء من مستوى آلي، لكن لا ينبغي قراءة ذلك بمعنى أن الطبيبة ليست إنسانًا. على العكس، إنه أسلوب وشكل لإظهار الاختلاف بين عالم العلم وعالم الشعور والوعي، وهو ما يطبق مفهوم (Gestus) بأفضل صورة.
الطبيبة تنقذ حياة الأب. وعلى المستوى الطبي، هذا فعل إيجابي. لكن العرض لا يرى هذا النجاح نهاية للسؤال. فما لا يراه الطبيب تراه العائلة؛ وما يقيسه الطبيب بالأرقام والنتائج الطبية، تقيسه العائلة بالذاكرة والعاطفة والعلاقات الاجتماعية والإنسانية.
ويتصادم هذان العالمان في جسد سونيا وفي الشخصيات الأخرى أيضًا. تتحرك سونيا وتتحدث بنوع من البرودة الميكانيكية، لا لكي ينفر منها المتفرج، بل لكي يدرك أن هذا الصوت هو صوت نظام يرى الجسد في صورته الطبية.
أما الممثلة كولي حسن - في دور الزوجة، فتعمل هي الأخرى داخل منطقة نفسية شديدة التعقيد. فمشكلة الزوجة ليست أن زوجها قد مات؛ بل مشكلتها أن زوجها حي، لكنها لا تستطيع أن تعرف على نحو كامل ما إذا كان هو ذلك الإنسان نفسه أم لا.
وهذا الوضع يولد أزمة نفسية خاصة. وتجسد كولي هذه الأزمة بانقسام نفسي: فمن جهة تريد المرأة أن تصدق أن ذلك الرجل ما يزال زوجها، ومن جهة أخرى تواجه علامات الاغتراب.
إنها تبحث عن صوت زوجها وسلوكه وذكرياته، بوصفها امرأة ترتبط هويتها بالعلاقة التي تجمعها به.
هنا يصبح الأداء فنًا لـ(عدم اليقين): بماذا يُعرف الحب؟ بالجسد؟ بالذاكرة؟ بالصوت؟ بالسلوك؟ أم بالتاريخ المشترك؟ إن أداء كولي حسن يوقد كل هذه الأسئلة.
أما الممثلان الشابان شادي نجم الدين في دور الابنة وكامو برزان في دور الابن، فيجسدان مستويين آخرين من هذه الأزمة. إنهما ليسا مجرد أبني لأب، بل شاهدان على تغير ذلك الأب تحت تأثير التقدم العلمي في عصرنا وأنعكاساته السلبية.
بالنسبة إلى الشابين، الأب ليس مجرد شخص يعيش معهما؛ بل هو جزء من العاطفة والحب، وذاكرة الطفولة، والأمان، والعلاقة، وبنية الأسرة. لذلك، عندما يتغير الأب بعد عملية زرع القلب، فإنهما لا يواجهان مجرد مريض متغير؛ بل يواجهان تغيرا" في صورتهما الذاتية أمام مرآة الحياة والأسرة والمجتمع.
تجسد شادي، في دور الابنة، ذلك التغير بإحساس شديد الوضوح. ثمة فراغ بين الأب الذي كان والأب الذي أصبح، وتكشف شادي، من خلال الأداء، آثار ذلك الفراغ بكل أبعاده.
أما كامو، فيكشف جوانب الأزمة نفسها بطريقة أخرى. فالابن يسأل كثيرًا، لكن سؤاله في جوهره سؤال التعرف إلى الأب. إنه يريد أن يعرف: هل الرجل الذي يقف أمامه هو الشخص نفسه الذي يسكن ذاكرته أم لا؟!
ولكلا الممثلين تأثير واضح أيضًا في الحفاظ على إيقاع العرض. فحركتهما ودخولهما وخروجهما وتحريك أجسادهما يجعل إيقاع العرض أكثر حيوية. وبمعنى دراماتورجي، يتحولان إلى (دينامو لتغيير الصور)؛ فجسدهما ليس فقط لأداء الشخصية، بل هو جزء من آلية تغيير الفضاء والصورة.
وهنا ينبغي أن نقول إن المستوى الناجح للأداء في هذا العرض يجسد حقيقة أن ذلك الانسجام الذي نراه في شكل الأداء وفي ابداع الممثلين يمثل جزءًا مهمًا من عمل المخرج ديرين حامد.
حيث لم يعمل ديرين مع الممثل في هذا العرض على سؤال (ماذا تقول؟) فحسب؛ بل عمل أيضًا على: (كيف تقولها؟ أين تقولها؟ كيف تقف؟ متى تتحرك؟ متى تتوقف؟ متى تخرج من الشخصية؟ ومتى تعود إليها؟)وهذا أمر أساسي في الشكل الملحمي؛ لأن الممثل لا ينبغي أن يكون مجرد جسد للشخصية، بل ينبغي أن يكون أيضًا جسد الفكرة.
ويربط ديرين حامد هذا المستوى من العمل مع الممثلين بمنظومة السينوغرافيا والإضاءة والموسيقى. فالممثل لا يعمل داخل فضاء صامت؛ بل لكل حركة يقوم بها احتكاك بالمادة والمفردات الموجودة على الخشبة، وبالإضاءة والصوت والإيقاع.
في (ليس قلبي في صدري)، لا تمثل السينوغرافيا مجرد تنظيم للمكان. فالفضاء نفسه يصبح جزءًا من البنية الدراماتورجية للعرض. السلالم الحديدية، والقواعد الإسمنتية المغطاة بستائر من النايلون، وشاشات الفيديو وول، واللافتات، والإضاءة، والأزياء، والموسيقى، والجسد نفسه لدى الممثلين، تجتمع كلها في منظومة دلالية منتظمة.
تخلق هذه المنظومة السينوغرافية، من جهة، صورة لعالم صناعي وتكنولوجي، ومن جهة أخرى، تجسد للمتفرج إحساسًا بالبرودة والجفاف في عالم اصطناعي. وهذا التفكير والتشكيل الثنائي لافت ومهم: التكنولوجيا تستطيع أن تحافظ على الحياة، لكنها في الوقت نفسه تخلق فضاءً جديدًا وغريبًا!
تنتقل الدعامات الحديدية في هذه السينوغرافيا من مستوى الشيء إلى مستوى العلامة. فمن الناحية السيميولوجية، تنبع صلتها بالعلم من المكان الذي تبرز فيه برودة الحديد وصلابته وهندسيته العارية، فتخلق اختلافًا ماديًا مع جسد الإنسان الحي. فالجسد دافئ، ومتغير، ويتألم ويشعر؛ أما الحديد فبارد وصلب ومنظم وفق القياس والهندسة.
ومن جهة أخرى، هناك بعد آخر يشير إلى الحضارة والبناء. فالسلم أداة للارتقاء. ومن خلاله يستطيع الإنسان أن ينظر من مستوى أعلى وأكثر ارتفاعًا. وبهذا المعنى، يصبح السلالم في هذا العرض استعارة للتقدم الحضاري.
لكن في الوقت نفسه يخلق سؤالًا داخل الصورة: هل كل ارتفاع هو تقدم؟ وهل عندما يرتفع الإنسان فوق الطبيعة يصبح أقرب إلى ذاته؟
وهذا السؤال يحول السلم والقواعد الإسمنتية في خلفية فضاء العرض من مواد بنائية إلى إشارة أنطولوجية.
أما النايلون والبلاستك، فيخلقان مع الحديد نوعًا آخر من الإحساس. فإذا كان الحديد علامة على صلابة وبرودة العالم الصناعي، فإن البلاستيك والنايلون يخلقان إحساسًا بالاصطناع!
تخلق هذه المواد نوعًا من الشفافية الزائفة. فالمتفرج، على سبيل المثال، يستطيع أن يرى بعض الأشياء، لكنه لا يستطيع أبدًا أن يتأكد بصورة كاملة من تفاصيلها. وهذا يتوازى، بطريقة ما، مع حالة الأب؛ فجسده أمام أعين المتفرجين، لكن شعوره ووعيه ومكنونه بعيدة المنال وغير واضحة تمامًا.
وهكذا تنشئ الستائر البلاستكية والنايلون علاقة سيميولوجية مع مفهوم الجسد المعدّل: شيء أُخذ من الطبيعة، لكنه أعيد تكوينه داخل فضاء اصطناعي.
ومن جهة أخرى، يتمثل أحد الأوجه المتقدمة في بنية السينوغرافيا في هذا العرض في استخدام شاشات الفيديو وول، التي تخلق عالمًا ثانيًا داخل عالم العرض؛ عالم الصورة والتسجيل والمعلومة المرئية. وهذا يرتبط ارتباطًا عميقًا بمضمون العرض، لأن إنسان عصر التكنولوجيا لا يعيش فقط في عالم الجسد، بل يعيش أيضًا في عالم الصورة والبيانات والتسجيل وعرض الذات.
تعيد الشاشة الجسد، لكنها في الوقت نفسه تكشف الاختلاف بين الجسد وصورة الجسد. ويمكن لهذا الأمر، في الشكل الملحمي، أن ينتج تأثيرًا خاصًا، لأن صورة الجسد تستطيع أن تقرأ الجسد الحقيقي من مسافة أبعد ولكن أدق بالنسبة إلى المتلقي.
وكذلك فإن الافتات والكلمات المكتوبة في الفضاء المسرحي يغيران علاقة المتلقي بالعرض. فلم يعد المتلقي يكتفي بالمشاهدة، بل أصبح يقرأ أيضًا. وفي المسرح الملحمي، يمثل هذا التغيير في الفعل أمرًا مهمًا، لأن المتلقي ينبغي أن يكون في الوقت نفسه متفرجًا وقارئًا ومفكرًا.
الإضاءة في هذا العرض واحدة من أقوى أدوات إنتاج المعنى. وإلى جانب أبعادها ووظائفها الجمالية والدرامية، تؤدي دورًا مهمًا في تفكيك المعنى والتعبير الدلالي والسيميولوجي. فعلى سبيل المثال، إذا تأملنا في اللحظة التي تلي إجراء العملية الجراحية، نلاحظ كيف تجعل إضاءة قوية وجه الأب ـ بيشرو حسين داخل منطقتين لونيتين متناقضتين ومختلفتين: الأزرق والأصفر، البارد والدافئ. ويمكن قراءة هذا التقسيم الضوئي بوصفه صورة خارجية للأزمة الداخلية للشخصية. فوجه الإنسان، بطبيعته، واحد، لكن الإضاءة تكسر ذلك الاتحاد وتحوله إلى منطقتين.
حيث الأزرق في هذا السياق أن يحمل إحساس البرودة والمسافة والوعي الطبي والعالم التقني؛ في حين اللون الأصفر، في المقابل، يمثل منطقة الدفء والذاكرة والحياة العائلية والإحساس الإنساني. غير أن دلالات الألوان ليست ثابتة؛ بل تتشكل معانيها من خلال علاقتها بسياق المشهد.
والمهم هو التناقض نفسه. فجسد الأب داخل الضوء يتحول إلى صورة مؤلفة من جزأين. وهذا هو نفس الصراع الداخلي الموجود في الحكاية: الجسد واحد، لكن الذات في داخله منقسمة على نفسها.
هنا تصبح الإضاءة قصيدة صامتة؛ فما لا تستطيع الشخصية أن تقوله كاملًا عبر الحوار، تجسده الإضاءة.
كما أن استخدام الإضاءة داخل القاعة في لحظات الحوار والاتصال المباشر يمثل جزءًا من منظومة كسر الجدار الرابع. لكن تأثيرها يتجاوز ذلك.
فعندما يصل الضوء إلى أماكن جلوس المتفرجين، ينكسر جزء من ذلك الخط الحسي الذي رسمه المتفرج خلف ظلام القاعة. ولم يعد المتلقي مجرد متفرج سلبي؛ بل يشعر بوجوده هو نفسه داخل فضاء العرض.
وهذا أمر مهم في الشكل الملحمي، لأن العلاقة بين العرض والمتلقي ينبغي أن تكون واضحة. فعندما يتوجه الممثل نحو القاعة، يضطر المتفرج إلى إدراك أنه هو نفسه جزء من حالة المشاهدة.
وبهذه الطريقة، تصنع الإضاءة داخل القاعة نوعًا من (سياسة الرؤية)؛ أي إنها تحدد من يُرى، ومن يرى، ومن يصبح جزءًا من فضاء العرض.
وثمة عنصران آخران من عناصر السينوغرافيا في العرض تتمثل في الإكسسوار والملابس، وهما ليسا مجرد متطلبات بصرية. ففي هذه المسرحية التي يقوم مضمونها على أزمة الهوية، تصبح الملابس نفسها جزءًا من السؤال الأنطولوجي: من أنا؟!
لأن تغيير الملابس يمكن أن يشير إلى تغير موقع الشخصية وحالتها. وعندما يغير الممثل ملابسه، يشعر المتلقي بتغير مستوى آخر من وجود الشخصية.
وفي الشكل الملحمي، تستطيع الازياء أن تقدم في لحظة قصيرة قدرًا كبيرًا من المعلومات: من هي الشخصية؟ أين هي؟ ماذا تغير؟ وفي أي موقع توجد الآن؟
وبهذا المعنى، لا ينفصل الممثل والزي هنا عن بعضهما. فالممثل يصبح عنصرًا سينوغرافيًا، والزي يصبح جزءًا من الأداء.
الموسيقى والغناء في هذا العرض لم تُستخدم لمجرد خلق الجو والمناخ. فقصائد الشاعر (طلعت طاهر) وألحان (أركان عبد القادر) في صناعة الأغاني الجماعية تصبح جزءًا من اللغة العامة للعرض:
نحن مثل حصان هائج نركض نحو الحياة
ومن يتوقف لحظة ليستريح
سوف يموت تحت الحوافر
إنسان هذا العصر… يستحيل عليه النجاة ..
في المسرح الملحمي، يستطيع الغناء ألا يواصل الحدث، بل أن يوقف الحدث ويبتعد عنه. وهذه نقطة مهمة. فالغناء يستطيع أن يعيد المتلقي من الذوبان في الشعور والوعي إلى مستوى التفكير: كان ينبغي أن نعيش مرتين فمرة واحدة لا تكفينا حتى حين تشعر أنك تعلمت تكون قد غادرت هذا العالم إنسان هذا العصر… يصعب عليه النجاة
كما أن الغناء الجماعي يحول صوت الفرد إلى صوت الجماعة. وهذا ذو أهمية في مضمون العرض؛ لأن أزمة (الأب)، في النهاية، لا تبقى أزمة فرد، بل تصبح سؤال المجتمع.
ويصبح الصوت هنا (نصًا ثانيًا). فما يقوله الحوار بالكلمات، تطرحه الموسيقى بالصوت والإيقاع والصمت بين النغمات.
من خصائص هذا العمل أن الكتابة والإخراج أُنجزا من قبل شخص واحد، الأمر الذي أصبح عاملًا قويًا في وحدة العرض ووضوح شكله ورسالته.
تبدأ الرسالة من النص وتستمر في الفضاء والأداء والإضاءة والموسيقى. وهذا يعني أن العرض ليس مجرد (نص مكتوب)، بل هو نص أكبر، يجمع مجموع العناصر التي تشكل بنيته. النص المكتوب يقول: (من أنا؟) الجسد يقول: (لقد تغيرت.)
السينوغرافيا تقول: (أنت تعيش في عالم اصطناعي.)
الإضاءة تقول: (لقد أصبحت منقسمًا إلى جزأين داخل ذاتك.)
الطبيب يقول: (لقد أُنقذ جسدك.)
العائلة تقول: (لكن هل ما زلت الشخص نفسه؟)
الغناء يقول: (هذا السؤال ليس سؤالك وحدك، بل هو سؤالنا جميعًا.)
وفي النهاية، ينبغي للمتلقي أن يسأل: (لو كنت في مكانه، فما الذي سيكون جوابي؟)
إن مجموع هذه الأسئلة ينقل العرض من مستوى الحكاية إلى مستوى الخطاب. ولا شك في أن الدور الكبير والأساسي ل(ديرين حامد) يبرز هنا، في صياغة خطاب مسرحي متماسك وتجسيده، من خلال عرض كوردي بمنهج المسرح الملحمي وعلى مستوى فني رفيع.
في المرحلة الراهنة من الحركة المسرحية الكوردية، لا تكمن أهمية هذا العمل في موضوعه فحسب، بل في تلك المحاولة الجادة التي يسعى من خلالها المسرح الكردي إلى التحاور مع أسئلة عصره.
المسرح الكردي، شأنه شأن أي مسرح آخر، كان عبر تاريخه الممتد لأكثر من قرن، متحاورًا وداعمًا للقضايا السياسية والاجتماعية والقومية. ولا شك أن هذه المجالات ما تزال مهمة، ولا ينبغي تغييبها، غير أن عالم اليوم جاء بمجموعة من الأسئلة الجديدة: التكنولوجيا الحيوية، والتعديل الجسدي، والبيئة، والحياة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وثورة المعلومات، ومستقبل الإنسان.
لذلك يحتاج المسرح الكوردي إلى أن يعيد صياغة هويته الثقافية بلغة جديدة تستطيع أن تتسلل إلى الأسئلة والحورات العالمية المعاصرة. ومن هذا المنظور يمكن القول إن (ليس قلبي في صدري) يمثل نموذجًا ناجحًا للثقة بالذات، في ما يتعلق بقدرة حكاية كوردية محلية على اختيار سؤال عالمي وتقديمه بمنهج علمي وفني رفيع. وهنا أود أن نتوقف قليلًا عند هذه النقطة.
تُعرض الحكاية في السليمانية، وتُقدم باللغة الكوردية، وتقف عائلة كوردية في مركز الحدث، وعلاقات أفراد الأسرة مرتبطة بمستواها الثقافي المحلي. لكن القلب والجسد والموت والهوية لا تعرف أي حدود جغرافية.
ما يفعله هذا العرض هو أنه يثبت سؤالًا عالميًا داخل تجربة المجتمع الكوردي. وهذه العملية ذات طبيعة دراماتورجية؛ لأن الموضوع يصبح عالميًا عندما يستطيع، داخل خصوصيته، أن يولد سؤالًا إنسانيًا مشتركًا.
في هذا العرض يصبح (قلب الأب) جوهر السؤال وقلبه. فما يحدث داخل صدر رجل واحد يصل إلى حدود ما يحدث في قلب العالم المعاصر: ففي الوقت الذي يمتلك فيه الإنسان قدرة متزايدة على التقدم، بل وحتى على تغيير أعضاء جسده كما يغير قطع الغيار في أي جهاز مصنوع، فإنه لا يزال عالقًا في محاولة حسم هويته الإنسانية.
في نهاية العرض، ومن خلال الحديث عن المستقبل وتغيير الدماغ والعمليات الجراحية الجديدة، ينتقل السؤال من القلب إلى الدماغ.حيث تشير الطبيبة في أخر حوار لها وللمسرحية بأن العملية الجراحية القادمة ستكون لزرع الدماغ! وهذا يحمل في ذاته معنى مهمًا. فإذا كان السؤال في البداية قد انطلق من الجسد والقلب، فإنه في النهاية يصل إلى الدماغ؛ أي إنه ينتقل من (العضو) إلى (الوعي).مما يدعو المتلقي للتفكير عميقا وهو يخرج من صالة العرض ليجيب على اسئلة أنية في حياته المعاصرة للتقدم التكنولوجي الحديث. وفي الختام امل ان تعرض مثل هذه المسرحيات الكوردية في المهرجانات المسرحية العراقية والعربية وفي المنطقة ككل لكي يأخذ الفان المسرحي الكوردي وخصوصا الشباب منهم فرصة عرض رؤاهم الكونية و أعمالهم الأبداعية خارج الأقليم.









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق