مجلة الفنون المسرحية
أدب "توفيق الحكيم" بين الفكرة والحدث.
محمود محمد القليني
المقدمة .
يُحمد للكاتب والأديب والمفكر الكبير ( توفيق الحكيم ) –رحمه الله – أن عكف متأملا مفكرا كاتبا مبدعا ومهتما بتلك المساحة القلقة والحرجة والمتوترة في الفكر والوجدان العربي ، تلك المساحة أو المنطقة التي استنفدت الوقت الطويل والجهد المضني لمحاولة تنظيرها أو تقعيدها أو تحديدها أو وضع ضوابط وأحكام من شأنها أن تحدد وتوضح – كأي شيء متعلق بحياة ومصير الأمم والشعوب – الحقوق والواجبات ،حقوق واجبات كل من الحاكم والمحكوم ، تلك المنطقة تُركتْ فترة طويلة للاجتهادات الفردية ، وتركت فترة طويلة من الزمن للحاكم نفسه والمحيطين به ، ومن الطبيعي أن يقرر ما يخص حقوقه ويعمل على توسيع نطاقها وكذلك التضخيم من صلاحياته كحاكم ، وفي نفس الوقت يعمل ما من شأنه التحجيم والتقليل من حقوق المحكومين .
وتعددتْ الأساليب والطرق والسياسات التي يتخذها ويرتضيها ويتبناها الحاكمُ في الكيفية التي بها يسوس شعبه أو رعيته ، منها ما يحقق مصلحته كحاكم بغض النظر عن أي اعتبار آخر ، ومنها ما يحقق مصلحة المحكومين .أو يحقق مصلحة الاثنين معا .
وقلنا إنها مساحة أو منطقة حرجة وقلقة وخطيرة ؛ وهذا راجع إلى أن المجتمع أو الأمة منحت وأعطت من أسباب وسبل القوة و الصلاحيات والتفويضات لحاكمها الكثير والكثير بدون ضابط أو تحديد ، بحجة أنه هو – وحده – من يملك أن يقودها إلى سبل السلام وبر الأمان ، لذلك أقره المجتمع واعترف له وبارك ما في يديه من السلطة والقوة ، لذلك صار هو الرجل الأول ، هو السيد الذي يأمر فيطاع بدون مناقشة أو تعقيب ، وصار الوضع الطبيعي إلا يكون ثمة رقيب عليه وعلى طريقة حكمة ونوعية سياسته ، ولا معقب على ما يصدر من قرارات أو يشرع من قوانين ، ونتج عن هذا غياب أو تغييب كل ما من شأنه أن يقلص من تلك الصلاحيات او يحد من هذا النفوذ أو يقلل من اندفاع السلطة في يده ، وأصبح السلطان / الحاكم يرمز إلى القوة الباطشة ، والسيادة الغاشمة ، فمن أول واجباته أن يحمي نفسه أولا من الأخطار التي تهدد حكمه سواء كانت داخل البلاد أو خارجها ، وأن يحمي شعبه وأمته من الأخطار التي تعرض سلامته للخطر سواء في الداخل او الخارج ، وتلك الحماية بشقيها تحتاج أول ما تحتاج إلى القوة . وبتقدم المجتمعات الإنسانية وتطورها وارتفاع مستوى الوعي وانتشار وذيوع حركات التحرر في كل مكان والتوسع في المطالبة بحقوق الشعوب ، وحماس الفلاسفة والمفكرين في تأصيل هذه الحقوق ، ودفع وتحريض الشعوب لتنال حقوقها مستوفاة وما في الأديان السماوية من مبدأ أصيل في الدعوة إلى كرامة الإنسان ومن اول سمات تلك الكرامة الحرية ، والتنفير من صور عبودية الإنسان لأخيه الإنسان ظهرت فكرة القانون وبدأت ضعيفة واهنة في أول الأمر ثم قويت واستغلظت بمرور الوقت ، ونُبذت بل جُرمت كل صور وأنواع الحكم المطلق ، صار القانون والدستور – عند عدد من المجتمعات – مقدسا ، هو الحاكم الحقيقي ولا حاكم غيره ، وهو السيد الذي لا سيد دونه ، الجميع أمامه سواء وأولهم الحاكم نفسه الذي يستمد صلاحيته وقوته ونفوذه من القانون ،وايضا يستمد الحماية منه ، ؛ لأنه يحدد له – كحاكم – حقوقه وواجباته ، كما يحدد للمحكومين حقوقهم وواجباتهم بدون إفراط او تفريط لكل من الطرفين .
ولم يعد الأمر – هنا – الاختيار بين القوة والقانون ، فهذا الأمر صار بديهيا ، وليس في حاجة إلى جدال او مناقشة ، بل صار الأمرُ الاختيارَ بين القانون والقانون ، لأنه ظهرت ما يسمى بقوانين سيئة السمعة ، قوانين تُسن ودساتير تُشرع لتقوم بما كانت تقوم به القوة الغاشمة في السابق بل أعتى وأشد ، ولم تسن قوانين ودساتير جديدة ؟! فهناك هؤلاء الأبالسة والشياطين الذين يلوون أعنة القوانين ، الأبالسة والشياطين الذي يمتطون ظهور القوانين ويوجهونها لتخدم أغراضهم الدنيئة ، وتحقق مصالحهم المؤقتة والرخيصة ، هنا لا احد يستطيع أن يدينهم او يوجه لهم نقدا أو لوم ، فكل شيء يفعلونه بالقانون ، القانون الذي صار العوبة ، القانون المزيف ، القانون المزور بعدما تم العبث به والاعتداء على شرفه ، كما حدث في المسرحية ( السلطان الحائر ) .
لذلك لا يجب أن يكون ( القانون ) خدعة أو أكذوبة ، لأن القوانين – اليوم – سُخرت لتحقق ما كانت تحققه القوة في الماضي بل أكثر مما كانت تحققه ، فالذي يحكم بالقوة صادق مع نفسه وصادق مع الآخرين ، ومظهرة يطابق مخبره ، لا يوجد هنا مشكلة ، ولكن المشكلة في الذي يحكم بالقانون ، ويسخره في الاعتداء على حقوق وحرية الآخرين .
إذن نحن في مرحلة جديدة الصراع فيها بين القانون والقانون ، أو قل الصراع فيها بين القانون كمعنى ورمز وشيء مقدس يعلو ولا يُعلى عليه ، وبين القانون المطاوع المرن المهلل المملوء بالثقوب الخاضع الضعيف المهان الممزق الذي لا شرف له ولا كرامة . والصراع الحقيقي بين القانون والإنسان الذي يعادي ويكره وينفر من القانون .ويعمل جاهدا في تنفيذ ما يريده ويشتهيه وبالقانون !
توطئة .
"السلطان الحائر" درةٌ من درر الكاتب المصري العظيم ( توفيق الحكيم ) ، ولقد أجمع النقادُ والباحثون العربُ وغير العرب على عظمة وتفرد وتميز وعبقرية هذا الكاتب ، وشهدتْ كل أعماله المسرحية والقصصية والفكرية على هذه الحقيقة ، وشهد الزمنُ – كذلك – بذلك ، فما زالتْ أعمالُه الفنيةُ والفكريةُ يتردد صداها عبر المراحل التاريخية التي تلت مرحلة معاصرته لها ، وهو – بحق – أحد الكتاب والمفكرين الذين كان لهم الفضل في تشكيل وتكوين الفكر والوجدان العربي ناهيك عن المصري في العصر الحديث ، وهو ينضم إلى تلك الزمرة المباركة من مثقفي ومفكري مصر أمثال طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني ومحمد حسين هيكل إلخ ..
وحينما تقصد بحث نتاج المفكر والكاتب ( توفيق الحكيم ) تنتابك الحيرةُ، فكل عمل من أعماله يؤكد ويؤصل علو مكانته وارتفاع منزلته في مجال التأليف المسرحي ؛ فقد تُرجمتْ العديدُ من أعماله المسرحية إلى الكثير من اللغات الأجنبية ومُثلتْ على المسارح العالمية .
وقد اخترتُ من أعماله العظيمة مسرحية " السلطان الحائر " وهي تكشف بجلاء عن طريقته ونهجه في التأليف المسرحي ، وتجسد – المسرحية – مظاهر هذا الفن عنده ، وربما الظاهرة الرئيسة التي تسم أدبه هو (( الذهنية )) أو تسَّيد وهيمنة الفكرة على الحدث ، هو مفكر من الطراز الأول ، المحرك الأول والمقصد والمغزى من كتاباته المسرحية الفكرةُ، سمةٌ مميزةٌ وخصيصةٌ واضحةٌ من خصائص أدبه ، أساسُ العمل الفني هي الفكرةُ، ثم يأتي بعد ذلك من عناصر العمل الفني مثل الحدث والبناء والصراع والحوار بين شخصيات إلخ..
واعتبرها بعض النقاد والباحثين ميزة وتميزا ، وأعتبرها البعض الآخر عيبا وقصورا .
أما الصنف الأول فعللوا رأيهم أنه – الكاتب - يصيب هدفه ويحقق مقصده مباشرة لا يبدد جهده ولا يضيع وقته فيما لا جدوى منه ولا يشغل ولا يشاغل القارئ ، واهتمامه بالفكرة يبعد الترهل عن العمل ويجعل البناء قويا متماسكا وعناصره كلها متآزره يعضِّد بعضُها بعضا .
أما الصنف الثاني – من النقاد والباحثين – فقد اتهموا فنه المسرحي بتهمتين :
الأولى : أن أعماله جافة وجامدة وإن سرتْ الحياةُ والحيويةُ في أعضاء العمل الفني فهي حياةٌ بعيدةُ كل البعد عن الواقع أو حتى الإيهام بالواقع .
الثانية : أعماله المسرحية لا تصلح للتمثيل على المسرح ، وإن مثلت فهي تفتقد عناصر العرض المسرحي الناجح .
ولسنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ؛ لأن هدفنا البحث في أدب (توفيق الحكيم) وتحليل نموذج من نماذجه حينما تسيطر الفكرة أو يكون لها الأولوية من اهتمام الكاتب ، في تلك الحالة هل تخضع عناصر العمل الفني للفكرة وتصطبغ بصبغتها ، وتحد وتقيد من حريتها وانطلاقها في مسار الإبداع والابتكار؟
أم أن الفكرة قادرة أن تخلق مبدأ التعادل والتوازن والتناسب والتناغم بين عناصر العمل الفني ؟
وهذا البحث يشتبك ويتآزر ويتداخل فيه الجانب النظري مع الجانب التطبيقي ، فلا هو بالنظري الصرف ولا هو بالتطبيقي الخالص ، رائدُنا في ذلك المبدأُُ الذي أخذنا به أنفسنا منذ البداية وهو تحليل العمل الفني والكشف عن ظواهره ، وعن أثر الفكرة حينما تكون متسيدة عناصر العمل الفني ، فحينما يقتضي تنفيذ هذا المبدأ أن نسهب في الجانب النظري أسهبنا بدون إفراط أو تفريط ، وحينما يقتضي الأمر الجانب التطبيقي أخذنا من شواهد النص المسرحي ما يؤكد ويبرهن على نظرتنا التحليلية .
وجمال العمل المسرحي " السلطان الحائر " يقبل من التأويلات والتفسيرات الكثير والكثير ؛ لأنه يناقش الفكرية من حيث عموميتها وشمولها وعمقها وأصالتها ، في إطار من السخرية الراقية .
وأرجو أن يوفي هذا البحث حق العمل المسرحي " السلطان الحائر" من التحليل والبحث ما يتفق وجماله من حيث الإبداع والابتكار .
الفصل الأول
أدب "الحكيم " بين الفكرة والحدث .
أمران يجد الكاتبُ نفسه مشدودا نحوهما أثناء تجربته الإبداعية ، إما أن يخلص إخلاصا شديدا للفكرة ، فيأتي عمله الإبداعي متمحورا حولها ،مصطبغا بصبغتها ، وإما أن يخلص إخلاصا شديدا للحدث كما حدث في الواقع المعاش مع تعريضه للمقتضيات العمل الفني من تبديل وتحوير حتى لا يكون مجرد تسجيل جاف وجامد للواقع ...اتجاهان أو مساران واضحان تمام الوضوح للكتابة الإبداعية . ولكن الكاتب يعلم أن كلا الاتجاهين والالتزام الحرفي بهما قد يقودان أدبه إلى الضعف والوهن .
لذلك يلجأ صاحب الاتجاه أو المسار الأول أن يواري الفكرة أو يستبطنها عمله الأدبي ،أو يغطيها ببعض الأحداث الحيوية والواقعية ، ولكن تلك الحيل التي يلجأ إليها للتخفيف من جفاف العمل الأدبي لا تنجح في أن تخرج عمله الأدبي من نطاق الفكرة ؛ لأن المحرك الجوهري – لديه – لعملية الإبداع والكتابة هي الفكرة ، وكل دعامات العمل الأدبي – في الأساس- مبنية على الفكرة ،وهو في قرارة نفسه لديه قناعة في أن يؤثر ويفضل هذا الاتجاه عن غيره .
الفكرة هي المحرك الأول
و"الحكيم" من هذا الصنف ، المحرك له الأول هي ( الفكرة ) وجميع فروع العمل الأدبي منبثقة ومتفرعة عن هذا الجذر الذي يمد كل جوانب العمل بالغذاء ليمنحها نوعية الحياة والحركة ، ومع سيطرة وهيمنة ( الفكرة ) على أدب "الحكيم " ونظرا لعبقريته وتميزه وتفرده لم يأت أدبه جافا أو جامدا أو خاليا من حرارة الحياة وتدفقها ، استطاع أن يوازن ويعادل بين أن يكون جوهر أدبه الفكرة ، وفي نفس الوقت استطاع بكفاءة وجدارة أن يمنح الفكرة نوعا من حرارة وسخونة الحدث ، استطاع أن يلبس الفكرة ثوبا وشكلا وقواما ، ومع كل ذلك بقيت الفكرة هي المسيطرة والمهيمنة ، وصبغتْ العمل الأدبي بصبغتها ، وصنف النقاد أدب الحكيم أنه أدب الفكر ، وأن مسرحه مغرق في الذهنية . وبالغ بعضهم أن أغلب مسرحياته تُقرأ ولا تُمثل ؛ لأنها – بحكم تصنيفها – لا تشتمل على عناصر العرض المسرحي الناجح .
تحليل وليس تفسير.
ونحن هنا لا نصدر أحكاما جائرة على أدب الرجل العظيم ، ولا نقلل من تجربته الإبداعية المتميزة ، ولا نصادر مكانته الفنية الثرية ،وإنما نرصد ونحلل ونكتشف - بعض – وليس كل الظواهر التي تميز أدبه ، ونعلل وجود مثل تلك الظواهر وأثرها على نواحي وجوانب العمل الأدبي ، ونحن لا نقوم بتفسير عمله المسرحي ( السلطان الحائر ) ؛ فليس تلك مهمة الناقد أو دور الباحث ، فلا أحد يملك تفسير العمل الأدبي ، لأننا لو قمنا بذلك صادرنا الآراء الأخرى أو الأوجه الأخرى التي تدلي برأيها في العمل الادبي " يقول البعض إن التفسير (( يغلق )) العمل الفني ، في حين يكشف التحليل عن أقصى ما يشتمل عليه من إمكانيات ،والتحليل – إذا اختاره الباحث أو الناقد – لا ينبغي أن يسير في اتجاه واحد ، بل يجب أن يعتمد على هدة قراءات قد تكون هذه القراءات متوازية أو متداخلة ، أو متناقضة أحيانا ، لكنها في الأحوال كافة تبين آلاف القصص التي يمكن أن يرويها لنا النص الواحد وكثيرا من المكانات التي يستطيع المفسر أن يختار من بينها ما يلائمه " .
ولا يوجد ناقد أو باحث يدعي أن وجهة نظره أو رأيه هو الصواب والآراء الأخرى خطأ ؛ لأن عظمة النص الأدبي والعمل الفني في ثرائه وقبوله أن يكون له أكثر من رأي ووجهة نظر فكما يقولون أن النص الأدبي : (( حمَّال أوجه )) فقد يقبل الرأي ونقيضه ، وقد يخرج الناقد والباحث بأمور من النص لم يكن المؤلف يقصدها بالمرة تبعا لنظرية (( لا قصدية الأديب )) ، فأحيانا كثيرة نخرج بقضايا ومعاني ومقاصد لم يكن يقصدها الأديب ولم تجل بخاطره ، ولكن النص يشتمل عليها
فالظاهرة المسيطرة والمتسيدة هي الفكرة ، وتلك أثرت على طريقة وأسلوب رسم الشخصية والحوار وبناء المسرحية " لتوفيق الحكيم ولع معروف ببناء مسرحياته على أساس فكري مجرد لا يقترب كثيرا من واقع الحياة ، ولا يحفل بوقائعها بل تقوم (( الفكرة )) مقام ((الحدث )) وتسيطر سيطرة تكاد تكون تامة على رسم الشخصيات وإدارة الحوار وبناء المسرحية "
وهذا شيء منطقي أن العنصر الطاغي يجذب نحوه بقية العناصر ،ويصبغها بصبغته ويدفعها دفعا ويحدد مسارها واتجاهها ، ومن شان العمل الذي تكون الفكرة فيه هي المميزة له أن يرتكز ويعتمد على (( الثناية )) ليخلق نوعا من الثراء ، وليحدث بينهما صراعا ينهض بالعمل ككل ويدفعه إلى النمو والتطور في شكل تصاعدي مستمر ، " وهو في أغلب الأحيان يواجه في المسرحية الواحدة فكرة بأخرى ويخلق بينهما صراعا – في إطار تجريبي – ينتهي بانتصار إحداهما ، وقد عرف ذلك اللون من المسرحيات عند الدراسين والنقاد بالمسرح الذهني . لكن توفيق الحكيم حتى في أقرب مسرحياته صلة بالحياة ، لا يكاد يخلص من هذه النزعة الفكرية الغالبة ومن تلك الرغبة في لقاء الاضداد "
أسبقية الفكرة .
هنا لا تنبع الفكرة من العمل الأدبي ؛ لأن (( لا قصدية الأديب )) أحيانا تكون هي المحرك الأساسي لعملية الإبداع ، الكاتب كل همه أن يعبر عن تجربته الفنية ، يريد أن يخلق عملا أدبيا مكتملا بكل مقوماته الفنية ، من شخصيات وحوار وهدف وموضوع إلخ ..أما ما هي الفكرة الجوهرية لعمله ، فهي لا تتضح وضوحا كاملا إلا بعد انتهاء العمل ، لأن – هنا – عناصر كثيرة – غير الفكرة – هي التي ساعدتْ في تكوين وخلق واكتمال العمل الفني ، فالفكرة مجرد عنصر من العناصر ، لذلك فهي لا تتضح ولا تظهر إلا باكتمال العمل الفني وشأنها شأن غيرها من العناصر ، والذي يؤكد هذا قد تكون هناك فكرة في عقل الكاتب ويأتي عمله مغايرا ومخالفا لتلك الفكرة أو قريبا منها أي ليس متطابقا معها كل التطابق ، لأن المعنى العام للعمل الأدبي سابق على الفكرة ، أما الأمر مع ( توفيق الحكيم ) فالفكرة سابقة على عملية كتابة العمل ، نقول (( الفكرة )) وليس مسار وحركة العمل ؛ لأن هذا يحددها ويشكلها لحظة الإبداع ، الفكرة هنا بمثابة (( البذرة )) أو (( النواة )) التي سيدور حولها العمل الأدبي ، وهنا لا يناسب أي موضوع لأن تكون الفكرة لها الأسبقية ولها الأولوية والأولية ، لابد أن يكون الموضوع أو الخامة مرنة ..لينة ..قابلة للتشكيل والتطويع وكذلك التأويل ، مستجيبة أن تفعل فيها (( الفكرة )) ما تريده بدون إبداء أي مقاومة أو معارضة منها ، وهذا لا يكون إلا مع الأساطير والآداب الشعبية
" من عادة توفيق الحكيم أن يختار موضوع مسرحياته الفكرية – لكي يستقيم له المعالجة الذهنية المجردة – من الأساطير أو الآداب الشعبية التي يمكن أن يحملها المؤلف من الدلالات الفكرية أو الرمزية ما لا يمكن أن يحتمله الموضوع (( الواقعي )) في أغلب الأحوال "
لا يريد الكاتب – هنا – أي شيء يقيد من انطلاق ((فكرته )) في سماء الإبداع بدون قيد أو شرط ،فلا الواقع المعلوم والحاضر المشهود يحقق ما يريده ، ولا التاريخ الموثق والمكتوب والمحفوظ في الأذهان بوقائعه المحددة يصله إلى ما يرجوه ، أي شيء يصادر الفكرة أو يحد من انطلاقها بلا حدود مرفوض .
الفصل الثاني .
"السلطان الحائر" بين الفن والتاريخ .
فهي ليست تاريخية ، وهي ليست واقعية ، وهي ليست أسطورة ، هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ أو الواقع " تعتمد مسرحية الحكيم على ما يشبه الأسطورة التي يتخذ لها ديكورا تاريخيا من عصر المماليك ولأسطورة تقول بأن نخاسا تلفظ بكلمات بين الناس عدها رجال السلطان تعريضا به ، فأمر الوزير بإعدامه عند الفجر ..لكن المحكوم عليه يتقدم بمظلمة ، وتحول دون شنقه عند الفجر ، فيظفر بمجيء السلطان والوزير وقاضي القضاة وبوصولهم تثور مشكلة جديدة لم تخطر مطلقا على البال ؛ إذ يكتشف السلطان أن ما تهامس به الناس حول عدم تمتعه بحق (( العتق )) من السلطان السابق ليس أمرا مكذوبا "
الكاتب – هنا – ألبس مسرحيته ثوب التاريخ ،ليعبر من خلالها إلى تجسيد الفكرة أو تأصيلها ، أو قل إن الفكرة هي التي اختارت هذا الإطار ، اختارت ما يناسبها لتتحرك بكل حرية وانطلاق " فأنا لا أعتبر مسرحية ( السلطان الحائر ) مسرحية تاريخية بالرغم من أن المؤلف قد اختار لها إطارا تاريخيا يقرب رموزها من الممكن ولذلك اختار لها فترة حكم المماليك ولكنه لم يقصد قد إلى كتابة مسرحية تاريخية بالمعنى الدقيق المفهوم لهذا النوع من المسرحيات وإلا لرأيناه يكتب أسماء شخصياتها بأسمائهم التاريخية الفعلية ، فغنه بعمله هذا قد خرج من نطاق التاريخ وأصبحت له حرية مطلقة في التصرف في تلك الشخصيات الرمزية وفي الصورة التي يرسمها لكل منها وفقا للهدف الذهني الذي قصد إليه "
إذن هنا (( الفكرة )) هي سيدة العمل الفني ، ولا سيد غيرها ، كل عنصر من عناصر العمل الفني مسخر لخدمتها ، الفكرة هنا ك((ملكة النحل ))في الخلية ،كل ما في الخلية في خدمتها وبمشورتها ، بل إن كل ما في الخلية يقوده طبعه أن يعمل ويؤدى دوره ويقوم بوظيفته بناء على وجودها ، فالشخصيات والحوار والعقدة والحوار والبناء والموضوع منبثق أو يتفق ويتوافق مع الفكرة ، ولا يحق لأي عنصر من العناصر السابقة أن يخرج نطاق الفكر أو يتجاوز حدودها.
ونوعية اختيار الموضوع ليس المؤلف هو من يختار ، ولكن الفكرة ، أو قل إن المؤلف واقع تحت سيطرة الفكرة فيجعلها تنوب عنه في كل شيء " فإن فاطمة يوسف محمد ترى ( الحكيم ) اختار مسرحيته من التاريخ الشعبي الأقرب إلى جو العصر المملوكي حتى يتمكن من أن يحملها الدلالات الفكرية الرمزية والاسقاطات السياسية التي يصعب ان يتحملها أحداثا واقعية في ظل إرهاب حكومة الثورة واستخدامها أساليب القمع وكبت الحريات ضد من يحاول انتقادها "
الفكرة – هنا – تبحث عن زمن ومرحلة يبررها ويؤصل من وجودها ليس هذا فحسب بل ويمنحها نوعا من الحيوية ، فلابد أن يكون هناك سيفٌ يبطش ويستبد وينفرد بالرأي وطبيعي أن ينتج عن هذا الكثير من المفاسد والشرور ، وفي ظل هذا الوضع تكون الحاجة ماسة إلى وجود القانون الذي يحد من عنفوان القوة ويهدئ من غلواء سعارها ، وأن يكون هناك من يطالب بذلك أو على الأقل من يشير به ويعرضه لينصلح الأمر ، كل هذا متوافر إبان العصر المملوكي " عاد إلى فترة حكم المماليك وهي الفترة التي اشتهرت بالظلم الذي عم البلاد وانتشار المفاسد والشرور ما بين رشوة وتآمر وخداع مما حير الناس وجعل القوة تنتصر حين لجأ الحاكم – وقتها – إلى السيف لكي يحكم ورفض تغليب القانون "
وأي كاتب يستقي مادته من التاريخ ، يجد لزاما عليه الالتزام ببعض وقائعه والحفاظ على إطاري الزمان والمكان ، وهو يبدع ويعبر عن تجربته الفنية داخل هذا النطاق ،فليس معنى عمل فني تاريخي أن يكون عملية تسجيل حرفي ، وإلا انتفى تعريف (( الفن ))عن العمل ، فن أي يضيف الكاتبُ .. أن يبدل ويغير ، فالمسرحية التاريخية يجب ألا تخلو من جديد يضيفه الكاتب ، وهذا هو الفرق بين التاريخ والفن ، التاريخُ أحداثٌ ووقائعٌ سُجلتْ وكُتبتْ بدون رابط بينها وبدون وحدة عضوية وبنيان فني يكون جديرا بتكوين عالم مستقل بشخصياته المتنوعة فكرا ووجدانا وطموحا ورغبة ، مكونة شبكة علاقات بمن حولها ، أفعالها وتصرفاتها ونوعية العلاقة التي تربطها بمن حولها تكشف عن جوهر شخصياتها سواء الظاهرة والواضحة ، أو الخفية المستترة إلخ..
ونقول إن السلطان الحائر – بمقتضيات وملامح العمل الفني التاريخي – ليس من هذا النوع ؛لأن حتى هذا الصنف ترفضه ( الفكرة ) لأنه قد يملي هذا الصنف بعض الالتزامات التي ترفضه الفكرة من حيث المبدأ
" يذكر محمد عبد الوهاب صقر على أن المسرحية ليست تاريخية ( فالحكيم ) لم يقصد الأحداث التاريخية التي تبدو اليوم غريبة ، فلا يوجد رقيق في ايامنا هذه فضلا عن وجود حاكم من الرقيق وإنما ( الحكيم ) استخدم الرموز الذهنية التي استقاها من التاريخ وجعلها في خدمة أحداث من واقع الحياة المعاصرة وهذه الأحداث الواقعية خالدة خلود الإنسانية وهي أن كل حاكم من الحكام تنتابه أحيانا الحيرة في استخدام السيف ام القانون "
الفصل الثالث .
العلاقة بين عناصر العمل الفني والفكرة .
لنكن منصفين ولا نبخس العمل الذهني حقه ، فالفكرة أو الذهنية تمنح العمل الفني العديد من الميزات ، فهي تخلق للعمل الوحدة والتماسك والقصد والمغزى وعدم الترهل وعدم التشتت إلخ...كل هذه ميزات يتمتع بها العمل الذهني ، ولكن قد تكون الفكرة من السيطرة والقوة بحيث تمنع العمل الفني من أن يكون له أوجه تفسيرية عديدة ونواحي تأويليه كثيرة ، وقد تكون الفكرة متسلطة بحيث تحجم وتقزم عناصر العمل الفني وتحجب غيرها من أن يقوم بدوره ، وفي الحقيقة ليس هناك للعمل الفني من سيد أو مقوم جوهري ومدعم قوى سوى العمل الفني في حد ذاته ، في اللحظة التي يتفوق عنصر أو يتسيد على غيره من عناصر العمل الفني فهذا دليلٌ على الضعف والقصور ، فالعملُ الفني كالطائر الذي يحلق في الفضاء ، ليس من ثمة جزء من أجزائه هو الذي مكنه وساعده في التحليق ، وإنما الذي مكنه من ذلك كيانُه وبناؤُه ككل ، لابد أن يكون مبدأ (( التعادلية )) متحققا بصدق لا يطغى عنصرٌ من عناصره على عنصر أخر ، وإنما الجميعُ يسهم بقدر مشترك ومتساو ، وتكون حركة النمو والتطور كحركة الثعبان ، ليس هناك عضو عالة ومعتمد أو مرتكز على عضو آخر ، كل عضو يسهم ويشارك ويتعاون بقدر متآزر مع بقية الأعضاء الأخرى ، ولكن – هنا – الفكرة تأبى ذلك ، فهي المحركة وهي التي تدفع إلى التشكيل والتكوين وكذلك إلى النمو و التطور ، ولنأخذ عنصرا هاما من عناصر العمل الفني وهم الشخصيات .
إرادة الشخصية وإرادة المؤلف .
أهم مبدأ لابد أن تتمتع به الشخصية هو الحرية ، ولابد أن يكون المؤلف على قناعة بهذا الأمر ، وأن يوفر للشخصية كل ما من شأنه أن تعيش وتتحرك على سجيتها وفقا لمنطق العمل الفني وانسجاما مع دورها واتفاقا لوظيفتها التي حددها سياق العمل الفني منذ البداية ، وأن تكون حرة حرية تامة في اختياراتها ؛ لأنها هي – وحدها – التي ستتحمل نتيجة تلك الاختيارات ، وهذا من شأنه أن يمنح ويخلق لها التميز والتفرد ، ويتيح للشخصية الخروج من نطاق النمطية ، والخروج من دائرة الجمود والتكرار .
ورموز السلطة في الوجدان الشعبي لهم سمات وملامح ثابتة وراسخة ، تلك السمات والملامح تراكمت على مر السنين ، من خلال التجارب والمواقف التي مر بها المحكومون ،وقبعتْ في الوجدان تؤثر تأثيرها المباشر وغير المباشر ، المعلن منها والمستتر ، فهل التزم المؤلف في عمله الفني بتلك السمات والملامح ووضعها كما هي أم أنه خرج عن ذلك وصاغ وأبدع ملامح وسمات جديدة من عنده ؟
حينما تكون الفكرة هي الدعامة الأقوى والعنصر الطاغي فمن شأنها أن تقيد الشخصية تجبرها أن تتصرف وفق منطقها وتسير في المسار الذي حدده المؤلف منذ البداية ، الشخصية هنا لا تساهم في التعبير عن نفسها أو تسهم في بلورة العمل الفني ، ولكن كل شاغلها الفكرة ، تدور حولها بكل إخلاص وتفان ، مستمدة منها – مجبرة – سمات وملامح وأفعال ما تمليه عليها الفكرة التي حددها المؤلف بداية " وهكذا تفقد شخصياته أبعادها الإنسانية وتصبح مجرد رموز أو دلالات على معاني مجردة تتصل بفكرة المسرحية . ومن هنا نلتقي – في مسرحيتنا هذه – بذلك الثالوث المألوف في قصص ألف ليلة وليلة وغيرها من الحكايات الشعبية السلطان والوزير والقاضي "
أولا : السلطان .
لم نر سلطانا في المسرحية ، وإنما هي صورة مكررة ونمطية لا جديد ولا مبتكر فيها ، نموذج جامد مستوحى من العقل الجمعي ، وكل أفعاله وتصرفاته وأقواله تتفق مع هذا النموذج ، لا استقلالية في الرأي ولا حرية في الفكر ، ولا خروج عن ما هو متوقع ، يستلهم ما يشير به عليه وزيره وقاضي قضاته ، حتى اختياراته كانت متوقعة ، فقد فعل ما أشار به القاضي ، نعم بعد تردد وحيرة وتفكير ، ولكنه لم يخرج عن مشورة القاضي ، ولم يعترض ولم يقاوم ، وإن اعترض وقاوم في البداية إلا أن هذا الاعتراض وتلك المقاومة حالما انصهرت بعد إلحاح القاضي وتمسكه برأيه الذي أشار به على السلطان ، " السلطان في أغلب تلك القصص إنسان معتز بسلطته وجاهه ، لكنه في أغلب الأحيان ضيق الأفق قليل الحيلة لا يستطيع أن يصل إلى قرار حتى يشير عليه وزيره بالرأي فيه "
وربما الذي أعطى الصورة النمطية للسلطان وجود الوزير والقاضي بجواره يتجاذبانه كل إلى رأيه ، إلا أن المؤلف كان أمامه فرصة أن يخرج ويغير ويبدل من صورة السلطان في الأذهان ويكسر تلك النمطية ويتطور من ذلك الجمود حينما بات ليلته عند الغانية ، إلا أننا رأينا أن المؤلف بالغ وأوغل بنا في تأطير تلك الصورة النمطية للسلطان ، بان خلع عليه ثوب شهريار أو شهرزاد وسط جو أسطوري من الشراب والطعام والغناء والرقص "وهو – السلطان - في حديثه مع الغانية في انتظار مطلع الفجر يبدو – في إطار من الرقص والطعام والشراب – صورة من سلاطين ألف ليلة ، بل لا ينسى المؤلف أن يذكرنا تصريحا بذلك في هذا الحوار بين السلطان والغانية ".
والمشهد الذي يعكس ملامح شخصية السلطان يؤكد على هذا المعنى :
السلطان : حتى مطلع الفجر ؟ ..
الغـانية : لا تفكر الآن في الفجر .. إن الفجر لم يزل بعيدا ! ..
السلطان : سأفعل كل ما تطلبين حتى مطلع الفجر ! ..
الغـانية : لن أطلب إليك شيئا غير الحديث ، وتناول الطعام ، والاستماع إلى الغناء ..
السلطان : لا شيء غير هذا ؟! ..
الغـانية : وما تريد أن أطلب إليك أكثر من هذا ؟! ..
السلطان : لست أدري .. أنت أعلم ! ..
الغـانية : فلنبدأ إذن بالحديث ! .. حدثني ! ..
السلطان : عن نفسي ؟! ..
الغـانية : نعم .. عن قصتك ؟! .. احك لي قصتك ! ..
السلطان : تريدين منى أن أحكي لك قصصا ؟! ..
الغـانية : نعم .. في الحق إنه لابد أن تكون لديك ذخيرة من القصص الرائعة الممتعة !
السلطان : أنا الآن الذي يحكي القصص ؟!..
الغـانية : ولم لا ؟! ..
السلطان : حقا .. هذا ما ينبغي ! .. ما دمت أنا في وضع شهرزاد ! .. هي أيضا كان عليها أن تحكي القصص الليل بطوله ، في انتظار الفجر الذي سيقرر مصيرها ! ..
الغـانية : ” ضاحكة ” وأنا إذن شهريار الهائل المخيف ؟! ..
السلطان : نعم .. أليس هذا عجيبا ؟! .. كل شيء اليوم يسير مقلوبا معكوسا ! ..
الغـانية : لا .. أنت السلطان دائما .. أما أنا فهي التي في وضع شهرزاد الجالسة دائما عند قدميك !..
السلطان : شهرزاد القابضة على رقبة شهريارها القلق حتى يدركه الصباح ! ..
الغـانية : لا .. بل شهرزاد التي تدخل الانشراح في صدر سلطانها ، والفرح والبهجة في قلبه .. سترى الآن كيف أعالج قلقك وشكك ! ..
" تصفق .. فإذا بموسيقي لطيفة قد تصاعدت من وراء الأستار ….. ” .
السلطان : بعد أن أصغى ” عزف جميل ..
الغـانية : وأنا بنفسي التي سترقص لك ! ..
" تنهض وترقص ….. ” .
السلطان : ” بعد انتهاء رقصتها ” جميل ! .. كل هذا جميل ! .. أوَتصنعين هذا كل ليلة ؟!..
الغـانية : لا يا مولاي !.. هذا استثناء ! .. لك أنت .. فأنا لم أرقص بنفسي منذ عتقي وزواجي ! .. أما في بقية الليالي فإن الجواري يقمن بالرقص والغناء ! ..
السلطان : من أجل زبائنك ؟! ..
الغـانية : بل قل ضيوفي .
نموذجية شخصية السلطان .
هل الصورة التي رسمها الكاتب للسلطان صورة مقنعة فعلا ، ملامحها إنسانية ، تحمل داخل ملامحها كل ما يتصف به الإنسان من لحظات القوة ولحظات الضعف ، الصراع بين أن يتمسك بمنصبه تمسكا قويا يضحى فيه بكل شيء ليبقى طوال حياته ،وبين أن يكون حكمه قانونيا وشرعيا وبرضا الشعب عليه ؟! أم أن الصورة كانت نموذجية بعيدة كل البعد عن الإنسان كما خلقه الله ، وكما ضغطت عليه الظروف وكذلك الرغبات والأهواء والشهوات ؟!
صورة السلطان كما رسمها الكاتب كانت صورة نموذجية بعيدة كل البعد عن الواقع ، لم يكن من لحم ودم وأعصاب كالبشر تتقاذفه الأهواء وتتنازعه الشهوات ، السلطان – في المسرحية تصور ذهني ونموذج مثالي بعيد كل البعد كونه إنسان من لحم ودم .
" ولكن يلاحظ أن ذلك الحاكم هو تصور ذهني مجرد في كل تصرفاته ، فهو لا يخضع للحب ولا يطيع الهوى ولا يميل إلى القوة ولا يرغب في التزييف ، فهو مثال الأفكار الكلية المجردة ولا يحمل شيئا من عثرات الفعل في الواقع .
وهو بعد ذلك يضبط كل شيء ضبطا محكما ويسيطر على الأمور كلها ويمنع حدوث انحراف ما ، ليتحقق أخيرا كل شيء وفق ما يتمناه على الرغم من ظهور عقبات تعترض ذلك وهو بمثل تلك السيطرة لا يمكن أن يعد عادلا "
وربما الذي فرض تلك الصورة للسلطان وجود الوزير والقاضي ، وهو يسمع من كليهما ، وجزء كبير من الفصل الأول أحتل هذا النقاش وهذا الجدال بين وجهتي نظر الوزير والقاضي
كان الأجدر لهما – القاضي والوزير – أن يشير كل منهما برأيه في جمل قصيرة ويتركا الأمر بعد ذلك للسلطان يقرر بنفسه ، أو كان الأجدر للسلطان ألا يقضي هذا الوقت الطويل في مناقشتهما وألا يظهر حيرته وعجزه على أن يختار بنفسه أي الرأيين ، كان يجب أن يختلي بنفسه ويدير حوارا نفسيا ومقلبا الرأي ثم بعد ذلك يخرج عليهما برأي حازم أو بقرار سلطاني حاسم ، ولكن ما حدث من حوار ممل وطويل ومكرر يظهر مدى ضعف السلطان وعدم قدرته ان يكون على مستوى الحدث ، ولو لجأ المؤلف إلى ذلك ..أن يحرر السلطان من ضغط كل من وزيره وقاضي قضاته ربما كان خرج السلطان من تلك الصورة النمطية وتغيرت تصرفاته وأفعاله ، وربما أتاح المؤلف لشخصية السلطان أن يحدث فيها تبدل أو تغير بحيث نرى صورة مبتكرة غير مكررة وغير نمطية ، لقد استغرق الحوار بين السلطان ووزيره وقاضي قضاته حولي ست عشرة صفحة من الفصل الأول الذي يبلغ تسع وخمسون صفحة ، أي الحوار استغرق حوالي ربع مساحة الفصل ، وهذا يدل – فعلا – على حيرة السلطان بين وزيره وبين قاضي قضاته ، وقد تفسر الحيرة بضعف في شخصية السلطان والتردد والخوف .
صورة السلطان في عين الغانية .
وللسلطان صورة لدى الغانية ،ولا ندري من أين أتت بملامح تلك الصورة ؟ وعلام اعتمدت في رسم خطوط تلك الصورة ، فهي أول مرة تتقابل مع السلطان ،وأول مرة تتحدث معه، ومع ذلك رسمت صورة للسلطان كما قلنا ( نموذجية ) حتى أن السلطان علق عليها قائلا ( أتتملقيني ؟!)
الغانية : ما من شيء يضعفك ..إن لك لرباطة جأش ، وثقة بالنفس ، وتحكما في أعمال لك وقدرة على صنع ما تريد بدقة وإحكام وحزم إنك بعيد عن الضعف والمخاتلة ..إنك صريح ...طبيعي . شجاع يحترم شروط اللعب بأمانة وإخلاص ...هذا كل ما في الأمر .
السلطان : أتت تتملقينني ؟! ..من الذي عليه تملق الآخر ؟! إنها الأوضاع مرة أخرى قد انقلبت ؟!
يا ترى الغانية – هنا – تتحدث عن صورة السلطان كما كان في خيالها وخاطرها قبل أن تشتريه ؟ أم أنها – فعلا – تأكدت تلك الصورة التي كانت في خيالها ولمستها في الواقع كما تعاملت معه . على كل تلك هي صورة السلطان لدى السيدة التي أشترت السلطان ، ثم اعتقته بعد ذلك .
ثانيا الوزير .
الذراع اليمنى للسلطان ، ليس هذا فحسب بل هو العقل المفكر والباحث دوما عن كل حل والخروج من كل ما يعترض السلطان من مشكلات ومآزق ، وهو الأداة المنفذة لكل ما يريد السلطان تحقيقه ، وهو لا يتقيد بخُلق أو مبدأ ،وسطوته وقوته قد تقترب من قوة وسطوة السلطان أو تساويها وفي أحيان قد تتفوق عليها ويكون رأيه هو النافذ لما يتمتع به من صلاحيات فوضه فيها السلطان كي يتفرغ لشأنه ولا يشغل نفسه بأمور تخص المحكومين ، " الوزير - عادة – إنسان طموح وصولي يسعى إلى تحقيق طموحه عن طريق النفاق والخداع وإرضاء السلطان لكي يمارس هو سلطانه في النهاية . وهو قاسي الطبع واسع الحيلة لا يتقيد كثيرا بمبدأ أو خلق في سبيل الوصول إلى غايته ، لذلك نصادف في كثير من تلك القصص هذا الحوار المألوف الذي يمثل طبيعة هاتين الشخصيتين – كلما عرض للسلطان موقف يستعصى على الحل . يقول السلطان (( دبرني يا وزير )) ويجيب الوزير (( التدبير لله يا ملك )) ! وبعد هذا الجواب الذي ينم في ظاهره عن الإيمان والتواضع يبدأ الوزير فيفكر في حيلة أو مخرج من الأزمة "
تلك هي صورة الوزير في الوجدان الشعبي وفي العقل الجمعي ، وأن نجدها في المسرحية بنفس السمات ونفس الخصائص ، ونفس المسلك والتصرف والفعل ، فهو نوع من الإفلاس الإبداعي والجمود الفني .
" والوزير - في المسرحية – هو تلك الشخصية التقليدية الماكرة الباطشة المألوفة – كما أسلفنا – في القصص الشعبي ، وهو دائما يبادر إلى السيف ليحل به ما يصادفه أو يصادف السلطان من أزمات فإذ حال دون ذلك حائل لجأ إلى الحيلة مزاوجا بين العنف واللين والصراحة والمكر ، لذلك نراه – في مسرحيتنا – يشغل نفسه في مشهد بأمر الإسكاف والخمار اللذين سهرا مع من سهر ليريا كيف ينتهي أمر السلطان مع الغانية – شأنه في ذلك شأن وزراء ألف ليلة حين يجوبون المدينة ليلا ويختلطون فيها بأبناء الليل التماسا لحل مشكلة أو سعيا وراء مغامرة – وننتهي من هذا المشهد الطويل إلى قرار يتفق مع طبعه الدموي .أن يقتل الغانية إذا لم تطلق سراح السلطان عند الفجر ثم يعاوده مكره وحيلته فيحدث نفسه بأن : (هذه المرأة كفيلة أن تجد من العبارات الرنانة في القانون والمنطق ما لا تبرر فعلها ..ويجب أن تكون هناك جريمة فظيعة خطيرة لا يمكن تبريرها ولا الدفاع عنها ..جريمة تجلب السخط العام من الشعب كله ، فمثلا يمكن أن يقال إنها جاسوسة ..تعمل لحساب المغول ..وعند إذ سينهض الشعب بإجماعه ليطالب برأسها "
بالحيلة وليس بالقانون
وهو من الشخصيات الثابتة التي لم تتغير أو تتبدل ولم يطرأ عليها أي تطور طوال أحداث المسرحية ، فقد انتهى كما بدأ ، وكان واضحا صريحا مباشرا ، على غير ما سارت عليه شخصية القاضي ، وربما هذا راجعا أن القوة – التي كان يؤيدها كأسلوب في الحكم – لا تقبل أي تأويل بينما القانون يقبل التأويل والتفسير وفق هوى القاضي كما حدث ، و هو من ضمن الأسباب التي دفعت الأحداث التي تسير هذا المسار الغريب والعجيب حتى تم تخليص السلطان من ورطته ، يقول مخاطبا الوزير :
الوزير : مهلا يا قاضي القضاة ! نحن الآن لسنا في صدد رأي القانون ، ولكننا في صدد الطريقة التي نتخلص بها من هذا القانون .
وكان الوزير صادقا مع نفسه صادقا مع القاضي صادقا مع السلطان ، وفي حقيقة الأمر السلطان لم يختر القانون ، والنص المسرحي لم ينتصر لاختيار القانون ، وكل ما حدث – كما قال الوزير – هو التخلص من هذا القانون ، وإن لم يتم الأمر صراحة فقد تم من خلال التحايل والخداع والعبث بنصوص القانون ، لم يطبق القانون ولم ينفذ القانون ، وإنما نفذت أهواء ورغبات السلطان بمساعدة كل من وزيره وقاضي قضاته ، والسلطان لم ينفذ القانون ، وإن طبقه – مرغما ومجبرا – فليس عن قناعة واقتناع وإنما خوفا ورهبة من حكم الشعب وحكم التاريخ ‘ فها هو ينوي أن يقتل القاضي بيده ولكن الذي يحول بينه وبين تنفيذ تلك الرغبة هو الوزير .
الوزير :إنه يعلم أننا في قبضته ، إذ أن أقل عنف معه يفضح كل شيء أمام الشعب .
السلطان : سأفعل . ماذا يهم سفك قليل من الدم في سبيل صلاح الحكم ؟!
هنا السلطان لا يهمه قانون وإنما كل اهتمامه منصب على صلاح الحكم كما يراه هو .
السلطان : سأفعل كل ما أراه ضروريا لصيانة أمن الدولة .
ولا يتحقق أمن الدولة – كما يراه السلطان – إلا إذا تحقق أمنه ، هنا تطابق كامل بين أمن السلطان الشخصي وأمن الدولة وهو – في سبيل تلك الغاية – على استعداد أن يعتدي على القانون ومن يمثله .
السلطان : وسأبدأ فعلا بك ..وسألقي بك في السجن ..أيها الوزير ! اقبض على القاضي
والقاضي في نظر السلطان : ( شيخ مخرف عنيد أحمق وقح ينبغي أن يُطاح برأسه ) .
السلطان : أسمعت أيها الوزير ؟ هل يخامرك بعد ذلك أمل في التعاون مع هذا الشيخ المخرف العنيد ؟!
ويستمر منطق ورأي السلطان في ضرورة التخلص من القاضي وكذلك من القانون .
السلطان :( للوزير ) لا تضيع وقتنا ! لم يبق من رد على هذا الأحمق الوقح إلا الإطاحة برأسه ولتكن النتيجة ما تكون ! والذي سيفعل ذلك بيده ( يستل سيفه ) .
إلا أن الوزير يحذر السلطان من طرف خفي ، إن التخلص من القاضي بتلك الطريقة قد يثير الشعب وهذا في غير صالح السلطان .
الوزير : ورب شهيد مجيد له من التأثير والنفوذ في ضمير الشعوب ما ليس لكلك جبار من الملوك ..
السلطان : وما العمل إذن ؟ إن هذا الرجل يضعنا في مأزق ويخيرني بين أمرين ، كلاهما مر ..القانون الذي يظهرني ضعيفا ويصيرني أضحوكة ، أو السيف الذي يصمني بالوحشية ويجعلني بغيضا .
ويصل الوزير – في النهاية – إلى بيت القصيد ، وهو الخروج من هذا المأزق ، فلن يتم اللجوء إلى القوة ، كذلك لن يتم الاستعانة بالقانون ، وإنما سيتم اللجوء والاستعانة بالحيلة والخداع والتزوير والعبث بالقانون ، وهذا ما تم فعلا ، أخرج الوزير السلطان من ورطته ليس بالقانون ولكن بالحيلة .
الوزير : ( للقاضي ) وأخيرا يا قاضي القضاة ؟أما من حيلة تخرجنا من هذه الورطة .
هذا هو الخيار الذي اختاره الوزير ، وهو الخيار الذي نفذه فعلا القاضي ، وهو الخيار الذي ارتضاه السلطان للخروج من ورطته أو مأزقه ، التحايل على القانون .
ثالثا القاضي .
من أكثر الشخصيات تعقيدا في المسرحية ، ويبعث – حقا – على الحيرة ، ويعتبر المفجر للقضية التي يدور حولها محور المسرحية ، ففي أول المسرحية يظهر بمظهر المتمسك بحرفية القانون تمسكا شديدا لدرجة أنه على استعداد أن يضحي بروحه ولا يفرط في قداسة القانون الذي يمثله ، ويرفض الدخول في مؤامرة التحايل على القانون وتخليص السلطان من ورطته .
القاضي : بالنسبة لي الأمر مختلف ..فأنا لا أستطيع أن اكذب على نفسي ولا استطيع التخلص من القانون وأنا الذي أمثله ولا استطيع الحنث بيمين عاهدت فيها نفسي على أن اكون الخادم الأمين للشرع والقانون .
وحينما يرفض السلطان ما يشير به عليه القاضي ، يقف القاضي بكل شرف وشموخ وعزة وإباء عارضا على السلطان عدة خيارات .
القاضي : ما لم تأمر بعزلي من منصبي ، أو طردي من البلاد ..أو قطع رأسي ! ..بهذا أتحلل من يميني ، وتنطلق أنت على هواك تفعل ما تشاء .
وحينما يضيق السلطان به وبتمسكه بحرفية القانون يستل سيفه ليطيح برأسه، ومع ذلك يستقبل القاضي مصيره بكل أريحية مضحيا بروجه في سبيل الحفاظ على تطبيق القانون والشرع .
السلطان : (( للوزير )) لا تضيع وقتا ! ..لم يبق من رد على هذا الأحمق الوقح إلا الإطاحة برأسه ، ولتكن النتيجة ما تكون !.وأنا الذي سيفعل ذلك بيده ...(( يستل سيفه )
القاضي : إنه لشرف عظيم يا مولاي أن أموت بيدك ، أن تذهب روحي في سبيل الحق والمبدأ .
هنا شخصية القاضي تتطابق تطابقا كاملا مع القانون بكل شرف ورقي ونبل ، متحديا إلحاح الوزير وتهديدات السلطان ، ورسم شخصية القاضي بتلك السمات يعتبر خروج عن الصورة المألوفة والمعتادة عن شخصية القاضي " فهو في كثير من الحكايات الشعبية لا يقل وصولية ولا نفاقا ودهاء عن الوزير ، ولكنه مسلح بفتاواه (( تخريجاته )) الشرعية التي يخدم بها السلطان وذوي الجاه والمال غير حريص – في الغلب – على اخلاق أو قانون "
وفي الإمكان أن نعتبر القاضي أهم شخصية في المسرحية ، فعنده ابتداء عقدة المسرحية ووضع السلطان في مأزقه وجعله يواجه أزمته ، وعنده كذلك – للأسف – حُلت العقدة عن طريق الخداع والتحايل والتلاعب بنصوص القانون .
انكسار في شخصية القاضي .
قد يُقبل انكسار شخصية أو تحولها إلى النقيض ودخولها في مسار غير التي كانت تسير عليها منذ بداية المسرحية ، هذا شيء طبيعي ومنطقي أن الشخصية لم تستطع مواجهة التحديات وضعفت ؛ لأن ما تواجه من تحديات أقوى منها ، ولم تستطع أن تصمد ، وكثير من الشخصيات يحدث لها ذلك سواء في الواقع أوفي الأعمال الأدبية ، ويعد هذا الأمر مقبولا إذا كان هناك ما يبرره ، سواء من ناحية قسوة وقوة وشدة التحديات التي تواجهها الشخصية ، أو من ناحية ضعف في تكوين الشخصية ، هناك قصور وعجز عن المواجهة والتحدي وعدم قدرة ، تلك سمة تسم الشخصية كما رسمها الكاتب منذ البداية ، ولابد وجود ما يبررها من الوجهة النفسية أو العقلية أو الجسمانية أو حتى من الوجهة الوراثية ، هنا لابد أن يكون الكاتب أمينا وصادقا مع شخصياته ، إما أن يضع سمات وخصائص للشخصية - مثل شخصية القاضي – تظهرها في قمة القوة والصرامة واستعدادها بالتضحية بروحها في سبيل الحفاظ – ليس على روح القانون – على حرفية القانون ، وأن ينفذ القانون على الجميع حتى السلطان نفسه ، مواجها السلطان بكل شموخ وعزة وكبرياء ، ثم نكتشف مع تطور الأحداث أن القانون – الذي يدعي التمسك به ويقدسه – تحول إلى ألعوبة في يده ، ويكون هو أول المعتدين عليه ، فهذا تحول مفاجئ في شخصية القاضي ،تحول في غاية الخطورة ، وقد يقبل هذا التحول إذا كان هناك ما يبرره منطقيا أو حتى فنيا !
" وهذا التباين في شخصية القاضي دفع فؤاد دوارة إلى قوله ( رغم هذا النجاح الفني الكبير فأنا ألاحظ خللا في شخصية قاضي القضاة ، فقد رأيناه في الفصل الأول يتمسك بالقانون ويدافع عنه في مواجهة السلطان ببطولة وفدائية ، ثم إذا به في الفصلين التاليين يعبث بالقانون عبثا صارخا دون مبررات لهذا التحول المفاجئ من النقيض إلى النقيض ) "
القاضي هو من وضع السلطان والوزير في مشكلة ومعضلة من خلال إعلانه تمسكه بالقانون وتطبيقه على السلطان ، وهو – أيضا – من أخرج السلطان من تلك المشكلة بالعبث بالقانون والتحايل على نصوصه .
" على أن القاضي – ثالث الثلاثة – يجيء لنجدة الوزير بما لديه من ذكاء وقدرة على الفتوى والتخريج .وفي هذا الموقف يتحول القاضي تحولا جسيما مفاجئا لا يمكن أن يقبل من شخصية ذات أبعاد إنسانية حقيقية في عمل مسرحي . فبعد أن كان رجل شرع وقانون يصر على الخضوع لهما خضوعا حرفيا ولو أدَّى ذلك إلى مصرعه بسيف السلطان أو الوزير على رغم الحوار الطويل معه تارة بالعنف وتارة باللين نراه قد جاء بحيلة غريبة لا تمت إلى الشرع والقانون بسبب بل هي خديعة صريحة وخروج جريء على العرف والشريعة . فهو يدعو المؤذن ويأمره – والوقت ما زال منتصف الليل – أن يصعد إلى مئذنة المسجد ، فيؤذن لصلاة الفجر !وهو يحذره حتى لا يفضح أمره أمام الجماهير بقوله ( إياك أن تقول لأحد أن القاضي هو الذي أصدر إليك هذا الأمر .
ولا يقف تحول القاضي من شخصية فاضلة متشبثة بالقانون والشرع إلى شخصية وصولي محتال عن هذا الحد بل نسمعه يقول للوزير مباهيا بسعة حيلته : (( ..لقد جعلت هذه الليلة أقلب الأمر على كل وجه ..إني ما عدت أعتبر نفسي هزمت ! فلم يزل في جعبتي – أو على الأصح في جعبة القانون ( هكذا يسخر من القانون ) كثير من الحيل "
لا عيب في القانون ولكن العيب فيمن يطبقه ، القوانين – كنصوص في حد ذاتها – عظيمة كل العظمة ،لا يشوبها أي شائبة ، ولكن حين يطبقها الإنسان يحاول أن يطوعها ويغيرها ويبدلها لا ليجعلها تنفذ العدل ولكن لتخدم أغراضه وتحقق أهدافه التي تكون في حقيقتها معارضة تعارضا كاملا مع نصوص القانون ، فقضية البيع – بيع السلطان في مزاد علني بالشروط التي وضعها القاضي – قضية باطلة ، البيع – في حقيقته باطل ، ولا يحقق العدالة بالمرة ؛ لأن القاضي جعل علمية البيع مشروطة بالعتق ، ولا بيع بشرط – هكذا ينص القانون -
" إن البيع الذي أجراه السلطان لا يحقق العدالة بل يجافيها ؛ لأنه بيع مرهون بالعتق ومتعلق به وشروط البيع الصحيح ألا يتعلق بشرط ينقضه وهو بيع لا يحقق شرعية حكم السلطان ، لأن وصوله إلى الحكم من قبل وهو عبد وصول غير شرعي وخلاصة من العبودية وتملكه حريته لا يعني شرعية حكمة .
إن بيع السلطان ليس إلا حيلة ، ووسيلة شكلية لمنع الحكم الشرعية ، بأسلوب لا يمكن أن يعد شرعيا لا في شكله ولا في مضمونه وما هو إلا عملية تضليل للشعب وخداع "
تفسير الانكسار في شخصية القاضي .
ولا نجد تفسيرا منطقيا أو فنيا للتغير والتبدل الذي لحق بشخصية القاضي على مدار المسرحية ، إلا إذا كان المؤلف يتعمد ذلك تعمدا ، ليكشف على جانب من جوانب تعامل السلطة مع القانون ورموز القانون ، ويوضح أن – دائما – هناك صراع بين القانون والقوة ، وإذا وجدت القوة نفسها – في ظرف ما – مضطرة لقبول القانون فإنها تقبله ظاهريا فقط ليتم لها تنفيذ ما تريده من ناحية ويتم لها – أيضا – خداع الشعب وتضليله وتتزين وتتجمل أمام الرأي العام بتمسكها بالقانون ورفع راية العدل " إذ لا تلبث القوة أن تتسلل ببطشها وإرهابها وسلطانها الساحق إلى ضمائر الداعين إلى التمسك بالقانون والشرع فتتلفها ؛ ولذلك لم يكن بد من أن يصور قاضي القضاة رمز الشرع والقانون في هذه الصورة المتناقضة التي نرى مثيلاتها اليوم في العالم كله .
وتلك في صميمها المشكلة الكبرى التي تشعر بها الإنسانية اليوم حين نرى حقوقا تُقرر للإنسان والمواطن وللشعوب ومع ذلك كثيرا ما لا نرى في تلك الحقوق غير أشباحها المضللة أو تنفيذها الصوري المفضوح "
ولكن هذا المقصد وهذا المغزى الذي يريد أن يصل إليه المؤلف ، لا يدفعه أن يضحي بشخصية القاضي ، ويسمح بهذا الانكسار وهذا السقوط الذي لحق بشخصية القاضي ، وإذا كان يريد تحقيق هذا ، فكان يجب – منذ البداية – أن يرسم ملامح وسمات الشخصية ما تقبل ذلك الانكسار وترتضي بهذا السقوط الأخلاقي ، بأن تتلاعب بالقانون وتحتال احتيالا لتنفيذ أهوائه وأغراضه التي ترضي السلطان والوزير ، ولكن الذي دفع الكاتب لهذا وصور القاضي بتلك الصورة المشوهة سيطرة الفكرة على المؤلف وليس منطق العمل الفني الذي يفرض على الشخصيات أن تكون متسقة ومتوافقة ومنسجمة مع الخط والمسار الذي رسمه لها المؤلف منذ البداية .
الغــانية .
من الشخصيات المحورية والتي أسهمت بشكل واضح وحقيقي في تطور الحدث المسرحي ، وتعد من أصدق الشخصيات وأكثرها صراحة في المسرحية ، وهي ليست مختلفة من حيث النوع – كامرأة – ولكن مختلفة ومتفردة ومتميزة عن الجميع بثبات وتماسك البناء الفني كشخصية لها وزنها ولها تأثيرها في دفع الأحداث نحو النمو والتطور.
" تمثل شخصية الغانية العقدة والحل في آن واحد ، وهي شخصية محورية لعبت دور البطولة في المسرحية ، وقد كان لها حضور ظاهر ، ربما سبق حضور السلطان على خشبة المسرح ، فهي التي تحرض المؤذن ألا يقوم بالآذان ، وبذا تسهم في تشكيل الفعل الدرامي ايضا كما أنها تقوم بآليات أغلب مساحة مرحلة التعقيد حيث تشتري السلطان وتفرض عليه أن يهب إلى بيتها لقضاء ليلة ، ويوظف المؤلف شخصية الغانية أيضا لتشكيل مرحلة الحل ؛ إذ هي التي تقرر أن تهب السلطان حريته وترفض أن تسترد مالها "
وهي متميزة ومتفردة عن بقية الشخصيات فهي صادقة يتفق ظاهرها مع باطنها ولا تأبه لكلام الناس حولها أهم شيء لديها أن تعيش حرة بدون قيود يضعها الناس في سبيل حريتها ، يقولون عنها إنها كاذبة ومخادعة ومحتالة وعاهرة ،ومع ذلك فهي شخصية قوية جريئة مثقفة ذات عقل راجح تحسب لكل خطوة حسابها ، ومع الصورة التي رسمها لها عامة الشعب ، إلا انها استطاعت ان تكون لنفسها شخصية مهابة يخشاها الجميع بدون استثناء حتى الوزير ، فقد فكر طويلا عن حيلة أو خدعة ليقدمها للقانون كي ينقذ السلطان من البيات في بيتها أو يخلصه منه إن هي لم تف بوعدها أن تعتقه عن سماع أذان الفجر .
الوزير : نعم ..إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر ، ولم يخرج سلطاننا من هذا المنزل حرا ...
الجلاد : فإني أقطع رقبة هذه المرأة !..
الوزير : نعم ...عقابا على جريمة ...
الجلاد : الكذب والخداع ؟
الوزير : لا ..
الجلاد : (( غير فاهم )) لا ؟!
الوزير : ((كالمخاطب نفسه)) لا ...هذا لا يكفي ..تلك جريمة قد لا تستحق الإعدام ..وهذه المرأة كفيلة أن تجد من العبارات الرنانة في القانون والمنطق ما تبرر به فعلها ..لا ...يجب أن تكون هناك جريمة فظيعة خطيرة ، لا يمكن تبريرها ولا الدفاع عنها ..جريمة تجلب السخط العام من الشعب كله ..فمثلا يمكن أن نقول إنها جاسوسة .
و حوارها مع السلطان كشف تلك الجوانب الحقيقية في شخصيتها من ناحية الثقافة والعلم ، وربما كان المؤلف مضطرا أن يمنحها تلك الصفات من العلم والثقافة والقدرة على الجوار وإلا فيما كان سيتحدث السلطان ويقضي ليلته لو كانت امرأة عاطلة من العلمة والثقافة والقدرة على الحوار ليس مع شخص عادي ولكن مع السلطان نفسه ؟ .
الغـانية : هذا بالفعل ما بدأ يؤلمني .. ولكم أتمنى الآن أن ادخل على قلبك السرور وأقدم إليك التجلة والاحترام لكن كيف ؟ .. كيف أستطيع ذلك ؟ .. ما هي الطريقة ؟ ..
السلطان : الطريقة بسيطة ..
الغـانية : توقيع حجة العتق هذه ؟! ..
السلطان : أظن ! ..
الغـانية : لا .. لا أريد أن أتركك .. لا أريد أن أتخلى عنك .. أنت مملوك لي .. أنت لي .. لي ..
السلطان : لك ولغيرك من أبناء هذا الشعب كله ! ..
الغـانية : إني أريد أن تكون لي وحدي ..
السلطان : وشعبي ؟ ..
الغـانية : شعبك لم يدفع فيك ذهبا ليحصل عليك ! ..
السلطان : هذا صحيح .. لكن يجب أن تعلمي أنه من المستحيل قطعا أن أكون لك وحدك ، وأبقى بعد ذلك سلطانا ! .. ليس هناك غير وضع واحد يستقيم معه أن أكون لك وحدك ! ..
الغـانية : ما هو ؟ ..
السلطان : هو ألا أكون سلطانا .. أن أنزل عن العرش ، وأعتزل الحكم ..
الغـانية : لا .. لست أريد لك ذلك .. أريد أن تبقى سلطانا ! ..
السلطان : في هذه الحالة لابد من التضحية ! ..
الغـانية : من جهتي ؟! ..
السلطان : أو من جهتي أنا ..
الغـانية : أتخلى عنك ؟! ..
السلطان : أو أتخلى أنا عن العرش !..
الغـانية : وعلىّ أنا أن اختار ! ..
السلطان : بالطبع عليك أنت أن تختاري .. لأن زمام الأمر كله في يدك أنت الآن ! ..
الغـانية : ألي كل هذه الأهمية وكل هذا الخطر ؟!..
السلطان : في هذه اللحظة .. نعم ! ..
الغـانية : هذا مدهش ! ..
السلطان : حقا ! ..
الغـانية : أنا إذن أملك في يدي زمام الأمر الآن ؟ ..
السلطان : نعم ! ..
الغـانية : بمشيئتي أبقى السلطان ! ..
السلطان : نعم ! ..
الغـانية : وبكلمة مني يتم عزل السلطان ؟! ..
السلطان : نعم ! ..
الغـانية : إن هذا حقا لمدهش ! ..
السلطان : بدون شك ! ..
الغـانية : ومن الذي أعطاني كل هذه السلطة ؟ .. المال ؟ ..
السلطان : القانون
شخصيةُ الغانية معادلُ موضوعي لشخصية السلطان .
وهي- الغانية - تمثل معادلا موضوعيا للسلطان نفسه ، فإذا كان السلطان عبدا فهي حرة ليس هذا فحسب بل هي – وليس غيرها – من تملك عتق وتحرير السلطان ، وهي من اشترت السلطان وهي من أعتقت السلطان ، وهي – وليس غيرها – من تقوم بالترويح عن السلطان وإدخال البهجة على نفسه ، وقد أجاد المؤلف توظيف هذا المشهد : السلطان في ضيافة غانية ويضمهما مجلس الشراب والموسيقى والغناء والرقص ، الجو جو ألف ليلة ، ولكن الأمر ليس بيد السلطان / شهريار ، الأمر – هنا – بأمر الغانية / شهرزاد ، إذن لتكن الغانية شهرزاد وشهريار في نفس الوقت ، ولتطلب من السلطان أن يقص عل مسمعها القصص والحكايات إلى أن يؤذن الفجر فتعتق السلطان " وهكذا تؤدي الغانية مرة أخرى مهمة شهرزاد إن تستأنس القوى الوحشية في السلطان وتوظفها لخير الناس ولكن ((الحكيم)) يضيف إلى هذا الموقف تنويعا طريفا يجعل الغانية في الوقت ذاته شهريار أنثوية تعتق ضحيتها عند الفجر عوضا عن أن ((تقتلها)) أي تخضعها لرغباتها الشخصية بالاحتفاظ بها وحجبها عن الخدمة العامة ، فالغانية هنا هي شهرزاد – شهريار معا ..وواضح أنا تتنازل عن السلطان وفي حلقها غصة وفي عينيها دموع فقد كانت ترجو لو احتفظت به رجلا لها ..إنها – على العكس من شهرزاد المسرحية – لا تجد من السهل عليها أن تعلو على الموقف الخاص الذي يربط بين رجل وامرأة رباط عاطفيا وجسديا ، لتتخذ موقفا عاما يضم هذه العلاقة ويضم غيرها كما تفعل شهرزاد وإنما هي اقرب من سابقتها العظيمة إلى طبيعة الأنثى العادية التي تبحث عن ذاتها وقلبها وحياتها وسعادتها في جوار رجل وبين احضانه.
وهكذا تكسب المسرحية –دراميا – من الصراع الإضافي الذي يقوم في روح الغانية بين الصالح والخاص والصالح والعام ، إذا يقوى هذا الصراع ما يدور في نفس السلطان من نضال مماثل بين القوة والقانون أو بين مصلحته الشخصية في أن يظل محترما مهابا ومصلحة المجتمع في أن يسوده حكم القانون "
ويصر المؤلف على أن يرسم خطوط شخصية الغانية ليس أنها ذكية وعالمة ومثقفة ووطنية فحسب وأنها أعتقت السلطان وارتضت بالحيلة التي لجأ إليها الوزير ، بل إنها رفضت التعويض المالي الذي قدمه السلطان لها عوضا عن المال الذي دفعته في شرائه ، واعتبرت أن ما فعلته شرف لها ، ومعنى أن تقبل العوض فهي لم تفعل شيئا وربما يكون هذا ردا لشرفها الذي كثر الحديث عنه بين عامة الشعب وأتهموها أنها (( عاهرة ))
السلطان :فلنتقدم بالثناء على كرم هذه السيدة النبيلة ..اسمحي لي يا سيدتي أن أوجه إليك شكري ، وأن أرجو منك أن تقبلي رد مالك إليك ، إذا لم يعد هناك من سبب يدعو إلى خسارة مالك ! ..أيها الوزير فليدفع إليها من مالي الخاص ما يعادل المبلغ الذي خسرته .
الغانية :لا ..لا يا مولاي السلطان ! ..لا تسترد مني هذا الشرف ! ...ما من ثروة في الأرض تعدل عندي هذه الذكرى الجميلة التي سأعيش عليها طول حياتي ...إني بشيء زهيد أسهمت في حدث من أعظم الأحداث .
شخصية عظيمة ، ترفض أن تسترد مالها ، لتظل تلك ذكرى عظيمة ، وفي الحقيقة هي لا تقتصر على كونها ذكرى للغانية ، ولكن بفعلها هذا صار لها مكانة ومنزلة ليس عند عامة الشعب فحسب بل عند السلطان نفسه الذي أصر وصمم على أن يرد لها هذا الفضل والمعروف بأن يقدم لها الياقوتة الكبرى التي تزين عمامته .
السلطان : حسن ...ما دام الذكرى عندك هذا الشأن فاحتفظي إذن بهذا التذكار (( يخلع الياقوتة الكبرى من عمامته ))
الوزير : (( هامسا)) الياقوتة الفريدة في الدنيا ؟!
السلطان : إلى جانب فضلها تعتبر شيئا بخسا !
(( يقدم لها الياقوتة ...))
الغانية : لا يا مولاي السلطان العزيز ..لست أستحق ...لست جديرة بكل هذه ....هذه....
السلطان : (( وهو يتحرك للانصراف )) وداعا أيتها السيدة الفاضلة .
الغانية : (( وفي عينيها عبرة )) وداعا أيها السلطان العزيز !..
السلطان : (( يلمح دمعتها )) أتبكين ؟
الغانية : من الفرح !
السلطان : لن أنسى أبدا أني كنت عبدك ليلة .
الغانية : في سبيل المبدأ والقانون يا مولاي !
(( تطرق لتخفي دمعها ...))
الفصل الرابع .
الحـــوار .
تعتمد المسرحية – أكثر من غيرها من الفنون – على الحوار ، فكل شيء مستتر ومخفي ومتوارٍ من عناصر ومقومات المسرحة ، والذي يكشف ويجلي كل هذا هو الحوار ، فلا مسرح بلا حوار ، " ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنه بدون الحوار لما كان هناك أدب مسرحي " وعلى قدر نجاح الحوار في الكشف عن عناصر المسرحية على قدر نجاح العمل الفني ." إذا كان البناء المسرحي والمواقف تتشكل من خلال تفاعل الأحداث ، فإن الحوار هو وسيلة هذ التفاعل وهو الأداة التي تتواصل عن طريقها شخصيات المسرحية وتقوم مقام المؤلف (( في الرواية )) في سرد الأحداث وتحليل المواقف والكشف عن نوازع الشخصيات "
والحوار في المسرحية قمين أن يكون من أهم وأسباب نجاح المسرحية ، وهو – كذلك – قد يكون السبب الأهم في فشل المسرحية كعمل فني ، لذلك وضع النقاد واجتهدوا في ذلك وبينوا بصورة وضحة معايير نجاح الحوار كعنصر هام ومقوم أساسي للعمل المسرحي .
" لذلك ينبغي أن يتسم الحوار بالحيوية وأن يكون ذا قدرة على الإيحاء بما يدور في نفس الشخصية وفكرها أكثر من قدرة الحديث العادي وأن يتجاوب مع طبيعة الموقف والشخصية فلا يظل على وتيرة أو إيقاع واحد ، فقد يمضي الحوار على نحو عادي حتى يبلغ الموقف حد التأزم فيتوتر الحوار ويزيد إيقاعه ويصبح – في المسرحية النثرية - أقرب إلى الشعر ، وقد تطور الشخصية خلال نمو الحدث المسرحي فيتلون الحوار حسب ما طرأ عليها من تغيير ،كما يتلون حسب اختلاف الشخصيات نفسها في المستوى العاطفي والفكري والاجتماعي "
وإذا كان العمل المسرحي يتكون من وحدات أو عناصر فإن الحوار هو الذي يخلق للمسرحية قوامها ويظهر كيانها ، فهو الجامع لكل تلك الوحدات وهو الذي يوحد تلك العناصر في وحدة فنية ووحدة عضوية " ومن خلال تفاعل الأحداث والشخصيات والصراع – في صورة حوار – يتم للمسرحية ما يمكن أن نسميه بالبناء الفني للمسرحية ونعني به التحام هذه العناصر في عمل متكامل يبدأ بعرض للأحداث والشخصيات عرضا عاما ثم يتتبع تطورها ومصائرها حتى تبلغ النهاية التي يرى المؤلف أنه يضع خاتمة لهذا البناء "
واستطاع ( الحكيم ) بكل كفاءة ومقدرة أن يستعمل لغته محققا تعادلية متميزة ، فلغة الحوار لا هي عامية مبتذلة تتناقض وشخصيات مثل السلطان والوزير والقاضي ، ولا هي مغرقة في الغموض والتقعر تتناقض وشخصيات مثل الخادمة والخمار والإسكاف والجلاد ، فلغة الحوار راقية تقترب من لغة الشعر ، وفي نفس الوقت تتصف بالشفافية التي تكشف عن فكر ومشاعر الشخصية بكل وضوح " إن أسلوب الحوار في مسرحية (السلطان الحائر ) سلس ورشيق ينساب رخيا ، قصير الجمل ، سهل التركيب ، منوع التعبيرات واضح المعنى ، قوى التأثير ، يسوق بعضه إلى بعض في إطراد ، يمتع ويشوق ويدفع حركة المسرحية قدما إلى مزيد من تعقيد وإثارة .
وهو فصيح الكلمات ، من غير غرابة ، ولا تفاصح ، وسليم بناء الجمل ، من غير قوة ولا تصنع ، وبليغ العبارات من غير تنميق ولا افتعال "
وفي كثير من الحوار بين الشخصيات يرتقي الحوار ويسمو ليصل إلى جوهر القضايا ويناقش ما هو ثابت وباق وبهذا يصطبغ بالصبغة الفلسفية في صورة بسيطة ميسرة تصل إلى الهدف والمقصد من أقرب طريق " وقد تجلت اللغة الحوارية عند الحكيم برشاقتها وبروحها الفكهة وعمق رمزيتها الفلسفية وهذا ما شهد به كثير من النقاد والباحثين "
وقد تحقق في لغة الحوار شيءٌ هامٌ – إلى جانب الصبغة الفلسفية - أنها لغة تجنح إلى الرمز ،لذلك فتفسير الحوار لا يقف عند مستوى واحد ولكن له أكثر من تفسير ، وتأويله لا يصادر العديد من التأويلات إنما يتسع ليشمل كافة التأويلات التي تزيد من ثراء العمل الأدبي ليصبح صالحا لكل زمان ولكل مكان ؛ لأنه مرتبط بجوهر العملية الفنية وهي التجربة الإنسانية " كما امتازت لغة الحوار بالرشاقة والفكاهة ، امتازت أيضا بالرمزية ، وتعد الرمزية سمة أسلوبية بارزة في المسرحية على حد قول د. مندور " ولقد خيل إلى أن هذه المسرحية العظيمة قد تحول فيها كل لفظ وكل موقف إلى رمز كبير لحقيقة من حقائق الحياة العميقة الكاوية "
ولكن ولأن عماد هذا العمل الأدبي – كما قلنا – هي الفكرة، فهي تلقي بظلالها على كل عناصر العمل الفني ومنه الحوار ، فكثير من المشاهد ينفلت الحوار من الكاتب - ولأنه يسعي سعيا حثيثا إلى المعاني الذهنية الكلية – لتتحول اللغة كلغة المحاضرات الجامعية على لسان الدكاترة أو المرافعات في المحكمة على شفاه المحامين ، لغة دقيقة رصينة محددة ولكن ينقصها الحيوية والحرارة والحماس حسب ما تقتضيه المواقف المسرحية ، والتي تخلق تواصلا حميما بين النص كعمل فني وبين القارئ ، وربما الذي فرض تلك السمة على الحوار – إلى جانب أثر الفكرة – أن الموضوع الذي تناقشه المسرحية أو المحور الذي تدور حوله موضوع هام وجليل الشأن وهو الاٍسلوب أو الطريقة التي يجب أن يتبعها الحاكم في حكمه أهو السيف أم القانون .
والحوار في الفصل الأول - وهو من أطول الفصول في المسرحية حيث يبلغ تسع وخمسون صفحة ، وكان الحوار بين السلطان والوزير وقاضي قضاته – اتسم بمميزات هامة ، وتلك المميزات كانت السمة الغالبة للحوار على طول المسرحية من حيث التنوع والحيوية ومتناسب في تصوير الشخصيات وما يعتقدونه بشأن الخيار بين القوة والقانون ، وإن رأى بعض النقاد أن الحوار قد طال وأمتد وكان يمكن اختصاره في مساحة أقل لا سيما ما يخص الحوار بين المحكوم عليه والجلاد ." إن الحوار في المقطع السابق موزع على ثلاثة أشخاص توزيعا منسجما ، لا يطول فيه كلام أحد ، ولا يطول صمت آخر وهو منوع تنويعا يتناسب والانفعالات ففيه طلب واستفهام وإخبار واستنكار وتتضح فيه سوقه الموقف إلى تعقيد كما يظهر فيه تصويره الشخصيات ، فالسلطان يحاور ويعلق ، ويتخذ رأيا بقتل القاضي ، ثم يتراجع عنه ، والقاضي جلد قوي في ثبات واعتداد والوزير يخادع في مكر ولا يبدو في المقطع شيء من الكلام زائد عن الحاجة أو لا ضرورة له أو يمكن الاستغناء عنه "
الفصل الخامس .
الصـــراع
المسرحيةُ بناءٌ فني محكم يقوم على دعائم ويستند إلى أركان ، وكل دعامة من تلك الدعائم لها دورها ووظيفتها في البناء الفني للمسرحية ، وإذا غاب ركن أو ضعف أو لم يقم بدوره ولم يؤد وظيفته انعكس هذا على البناء وأصابه بالوهن والقصور ، ولكن أهم تلك الدعائم – وكل الدعائم هامة – هو الصراع ، " إن الصراع يمثل العمود الفقري في البناء الدرامي فبدونه لا قيمة للحدث أو لا وجود للحدث " ؛ لأنه لا يقتصر أهميته على أنه دعامة هامة ولكن يمتد أهميته بما يمثله لبقية الدعائم ، فهو – إلى جانب ما يضيفه من عنصري الإثارة والتشويق – الذي يربط بقية الدعائم لتساعد أن تجعل منها وحدة واحدة أو تكون منها بناء قوى متماسك يشد بعضه بعضا ، ويخلق منها وحدة فنية لها ما يخصصها ولها ما يميزها ،" صدام بين شخصين أو جماعتين أو فكرتين في العمل الأدبي ، ويتجلى ذلك في المسرحية ، ويعد جوهرها وأساسها فهو الباعث الأول على التشويق والحركة وشد الجمهور " هو كالعمود الفقري للجسم الذي ينهض بالجسم ككل ، وبقية الأعضاء والأجزاء تعتمد عليها ليقوم كل منها بدوره ووظيفته على أفضل هيئة ،ويخلق بينها ما نسميه بوحدة التناغم والانسجام ليعمل الجميع كوحدة واحدة ، وبدونه – الصراع – نفتقد هذا الأمر فنجد التنافر أو التخاصم بين الدعائم ، فكل منهم يؤدي دورا لا شأن له ببقية أدوار الأخرين ،وبدونه نفتقد الوحدة الفنية التي تخلق للعمل الفنية تميزه وتمنحه أصالته ومكانته ومنزلته بين الأعمال الفنية المعاصرة له أو السابقة عليه .ولا يظهر وتتجلى أهميته وضرورته كما هو الأمر في الفن المسرحي ، فلو غاب أو ضعف دوره في بقية الفنون الأدبية لنهض العمل الفني بدونه ، نعم سيكون له أثره على العمل ، ولكن لن يؤدي به إلى التفكك كما هو الوضع مع الفن المسرحي .لذلك مقولة : (( لا مسرح بدون صراع )) مقولة صادقة تمام الصدق وصريحة كل الصراحة .
ولأهميته تعددت التعريفات له في معاجم المصطلحات الدرامية والمسرحية ، وأسهبت في تصنيفه
" يُسمى تضاد الأشخاص أو القوى الذي يعتمد عليه الفعل في الدراما والقصة صراعا ، والصراع الدرامي هو الصراع الذي ينمو من تفاعل قوى متعارضة ( أفكار ومصالح وإرادات ) في حبكة ويمكن القول إن الصراع هو المادة التي تبنى منها الحبكة "
وإذا كانت بقية الدعائم للعمل المسرحة ثابتة أو ساكنة أو متحركة وفاعلة بما يتفق ودورها ووظيفتها ، فإن الصراع هو العنصر المتميز في حركته السريعة المتطورة النامية ، بل تلقى عليه تبعة ومسئولية حركة ونمو وتطور بقية العناصر ، هو كالقاطرة التي تجر وتسحب بقية العربات ، وعلى مقدار سرعتها في التطور والنمو والوصول إلى المقصد و المغزى من العمل الفني على قدر نجاح بقية العناصر في تأدية دورها والقيام بوظيفتها
وللصراع أنواع وأشكال عديدة ولكن يمكن حصرها في نوعين " والصراع نوعان :
الأول داخلي : ويدور داخل الشخص نفسه ومن ذلك المأزق الذي وُضع فيه هاملت حين قرر الانتقام لأبيه متى وكيف يقوم بذلك ؟
والثاني : الصراع الخارجي : ويدور خارج الذات الإنسانية ، فقد يكون بين شخص وآخر أو بين الشخص والمجتمع أو بين فئة وأخرى "
ولا يكفي أن يكون ثمة صراع في العمل المسرحي ، فلابد أن يكون له مواصفات تضمن له عنصر النجاح ، فلا يغني العمل المسرحي أن يكون الصراع فاترا باردا ، ولا أن يكون من أجزائه ،ولا أن يكون الصراع خفيا مستترا ، ولا أن يكون الصراع بين قوتين غير متناظرتين أو متكافئتين ، ولا أن يكون الصراع غير مبرر وغير منطقي ، ولا أن يكون الصراع متعلق بمصير الفرد او مجموعة الإفراد الذين يحدث بينهم الصراع ، ولا أن يكون الصراع غير نام أو متطور ، وألا ينعكس أثره على تطور ونمو العمل ككل . " الصراع الناجح هو الذي يجري واضحا وقويا منذ بداية المسرحية ويسود فيها حتى النهاية ويكون قوتا الصراع متكافئتين ، إذ ليس من صراع مثير في مباراة تتفوق فيها فئة على أختها تفوقا هائلا "
(الحيرة ) عوضا عن الصراع في "السلطان الحائر"
قد يستبدل الصراع بعنصر آخر ، ويقوم مقام الصراع ، ولكنه لا يستطيع أن يؤدي ما يؤديه الصراع ، ففي المسرحية لم يكن هناك صراع بالمفهوم الفني ،بأن يكون الصراع بين إرادتين ، فالصراع هنا – في حقيقته – بين فكرتين أو بين فلسفتين ، فكرة القانون وفكرة القوة ، ولا يغني وجود القاضي الذي يرمز أو يمثل مبدأ أو فكرة القانون ، والوزير الذي يمثل مبدأ أو فكرة القوة ، فوجود السلطان بينهما ليختار أثبت وبرهن أن الصراع صراع أفكار وقيم مبادئ ، وتلك سمة من سمات مسرح ( توفيق الحكيم ) " فإن الغالبية الكبرى من مسرحياته أعمال أدبية رائعة ، أقول أدبية لأنني أقصد أنها عندما تمر في اختيار التجربة على خشبة المسرح فإنها تصبح شيئا آخر ، إنها جميعا وبلا استثناء تثير قضايا فكرية وذهنية هامة ولكن الفكرة على المسرح تموت إذا لم نستطع أن تشد المتفرج إلى كرسيه طوال مدة العرض "
ولنكن منصفين فليس معنى أن المسرحية قائمة على الفكر أنها خالية من الصراع ، الصراع موجود ولكنه ليس بنفس الحدة والتوهج والحرارة والأثر القوى الذي يطرق طابعة على بقية عناصر العمل الفني حينما يكون الصراع بين إرادتين إنسانيتين من لحم ودم وأعصاب ، لأننا بشر يكون تعاطفنا مع البشر أكثر وأشد من تعاطفنا مع الفكر والقيم والمبادئ " هل معنى هذا أن ما يسمونه بمسرح الفكر خال من الصراع ؟
نحن لم نقل ذلك فالصراع موجود ، صراع تتناطح فيه الأفكار ، وتلك نقطة الضعف الرئيسية في مسرح الفكر هذا ، لأن الصراع الدرامي يجب ان يكون صراعا بين إرادات إنسانية ، تحاول فيه إرادات إنسان ما أو مجموعة من البشر كسر إرادة إنسان آخر أو مجموعة أخرى من البشر ، وما نراه نحن على خشبة المسرح طوال الوقت في عرض مسرحي جيد هو تيار مستمر بين أخذ ورد بين مد وجذر لصراع بين إرادتين متباينتين ، وحينما يكون الصراع على هذا المستوى يصبح العنصر الإنساني أساسيا لأننا كمتفرجين لابد وان نتعاطف مع جانب ضد الآخر ، فهؤلاء الذين يتحركون أمامنا على خشبة المسرح بشر مثلنا وعملية الحياد في هذه الحالة عملية بعدية الحدوث بمعنى أن المتفرج لا يستطيع أن يظل بعيدا عن ذلك الصراع الإنساني ولابد أن يتعاطف مع أحد طرفي الصراع حتى ولو لم يعي ذلك بالضرورة النفور من الطرف الآخر ، أما في حالة المسرح الفكري فالصراع لا يدور على نفس المستوى ؛ لأنه ليس صراع إرادات ، بل صراع بين فكرة وفكرة ، بين فلسفة وفلسفة وليس بين البشر مثلنا ، وصراع كهذا عادة ما يكون صراعا يحاول كل جانب فيه أن يثبت حجته ووجاهته أو يحاول ان يثبت أنه هو الحقيقة والباقي زيف ، والمتفرج ليس ملزما بأخذ جانب ضد آخر وحتى حينما يميل إلى عمل ذلك أي أخذ جانب فكرة ضد الأخرى فإن الوسيلة التي يلجأ إليها هذا الطرف هي وسيلة الإقناع وليس التعاطف . خلاصة القول أن الصراع في مسرح الفكر ليس صراعا دراميا بمعنى الكلمة فهو لا يؤدي في جزئياته إلى لحظات التوتر العاطفي الذي يكون في مجموعه الصراع في المسرحية كلها "
إذن لم يكن ثمة صراع في (( السلطان الحائر )) بالمعنى الفني وبالمفهوم الدرامي وإنما كانت هناك ((حيرة)) ، وهناك فرق شاسع بين الحيرة والصراع ، فالحيرة شعور ينتاب الشخصيات ، ويدفهم إلى سلوك وتصرف ما للخروج من دائرة هذا الإحساس ، بحث عن مخرج للخلاص من تلك الحيرة والقلق والتوتر ،بينما الصراع دعامة من دعامات العمل الفني تكنيك فني يسهم في تكامل العمل الفني ونموه وتطوره والوصول به إلى الذروة .وما تعرض له السلطان في المسرحية – في الاختيار بين السيف والقانون - لم يكن صراعا، أو قل إنه صراع مجهض ، أو صراع لم يكد يبدأ حتى انتهى ، لم يطل الأمر بالسلطان حتى حسم الصراع وأنهاه واختار ( القانون ) ، لم يعرض الكاتب سلطانه لكثير من المشقة والمعاناة ، ولم يمد أمد تلك المشقة والمعاناة وأشفق عليه ورحمه من هذا الأمر ؛ لأن قطبي الصراع اللذين كانا يمثلهما ( الوزير ) و( القاضي ) كانا على مسافة واحدة وبنفس القوة من السلطان ، وكلاهما السلطان لا يعنيهما في شيء ، فكل منهما يعمل لنفسه ويحرص على مكانته ويؤدي وظيفته بمنتهى أريحية ، لم يكونا طرفي صراع بقدر ما كانا مستشارين كل منهما يشير على السلطان بوجهة نظره وبما يمثلان ويرمزان ، فالوزير يمثل القوة والقاضي يمثل القانون ، كل منهما متمسك برأيه ، وكل منهما اتخذ قراره منذ البداية .
ولنفرض بوجود صراع ما ، فهو صراع خارج نفس وعقل وضمير السلطان ، وكان الأمر اختيار بين أمرين أو بين رأيين ، رأي الوزير ورأي القاضي للخروج من الورطة التي وقع فيها السلطان ، وقد اختار السلطان ما اختاره لا لشيء إلا لأنه ما يقتضيه العقل والمنطق وما يحقق مصلحة السلطان ومصلحة الوزير ومصلحة القاضي ومصلحة الجميع بلا استثناء .
لم يستعرض السلطان مصيره وحياته وشكل حكمه إن هو اختار السيف .
ولم يستعرض السلطان مصيره وحياته وشكل حكمه إن هو اختار القانون . والحوار بين بينه وبين وزيره وقاضي قضاته يكشف ويجلي هذه الحقيقة ، حقيقة أن ثمة حيرة ولم يكن ثمة صراع بالمرة .
القاضي :والآن فما عليك يا مولاي سوى الاختيار : بين السيف الذي يفرضك ولكنه يعرضك ، وبين القانون الذي يتحداك ولكنه يحميك ! ..
السلطان : ”مفكرا لحظة” السيف الذي يفرضني ويعرضني ، والقانون الذي يتحداني ويحميني ؟! ..
القاضي : نعم ..
السلطان : ما هذا الكلام ؟! ..
القاضي : الحقيقة الصريحة ..
السلطان : ” يفكر مردداً ” السيف الذي يفرض ويعرض ؟! .. والقانون الذي يتحدى ويحمي؟!
القاضي : نعم يا مولاي ! ..
السلطان : ” للوزير ” يا لهذا الشيخ اللعين ! .. إن له عبقرية نادرة في أن يوقعنا دائما في الحيرة ! ..
القاضي : إني ما صنعت يا مولاي غير أن طرحت عليك وجهي المسألة ، وعليك أنت الاختيار ! ..
السلطان : الاختيار ؟! .. الاختيار ؟! .. ما رأيك أنت يا وزير ؟!..
الـوزير : أنت الذي يبت في هذا يا مولاي ! ..
السلطان : إنك لا تعرف أنت أيضا ، فيما أرى ؟!..
الـوزير : في الواقع يا مولاي ، إن ..
السلطان : إن الاختيار صعب ؟! ..
الـوزير : حقا ..
السلطان : السيف الذي يفرضني على الجميع ، ولكنه يعرضني للخطر .. أو القانون الذي يتحدى رغباتي ولكنه يحمي حقوقي ! ..
الـوزير : نعم ..
السلطان : اختر لي أنت ! ..
الـوزير : أنا ؟! .. لا .. لا يا مولاي !..
السلطان : مم تخاف ؟ ..
الـوزير : من العواقب .. عواقب هذا الاختيار .. إذا اتضح يوما إني اخترت الطريق الخطأ ! .. ويا لها يومئذ من كارثة ! ..
السلطان : لا تريد تحمل التبعة ؟! ..
الـوزير : لست أجرؤ .. وليس من حقي ! ..
السلطان : لابد من البت في النهاية ..
الـوزير : ما من أحد غيرك يا مولاي يملك حق البت في مثل هذا الأمر ..
السلطان : حقا .. ما من أحد غيري ! .. ولن أستطيع التهرب من ذلك .. أنا الذي يجب عليه أن يختار ، ويتحمل تبعة الاختيار ! ..
الـوزير : أنت مولانا وحاكمنا ! ..
السلطان : نعم ، وتلك ساعتي المخيفة ! .. الساعة المخيفة لكل حاكم ! .. ساعة يصدر القرار الأخير ، القرار الذي يغير مجرى الأمور ! .. ساعة ينطق بذلك اللفظ الصغير ، الذي يبت في الاختيار الحاسم ! .. الاختيار الذي يقرر المصير ! ..
” يفكر مليا ، وهو يقطع المكان جيئة وذهابا ، والكل ينتظر نطقه .. والصمت يخيم لحظة .. ” .
السلطان : ” وهو مطرق في تفكيره ” السيف أم القانون ؟! .. القانون أم السيف ؟! ..
الـوزير : إني مقدر يا مولاي دقة موقفك !..
السلطان : ولا تريد مع ذلك أن تعينني برأي ؟! ..
الـوزير : لا أستطيع .. أنت في هذا الموقف صاحب الرأي وحدك ! ..
السلطان : لا مفر إذن من أن أقرر بنفسي ! ..
الـوزير : هو ذاك ..
السلطان : السيف أم القانون ؟! .. القانون أم السيف ؟! .. ” يفكر لحظة ، ثم يرفع رأسه بقوة ” حسن .. لقد قررت ..
الـوزير : أوامرك يا مولاي ! ..
السلطان : قررت أن أختار .. أن أختار ..
الـوزير : ماذا يا مولاي ؟ ..
السلطان : ” صائحا في عزم ” القانون ! .. اخترت القانون .
إن رسم شخصية السلطان بهذا الضعف والوهن من العسير أن يعرضه المؤلف لصراع يصهر ويكشف ويجلي معدنه الحقيقي ، إنه لا يتحمل ما يفرضه الصراع من قسوة وشدة وتمحيص ، حتى الاختيار بين السيف والقانون - وهو مجرد كلمة ينطقها - يطلب من وزيره أن يختار له ، وحينما يرفض الوزير يسأله السلطان : ( مم تخاف ؟!) في الحقيقة الخائف هنا هو السلطان ، وإلا ما طلب من الوزير أن يختار له ، ويقول السلطان للوزير : ( لا تريد تحمل التبعة ) السلطان يخاطب نفسه والوزير يجيب بلسان السلطان ، أو هو يحاول أن ينقذ نفسه من هذا الموقف الحرج ويلقي تبعة الاختيار على السلطان يقول الوزير : ( عواقب هذا الاختيار ..إذا اتضح يوما أني اخترت الطريق الخطأ ..ويا لها يومئذ من كارثة !) ويقول محاولا تبرير عدم الاختيار نيابة عن السلطان ( لست أجرؤ ...وليس من حقي ) ، والسلطان كذلك تنقصه الجرأة في اتخاذ القرار ، ولكن لا أحد له الصلاحية في أن ينوب عنه ، لأن هذا حقه لا يشركه فيه أحد . وكشف الوزير ضعف وتردد السلطان ، فتحدث عن الحق ولم يتحدث عن الجرأة او الشجاعة أو المقدرة : ( ما من أحد غيرك يا مولاي يملك حق البت في مثل هذا الأمر ) ، السلطان خائف والخائف ينأ بنفسه أن يدخل منطقة الصراع التي تستدعي من الإنسان شحذ إرادته وقبول التحدي والمواجهة يقول السلطان : (نعم ، وتلك ساعتي المخيفة ..الساعة المخيفة لكل حاكم !..ساعة يصدر القرار الأخير ، القرار الذي يغير مجرى الأمور ! ساعة ينطق بذلك اللفظ الصغير ، الذي يبت في الاختيار الحاسم ..الاختيار الذي يقر المصير ) السلطان متهيب وخائف لا من تحمل ما ينتج عن القرار من عواقب ، ولكنه متهيب من مجرد اتخاذ القرار ، ذلك اتخذ وقتا في التفكير العقلي المجرد ، جانب واحد من جوانب شخصية السلطان هو الذي يعمل ، ويعمل تحت وطأة الخوف والقلق والتردد :( يفكر مليا ، وهو يقطع المكان جيئة وذهابا ، والكل ينتظر نطقه ..والصمت يخيم لحظة )، ( "وهو مطرق في تفكيره " السيف أم القانون ؟! القانون أم السيف ؟!) ويشفق الوزير على السلطان لما يراه من خوف وقلق وحيرة فيقول له ( إني مقدر يا مولاي دقة موقفك ! ) السلطان ليس خائفا فحسب بل هو يريد الهروب من هذا المأزق ، حتى الحيرة والقلق لا يتحملها يقول للوزير للمرة الثانية : ( ولا تريد مع ذلك أن تعينني برأي ؟!) ويحيبه الوزير للمرة الثانية أيضا مؤكدا خوف وتردد السلطان : ( لا أستطيع ..أنت في هذا الموقف صاحب الرأي وحدك ) السلطان هنا كالواقف على شط بحر ويخشى القفز في الماء ، ويريد أن يغمض عينيه ويأتي أحد من وراءه – بدون أن يدري – ويدفع به إلى الماء ، فبعد هذا الحوار الطويل بينه وبين الوزير يعود ويقول : ( لا مفر إذن من أن أقرر بنفسي ! ) أنظر إلى كلمة ( بنفسي ) ولا ينسينا الحوار أن السلطان هو من يتحدث ، ومعنى السلطان أن لا أحد له الكلمة او الرأي أو القرار إلا هو ، هل هو في حاجة لمن يقول له أن القرار قرارك والمصير مصيرك والرأي رأيك ،ويعود ويسأل للمرة الثانية أو الثالثة ويفكر للمرة الثانية أو الثالثة ( السيف أم القانون ؟! ..القانون أم السيف ؟! ..( يفكر لحظة ثم يرفع رأسه بقوة ) حسن لقد قررت ) يسأله الوزير : ( أوامرك يا مولاي ) ( قررت أن اختار ..أن اختار ) هنا السلطان لم يختر ، ولكنه قرر أن يختار فبدلا أن يكون الأمر مرحلة واحدة جعلهما مرحلتين ، ( قررت أن أختار ...أن أختار ) حتى المرحلة الثانية لم يذكر موضوع الاختيار إلى أن سأله الوزير ( ماذا يا مولاي ؟) ( "صائحا في عزم " القانون ...اخترت القانون ) وهل كان الأمر في حاجة إلى صياح ، والصائح هنا سلطان ، لابد أن يتمتع بكل الهيبة والرزانة والثبات والقوة ، ويستدعي الأمر منه (العزم ) فإذا لم يكن السلطان عازما فمن يكون ؟!
مما سبق يتضح أن السلطان تهيب وضعف وعجز أن يترك منطقة الحيرة ويدخل منطقة الصراع ، وقصر المؤلف أن يدفع السلطان ليلج هذا الحيز ، والظروف التي تعرض لها السلطان أو عرضه لها المؤلف لم تنجح أن تحتويه وتضغط على جميع جوانبه الإنسانية ، وعنوان المسرحية يدل دلالة واضحة على حقيقة الموقف الذي وقفه السلطان ، ويدل أيضا على أن هناك بديلا عن الصراع وهو الحيرة وما يستتبعها من قلق وشك وتردد وعجز " وتبقى سمة لها أثرها البالغ في المسرحية ، تلك السمة هي الحيرة وما يتبعها من قلق وشك .
هذه السمة ينبئ عنها العنوان فإن الظفر بمغزى العنوان هو أول الحليل التكتيكية لفهم النص ، فهو الذي يزود القارئ بزاد ثمين لتفكيك النص وكشف خباياه كما يقدم معونة كبرى لضبط انسجام النص وفهم ما غمض منه .والعنوان الذي بين أيدينا يتكون من دالين الأول : السلطان / الموصوف ،والدال الثاني الحائر / الصفة ، ودلالة الصفة على الثبات ، لها قيمتها فقد ظلت صفة الحيرة ملازمة للسلطان منذ ظهوره حتى نهاية المسرحية فلم تحدث لحظة الانفراج إلا في النهاية . ويعضد ذلك اعتماد العنوان على الجملة الاسمية ودلالتها على الثبات على تقدير هذا السلطان الحائر .
من هنا أضحى العنوان رسالة لغوية تتصل لحظة ميلادها بحبل سُري يربطها بالنص لحظة الكتابة والقراءة معا فتكون للنص بمنزلة الرأس من الجسد ، نظرا لما يتمتع به العنوان من خصائص تعبيرية وجمالية تتحكم في دلالية النص "
وكان المنتظر أن تتطور وتنمو تلك السمة – الحيرة – لتصير نوعا من أنواع الصراع وعلى أي مستوى من مستوياته ، ولكنها ظلت ملازمة للسلطان من أول بدء المسرحية إلى نهايتها ،كأنه في دائرة مفرغة يظل يدور فيها بدون تور لأحداث أو نمو ، ولا ينبغي أن تخدعنا الحيرة التي وقع فيها السلطان عن الصراع الحقيقي الذي كان يجب أن تشتمل عليها المسرحية ولكن للأسف خلت منه " إن حيرة السلطان منذ أن عرف حقيقة عبوديته لازمته في كل فصول المسرحية ، حتى في صمته لحظة بيعه في مزاد علني يستطيع القارئ أن يستشف الحوار الداخلي ، أو حوار النفس ويستطيع المشاهد أن يتعرف الحيرة التي تساور السلطان على خشبة المسرح من خلال قراءة تعبيرات الوجه ونظرات العينين وحركات الجسم "
ولا ننكر أن ( الحيرة ) أدت ما يمكن أن يؤديه الصراع من ناحية ربط المشاهد والفصول ، ولكنه ربط ضعيف للغاية ، وجعلت أن في الإمكان الاستغناء على أجزاء من المشاهد وعدد من الحوارات تحذف ومع ذلك لا تخل بالبناء العام للمسرحية ، كذلك كانت للحيرة أثرها من غلبة بعض الملل والسأم لأن الأحداث لا تتطور ولا تنمو لا بالقدر المأمول ولا بالسرعة المطلوبة ، وكأن المؤلف قد استشعر غيبة ( الصراع ) فحاول أن يشغل او يشاغل القاري بعد من الشخصيات الشعبية مثل الخمار والاسكاف والجلاد والمؤذن والخادمة ، كذلك لجأ إلى الفكاهة والسخرية ولكن كل هذا لم يعوض عن غيبة عنصر الصراع " وقد لجأ المؤلف إلى شخصيات مألوفة في القصص الشعبي كالإسكاف والجلاد والخمار والمؤذن وخادمة الغانية ليستعين بها على ((سرد )) تلك الواقعة في جو من الطرافة والفكاهة قدًّر أنه يمكن أن يعوض المسرحية عن غيبة الصراع الحقيقي، وعما في حوارها ومواقفها من فتور وحسبنا أن نذكر أن أكثر من نصف الفصل الأول يمضي في حوار بين الجلاد والمحكوم عليه بالإعدام لا يخلو من كثير من الثرثرة قبل ان يصل الوزير والقاضي والسلطان إلى الساحة ، فيعلم السلطان أن الوزير قد حكم بإعدام ذلك الرجل لأنه يلغط في السوق مع اللاغطين في أمر رقه وعبوديته "
فرصة ضائعة .
ولأن الحيرة التي سيطرت على السلطان من البدء حتى النهاية - والتي لم تقم بما يقوم به عنصر الصراع – جعلت السلطان شخصية نمطية وجامدة لا تستجيب لجديد الأحداث ولا طارئ الظروف ، فوجوده في بيت الغانية كن كفيل أن يضعه في صراع حقيقي ، على الأقل صراع نفسي ، وأن يفجر في نفسه الكثير المشاعر المتعارضة و المتناقضة ، يحدث نوع من التطور التغير التبدل في شخصيته ، ولكن لم يحدث شيء من هذا ، وكأن السلطان في مأمن من الصراع ، وفي حماية مما يمكن أن يؤدي به الصراع من تبدل لنظرته لكل شيء حوله ، وهذا ما جعل المشهد – لقاء السلطان بالغانية – منفصل عن كيان النص المسرحي ، ولم يضف جديدا ، وبدده المؤلف في استدعاء صورة شهريار وشهرزاد وإن جعل المؤلف الأمر مختلفا بعض الشيء ، فشهر زاد هي التي تلم مصير شهريار ، وشهر زاد هي التي تطلب من شهريار أن يقص عليها من الحكايات والمواقف التي مرَّ بها في حياته ، والمشهد ابتعد عن القضية الأساسية التي من أجلها ساق قدره إلى أن يبيت عن الغانية ، ومن أجل هذا كان المشهد عبئا على المسرحية ول، والحق أن بقية المسرحية كان يمكن بعد البيع أن يكون البداية لصراع نفسي عميق حاد في نفس السلطان و حذف ما أحدث خللا أو قصورا " إن بقية المسرحية بعد مشهد البيع يصبح فضلا لا غنى فيه ما دام السلطان قد خضع للقانون ونبذ السيف ، والحق أن بقية المسرحية كان يمكن بعد البيع أن يكون البداية لصراع نفسي عميق جاد في نفس السلطان في تلك الساعات القليلة التي قضاها عن الغانية ، وكان يمكن لهذا الصراع أن يكون مدار اللقاء الحق في صورته المسرحية الناجحة بين القانون والسيف والحق والقوة ، غير أن المسرحية ظلت محتفظة بطابع (( الحكاية الشعبية )) في رسم شخصياتها وتطور أحداثها حتى النهاية ، وأصبح قصارى ما يمكن أن تقدمه إلى المشاهد رواية لحدث طريف ونهاية سعيدة قد يكون لها مغزى خلقي ولكنها بعدية عن طبيعة المسرح "
غياب قطبي الصراع .
لكي ينجح الصراع ويؤتي ثماره المرجوة ، ويمنح النص المسرحي نموه وتطوره وتماسكه لابد من وضوح قطبي الصراع وتواجدهما بوضوح على كل المستويات ، تلك الثنائية التي من شأنها أن تؤجج الصراع وتشعل أواره ، مثل الفضيلة والرذيلة والحق والواجب والشر والخير والوفاء والخيانة ، وتظل تلك الثنائية قائمة طوال المسرح لا تستبدل بغيرها وإلا لأنقطع تيار الصراع المتدفق وتجمد وتوقف ، والقطبيان المفروض يكون الصراع بينهما هما (( السيف والقانون أو الحق والقوة )) ولكن الأمر تحول إلى الصراع بين الخداع وحسن الحيلة ، وكأن الحيرة التي سيطرت على السلطان ألقت بظلالها على الوزير والقاضي ، فلم يكلفا نفسيهما أن يقودا أو يدفعا السلطان في الطريق الذي اختاره ، فضلا وضللا السلطان ، بل أنهما أجهضا أي حدث يمكن أن يتولد منه أي نوع من الصراع على أي مستوى من المستويات " وبهذا التدبير من القاضي والوزير تنهار القضية من أساسها ويصبح الصراع ليس بين الحق والقوة ، بل بين القوة والمكر والخداع وحسن الحيلة ، وكلا الجانبين سيء كالآخر ، صحيح أن السلطان قد رفض أن يقبل هذا الحل القائم على الخداع وأصرًّ أن يبقى في بيت الغانية حتى تعتقه بإرادتها ولكنه رفض غير مبرر ؛ لأن السلطان لم يمر في الساعات التي أمضاها في ذلك البيت بما يؤصل في نفسه معنى القانون والحق وكل ما اضافه الموقف إلى علمه أو خبرته أنه عرف أن السيدة ليست بمثل هذا السوء الذي يظنه الناس بها ، وهو حين يتحدث في حواره مع الغانية عن محنته يمسها مسًا رقيقا لا يدل على أنه يخوض تجربة نفسية وفكرية عميقة يمكن أن تحول شخصيته أو رأيه في القضية تحويلا حقيقيا ، فحين تسأله الغانية هل لديك فسحة للحب – وكان هذا ومثله مدار أغلب حديثها إليه – يجيب أن هناك ما يمنعه من ذلك : (( مشاكل الحكم ! وهذه إحداها تلك التي هبطت على رأسي اليوم ، على غير انتظار ، واوقعتني في هذه الورطة أترين مشكلة كهذه يمكن أن يصفو معها المزاج للحب ))
ولعل تسمية هذه المحنة بالورطة خير دليل على أنه كان هو أيضا ينظر إليها نظر الوزير والقاضي على أنها مجرد حل شكلي لابد أن يقبله على مضض ليصبح سلطانه قائما على الشرع والقانون "
ومن أسباب ضعف الصراع وعدم تصاعده وتطوره بالشكل المطلوب أن القوتين : القانون والقوة – في حقيقتهما – ليستا متناقضتين أو متعارضتين فهما بينهما تكامل وتعاون وتآذر ، حتى من ناحية اللفظ بينهما – كما يقول أهل البلاغة – ((جناس ناقص )) ، والقانون في حاجة إلى القوة لتنفيذه والقوة في حاجة إلى القانون لتبصيرها وترشيدها ، بل أن القانون – في حد ذاته – نوع من القوة بل له من الإلزام والهيمنة والسيطرة وعمق التأثير وشمول النفاذ وامتداد الفاعلية ما ليس للقوة ن وأي حاكم في حاجة إلى القوة ؛ لينفذ القانون والمقولة المشهور : (( إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن )) تدل دلالة واضحة على هذا المعنى ، وقد رأينا من خلال أحداث المسرحية كيف تم تحويل القانون – بعد العبث والمخادعة والمخاتلة – إلى شيء لا قيمة له ، بل يُتخذ وسيلة للقهر والظلم والاستبداد .
الفصل السادس .
البناء المسرحي في "السلطان الحائر" .
البناء المسرحي بناءان ، بناء فني وبناء فكري .
والعلاقة بينهما وثيقة كل منهما يعضد الآخر ، وهما متصلان – كذلك – اتصالا قويا ، وقد يكَّونان النهاية كيانا واحدا ولكن ميزنا وفرقنا بينهم – نظريا – لمزيد من البحث والدراسة.
البناء الفني
أما البناء الفني فقد اختار لها المؤلف الشكل أو القالب الكلاسيكي ، ربما رأى أن هذا هو الأنسب والأفضل لمعالجة الموضوع ، فعند البعض أن الموضوع هو الذي يحدد الشكل الفني للمسرحية " والعبرة على كل حال بما يقتضه الموضوع في ذاته ، فهو الذي ينبغي أن يحدد الشكل الملائم للمسرحية فعلى الكاتب المسرحي أن يستوحي الشكل مستهديا في ذلك بروح التناسب والتناغم "
والمسرحية تتكون من ثلاثة فصول :
الفصل الأول يستغرق ثماني وأربعين صفحة وفيها يعرض الحدث الرئيسي والشخصيات من نخاس ( المحكوم عليه ) والجلاد والغانية وخادمتها والخمار والإسكاف والمؤذن ويبدأ فيه عرض المأزق الذي يحاط بالسلطان الذي نتعرف عليه بدخوله إلى الساحة ومعه الوزير والقاضي لكي ينظر في شكاية النخاس ويتبين سبب الحكم بالإعدام على النخاس ‘ أنه يتفوه بأمر يمس السلطان ، أن السلطان مازال عبدا لم يحرره سيده ( السلطان السابق ) وأن لا يجوز أن يحكم سلطان (عبد) على شعب حر ويعرض القاضي كيفية الخروج من هذا المأزق أن السلطان يباع في مزاد علني ، ثم من يشتريه يعتقه .وبعد حوار طويل بين الثلاثة ( السلطان والقاضي والوزير ) يختار السلطان أن ينفذ القانون بدلا من استعمال السيف في إخراس الألسنة .والمشهد مبدع ومبتكر وبداية موفقة ويعتبر مدخل مناسب للموضوع المسرحية لولا الإطالة والتي قد تبعث على الملل من الحوار الذي دار بين المحكوم عليه والجلاد.
" ولا شك أن المشهد نفسه مشهد مبتكر كان يمكن أن يكون مدخلا طيبا إلى موضوع المسرحية لولا الإطالة الواضحة والرغبة البينة في الفكاهة والانسياق وراء طرافة المشهد وحسبنا أن نذكر أيضا على سبيل المثال ذلك الحوار الطويل الممل الذي يدور بين الجلاد والمحكوم عليه إذ يطلب الأول بعد أن ثمل أن يغني له الثاني أغنية جميلة ثم ينتهي الأمر بأن يغني هو نفسه فإنه يستغرق من صفحات المسرحية إحدى عشرة صفحة كاملة "
والفصل الثاني يستغرق ثماني وثلاثين صفحة ويعرض فيه أحداث بيع السلطان في المزاد ويرسي المزاد ان تشتريه الغانية وحينما يطلبون منها التوقيع على إقرار العتق ترفض لأن هذا الشرط ( عتق السلطان بعد شرائه عند سماع صوت المؤذن وهو يؤذن لصلاة الفجر ) يبطل علمية الشراء ؛ لأنه يجعل البيع مشروطا وهذا الشرط عجيب لأنه يقضى بتنازل المشتري عما أشتراه بدون مقابل ، وبعد مجادلات من جانب القاضي توافق الغانية بشرط أن يقضي السلطان – الذي هو عبد لها بحكم القانون- ليلته في بيت الغانية ويوافق السلطان على هذا الشرط ويذهب لقضاء ليلة في بيت الغانية .
والفصل الثالث ويستغرق ست وثلاثين صفحة ، ويتم عرض مشهدين المشهد الأول الحوار الذي دار بين الناس يمثلهم الخمار والإسكاف والجلاد وكان محوره على : هل ستفي الغانية بوعدها بتحرير وعتق السلطان عند الفجر أمن أنها ستحنث بهذا الوعد ومحاولة الوزير تلفيق تهمة الجاسوسة على الغانية وتحريض الناس ضدها وذلك كي يصدر الحكم بقطع عنقها وتراجعه عن ذلك ، أما المشهد الثاني في للسلطان في بيت الغانية وما قدمته للسلطان من طعام وشراب وغناء وموسيقى ورقص كي تدخل البهجة عليه ، ومن خلال الحوار يكشف عن حقيقة الغانية أنها بخلاف ما يشاع عنها أنها امرأة طاهرة نقية كل ما في الأمر أن تحب الأدب وتدعو الشعراء ومحبي الأدب لقضاء أوقاتا بريئة كما كان يفعل زوجها المتوفى والتي كانت أمة عنده وحررها قبل أن يموت ، وفي منتصف الليل يسمع أذان المؤذن لصلاة الفجر ، ويتعجب السلطان وتتعجب الغانية : كيف يؤذن لصلاة الفجر في منتصف الليل ، وتلك الحيلة التي لجأ إليها القاضي لإخراج السلطان من بيت الغانية ، وطلب من الغانية أن تفي بوعدها وحينما اعترضت أخبرها أن الشرط الذي وافقت عليه ( عند سماع صوت المؤذن يرتفع من فوق مئذنة المسجد ) وقد سُمع صوت المؤذن ، أما أن المؤذن أذن لصلاة الفجر عند منتصف الليل ، فهذا – في حد ذاته – خطأ المؤذن وسيعاقب عليه ، وليس امام الغانية إلا أن تحرر السلطان ، وفي النهاية توافق وقبل أن يعود السلطان إلى مقره يهديها الياقوتة الكبرى التي تزين عمامته اعترافا بفضلها وجميلها .
والفصل من ناحية البناء لا شيء عليه سوى حوار بين عدد من الشخصيات لم يضف شيئا بل بعث على الملل لأنه كان فاترا ، ولو حذف لما أخل بالبناء .
" ومن نماذج الثرثرة الطويلة في أوائل المشاهد ذلك الحوار الذي يستغرق وقتا ليس بالقصير في مطلع الفصل الثالث بين الوزير والاسكاف والخمار والجلاد وفيه يستطلع الوزير رأي الثلاثة في الموقف وفي الغانية وإمكان أن تفي بوعدها بإطلاق سراح السلطان ثم يأمر الجلاد أن يستعد لأعدامها في الصباح ثم يعود فيخشى أن يجلب إعجامها (( السخط العام من الشعب كله )) فيطلب إلى الجلاد أن يثير العامة بهتافه مع من يستطيع جمعهم ( إنها جاسوسة ) وينتهي المشهد كله إلى لا شيء "
عنصرا الزمان والمكان وأثرهما في البناء الفني .
والذي حدد شكل وطابع البناء عنصرا الزمان والمكان .الأحداث في الفصول الثلاثة تدور في الساحة التي كان سيعدم فيها النخاس ،لم يتغير المكان طوال الأحداث باستثناء قضاء السلطان بعض الوقت في بيت الغانية ، حتى هذا المكان كان متفرعا عن الساحة ،وهذا – في حد ذاته – قوى من البناء وجعله متماسكا ، وإن كان البعض رأوا في هذا نوعا من الضعف وإن ما يؤثر هذا على سلامة البناء " "مكان المسرحية خاص ومتميز وفيه انسجام مع بناء المسرحية وموقفها الفكري على الرغم مما فيه من بعض الثغرات التي تضعفه ولكنها لا تضعف ارتباطه ببناء المسرحية "
أما الزمن فكان محدودا كالزمان فكل الأحداث تقع بين فجرين الفجر الأول الذي كان يجب ان يعدم فيه النخاس ، ولم يؤذن المؤذن بسبب الحيلة التي لجات إليها الغانية من خلال دعوة المؤذن إلى بيتها ليشرب فنجانا من القهوة ، فمضى وقت الفجر ولم يسمعه الجلاد لينفذ حكم الإعدام في النخاس ، أما الفجر الثاني فهو حينما اذن المؤذن في منتصف الليل تحريضا من القاضي وتلك حيلة لجأ إليها لإخراج السلطان من بيت الغانية
" والفجر لعب دورا بارزا في البناء الدرامي ، حيث إنه ارتبط بالمكان ارتباطا وثيقا فالزمان والمكان يتلاقيان في الأفعال والأشياء تلاقي الخطوط الطولية والخطوط العرضية عند نقطة واحدة ، إلا أن الزمان يختص بالمظهر الحركي ؛ أي الأفعال ، وأن المكان يختص بالجانب السكوني ؛ أي بالصفات "
، وهنا يوجد تآزر او تقاطع بين المكان والزمان ،لجعل وتيرة الأحداث سريعة ، ولأن الأمر يخص السلطان وكل لحظة تمر هي نوع من الإهانة لكل السلطة الحاكمة وأولهم السلطان ، وما الذي يدفع التأخير أو التباطؤ والأمر بيد من بيدهم أزمَّة الأمور والمتحكمين في مصائر البشر
" زمن المسرحية محدود يمتد من فجر يوم كشف فيه أن ( السلطان )عبد مملوك لم يوقع السلطان الراحل وثيقة عتقه إلى فجر يوم أخر وقعت فيه ( الغانية ) وثيقة عتقه بل إلى ما قبل الفجر بقليل ، فقد أذن ( المؤذن ) للفجر قبل موعده بطلب من الوزير ، فالمسرحية تحافظ على وحدة الزمن بدقة وإحكام ، وهو لا يزيد فيها على دورة شمس واحدة ، ومثل هذا القصر يبدو مقصودا لا لتحقيق وحدة الزمان فحسب ، فهي غاية ثانوية ، وإنما للدلالة على قدرة السلطان على إبرام الأمور وإنفاذها ما بين فجر وفجر آخر يعقبه ، وفي ذلك انسجام ما بين الفكر والزمان تتحقق وحدة فنية أشمل وأكبر ، ما بين فجر وفجر يوم تال تقع حوادث وتتبدل أحوال وتتكشف حقائق وتنقلب أوضاع ، ففي الماضي كان (السلطان) عبدا و ( الغانية ) عاهرة . (والقاضي ) نزيها و( النخاس ) محكوما عليه بالإعدام ، وبفعل ما حدث في الحاضر أصبح ( السلطان ) حرا و ( الغانية ) شريفة و( الوزير ) ضعيفا و ( القاضي ) متلاعبا و ( النخاس ) عفي عنه "
والمسرحية بفصولها بناء فني متماسك ومتكامل تتوالى فيها الأحداث بسرعة والتناغم والانسجام متحققا بصورة رائعة بين عناصرها من موضوع وزمان ومكان وشخصيات وحوار .
" فالحق أن الفصول الثلاثة التي تتكون منها المسرحية تكاد تكون مفصلة تفصيلا على الحجم الطبيعي للشخصيات والأحداث والمواقف وكلها تصب في مجرى واحد هو علاقة السلطة بحرية الفرد والمجموع أو علاقة الإنسان بالنظام والحدث البسيط الذي بدأت به – أن يكون النخاس قد تلفظ بشيء معاد للسلطان – هو في ذاته حدث درامي أرقى بكثير من ذلك الحدث الذي تبدأ به مسرحية مثل (( شمس النهار )) هو حدث ذو دلالة يبني عليها مسرحيته كلها ، وإذا كان الجلاد والنخاس والمؤذن والخمار والاسكاف من الشخصيات المجردة التي يمكن اعتبارها بمثابة الديكور الإنساني والأضواء والظلال – وكلها تشارك في خلق الجو العام للمسرحية – إلا أن هناك الوزير وقاضي القضاة والسلطان والغانية وهي شخصيات درامية كاملة لا تتخلى عن تكوينها الإنساني الحي أمام المشكلة (( الذهنية )) الماثلة ؛ لأن المشكلة في صميمها ليست بمعزل عن إنسانية التجربة التي جسدها الفنان "
البناء الفكري.
حرص المؤلف حرصا شديدا على أن يكون البناء الفكري للمسرحية فوق البناء الفني ، لذلك منح هذا البناء الكثير من الوقت والجهد ، ومع ذلك فهناك عثرات فكرية ومنطقية ولا ندري هل هذه العثرات متعمدة من المؤلف يستكمل بها موقف الوزير والقاضي والسلطان من القانون ، أو حقيقة موقف السلطة الحاكمة بكل رموزها من القانون ، أم أنها عثرات فكرية وقع فيها المؤلف بدون قصد أو عمد ؟
كيف بنى المؤلف المسرحية فكريا وعلام اعتمد في هذا البناء ، اعتمد على أن الجميع اكتشف أمرا يهز ويزلزل أهم دعامة أو ركيزة في المجتمع متعلقة بشخصية الحاكم ، والحاكم في المجتمعات العربية لا سيما في المجتمع المصري ليس منصبا يشغل أو وظيفة تؤدى ، لا ..صورة الحاكم أو وضعه تتعدى ذلك بكثير ، فله أوصاف ونعوت ومعايير وضوابط ، ويمنح الكثير والكثير من الصلاحيات والتفويضات ، وفي بعض الفترات أو قل كلها لا رقيب عليه ولا محاسب فوقه ، هو السلطة الفوقية وليس ثمة من يراقبه أو يحاسبه ،وأغلب الذين وصلوا إلى الحكم من المماليك كانوا بالقوة والتآمر والخيانة والاغتيالات ولا احد من الشعب يعرف الحر من العبد وليس من ثمة دليل على حريته هذا أمر لم يكن يخطر على بال أحد ؛ لأن الظروف والأوضاع لم تكن تسمح بذلك ، وعبارة قالها السلطان توضح ذلك حينما واجهه القاضي بحقيقة الأمر .
السلطان : إنها أسرة برمتها من قدماء العبيد الأرقاء ، سلاطين المماليك ..الجميع جلبوا من نعومة أظفارهم إلى القصور ، حيث نشئوا التنشئة القوية القويمة ، ليصبحوا فيما بعد حُكاما وقادة للجيوش وسلاطين على البلاد وما أنا إلا واحد من هؤلاء ...لم أشذ عنهم ولم أختلف ..
البلد في ذلك الوقت تتقاذفها الكوارث والمصائب والأخطار والأعاصير ، من الخارج ومن الداخل والجميع بلا استثناء يسعي سعيا للجلوس على العرش ، بغض النظر عن الوسيلة التي تصله إلى ذلك ، السيف – هنا – هو سيد الموقف ، ومن بيده السيف هو الحاكم المطلق إلى أن يأتي من هو أقوى منه ، البحث عن الشكل القانوني لأهلية الجالس على العرش ترفٌ لا أحد يملكه ولا أحد يدعيه ،وما فعله الشيخ ( العز ابن عبد السلام ) حينما أصدر فتواه أن عددا من امراء المماليك ناقصو الأهلية ولا يحق لهم التصرف في أي شيء ؛ لأنهم ما زالوا أرقاء لم يعتقوا ، فهذا شيء لا يقاس عليه ، ولم يسبقه شيء من هذا ولم يعقبه ، هذا كان استثناء لا يجب أن يقاس عليه ، ثم كانت الفتوى ضد عدد من الأمراء ولم يكن الأمر متعلقا برأس السلطة نفسه ، وأن رأي المؤلف أن تلك الواقعة تصلح أن تكون بذرة أو نواة – بعد تناولها تناولا فنيا – لمناقشة موقف السلطة من استعمالها القوة أو القانون ، فهناك في التاريخ مواقف وموضوعات كثيرة تصلح لمناقشة هذا الأمر – بصورة عصرية – بدون اللجوء هذا الأمر الشائق " وقد كان للمؤلف مندوحة عن ذلك في كثير من مواقف التاريخ والحياة المعاصرة ، يجد المرء نفسه فيها مخيرا بين الحق والقوة في إطار أكثر ملاءمة لطبيعة الموضوع ورأي المشاهد العصري في الرق والحرية "
ولننظر كيف عالج المؤلف موضوعه فكريا .وبدأ كل من الوزير والقاضي يبحث عن طريقة للخروج من هذا المأزق
بدأت تتكشف الأزمة والمأزق الذي أحاط بالسلطان أو وجد السلطان نفسه محاطا به ، وبدأ كل من الوزير والقاضي يبحث عن طريقة للخروج من هذا المأزق ، وقد كان التباين واضحا بينهما – في البداية – فلكل منهما رأيه وطريقته في التفكير والمعالجة لهذا المأزق .
الوزير : مهلا أيها القاضي ، نحن الآن لسنا في صدد رأي القانون ، ولكنا في صدد البحث عن الطريقة التي نتخلص بها من هذا القانون وطريقة التخلص هي افتراض أن العتق قد وقع وتم ، وما دام المر سرا بيننا وما من أحد سوانا يعرف الحقيقة فمن الميسور أن نحمل الناس على تصديق ..
القاضي :الأكذوبة .
الوزير : قل الحق ..هذا اللفظ أليق وأنسب
القاضي : ..الحل بواسطة الكذب .
الوزير : وما الضرر في ذلك .
الوزير يرى حل المشكلة في السيف ، وهو بالفعل قد لجأ إليه حينما أصدر حكما بالإعدام على النخاس ، كي يدفن المشكلة وهي في مهدها ، والقاضي يرى حل المشكلة في تطبيق القانون ، وكان التخريج القانوني بان يباع السلطان في مزاد علني –طالما ما زال عبدا لم يعتق من السلطان السابق - ويوضع ثمن السلطان في بيت مال المسلمين لينتفع به ، وحتى لو تم هذا فأن السلطان لم يعتق ولم يصبح حرا، فقد اوجد البيع والشراء سيدا جديدا وحاضرا يمارس سيادته على السلطان ، لذلك واصل القاضي تخريجاته القانونية بأن ألزم من يشتري السلطان أن يوقع إقرارا أن يعتق السلطان فور شرائه ، وهذا الشرط – قانونا – يبطل ويفسد علمية الشراء ، لأن أي بيع مشروط بشرط ليس هو بالبيع وليس هو بالتملك ، لأن يتضمن الشيء ونقيضه في نفس الوقت ، في اللحظة التي تتملك فيها الشيء تتخلى عنه ولا يصير ملكك ! ويتم للقاضي ما يريد وتوافق الغانية التي اشترت السلطان بشرط أن يقضي السلطان ليلة في بيتها ، ويوافق السلطان ، ويعلن القاضي شرطا أمام الغانية أنها تعتق السلطان فجرا وأخبرها نصا بهذا الشرط ( عند سماع المؤذن يؤذن من فوق مئذنة المسجد ) ووافقت الغانية ، ويواصل القاضي العبث بالقانون وبالشروط التي وافق عليها السلطان ، بأن يحرض المؤذن يصعد فوق مئذنة المسجد ويؤذن في منتصف الليل ، وبذلك لابدان تعتق الغانية السلطان لأنه سُمع أذان الفجر .. نعم هذا خطأ سيحاسب عليه المؤذن بعد ذلك ، ولكن يبج أن تحرر الغانية السلطان لأنها سمعت صوت المؤذن ، هذا الأذان يكون في موعده أو غير موعده فلم ينص في الشرط عليه !
هذا فيما يخص القاضي أما فيما يخص الوزير فقد أستغل سلطاته بأن أصدر حكما بالإعدام على النخاس لمجرد كلمة قالها بدون تحقيق وبدون سماع دفاع النخاس عن نفسه ، والأهم أن الكلمة التي قالها النخاس صادقة وصحيحة ،فهو لم يفتر على السلطان بما ليس فيه ، هو بالفعل لم يعتق ولا يوجد في خزانة القاضي وثيقة تثبت أنه حر .
هذا الفساد والظلم والاستبداد والبطش على مستوى الوزير أعلى سلطة تنفيذيه في البلد .
وهذا الجهل والتضليل والتدجيل والتدليس من أعلى سلطة تشريعية يمثلها القاضي .
وإذا نزلنا دركات السلم الوظيفي سنجد الجلاد ، وهو – أيضا – رجل فاسد وظالم يستغل المحكوم عليه استغلالا ماديا ونفسيا ، بأن يطلبه بأن يدفع له ثمن كاس من الخمر يشربه ليعتدل مزاجه ويؤدي عمله- وهو قطع عنق النخاس – على أفضل صورة ، ليس هذا فحسب بل يطالبه أن يغني ليرفع من روحه المعنوية ويكون في احسن وضع ويتمادى في إذلال وتعذيب المحكوم عليه بأن يجبره أن يستمع إلى غنائه !
ويتطرق الفساد إلى المؤذن ، فهو يرضى ويوافق أن يذهب إلى بيت الغانية ليشرب فنجانا من القهوة الدافئ ولا يرى بأسا – بعد ذلك – أن يقسم أنه أذن للفجر ، مع أنه لم يؤذن ولم يصل!
والخمار والإسكاف والغانية وخادمتها الجميع أكد أن المؤذن ولكن الجلاد لم يسمعه ولأنه كان مخمورا ولذلك لم ينفذ حكم الإعدام على النخاس ، وقد فعلوا ذلك من أجل تحقيق غاية نبيلة وهو عدم تنفيذ حكم الإعدام على النخاس .
ويظهر وسط هذا الظلام بصيص نور ، وقاد إلى عقدة المسرحية أن المحكوم عليه كان قد أرسل إلى السلطان ( مظلمة) فهو لم يحاكم محاكمة عادلة – وهذا حقه – قبل ان يعدم ، وافق السلطان على النظر في المظلمة ،وهنا ثغرة في البناء الفكري للمسرحية فبدلا أن يُؤخذ المحكوم عليه إلى موطن العدالة إلى المحكمة للنظر في مظلمته ، يأتي السلطان بنفسه ومعه الوزير ومعها قاضي القضاة إلى المحكوم عليه في الساحة للنظر في مظلمته ، تحولت الساحة التي يشرف عليها بيت الغانية ، وحانوت الخمار ودكان الإسكاف وسط سوق المدينة إلى ساحة تقام فيها المحكمة ، هذا شيء يدعو إلى العجب والاستغراب ، ولا ندري ما الذي اضطر المؤلف إلى ذلك ؟!
ولكن هكذا أقام المؤلف الفصل الأول بأن اكتشف السلطان أنه لم يعتق ،وشكل الأمر للسلطان مأزقا وبالنسبة للقاضي معضلة قانونية وبالنسبة للوزير تحديا لقوته .
وألقى القاضي بالحل الذي فجر غضب السلطان ن بأنه مخير بين أن يستعمل السيف وبين أن ينفذ حكم القانون الذي يقضي بأن يباع في مزاد علني .
وهنا ثغرة فكرية ، أن السلطان مخير ، والمخير حر ، بينما السلطان منفي عنه هذا الأمر ، فهو بمقتضى عدم وجود وثيقة عتقه ليس من حقه الاختيار ، والقاضي اعترف وأقر ومنح السلطان صلاحية الاختيار واللجوء إلى الوسيلة التي بها يخرج من مأزقه .
معالجة المشكلة قائمة على مغالطة قانونية ، القانون يقول إن السلطان لا يملك من أمر نفسه شيئا فهو عبد مفقود الأهلية في اللحظة التي اُكتشف فيها أنه لم يعتق ، والمسرحية لكها مبنية على قرار السلطان ، والذي يعتمد هو الآخر على حرية السلطان في الاختيار بين البدائل ، ففيم البيع وفيم الشراء والعتق ؟!
لقدتم كل هذا بموافقة السلطان وبأمر بصفته سلطان وهو وفق القانون ليس بسلطان ؛ لأن أول شروط السلطنة هي الحرية !
هل فعلا تلك هي الصورة التي يريد أن يرسم الكاتب ملامحها القاتمة الكئيبة المؤسفة ؟
هل رسم كل هذا عن عمد وقصد ؟
ام أن الأمر كان عن غير قصد وأنه – هو الآخر – كان يسعى ليخلص السلطان ويصحح وضع خطأ ، ولكنه في النهاية لم يوفق !
والذي يثبت رغبة الكاتب في أن يصحح وضع السلطان أن جعل من يشتريه امرأة ( الغانية ) وكان اختيار – في حد ذاته – ذكيا وماكرا ؛ لأن كونها امرأة اختمال أن تضعف لضغط الوزير والقاضي والسلطان واردا . والمر الثاني فيما يخص الغانية أن لديها نقطة ضعف اخرى ، فهي عند أغلب جموع الشعب ( عاهرة ) فهي في حاجة ان تصحح تلك الصورة المشوهة عن الناس هي فعلا ليست عاهرة – وقد عرف السلطان تلك الحقيقة أثناء وجوده في بيتها – ولكن سمعتها وحكم الناس عليها انها عاهرة ، ولكي تأخذ حكما يخرس بل يقطع ألسنة الناس عن الخوض في سمعتها ، ليس هذا فحسب بل تكون الأشرف والأنقى والأطهر طالبت أن يبيت السلطان ليلة في بيتها ، وهذا هو الشرط لكي توقع ( العتق ) .
إصرار غريب وغير مبر أن يستمر طوال المسرحية العبث بنصوص القانون !
لقد ارتضى الجميع وأولهم السلطان أن تشتري الغانية السلطان من حرمانها ، وأرتضى السلطان أن تعتقه عن الفجر ، واشترطت وقبل السلطان شرطها وقام بالفعل بتنفيذ الشرط بالهاب غلي بيتها ليبيت فيه . فما ضر السلطان لو نفذ هذا الشرط ؟!
وما ضر القاضي أن ينفذ كل ما قضى به بدون اللجوء إلى التحايل والعبث بالقانون ؟!
وما ضر الوزير أن يترك القانون ليسير في مجراه بدون أن يفكر في إتهام الغانية بالجاسوسية لتعدم ؟!
وما القيمة الحقيقية من إخبار السلطان طوال المسرحية أنه اختار القانون ؟!
وهل المؤلف متعاون ومتواطئ مع شخصياته ومتفق معهم ؟!
أم أنه يريد أن ينقل لنا تلك الصورة المؤسفة ؟!
ولكن لا نريد أن نبرئ المؤلف فهو من وضع السلطان في هذا المأزق ، وهو –كذلك – من اخرج السلطان من هذا المأزق .والجميع صفق وأشاد بخروج السلطان من مأزقه .
ولكن مع كل ذلك يظل السلطان حائرا ، ليس هذا فحسب ، بل نحن – القراء والمشاهدين – أيضا حائرون ، وإن كنا لا ندري لحيرتنا سببا !
الفصل السابع
ظاهرة السخرية في ( السلطان الحائر )
هل يمكن اعتبار (السلطان الحائر ) مسرحية تنتمي إلى الأدب الساخر ؟!
يمكن اعتبار ( السلطان الحائر ) آية من آيات الأدب الساخر وعلامة متفردة في هذا الاتجاه .
فكل مقومات الأدب الساخر موجودة وبقوة وأصالة في النص المسرحي .
بداية ما الدافع الذي دفع المؤلف لكتابة المسرحية ، فهو يصرح في مقدمة المسرحية بشيء بينما ما تدل عليه المسرحية أو المقصد الحقيقي والمغزى الواقعي الذي استبطنته المسرحية يقول شيئا أخر فهو يقول في مقدمة المسرحية " فهو يقول في المقدمة القصيرة التي قدم بها مسرحيته للقراء إن الذي أوحى له بفكرتها هو ما أحسه أثناء إقامته في باريس من صراع دولي عنيف بين القانون ممثلا في هيئة الأمم المتحدة والقوة العسكرية ممثلة في القنابل الذرية الهيدروجينية ولكن الفكرة في الواقع أوسع وأعمق وأشمل من الصراع الدولي الحاضر ؛ لأنها أزلية خالدة لا ترتبط بزمان ولا مكان ،بل هي مشكلة إنسانية خالدة خلود الإنسان والمجتمع القومي والدولي على السواء ؛ ولذلك استحقت أن تعالج على أساس الرمز "
إذن في مقدمته يريد أن يصرف النظر عن موقفه الحقيقي من السلطة- في ذلك الوقت - وأسلوبها في الحكم ، وكيفية معالجة نهجها ، كي لا يصطدم معها ؛لأن المسرحية نقد ساخر ولاذع من رجال ورموز السلطة على رأسها السلطان / الحاكم ورموزها ممثلة في الوزير والقاضي وحتى الجلاد القائم على تنفيذ الأحكام ، وقد اختار هذه التورية في مسرحيته لأنه لا يستطيع أن يتوجه بالنقد الصريح إلى السلطات التي تبطش بمن تسول له نفسه أن يتناولها بالنقد ، فتلك السلطة منحرفة عن الجادة ، وفاسدة وفي حاجة إلى أن يظهرها الكاتب في تلك الصورة ، وأن يخلع من فوقها سرابيل الزيف حتى تظهر للناس على حقيقتها ، كي لا يلتبس الحق بالباطل ، يريد أن يفعل هذا ولكن بدون أن يعرض نفسه للعقاب ، فلا يسعفه في تلك المهمة الخطيرة غير السخرية .
ظاهرة السخرية نظريا .
مفهوم السخرية.
السخرية وسيلة من وسائل المقاومة الشريفة الراقية ، والتي تؤدي ما تؤديه أشد الأسلحة مضاء ولكن بدون ان تترك اثارا دامية
السخرية سمة ينفرد بها الإنسان دونا عن بقية المخلوقات ؛ لأنها في حجة إلى درجة يقظة وعالية من الوعي وكذلك الفكر والضحك والنطق .
ويمكن تعريف ( السخرية ) من خلال الوظيفة التي تؤديها والدور الذي تقوم به في المجتمع ، وهي لا تؤدي الوظيفة وتقوم بالدور ارتجالا أو عشوائية ، ولكنها تعد لهذا الأمر عدته ن بل وتتفنن في الأسلوب الذي تتخذه لتحقيق هدفها ، من خلال إبراز مظاهر الفساد ، ليس هذا فحسب بل تضخيمه والمبالغة في تصويره وتصوير أثاره حتى يكوِّن رأيا عاما ضده ويُتخذ موقفا مقاوما إزاءه
" هي فن إبراز الحقائق المتناقضة والأفكار السلبية في صور تغري بمقاومتها والرد عليها وإيقاف مفعولها من غير أن يلجأ إلى الهجوم المباشر أو يبدو في موقف يكون فيه هدفا للانتقام "
دور السخرية .
وهي تساعد في نمو الوعي القومي لدى الجماعات الإنسانية ، بل هي مكون من مكوناته ، لأنه شديدة التأثير على نطاق واسع وبصورة عميقة وبسرعة غير متوقعة وهي تنتقل بين الأجيال تاركة تأثيرها في كل الفئات بدون استثناء ، ومن فوائدها أنها تقاوم اليأس والإحباط في أشد المراحل ظلامية التي يمر بها أي مجتمع إنساني ، بل وتبعث على التفاؤل ومنح القدرة والصلابة لتحدى الصعاب والتغلب على ما يعترض المجتمعات من معوقات ومشكلات " وما تتمتع به السخرية من جدية فكهة يعطيها إمكانية السرعة في النفاذ إلى العقول والتأثر بها ويتيح لها الوقت الكافي لتنتشر ، وتتصل بالرأي العام وبأفكار الجماهير وتصبح من المكونات الأساسية للوعي القومي ، وللسخرية دورها في تجديد النشاط النفسي والترويح الجماعي فتنشر التفاؤل وتثري الإيمان بالمستقبل وتقوي طاقات الإنسان بالثقة ن ولعلها تقف وراء عناصر الصبر والاحتمال وطول النفس التي نجدها عند بعض الشعوب خاصة شعبنا العظيم "
موقف الأدب من السخرية .
ولأن من أولى مهام الأدب – وللأدب مهام كثيرة – إصلاح حال المجتمع وتقويم نواحي الاعوجاج فيه ، ودفعه إلى الأمام لتحقيق المزيد من النمو والتطور ، وتقوية وتأصيل القيم والمبادئ التي تعتبر سياجا وحماية لأفراده من للتعرض لصور وأشكال الانحراف ، فقد رأي الأدب – والأدباء – في السخرية أسلوبا من أفضل وأرقى وأحسن وأجلَّ الأساليب التي يتخذها ولتأدية هذا الدور الجليل ، فهو يؤتي ثماره ويحقق هدفه في سرعة وهدوء وتأن وصبر بدون إحداث أي أثر هدام ، ومعظم الأعمال الأدبية الخالدة لا تكاد تخلو من هذا الأسلوب ، وكثير من الأدباء والمفكرين أتخذوا السخرية أسلوبهم المفضل لمعالجة نواحي القصور في مجتمعهم ، وهذا الأسلوب جعلهم ينقدون أهم وأخطر وأقوى المناصب بدون خوف أو وجل " إن الأدب يتعقب هذه الظواهر التي تعيش تحت الحماية يوجه إليها أسلحته التي عرف بخبرته وطول معاناته أنها أجدى وأفعل في المقاومة ،وليس هناك أحد من سلاح السخرية ، إنها السلاح الرهيب الفتاك الذي يصل إلى هدفه . السلاح الذي يخاطب النفوس والعقول ويكشف الحقائق ،وإن ابقاها مغلفة بغلاف جديد شفاف لا يخفي ما بداخله "
والتاريخ – وبالأخص المصري – حافل بتلك المعارك والمواقف التي كان يلجأ فيها الشعب إلى سلاح السخرية حينما يكون هناك سلطة متجبرة تبطش بكل ما يعتز به الشعب وتنقض على حريته وكرامته ، هنا نجد الشعب يلجأ إلى السخرية يتخذها سلاحا ليحارب به ويدافع بها عن نفسه ،وليقول كلمته ، كلمة الحق ضد الضلال والظلم بدون أن يعرض نفسه لبطش السلطة الغاشمة أو الحاكم الظالم " وقد تكون العيوب التي تثير التهكم والسخرية خطيرة ولكنها في حماية السلطات ، ومن بيدهم الأمر ، وقد يعرض نقدها إلى عقاب ولكن من الخطر الكبير أن تترك هكذا دون مقاومة حتى تكون لها السيادة والكلمة العليا على المجتمع ، فلابد من مقاومتها والوقوف ضد تيارها ، والتضيق عليها حتى تسقط في النهاية " .
السخرية موقف يقفه الأديب من الوجود ، وهو لا يقف هذا الموقف إلا بعد أن لا يجد جدوى من الرفض المطلق للوجود ، أو القبول الخاضع له ، فالرفض معناه عدم الرضا ، وهذا يعطي انطباعا بأن الوجود فاسد ، ومفعم بالشر ولا يستحق أن يعاش ، فهو رفض سلبي ، أما القبول الخاضع أو المستكين ، فهو تسليم ساذج ومعناه الرضا بكل ما في الوجود من فساد وشر ونقص . ويريد الأديب أن يجمع الموقفين – الرفض والقبول – في موقف واحد ، فلا يريد أن يرفض ، ولا يريد أن يقبل ، وخلاصة المزج بين هذين الموقفين هو موقف السخرية ، لأنها تتضمن القبول والرفض في نفس الوقت ، "إن السخرية نوع من النقد أو هي في حقيقتها نزعة نقدية . فحينما أنقد شيئا ، فإن محاولتي تلك تتضمن قبولا ضمنيا له ، وعملية النقد ذاتها تتضمن رفضا للصورة التي عليها الشيء المنقود .
وهي – السخرية – عملية إصلاح أو تقويم يقوم بها الإنسان الساخر ، أو هي هجوم يوجهه الإنسان ضد الوجود لتحطيم أصنام القبح ، وإضفاء مسحة من سمات الجمال ،
" فالسخرية محاولة لطيفة مهذبة الغرض منها تطهير الحياة والمجتمع من الظواهر السلبية التي تجانب التطور وتناهض الحركة نحو المستقبل ، فإذا ما وقعت على إحدى هذه الظواهر كالبلادة أو الخمول أو الغفلة أو كل ما الحياة بالتوقف أو البطء ، أو كل ما تحس أن فيه إعراضا عن الحياة وعجزا من التلاؤم معها ، اخذت نفسها ضده ، وجمعت أسلحتها لتنقض عليه إذا لم يكن بد من أن تكون قاسية معه " .
فهو موقف يقفه الإنسان الساخر ضد كل ما من شأنه أن ينحرف بالحياة عن مجراها الطبيعي ، وضد كل من يحاول أن يطمس ويزيل هذا التلاؤم أو الانسجام الكامل بين الإنسان والوجود ، أو هي محاولة لإعادة هذا الاتساق بين الإنسان و الوجود لتجميل جزئيات الحياة .
والسخرية تؤدي دورها من خلال عنصرين ، العنصر الأول : الإنسان الساخر ، العنصر الثاني الشيء المسخور منه .
أولا : الساخر :
السخرية خاصية يتميز بها إنسان ذو مواصفات خاصة ، لأنها في حاجة إلى درجة من تيقظ الوعي ؛لتدرك الانحراف الحادث في المسخور منه ، والصورة التي كان يجب أن يكون عليها ، وهذا في حاجة إلى نصاعة الإدراك وشفافية الحدس ، " لهذا فإن السخرية عمل إنساني محض ، لا يستطيعه إلا الإنسان لأنها توأم الضحك وإن لم تبعث عليه أحيانا ، ونستطيع أن نقول : إن الإنسان حيوان ساخر لأن السخرية جماع النطق والضحك والعقل "
والإنسان الساخر له مواصفات معينة ،فهو عضو فعال ونشط في مجتمعه ويشعر ان له رسالة اجتماعية لابد أن يؤديها نحو مجتمعه ، وهو تخليصه من الفساد ومن كافة المعوقات التي تعيق تطوره وتقدمه " الإنسان الساخر إنسان نشيط وعبقري ومعتز بحياته وأخ للأحياء أمثاله ، وهذا الانتماء الواعي يكسبه قوة كبيرة ، وقدرة خلاقة على منح الحياة كل اهتمامه وكل امكانياته على النقد والمعارضة والمقاومة والكفاح فهو إنسان ثوري التكوين في الواقع وإن لم يستخدم أسلحة الحرب التقليدية المعروفة ، فإن سلاحه الموهبة والقدرة الغلابة على مواجهة النقائص والتعرف على عناصر الانحراف فيها ، وعل صياغة الأساليب المناسبة لكشفها وإبرازها ووضعها في الضوء العام لتكون هدفا لأكثر من عين ونقطة التقاء كل اهتمام "
وحين يسخر الساخر يفعل هذا بدافع داخلي لأن هذا الفعل بمثابة تطهير له ، بمثابة غسل النفس مما من شأنه أن يعكر صفوها ، أو يقض مضجعها .
إن عملية السخرية تعطي للساخر شعورا بالراحة الكبرى ، بأنه فعل ما عليه وأدى واجبه ،وأن مهما حدث بعد ذلك لن يتحمل مغبته ، لأن ما قام به كان بمثابة إن إنذار وتحذير ، " وحين يسخر الإنسان فهو يستخدم مواهبه الأساسية للحفاظ على المجتمع ومناصرة الحياة ، ويلبي نداء عميقا أزليا في نفسه وفي كل حواسه ليبقى على كل ما هو جميل وصادق وبناء ، فإذا سخر من غفلة بعض الناس ، فإنه يعبر في نفس الوقت عن محبته لهم ، واهتمامه بأمرهم ، حتى لو اختلط الأمر أحيانا ، وغطت عليه سحابات عارضة وسطحية ، فلم يفهم على حقيقته ، إنه يريد أن ينبه الغافل ليتخلص من غفلته ويعود إلى رشده وانتباهه ، لأن هذا أولا في صالحه ، ولأنه سبيله للتوافق مع النظام الاجتماعي والقانون الطبيعي للحياة الذي يستلزم الانتباه والتوتر ولا يقبل من الإنسان الغفلة والاسترخاء في كل وقت حتى لو احتاج إليهما أحيانا " .
فالإنسان الساخر لا يفعل هذا من دافع كره أو من واقع نفس مظلمة ، لا ترى إلا الجانب المظلم أو القبيح من الحياة ، وإنما هي نفس محبة ، تريد أن تضع كل شيء في نصابه و في مكانه الصحيح ، حتى ينبت الجمال في كل مكان حولنا ، فهو يسخر من خلال شفقته وخوفه وحرصه على الآخرين ، والساخر إنسان متمرد ثوري لا يرضى عن وضع فاسد ، بل يحترق شوقا إلى تغييره ؛ لأن فطرته سوية صالحة ، فهو لا يستريح إلا إلى الصالح ، ولا يستطيع أن يستكين على وضع خطأ أو وضع فاسد ، فيأخذ على عاتقه تغييره ، ولكن بلا عنف وإنما في أسلوب حضاري مهذب ، لا يترك رواسب في النفس من كره أو حفد أو انتقام ، يردي أن يقوم بثورته ولكن بدون أن يكون هناك ضحايا ، إنه انتصار للمجتمع الذي يوجد فيه إنسان بتلك النوعية ، وانتصار للإنسان الساخر ، لأنه استطاع أن يكون عضوا نافعا للمجتمع ، فهو رقيب وحارس على القيم من أن تتبدل أو تنقلب ، انتصار له لأن اهتمامه تعدى منطقة ذاته إلى ذوات الآخرين ، وأصبحت مشاكل الآخرين تشغله ليل نهار ، ولم يجد من سبيل لحل تلك المشاكل إلا الدخول معهم في معركة السخرية " وهذا النوع من السخرية لا يمكن أن يكون حيلة أدبية فقط بل هو قبل ذلك ثمرة جهاد طويل ، هو نوع من البطولة " .
ثانيا : المسخور منه :
هناك أشياء كثيرة في حياتنا من الصعب التخلص منها بقانون من القوانين ، ووجودها بوضعها الذي عليه قد يعرقل مسيرة الحياة ، أو ينتقص من إحساس الإنسان بوجوده ، مثل العادات والتقاليد والمعتقدات البالية التي عفى الزمن عليها ،ولم تعد صالحة لعدم موافقتها والزمن الحاضر ... فحينما يواجه الإنسان مثل تلك الأشياء ، لابد أن يتعامل معها بحرص وحذر ، لأنها تمس وجدان الناس ، وتستمد شرعيتها من خلال هذا الكم الهائل من الذين يمارسونها ، ، لأن إذا استهدفت السخرية الهجوم على ما يبجله الناس ويحترمونه ، من عادات وتقاليد وأعراف ، فإن عملها هذا لا يترك في النفوس شيئا من العناد أو الإصرار على التمسك بالشيء الخطأ أو الذي لا يستند على عقل أو منطق ، بعدما ظهر لهم الخطأ في التمسك به ، فهي لا تفضح المسخور منه جهرا ، أو بصورة صريحة أو بأسلوب فج ، حتى لا تأخذه العزة بالإثم ، وإنما تترك له متسعا من الوقت وفرصة كبيرة ليعيد حساباته ويحاول تقويم نفسه بدون أن تمس كرامته ، " إن الألوان الأخرى من العقاب قد تثير أحقادا وضغائن ، وتخلف رواسب ترزح تحتها الحياة زمنا طويلا ، وتحملها من العناء فوق ما تحملها إياه بعض المتناقضات التي أشرنا إليها . بينما لديها هذا اللون من العقاب الذي قد لا يقل صرامة عن الألوان الخرى بل ربما زاد عنها تأثير أو فعالية ، دون أن يترك في معظم الحالات على الأقل أي آثار هدامة ، وإذا ترك فإنما يترك حركة عامة يتأثر بها الفكر ، والفن والأخلاق ويشغل بها المجتمع فتزيده ثراء روحيا كبيرا" .
فهي – السخرية – سلاح المغلوب على أمره ضد الظالم أو المستبد الذي يبطش بكل من يقترب منه ناقدا أو مقوما ، وأيضا ضد العادات والتقاليد والمعتقدات التي لا تستطيع أن ننقدها نقدا سافرا .
ظاهر السخرية تطبيقيا .
ظاهرة السخرية ظاهرة سارية في كل عناصر المسرحية ، بل لا نبالغ إذا قلنا إن السخرية هي الملح الرئيسي الواضح وضوحا قويا ، والسخرية نابعة من المفارقات الحادثة في النص ، فهي – إجمالا – عمل ساخر في فكرته العامة ،وهي عمل ساخر نابع من شخصياته ، وهل عمل ساخر تتجلى مظاهره من خلال الحوار بين الشخصيات ، وهو عمل ساخر من خلال شبكة العلاقات التي تربط بين الشخصيات ، وهي سخرية من النوع الراقي الذي يفجر قضايا هامة وخطيرة تستدعي من القارئ التفكر والتأمل طويلا لإدراك المغزى في إطار من الإثارة والتشويق التي تسعد القلب وتمتع العقل ، والموقف الرئيسي في المسرحية موقف حافل بالسخرية ؛ لأنه يعتمد على الغرابة والتناقض ، وتلك الغرابة والتناقض لا يتعلق الأمر بموقف واحد وإنما العديد من المواقف التي تأخذ بذيل بعضها في شكل أحداث تهيمن على نفس القارئ ، بداية من الحوار الذي نشأ بين الجلاد والمحكوم عليه ، فالجلاد يفرض على المحكوم عليه أن يدعوه على قدح من النبيذ ليكون في حالة نفسية جيدة ليؤدي عمله على أحسن صورة ، وعمله هذا هو قطع عنق المحكوم عليه :
الجلاد : بالتأكيد ..من مصلحتك أن أكون في راحة تامة وصحة جيدة جسما ونفسا ؛ لأني حين أكون متعبا ، ضيق الصدر متوتر الأعصاب ..فإن يدي تصاب برعشة ، وعندما تصاب بالرعشة فإني أؤدي عملي أداء سيئا .
المحكوم عليه : وما شأني بعملك ؟!
الجلاد : يا أحمق ! ..علمي متصل برقبتك ! ..إن سوء الأداء معناه أن رقبتك لن تقطع قطعا حسنا ...لأن القطع الحسن يحتاج إلى يد ثابتة ونفس هادئة ، حتى يطاح الرأس بضربة واحدة ، لا تدع لك وقتا للإحساس بالألم ..فهمت الآن ؟!
ويستمر الحوار بينهما على تلك الصورة وبالفعل يدعو المحكوم عليه الجلاد على قدح نبيذ من الخمارة المجاورة لساحة الإعدام ، ثم يطلب الجلاد من المحكوم عليه أن يغني له ليدخل البهجة على نفسه :
الجلاد : هلم ! ..غن ...أسمعني .
المحكوم عليه : أو ترى حقا أن لي الآن مزاج الذي يصلح للغناء ؟!
الجلاد : أولم تعدني منذ قليل بإدخال البهجة على نفسي ، وكشف الانقباض عن صدري ؟
ثم يعرض على المحكوم عليه أنه هو من سيقوم بالغناء ولكن بشرط :
الجلاد : أريد أن تلتهب بالحماسة التهابا ..اذكر لي أنك تلح وتلحفي أن تستمع إلى غنائي
المحكوم عليه : ألح وألح..
الجلاد : إنك تقولها بفتور وبرود
المحكوم عليه : برود ؟!..
الجلاد : نعم ..أريد أن يكون الإلحاح صادرا من أعماق قلبك !
المحكوم عليه : إنه من اعماق قلبي !
الجلاد : إني لا استشعر حرارة الإخلاص في صوتك
المحكوم عليه : الإخلاص ؟!
الجلاد : نعم ..إنه لا يبدو في نبرات صوتك ؛ لأن النبرات والخلجات تنم عن حقيقة المشاعر ..وصوتك فاتر بارد .
ويتدفق الحوار بين الطرفين ليصل إلى قمة عالية من قمم السخرية التي تدمي المشاعر وتجرح القلب ، وتكشف بل تفضح جانب من جوانب غشومية السلطة في ان تحكم على شخص بالإعدام لمجرد ان تلفظ بكلمة ، وتتركه للجلاد يعذبه ويمارس عليه اصنافا وألونا من الترهيب قبل ان ينفذ فيه الحكم الجائر .
وتتفجر الظاهرة – السخرية – ملقية بظلالها على أحداث المسرحية من موقف السلطان وبطانته حينما يكتشف امرا غاية في الخطورة " سلطان يكتشف فجأة أنه ليس سيدا وإنما هو عبد ، وأنه لكي يعود سلطانا وسيدا عليه أولا أن يعترف علانية بأنه عبد .
وفوق هذا فينبغي أن يأخذ هذا الاعتراف شكل مزاد علني يباع فيه السلطان ومن رسا عليه أكبر عطاء يملك السلطان مؤقتا لكي يعتقه من بعد .
موقف مسل حافل بالسخرية ..من السلطان ..ومن قوة سيفه ..ممثلة في وزيره الغاشم ، ومن تدجيل قضائه ممثلا في القاضي الذي يتمسك من القانون بحرفه وليس بروحه ."
وتتصاعد وتشتد مواقف السخرية حينما يرسي المزاد على الغانية هي وحدها في المدينة التي تملك المال لتشتري السلطان ، او هي الوحيدة التي رات ان السلطان يستحق ان يدفع فيه المال " ويزيد في السخرية أن توفيق الحكيم يجعل السلطان من نصيب غانية متهمة في شرفها لدى الخاص والعام .
ثم يجعل هذه الغانية تضرب المثل الأعلى في الوطنية وإنكار الذات يوم تقرر – بعد عناد قصير تفضح فيه سخافة التمسك بحرف القانون – أن تطلق السلطان حرا دون قيد ، شريطة أن يشرفها بقضاء ليلة من السمر البريء معها ، بعد أن يتضح أنها بريئة مما ينسب إليها زورا من أفعال "
كلها تصرفات مواقف ومفاجآت يصدم بها المؤلفُ القارئ لثير في نفسه موجات من السخرية التي تثير الضحك والمتعة والأهم أنها تدفع القارئ إلى التفكر العميق والتأمل الجاد
" هذا الموقف المقلوب الحافل بالمتناقضات – المرأة المتهمة التي يثبت أنها أشرف الكل ، والسلطان العاتي الذي يتضح أنه عبد ، والقاضي العالم ، الجاهل بالقانون والوزير الغاشم الذي تتحداه امرأة ، والمحكوم عليه بالإعدام الذي يضطر إلى الترفيه عن جلاده كل هذا علاوة على مشهد المزاد ،وما فيه من إثارة وبعض شخصيات ثانوية مسلية مثل خادمة الغانية والمؤذن المدلس والإسكاف والخمار "
ويظل خيط السخرية متصلا ومتواصلا طوال احداث ومواقف المسرحية ، وأهم ملمح كان السخرية من القانون ومن يمثله ..قاضي القضاة ..الذي أمر المؤذن أن يرفع الاذان من فوق مئذنة المسجد وكان الوقت منتصف الليل وتلك حيلة لجأ إليها لإخراج السلطان من بيت الغانية "وكم كانت سخرية ( الحكيم ) نافذة ورائعة عندما رأيناه يرسي المزاد على غانية لم تقبل عتق السلطان إلا بعد أن يقضي معها في بيتها ليلة على ان يكون العتق وقت ارتفاع صوت المؤذن بصلاة الفجر وإذا بقاضي القضاة ممثل القانون يتدخل مرة أخرى لكي يجبر المؤذن على أذان الفجر في منتصف الليل "
ما حدث ليس عبثا بنصوص القانون أو التحايل عليه ، ولكنه بمثابة مذبحة للقانون ن سحقا له ، إنها مأساة بكل معنى الكلمة ولكنها تعرض في أسلوب ساخر يثير الكثير من الألم والحزن والأسف ولكنه يحرك الفكر ويثيره ويدفعه ويستفز فيه الرغبة في تغيير وتبديل هذا الواقع المؤسف ، والذي نرى شبيها نلمسه ونرى أثاره في حياتنا .
" وهكذا أبرز (( الحكيم )) نكبة القانون نفسه برجاله القائمين على أمره وقدم لنا الأساس القوي الذي يبرز حيرة السلطان بين السيف والقانون وكل ذلك في روح ساخرة لاذعة وحركة درامية حية ينفعل العقل بدلالتها كما ينفعل القلب بمأساة البشر الذين لا يدرون أين وكيف الخلاص : أهو في السيف الذي قد يغري السلطان ولكنه يعرضه لأهوال الأخطار ، أم هو في القانون الذي يستطيع أن يحميه في النهاية وأن يحمي البشر أجمعين لولا العبث به والتحايل عليه خدمة للسلطان نفسه مما يوقع البشرية البائسة كلها في دور كأنها حلقة مفرغة من النار الكاوية للحياة "
ويأتي الحوار بين الخمار والإسكاف من جهة وبين الطفل وأمه من جهة أخرى ليصل إلى
قمة السخرية ، والحوار من الجهتين منصب على قيمة السلطان ، ومنزلته عند تلك الشخصيات ، فهو يمثل عبء وحمل ثقيل على الإسكاف لو – فرضا – اشتراه – وهو – السلطان – يمثل وسيلة تسلية عند الخمار فسوف يطلب منه أن يسلي الزبائن بأن يقصص ما تعرض له من مواقف أثناء حروبه مع المغول ، ويقترح الخمار على الإسكاف – لو اشتراه – أن يجعله يجلس أمام الحانوت ويجعله يرتدى حذاءين جديدين ويكتب على واجهة الحانوت (هنا تباع أحذية السلطان ) ، أما الطفل فيطلب من أمه أن تشتري له السلطان ليلعب به ، وفي النهاية تقنعه أنه لا تستطيع شرائه وحينما يسألها لماذا تخبره أنه للكبار هم وحدهم الذين يشترونه .
الإسكاف : بل إني عاقل فطن ...قل لي أنت بربك ماذا تريد مني أن أصنع بسلطان في حانوتي ؟! ..هل أستطيع أن أعلمه صنعتي هذه ؟! ..بالطبع لا ..هل أستطيع أن أكلفه عملا ما ؟! ..من المؤكد ...إذن أنا الذي سيعمل دائما ويضاعف عمله لأطعمه وأعوله وأخدمه ..هذا وربي ما سيحدث ! ..سأشتري عبئا على كاهلي ، متاعا من أمتعة الترف ، لا قبل لي بتحمله ..إن مواردي يا صاح لا تسمح لي باقتناء التحف !
الخمار : يا للبلاهة !
الإسكاف : وأنت ؟! ..أكنت تشتريه ؟
الخمار : وهل في هذا شك ؟
الإسكاف : ماذا تصنع به ؟!
الخمار : أشياء كثيرة ..كثيرة جدا يا صديقي ! إن مجرد وجوده في حانوتي كفيل باجتذاب المدينة كلها ..يكفي أن أطلب إليه أن يقص على زبائني كل ليلة أخبار معاركه ضد المغول وطرائفه وأسفاره ومخاطراته وما رأى من بلاد وما دخل من ديار ، وما اجتاز من قفار أليس كل هذا مفيدا وممتعا ؟!
الإسكاف : حقا تستطيع أنت أن تستخدمه في هذا ...اما انا ..
الخمار :أنت أيضا تستطيع ذلك .
الإسكاف :كيف ؟! إنه لا يعرف شيئا عن رتق الأحذية وصنع النعال حتى يتحدث عنها ..
الخمار : ليس من الضروري ان يتحدث عندك !
الإسكاف : ماذا يفعل إذن ؟
الخمار : لو كنت في مكانك فإني أعرف كيف استخدمه
الإسكاف : كيف أخبرني !
الخمار : اجلسه أمام باب الحانوت على مقعد مريح ، وألبسه حذاءين جديدين ، وأضع فوق رأسه لوحة كتبت عليها هذه العبارة : (( هنا تباع أحذية السلطان )) وسوف ترى في الغد أهل المدينة وقد تدفقوا على حانوتك يطلبون بضاعتك .
الإسكاف : يا لها من فكرة ؟!
الخمار : أليس كذلك ؟!
الإسكاف : عقلك بدأ يعجبني !
الخمار : ما تقول إذن لو فكرنا في شرائه معا ، وجعلناه شركة بيننا ؟! ..أنا أتخلى لك عنه نهارا ، وأنت تدعه لي ليلا ؟!
الإسكاف : حلم جميل ! ..لكن جميع ما نملك من مال – أنا وأنت – لا يكفي لشراء إصبع من أصابعه .
طفل : (( لأمه )) أماه ! ..أهذا هو السلطان ؟!
الأم : (( لطفلها )) لا يا بني ! ..هذا أحد الحراس !
الطفل : وأين السلطان إذن ؟!
الأم : لم يحضر بعد !
الطفل : وهل للسلطان سيف ؟!
الأم : نعم سيف كبير !
الطفل : وهل سيبعونه هنا ؟!
الأم : نعم يا بني !
الطفل : متى يا أماه ؟!
الأم : عما قليل ..
الطفل : أماه ! ..اشتريه لي !
الأم : ماذا ؟
الطفل : السلطان ! اشتري لي السلطان !
الأم : اسكت ! إنه ليس لعبة تلعب بها !
الطفل : إنك قلت إنهم سيبيعونه هنا ..اشتريه لي إذن !
الأم : يا بني اسكت ! ..هذا ليس لمثلك !
الطفل : لمن إذن للكبار ؟!
الأم : نعم ..هذا للكبار
الخاتمة .
شُغل بحروبه وغزواته وانتصاراته على أن يفكر في الحصول على أهم شيء في حياته كإنسان وهو صك الحرية ، ربما لم يفكر في يوم من الأيام انه سيصير سلطانا يحكم شعبا ويقود أمة ، وهذا المنصب – في حد ذاته – من أهم وأخطر وأجل المناصب التي قد يتبوأها الإنسان ، حتى ولو لم يجل بخاطره هذا الخاطر – كونه يصير سلطانا – فصفات الإنسانية لا تكتمل ولا تتم إلا بتوافر هذا الشرط . والفلسفة أو الحكمة التي كانت وراء فتوى الشيخ ( العز بن عبد السلام ) إبان فترة تولي الصالح ( نجم الدين أيوب ) الحكم مصر ، بشأن عدد من الأمراء المماليك ، أنهم أمراء ولكن بلا شرف ولا كرامة ،إنسانيتهم ناقصة ، آدميتهم مبتورة شخصيتهم ممسوخة ، لأنهم ليسوا أحرارا ، جاءوا إلى مصر عبيدا وتسلقوا المناصب حتى صاروا أمراء ، وقد يصير منهم سلطانا – كما حدث في المسرحية – وهم غرباء عن الشعب المصري ، جلبوا من كل أصقاع الأرض ورُبوا تربية خاصة ونُشئوا تنشئة تعدهم وتؤهلهم أن يتولوا أزمَّة الأمور في الدولة ، بينما أصحاب وأهل البلد لا علاقة لهم بالمناصب ، هكذا جرتْ العادة في ذلك العصر ،وهكذا كان الوضع السائد ، وليس في الإمكان تغييره أو تبديله ، فلم يكن في خاطر الشيخ ( العز بن عبد السلام ) إلا ان يصلح هذا الوضع ، طالما سيحكمون هذا الشعب وتلك الأمة ، فلابد أن يكونوا مؤهلين لذلك ، وأول أمر ينبغي توافره فيهم أن يكونوا احرارا ، وهذا ما يليق ويناسب الشعب والأمة الحرة ، أن يكون أولي الأمر أحرارا ، وألا تصور أمة يكون سلاطينهم وأمراءهم عبيدا ، الإهانة والزراية لا تمس السلاطين والأمراء ، وإن تمس الشعب الذي ارتضى بهذا الأمر ؛ لأن الحد الأدنى الذي يجب ان يكون الحاكم متمتعا به هو الحرية ، ليس الحاكم فحسب بل أي إنسان يعتز بشرفه وكرامته .
إذا السلطان في المسرحية لا أحد يُلام إلا هو ، لا تعوضه كثيرة انتصارات وجليل الانجازات ، لابد أن يكون هناك وثيقة تثبت وتؤكد أنك حرٌ ، هذا هو جواز المرور والمسوغ أن تكون حاكما .
يا ترى كان المقصود فعلا – في النص المسرحي – مجرد الانعتاق من العبودية التي كان يرسف فيها السلطان ؟
أم المقصود الخفي والمتواري في المسرحية الانعتاق من عبودية من نوع أخر ؟
هل المقصود التحرر من ذل العبودية الجسدي والمادي أم التحرر من أراء ومعتقدات تجعل الإنسان خاضعا لشكل وأسلوب معين في تصرفاته ومعاملاته ؟
السلطة والمنصب قد تخول الإنسان قرارات لا معقب لها وأوامر لا راد لها ، خطورة وأهمية تلك القرارات والأوامر انها تمس شعبا بأكمله ، وهي لا تؤثر في حاضرة فقط بل قد تمتد إلى مستقبله البعيد ويصطلي بنارها أجيال وأجيال ، وتؤثر في جميع جوانب حياته ، الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والنفسية .
إن قرارا واحدا من فرد واحد قد يشقي أمة بكاملها ، لذلك ينبغي لهذا الحاكم أو السلطان أن يكون متحررا من كل مما من شأنه أن يضلله أو يجعله ينحرف عن جادة الصواب . متحررا من الاعتقاد بأي مذهب ، متحررا من الانتماء إلى أي أيدلوجية لا علاقة لها بمصلحة شعبه ومنفعة أمته .
وأهم شيء يجب – كذلك – أن يكون متحررا منه هو تأثير المنصب ، متحررا من وَهْمٍ ألا رقيب عليه ولا محاسب له ، إذا كان المنصب ، فإذا كان المنصب والسلطة قد خولتْ ومنحت له كل أسباب القوة ؛ لتجعل يده حرة وفكرة طليق فهناك القانون الذي يقلل من غلواء تلك القوة ويهدئ من شدة اندفاعها ويرشد من سورة رعونتها . ليس هذا فحسب بل تجعله – السلطان – حامي حمى القانون وأول المنادين بأن يكون صوت القانون هو الصوت الوحيد الذي ينطق فيُسمع ، ويأمر فيُطاع ، مبرر بقائه الوحيد هو القانون ، بل هو يستمد قوته وشرعيته أمام نفسه وأمام شعبه من القانون .
القوةُ بلا قانون سيفٌ أهوج لا يبصر ولا يرى .
القوةُ بلا قانون جوادٌ أرعن لا لجام يحجم قوة اندفاعه .
القوةُ بلا قانون إعصارٌ مدمر لا يبقي في طريقه شيئا إلا دمره وخربه .
القوةُ بلا قانون نارٌ محرقة تحيل كل شيء إلى رماد .
القوةُ بلا قانون طوفانٌ يكتسح في طريقه ما يقف أمامه .
القوةُ بلا قانون شهابٌ منطلق بلا ضابط يحرق نفسه ويحرق كل من يقترب منه .
القوةُ بلا قانون جسدٌ بلا روح حالما يتطرق غليه العفن والتحلل والتفسخ .
القوةُ بلا قانون شيطانٌ مارد لا يتورع عن ارتكاب ما يتخيله عقل من الجرائم والمعاصي .
لذلك يجب أن يسخر الحاكم كل إمكاناته وطاقاته في الإعلاء من شأن القانون ، وأول شخص – كما قلنا – يطبق عليه القانون هو الحاكم نفسه ؛ كي لا يكون لأحد عليه حجة ، فهو أول الملتزمين بأحكام القانون .
لإيمان المؤلف بهذا الأمر الجليل والهام والخطير عرض شخصية السلطان – في المسرحية لاختبار ، أجرى له امتحان ... هل سيختار القوة أم القانون ؟
وكان الامتحان صعبا وشاقا ، ينال من كرامة السلطان ، ليس هذا فحسب بل يجرده من كل حقوقه ، بل يصمه بوصمة العبودية على مرأى ومسمع من الشعب كله .
ومع عسر ومشقة وصعوبة الاختبار، ومع ما فيه من إهانة وإذلال لا أنه اختيار ، دخله مختارا وليس مجبرا ، سلطان في يده كل أسباب القوة يخلع تاج الملك ويطرح صولجان العز وينضو عباءة السلطنة وينزل إلى درك الخضوع ويُعرض ليُباع .
من يرضى بذلك ؟!
من يقبل ذلك ؟!
وما الدافع إليه ؟!
وما مبرره ؟!
الإجابة : القانون ...القانون .
وكأن الشيء الذي تربد أن تقوله المسرحية ولم تصرح به : أن السلطان والحاكم أمام القانون عبدٌ ..خادمٌ ...مطيعٌ ..لا إرادة له ولا رأي له ، السلطان الحقيقي هو القانون ، الإرادة الحقيقية هي إرادة القانون ، الرأي النافذ هو القانون ، الآمر – ولا آمر بعده – هو القانون .
مراجع البحث :
البناء الدرامي – الدكتور : عبد العزيز حمودة .
الخطاب الأدبي بين النقد وعلم اللغة النصي مسرحية السلطان الحائر نموذجا – دكتور : ( محمد عبد الرحمن عطا لله ).
السخرية في أدب المازني – الدكتور حامد عبده الهوال.
المسرحية التاريخية في المسرح المعاصر – الدكتور أحمد زياد محبَّك
المسرحية من خلال تجاربي – على أحمد باكثير
تجارب في النقد والأدب - الدكتور محمد مندور
توفيق الحكيم فنان الفرجة ...وفنان الفكر- الدكتور على الراعي .
ثورة المعتزل دراسة في أدب توفيق الحكيم – غالي شكري .
مسرح توفيق الحكيم – الدكتور محمد مندور .
مسرحية السلطان الحائر – توفيق الحكيم .
مسرحية السلطان الحائر بين النص والعرض – دراسة تطبيقية – الدكتور أحمد صقر
معجم المصطلحات الأدبية – إعداد : إبراهيم فتحي
معجم المصطلحات الأدبية – نواف نصار
من فنون الأدب المسرحية – الدكتور عبد القادر القط .
دوريات : مقال ( سيميولوجيا المسرح ) دكتورة : سامية أحمد أسعد- مجلة فصول المجلد الأول – العدد الثاني إبريل 1981.
الفهرس
الموضوع الصفحة .
المقدمة ...............................................................2
الفصل الأول : أدب "الحكيم " بين الفكرة والحدث ............................6
الفصل الثاني : "السلطان الحائر" بين الفن والتاريخ ...........................9
لفصل الثالث : العلاقة بين عناصر العمل الفني والفكرة ............................11
الفصل الرابع : الحوار 27……………………………………………………………………..
الفصل الخامس : الصراع .....................................................30
الفصل السادس : البناء المسرحي في "السلطان الحائر" ..............................40
الفصل السابع : ظاهرة السخرية في ( السلطان الحائر )........................................48.
الخاتمة ........................................................60
المراجع .........................................................63



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق