أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 17 سبتمبر 2026

مسرحية (الهروب في الاتجاهين) صياغة جمالية تتجاوز النقل الواقعي المباشر إلى فضاءات التعبير الجمالي

مجلة الفنون المسرحية


في حوار مع الكاتب والمخرج المسرحي د. محمد حماد :

مسرحية (الهروب في الاتجاهين) صياغة جمالية تتجاوز النقل الواقعي المباشر إلى فضاءات التعبير الجمالي

 حاوره – عبد العليم البناء

الدكتور محمد حماد هو كاتب، ومخرج، وناقد مسرحي عراقي بارز، يعمل في دائرة السينما والمسرح (قسم المسارح - منتدى المسرح التجريبي) في العراق، وهو أكاديمي تخرّج ودرس في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد. ويُعرف برؤيته الإخراجية والتجريبية الجريئة التي توظف السينوغرافيا ولغة الجسد لطرح قضايا إنسانية واجتماعية عميقة تهم المواطن العربي والعراقي. وكان أحدث أعماله مسرحية (الهروب في الاتجاهين)، من تأليفه وإخراجه حماد)، والتي عُرضت من 1 إلى 3 أيلول/سبتمبر 2026) على خشبة مسرح الرشيد العريق في بغداد..ومعه كانت هذه الجولة من الحوار :
*سألناه ..إبتداءً عن فكرة ورسالة.. فقال: "تقدم مسرحية (الهروب في الاتجاهين) مقاربة درامية مجسدة تنبض بالوجع الإنساني، مسلطة الضوء على ثنائية طفت على سطح الحياة اليوم في العديد من المجتمعات، لاسيما مجتمعنا المحلي، وتتمثل في الرغبة الجامحة في الهجرة بحثاً عن الملاذ والأمان، والنداء الخفي للعودة نحو جذور الوطن وترابه، وقد اجتهدنا في هذا العرض بصياغة جمالية تتجاوز النقل الواقعي المباشر إلى فضاءات التعبير الجمالي لفن المسرح، حيث يتنقل الخطاب الدرامي بمرونة بين الحوار الشاعري الذي يحفر في عمق الأسئلة الوجودية ويترجم حرقة الروح، وحركة الجسد التعبيرية (الكوريغرافي) لتجسيد لوعة الصراع والتمزق الداخلي بحركات ملتهبة تعكس ضغط الواقع ومتطلبات الذات الطامحة، والإضاءة بوصفها شريكاً فاعلاً في رسم الفضاءات النفسية وصياغة ملامح المشهد الدرامي بين عتمة الشتات ونور الانتماء، والديكور بوصفه أداة حية لصناعة الحدث وليست مجرد خلفية صامتة، والمؤلفات الموسيقية التي تزاوج بين النغمات المحلية الحنينية والألحان العالمية المنفتحة، لتترجم تأرجح الإنسان في دواخله قبل أن تتأرجح خطاه في جغرافية الغربة المتباينة، حيث يسعى هذا الخطاب الجمالي إلى توريط المتلقي في خوض غمار تجربة تتأرجح بين الصياغات الفكرية المتزنة والصياغات العاطفية العارمة؛ ليوازن بين ثقل البقاء في الوطن ومرارة الاغتراب عنه، لينهض في خيال التلقي سؤال يستفسر حول هل يستحق الوجود في الغربة التضحية بجذر الوجود في الوطن؟ وأي الخسارتين أخف وزنا وأعمق أثرا ما يفقده الإنسان بترك وطنه، أم ما يجنيه من اغترابه؟."
*أما عن المعالجة الدرامية والمسرحية والاخراجية التي اعتمدتها فيرى أنه "على الرغم من تقاطع المناهج وتعددها في صياغة هذا العمل المسرحي، سعيا لتحقيق الغاية الجمالية والتأثير الفاعل في التلقي، إلا أن الطابع الأغلب تجلّى في منهج العبث (اللامعقول)؛ حيث اجتهدنا في صياغة البنية الدرامية ضمن تكرارات واعية تفضي في كل مرة إلى نقطة البداية ذاتها، لتعبّر عن عبثية رحلة الغربة، حيث يحمل هذا الاختيار دلالات تعكس فكرة أن الهجرة والاغتراب هما بمثابة دائرة مغلقة يضيع الإنسان في لجة زوبعتها، فمهما حقق المغترب من أحلام ومكاسب كان يبتغيها في وطنه، فإن ذلك يأتي بالضرورة على حساب خسارات باهظة وموجعة في جذوره الأولى، تماما كمن تأخذه أمواج الغربة من جرف الدفء الحميم إلى برد الأعماق القصيّة والموحشة، ولم يقتصر العرض على منهج اللامعقول وحده، بل أصررنا على أن تنفتح الرؤية الإخراجية على روافد منهجية فنية أخرى لخدمة أثر التلقي الفاعل للعرض؛ فقد استثمرنا بعض ملامح المنهج الرومانسي لتحرير انثيالات الشخصيات وتعرية دواخلها النفسية العميقة، كما سجل المنهج التعبيري حضوره، لاسيما على مستوى السينوغرافيا والديكور، إذ جعلنا العناصر البصرية تتحول من مجرد مكملات تقليدية إلى أجزاء حيّة وفاعلة تصنع الحدث الدرامي للمشهدية المسرحية، فضلاً عن ذلك أصررنا على أن يشتغل العرض على استثمار آليات السيمياء، وتحديداً في كوريغرافي حركة المجاميع وتشكيلاتها التي جسّدت حالات مختارة ومعبرة عن شخوص الوطن أو شخوص المهجر."
*أما عن خياراتك على صعيد الممثلين والفنيين..فأكد أن" شغفه ينطلق في التأليف والإخراج من نزعة دائمة للاكتشاف الجمالي؛ فلا يقتصر بحثي على الأشكال الدرامية حسب، بل يمتد ليستقطب الطاقات الإبداعية الجديدة، أو تلك المركونة، أو المنسية التي تعج بطاقات أدائية وفنية خلابة، سواء على مستوى التمثيل أم حتى في الجانب التقني، بطبيعة الحال لم يكن جميع من استقطبتهم من الغائبين أو المغيبين، كما لا أدعي أن عملية تشكيل فريق العمل كانت ممهدة بلا عقبات؛ فقد واجهت اعتذارات لظروف متباينة من العديد من الفنانين والفنيين، غير أن الإصرار على إنجاح التجربة وبفضل من الله تعالى أفرز في النهاية هذه المجموعة الاستثنائية التي قدمت العمل الجمالي على خشبة مسرح الرشيد، متسلحة بدرجة عالية من الكفاءة نظرياً وعملياً، فقد أدى الأدوار الرئيسة باقتدار الفنانان خالد الأسدي وشوقي فريد، وهما من حملة درجة الماجستير في الفنون المسرحية، واللذان يمتلكان سجلاً حافلاً بالمشاركات المتميزة محلياً وعربياً وعالمياً في مجالي التمثيل والإخراج المسرحي وكذلك في التمثيل في مجال التلفزيون، وإن كان الأول منقطعاً عن عالم الفن لسنوات، والثاني عرف مخرجاً مسرحياً أكثر منه ممثلاً على خشبتها، وإلى جانبهما كان الفنان علي ورش؛ وهو الممثل والمخرج المتخصص في الأداء الجسدي، بخبرته الممتدة عبر محطات محلية وعالمية، أما مجموعة الشباب الذين جسدوا حركات الجسد الكوريغرافي، فهم نخبة من خريجي وطلبة معهد الفنون الجميلة، والذين يغمرهم الشغف والطموح لنهل المعرفة من ميادين التجربة الحيّة، مكملين بذلك رحلتهم الأكاديمية، ولم يكن الجانب التقني بمعزل عن هذا التميّز؛ فقد ضم الفريق طاقات خبيرة كالفنانين ياسر فاضل، ومحمد خليل، ومحمد فؤاد، إلى جانب أسماء شابة تخطو بثبات نحو ارتقاء سلالم الإبداع مثل محمد رضا وليد، وإن ضاقت هذه السطور عن الإحاطة بتفاصيل إسهامات كل فرد شارك في إنجاح هذه التجربة الجمالية، فإن الكفاءة والوعي النظري والعملي ظلا هما القاسم المشترك الذي توحّدت تحته كل عناصر هذا العرض المسرحي."

*سألناه: إذاً ما الذي يميز هذا العرض عن عروضك السابقة وعن العروض العراقية الأخرى؟ فأجاب: " لكل عرض فني هويته وخصوصيته التي لا تظهر إلا من خلال خوض عباب الاكتشاف في كل تجربة جديدة، حيث نغوص في أعماق النفس البشرية لنستوقف محطات دقيقة نتخذها قاعدة للانطلاق الجمالي ورسم الصورة المشهدية للحدث الدرامي في صفحات النص أو على خشبة المسرح، وعليه من المستحيل أن يتطابق عملان، حتى وإن تشابه فريقهما الفني بأكمله؛ فخصوصية الفكرة، وتجديد صياغة الخطاب، واختيار أسلوب تمرير الرسالة الجمالية، وسائر عناصر التشكيل الفني، تمنح كل مسرحية بصمتها الفريدة التي تختلف عن سواها، ولعل ما يميز هذا العرض بالتحديد، هو ذلك الاجتهاد الواعي ليكون خطابه الفني عابراً للطبقات؛ فهذا العمل يسعى بجدية لرتق الصدع في وعي الشباب ممن يستعجلون الرحيل نحو المهجر، متوهمين فيه الفردوس المنتظر، دون إدراك لعواقب الرحلة أو مرارة المكوث في الغربة، وفي الوقت ذاته، حرصنا في هذا العرض على تقديم خطاب جمالي رفيع يرضي ذائقة النقاد والمتخصصين ويمد جسور التواصل الحقيقي معهم، بالرغم من إنه خيار إخراجي وفكري بالغ الصعوبة، ولا يخلو من مغامرة محفوفة بالتحدي، غير أن صدى العروض ووقعها خلال أيامها الثلاثة الأولى قد جاء مبشراً وواعداً، بفضل الله وتوفيقه، ليؤكد أن الرهان على وعي المتلقي عامة ونخبه كان في محله."
* وختم الكاتب والمخرج والناقد الدكتور محمد حماد حيثه بالقول:" أرجو وبكل تطلع أن يحظى هذا العمل بفرص أكبر للعرض ومديات أوسع للانتشار، لتتجاوز عروضه حدود الأيام الثلاثة المعتادة في مشهدنا المسرحي المحلي، عسى أن يبلغ صوته شريحة أعم وأشمل من الجمهور، ويمتد أثره الفكري والجمالي إلى أبعد مدى ممكن."
تصوير – علي صبحي

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption