أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

المشاركة على المواقع الأجتماعية

الأحد، 24 يونيو 2018

“سأموت في المنفى” .. استدعاء الفرجة المسرحية والنبش في تاريخ القضية الفلسطينية

مجلة الفنون المسرحية

“سأموت في المنفى” .. استدعاء الفرجة المسرحية والنبش في تاريخ القضية الفلسطينية


  عزة القصبجية - الوطن


الفرجة الشعبية في الوطن العربي

شغل حب الفرجة والاستماع إلى القصص السردي هنية الشعوب العربية، وبدت حلقات الراوي أكثر حميمية وتآلفا وتفاعلا مما حفز الجمهور على المبادرة والمشاركة مع ما يقدم أمام ناظريهم. يتمتع “الراوي” في الأدب الشعبي بقدرات ومواهب متنوعة؛ اتقان فن الالقاء والتشخيص، وبلاغة القول، والقدرة على تلوين نبرات الصوت لجذب الجمهور إلى العرض المقدم بحيث يصبح أكثر جاذبية ومنطقية وتشويقا.
ويعدُّ المتفرجون أو النظارة من ركائز العمل الفرجوي، إذ يلعب حس المتفرج وذوقه ومعتقداته دورا في تأطير العملية الفرجوية. ويعتمد العمل الفرجوي الحلقي بشكل كبير على تجاوب الجمهور عندما يعبرون عن تفاعلهم بالتصفيق أو الصفير أو نثر الزهور أو كلمات الاستحسان أو الإنصات التام، أو أن يعبرون عن رفضهم وعدم تقديرهم لما يروه بالصياح أو السب أو يرمون الممثلين بالأجسام الصلبة أو قد يهجر بعضهم دار العرض. 1
وتقدم “الفرجة” أحداثا مستواة؛ أما تكون من القصص الشعبي المحاط بالخرافة والأسطورة أو من التاريخ المسكون بهاجس القومية. وتصاحب “الفرجة” مهارات الغـناء والعزف على الآلة الشعبية كالربابة أو الناي أو بالنقر على طبلة أو آلـة إيقاعية أو بتحريك الدمى.
ولقد ارتبط تعريف مفهوم “الفرجة” بمعنى “الانفراج” وهي كلمة مضادة للكبت والتأزم والشدة. كما اقترن هذا المفهوم بمعنى آخر وهو “المشاهدة”. تعمل “الفرجة في المسرح” على التخلص من عناصر الحبكة في البناء الدرامي التقليدي، والكشف عن الإحداث وصولا إلى الحل والتنوير حول أي حدث درامي سردي.
 يشعر المتلقي في نهاية الفرجة بحالة من الارتياح بعد مرحلة من التأزم والتوتر والتشويق حول الاحداث المقدمة. وتساهم “الفرجة” في انتقال المتلقي/ المشاهد من حالة إلى حالة أخرى، ومن فصول الحكاية الواقعية للشخصية إلى أحلام والرؤى الافتراضية. ويؤدي المشهد الشعبي في ساحة أو في حلقة حيث يتحلق الجمهور حول العرض ما بين الوقوف والجلوس إذ ارتبط شكل “الفرجة” بمكان تواجد الجمهور.
تعالت أصوات كثيرة تطالب بمسرح فرجوي عربي يولد من رحم التراث والتأريخ الشعبي في ظل الزحف الحداثي للمسرح العالمي . بهدف التأكيد على هوية المسرح العربي واثبات شرعيته في ظل تنامي التيارات الفنية الغربية شرقا وغربا. وتعدد مسميات أشكال الفرجة لدى المفكرين المسرحيين العرب، فهناك من يطلق عليها: “الاحتفالية والشعبية والسامرية ومسرح القهوة ومسرح الساحة ومسرح الشارع والسهرة والحفلة”، يصاحبها تنظير أو بيان يفصح عن غرضها ووسائلها وضروراتها باستثناء الاحتفالية في المغرب العربي.
الفرجة الفلسطينية في ربوع عُمان
حل الفنان غنام الغنام ضيفا على سلطنة عمان، وهي أرض تمزج بين عراقة الماضي، ووهج الحاضر بكل تفاصيله المعاصرة، جاء ليقدم عرضه الفرجوي بعنوان “سأموت في المنفى” الذي يمزج مفردات الغربة والترحال والهجرة والمنفى…وغيرها من المفردات التي تسلح بها الفنان غنام/ الفلسطيني ليتمكن من الابحار إلى عالم “الفرجة المسرحية “، الذي لم يتردد في تقديمها في مقهى أو ساحة الشارع أو حلقة احتفالية.
ويعدُّ المتلقي/ الجمهور الطرف الفاعل للعرض الفرجوي، وفي حالة غيابه فإنه لا يتحقق شيء اسمه مسرح وهذا ما يؤكده المخرج تشارلز دولين Charles F. Dolan في قوله: ” إن المسرح – وكثيرا ما ننسى ذلك- وجد من أجل الجمهور، فمن الممكن أن نحذف الخشبة والديكور والأثاث، ولكننا لا يمكن أن نلغي الجمهور ” 2.
جاء هاجس الهجرة وتجرع ويلات الترحال لدى “غنام”، استجابة لنداء الوطنية والتنديد بواقعه الصعب، الذي انعكس على تقاسيم وجهه خلال تجسيد أدواره المركبة بينما عامة الناس، كانوا يتحلقون حوله.
وساعد ذلك على فتح باب “الفرجة المسرحية” على مصرعيه لتصبح القضية الفلسطينية محور اهتمام الحضور . تسيد الغنام “حلقة الفرجة” التي اختارها لتكون ميدانه الخاص؛ فنراه يروي ويؤدي ويغني ويتراقص، مستغلا قدراته الجسدية التي تعينه على التشخيص ومعايشة واقعه الافتراضي الذي سكنه منذ لحظة خروجه من رحم أمه في “كفر” – اريحا بفلسطين، وحتى لحظة تمسرحه بين الجمهور العماني.
استدعى “غنام الغنام” في عرضه ذاكرة التاريخ الفلسطيني ليقدم عرضه “سأموت بالمنفى” الذي تحدث عن تاريخ فلسطين المحتلة، بعد اختزاله في ذاكرة إنسان محتل، قمعته عروبة الدم، والأرض والجيران، ولم يتبق له سوى ذكريات وأحلام متفرقة.
حكايتي مع المحتل
استطرد “غنام الغنام” في سرد سيرته الذاتية ذات الأبعاد السياسية والسيسولوجية والقومية، المحفوفة بالحزن والأسى، غنام صابر الغنام/ لاجئ فلسطيني من مواليد قرية ” كفر عانا” عام 1955م هاجر غنام قسرا منذ طفولته، وظل في حالة ترحال وتنقل دائمة حتى بلوغه سن النضج وهو لا يعرف عنوانا لوطنه. افتقد المواطن الفسلطيني/غنام الشعور بالراحة والأمان، حتى عندما حاول البحث عن الاستقرار الأسري، فإن المحتل استغل ذلك الشعور الإنساني، فبدلا أن يوقع غنام عقد زواجه، جعله الآخر/ الغريب يتنازل عن أرضه ، كناية عن بعض الخونة الذين باعوا قضيتهم القومية للعدو.ورغم مرور ردح من الزمن، إلا أن “الشعب الفلسطيني” لم يستطع أن يحدد موقعه من الاعراب، فهو ضحية اقطاب كثيرة متنافرة ، فهناك الاحتلال الاسرائيلي، وبعض البلاد العربية المجاورة، واتفاقية وعد “بلفور”، الذين جميعهم تنازلوا عن فلسطين لتكون قربان للمحتل.
أرض الوفادة … منفى آخر
سرى الألم المصيري في “أسرة غنام” كونه تركة للشهيد صابر غنام صابر من كفر عانا، الذين انتزعت السلطات المحتلة أرضهم، فقد مات والد غنام محروقا كمدا وغيظا على ابنه المثقف والمناضل في الأردن أثر مؤامرة حيكت ضده من المقربين ! يستكمل غنام سرد المواقف المأساوية ليؤكد أن كرامة الإنسان لا تكون إلا في وطنه، فبرغم وجوده ضيفا في مخيمات اللاجئين، إلا أن أعين الخونة كانت تتربص به، وبدا مصيره التهجير باسم النزوح أو اللجوء.
التشخيص والتمسرح
شخص “غنام” حكاية الألم والفجيعة في وطنه الذي بات يأن تحت نير قوات العدو الآثم . وارتكز “الأداء التمثيلي” لديه على عنصرين مهمين: الأول: تأكيد فرجوية العرض عن طريق فصل المشاهد عما يقدم له، فكان ” التغريب البرشتي Dissociation “3، كونها وسيلة مُثلى تذرع بها مخرج وممثل هذه الفرجة، الذي كان يتقمص دوره ليعبر عن حالته وموقفه، ثم لا يلبث ان ينسلخ منها، حتى لا يترك للمشاهد فرصة لاستمرار الإيهام للموضوع المقدم. وساعد عنصر “التغريب” في وضوح مضامين ومحتوى كل ما يتعين عرضه على المشاهد، وهذا ألغى “الجدار الرابع” الذي يفصل الجمهور عن خشبة المسرح.
الثاني: قام غنام الغنام بتوظيف قدراته الجسدية التشخيصية لوصف رحلة تهجيره عن موطنه. كما وظف “لو” الستانسلافيسكية بشكل كبير أثناء تشخيصه للأدوار التمثيلية، التي كانت له عونا للارتقاء بحس الممثل نحو آفاق الخيال الرحبة، وساهم ذلك في تكثيف الفعل المتمسرح لدى الممثل .
وفي السياق ذاته، قام غنام/ الممثل منذ المشهد الاستهلالي بكشف أسرار اللعبة المسرحية لتقليل “الإيهام” لدى الجمهور. فمنذ البدء رفض غنام اندماج الجمهور مع الفرجة، وسعى جاهدا لإيضاح منهجه الذي سيتعبه في عرضه الفرجوي، وساهم ذلك في استفاقة المتلقي، وجعله يدرك أصول التمسرح/ الميتا-مسرح (4) ويشعر بتجربة الفنان ومعاناته. عزف الفنان غنام الغنام على أوتار الشعب المنكوب منذ سنة 1948م ، مستغلا قدراته السردية والحوارية ما جعله يقترب إلى دور ” المشخصاتي” ، الذي كان يتمسرح حسب الحالة الدرامية، وفق أسلوب ملحمي تسجيلي” ساهم في أسر لب الحضور، والتفاعل مع الفرجة المسرحية.
لقد جعلنا غنام الغنام نعيش فصول قصته ذات الستين خريفا، بأحداثها الداكنة منذ لحظه مغادرته لوطنه الأم قسرا على أيديي سلطات الاحتلال ، إذ كان عمره لا يتجاوز اثنى عشر عاما، كانت صحيفته ناصعة البياض، تخلو من مواقف الصدامية مع العدو الغاشم. ولكن عندما بدأ ذلك الشاب/ غنام يعانق الضباب، ويحاول فك أحجية ما يدور حوله من أحداث تراجيدية، قام “اللاوعي الجمعي” لديه باسترجاع ذاكرة شعب أرهقته أساليب العنف والعذاب والتنكيل. حاول غنام الفلسطيني استرجاع المفردات التي التقطتها ذاكرته، بعد أن أدرك من خلال اطلاعه على بعض الكتب الممنوعة. وكان ذلك إيذانا لتلقي العقاب من المحتل، وسببا في تعذيبه وتشريده وضياع مستقبله، بالطبع بعد تلفيق التهم حوله لتكون بمثابة الشماعة لتعذيبه وسجنه. وفي خمسة حزيران 1967م ، شاهد غنام بأم عينيه أهالي بلدة “كفر” ، وهم يهجرون قسرا من أراضيهم، ويتعرضون للذل والهوان، وأطلق عليهم لقب “لاجئين” حتى قبل مغادرتهم لأرضهم ( فلسطين)!
ملحمية الفرجة لدى غنام
حرص غنام على أن يكون بطلا ملحميا عبر حلقته الفرجوية المفتوحة الأحداث، المتناهية الأبعاد. فقد بذل مجهودا كبيرا ، إذ كان عليه أن يؤدي دوره منفردا “مونودراما”، وأن يتمسرح ويتغير من حال إلى حال، وحيدا دون أن يسانده أحد؛ فنراه يؤدي دور”الراوي” ليعبر ويحكي عن جرحه الغائر، واغتيال أحلام طفولته وضياع وطنه منذ زمن بعيد .
كان غنام في كل مرحلة يتقمص دورا تمثيليا، يشعرنا بآهات وويلات وشجون الشعب الفلسطيني منذ سنوات، وهو ذلك الراوي الذي يغير نبرة صوته حسب الدور الذي يؤديه.
فتح العرض على مصراعيه ليصنع حلقة تفاعلية هدفها مشاركة الجمهور الذي كان يحاصر الحلقة. ورغم صعوبة “العرض المونودراما/ عرض الممثل الواحد” . الأمر الذي قد يترتب عليه رتابة وممل كبيرين ، خاصة في ظل غياب المؤثرات الموسيقية والصوتية والإضاءة والديكور وحتى خشبة المسرح.
وأصر غنام الغنام على تقديم عرضه الفرجوي في ساحة خواء، لا يوجد بها سوى كرسي منفرد، بينما كان النظارة يتفرجون على ملحمة نضال الشعب الفلسطيني، بين مؤيد ومعارض، ومتعاطف ومتفاعل.
عودة غنام للوطن
اليوم، أصبح عمر “غنام صابر الغنام” ستين عاما، وهو لا يزال غريبا، لا يعرف عنوانا لمطار بلاده يمكن أن يحط الرحال فيه، ولكن حنينه لوطنه الأول دفعه لزيارته مره أخرى إليه. إذ قرر “غنام”، الراوي / اللاجئ / المهجر لزيارة منزل الطفولة في اريحا، حيث شجرة الزيتون ما تزال يانعة الخضار رغم أن عمرها يزيد عن خمسمائة ألف عام، و التي كان يمتلكها “العم بدوي” هناك، للتأكيد على شرعية “الشعب الفلسطيني” الذي يزيد تاريخه عن عمر شجرة الزيتون.
أصر غنام على التمرد على أرضه المغتصبة، ومحاولة استرجاع أيام طفولته الثكلى التي ارتسمت تفاصيلها في مخيلته الفلسطينية البكر، ليصبح “بدل فاقد” بعد أن أضحى يتجرع غصة التجوال في المطارات وجحيم المنفى، في انتظار استرجاع النسخة الأصلية لهويته الضائعة منذ زمن!
انتزع المحتل حقيبته وأخذوا منها “آلة التصوير” التي خزنت آلاف الصور في ذاكرتها صورا لفلسطين القديمة ، وقام حراس الحدود بإتلافها. ولم يتبق للمواطن الفلسطيني/غنام سوى حفنة تراب وحجر. وبضياع تلك “الحقيبة” ضاعت ملامح هويته وطمست أحلامه ووطنه. لقد توالى مسلسل التنكيل الذي عاصره غنام عبر ذاكرته المثقوبة، التي اقترنت بسرقة “آلة التصوي ” منه، التي تحوي لقطات لبلدته “اريحا” ولشجرة الزيتون الفلسطينية، التي يزيد عمرها عن وجود الاحتلال عندما كانت فلسطين أرض في أوج حضارتها.
 ولم تغفل ذاكرة غنام مسرحية “عايدة” التي كان قد شاهدها في مطلع شبابه باريحا. لقد صدح المؤدي في هذه المسرحية بكلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وتغنى بكلمات ووديع الصافي، في محاولة منه لتصالح مع واقعه الذي قارب على الزوال. حاليا : يحمل “غنام” جوازا عربيا لدولة مجاورة، لكنه في المنزل يستمع والدته- وهي ترتدي الثوب الفلسطيني المطرز- وهي تخبره أن أخيه توفى شهيدا، بعد معاناته وسهره من الجرح الغائر في كتفه الأيمن… يسترسل “غنام” البوح والتعبير عن حزنه الدفين، الذي ألفه منذ زمن في حياته ، جسده ، ذاكرته. قدم عرضه “سأموت في المنفى” بأسلوب ملحمي وثائقي، لتظل “اريحا” تلك المدينة الفلسطينية التي سجلت قصص الفداء والبطولات والخيانة والمنفى والبحث عن فاقد . كانت تلك لمحات عابرة ومؤثرة لفنان فلسطيني عرفه الوطن العربي، بأعماله وعطاءه المسكون بهاجس نضاله لوطنه. وفي عرضه الفرجوي “سأموت في المنفى” حاول غنام تأويل واقعه في ضوء ماضيه بأسلوب ملحمي ، واختار قالب الفرجة المسرحية ليذكر العالم والرأي العام بقضيته التي لا تزال مستمرة، من خلال فرجة مسرحية أخرى.
————————-
الحواشي:
1- أبو العلا، عصام الدين، المسرحية العربية: الحقيقة التاريخية والزيف الفني، الهيئة المصرية للكتاب: القاهرة، 2007م، ص69
2- مهدي يوسف، عقيل، أقنعة الحداثة : دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر، عمّان: دار دجلة، الطبعة الأولى، 2010م ، ص 65.
3- بريخت، برتولد، ترجمة (جميل نصيف)، نظرية المسرح الملحمي، سلسلة الكتب المترجمة العدد (16)، بغداد، منشورات وزارة الاعلام، 1973، ص165
4- يرتبط هذا المصطلح بعدد من المفاهيم : المسرحية داخل المسرحية، الاحتفال داخل المسرحية، الإحالة إلى الذات…لمزيد من التفاصيل ينظر في مقالة “مرتجلة محمد الكغاط بين الاحتفاء بالجسد المسرحي وتفكيكه، خالد أمين، من كتاب”المرتجلة في المسرح”، ص56

إنطلاق مهرجان «عشيات طقوس المسـرحية بدورته 11» .. اليوم

مجلة الفنون المسرحية

إنطلاق مهرجان «عشيات طقوس المسـرحية بدورته 11»  .. اليوم


 حسام عطية - الدستور


اعلن بمقر نقابة الفنانين الاردنيين عن فعاليات مهرجان عشيات طقوس المسرحية بدورته الحادية عشرة والذي سوف ينطلق مساء اليوم الاحد بحفل افتتاح برعاية وزير الثقافة بسمة النسور بالمركز الثقافي الملكي، وتستمر عروضه بمركز الحسين ومسرح أسامة المشيني، وذلك بعد ان وافقت اللجنة العليا برئاسه نقيب الفنانين الأردنيين - الأمين العام لاتحاد الفنانين العرب حسين الخطيب على مشاركة 10 دول عربية هي مصر، فلسطين، السعودية، المغرب، تونس، العراق، لبنان، الامارات، البحرين، بالاضافة الى الأردن البلد المنظم لتقديم عروضهم المسرحية بالدورة الحالية وعقد ورش في فن التمثيل والإخراج، وندوات فكرية عن مسرح الصورة وبمشاركة فرق شعبية وفقرات فنية متنوعة وتكريم فنانين وأدباء عرب واردنيين، فيما سيتولى عرافة الحفل النجم العربي الأردني ياسر المصري والاعلامي عماد نصير.
مسرحيات المهرجان
واختيرت مسرحية قالب كيك من الاردن وهي عمل مسرحي يعتمد على الغناء الحي للعرض بحفل الافتتاح في يوم الاحد على المسرح الرئيسي بالمركز الثقافي الملكي، يليها في اليوم الثاني «مسرحية صفحة أولى» من السعودية ادارة المسرحية عبد الرحمن مدخلي والتقنيات عبد الاله دهل، وستعرض ثاني ايام المهرجان «الورد الي بينهن» عرض فلسطيني من اخراج حنين طربية وموسيقى وغناء سحر خليفة، اما ثالث يوم سوف تعرض «محاكمة زنوبيا»، واعاده عرض «الورد الي بينهن» من فلسطين، اما باليوم الرابع سيعرض من مصر شريط كروب واللعبة في انتظار غوده من اخراج حمادة شوشة، وعاشقة الموت من المغرب تاليف وتشخيص زينب زعبول ودراماتورجيا سعيد غزالة والادارة التقنية لحسن فاريح والتواصل والعلاقات العامة مصطفى الحمير، وفي اليوم نفسه سيكون عرض على مسرح المركز الحسين الثقافي للاردن بمسرحية هاملت بعد حين، تأليف الكاتب العربي السوري ممدوح عدوان، إخراج المخرج المسرحي الأردني زيــد خليل مصطفى، فيما العرض تنتجه فرقة مسرح عالخشب، والتي تطمح من خلال مشاريعها المسرحية لأن يصبح الفن المسرحي حالة يومية وضرورة اجتماعية يرتاده الجمهور بشكل دائم ومستمر، بهدف اثراء الفعل الفني، والارتقاء بذائقة الجمهور فكريا وجماليا، وجميع العروض ستكون بالمركز الثقافي الملكي بعمان والمسرح الدائري ومركز الحسين بالاضافة الى اعلان اختتام المهرجان.
لجنة التحكيم والضيوف
وكشفت اللجنة العليا لمهرجان عن أعضاء لجنة التحكيم وهم د. علي الشوابكة الأردن، الفنان رشيد ملحس الأردن، الفنانة منال عبد القوي تونس، د. رياض السكران العراق، سوزان أبو علي لبنان، فيما اللجنة العليا تتكون من حسين الخطيب رئيساً، د. فراس الريموني مديراً للمهرجان، مدير مديرية المسرح بوزارة الثقافة محمد الضمور عضوا، د.محمد هزاع الربيع عضواً، د. محمد خير الرفاعي عضواً، د.يحيى البشتاوي عضواً، والمدير التنفيذي لمهرجان مادونا حنا، ولجنة التصميم والطباعة اسماعيل العمايرة، وسيحل ضيوف على المهرجان كلا من الدكتور عبد الرضا جاسم العراق، الفنان جاسم محمد منصور البحرين، الفنانة زوهاد ضيفلاوي تونس، المخرج ياسر الحسن والفنان تركي عوني من السعودية.
ونوه الخطيب بمؤتمر صحفي، الى ان الفن رسالة يجب ان تلمس هموم افراد المجتمع المحلي، فيما نتطلع في نقابة الفنانين بان مستوى الطموح لدى الزملاء في فرقة طقوس المسرحية وسائر الفرق المتميزة قد تجاوز المدى في الاصرار على اثراء المشهد المسرحي الاردني عبر مهرجانها السنوي، اذ آثرت فرقة طقوس المسرحية المضي نحو ما هو أرحب بعد أن قررت مغادرة السكون الى وهج الفضاء الأخاذ في عالم المسرح المتسلح بالابداع والفكر الخلاق، رغم تجاذبات الواقع،حتى غدا مهرجاناً أردنياً وعربياً ودولياً، واذا نتطلع بأمل لدوام الابداع والتألق لهذه الفرقة وطقوسها التي تسعى لتكون منّا وتحاكي واقعنا.
بدوره مدير المهرجان الدكتور فراس الريموني تمنى ان يكون المهرجان والقائمين عليه قريبين من الجمهور وعلى تماس مباشر بطرح مشاكلهم عبر العروض المسرحية المقدمة، حيث يجمع المسرح الطقسي اشلاء الارواح المتناثرة في جسد الخشبة المتشققة من قرع طبول الجهل، يرممها بإيقاعات وترانيم المتصوف الزاهد ليحولها الى نور بلا زيت او زجاجة، هذه هي روح الطقسي تحلق في مدارات لا ينال منها المتربصون بهدم الفعل والحب والرقص والتهجد، خسرت تلك الاجساد المحنطة الرهان على هزيمة فرسان طقوس فهم يحلقون بحكاياتهم واساطيرهم وتجلياتهم وفوانيسهم ومشاعلهم في فضاء الجمال، فمرحبا بالمحتفلين بحلقات السمر وتعاليل مواسم الفن وعشيات طقوس المسرح بقلب عمان العروبي الدافئ.
المكرمون بالمهرجان
وعلى هامش فعاليات المهرجان الذي سوف يستمر حتى 28 / حزيران الحالي سوف يتم تكريم احمد بورحيمة من الإمارات العربية المتحدة، وهو ممثل وكاتب/ مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة في حكومة الشارقة / مدير مهرجان أيام الشارقة المسرحية ومهرجان الشارقة للمسرح الخليجي/ رئيس تحرير فصلية المسرح التي تصدرها الدائرة الثقافية في الشارقة/ عضو مسرح الشارقة الوطني/ استهل نشاطه المسرحي أوائل ثمانينيات القرن الماضي/ وقدم لمكتبة المسرح العديد من النصوص منها «كانوا هنا»، «دهن عود» و» اه قلبي» وسواها. عضو هيئات ولجان ثقافية وفنية عدة/ شارك في مهرجانات خليجية وعربية وعالمية، ممثلاً وكاتباً وإدارياً، ومن الأردن د.محمد عطيات، وهو كاتب ومفكر اردني من مواليد مدينة السلط، تلقى أولى علومه في مدرسة السلط الثانوية، ثم نال درجة البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة دمشق عام 1965، ثم الماجستير من الجامعة الاردنية، ثم الدكتوراه من الجامعة اليسوعية من بيروت، عمل مدرسا في وزارة التربية واستاذا في الجامعة ومستشارا ثقافيا في دولة الكويت، وهو شاعر ومسرحي مبدع، من اهم أعماله الأدبية، الفارس العربي الجديد وكرسي الاعتراف، ومن اهم أعماله المسرحية، تل الجادور، وساحة العين، رجال شرق الاْردن.
ورش وندوات
وعلى هامش المهرجان سوف تعقد الورشة المسرحية ( تقنيات التعبير الجسدي و عناصر العرض المسرحي) تديرها زوهاد ضيفلاوي/تونس، وتقنيات التعبير الجسدي و الجهاز الدّاخلي ( النفسي / العقلي ) الذّاكرة الانفعالية، الجسد بين الوعي واللاّوعي ( الأنا / و التواصل مع الآخر / الأدوات )، تقنيات التعبير الجسدي و النص المسرحي ( الجسد و الفعل المسرحي، الجسد و الشخصيّة، الجسد المرتجل )، التعبير عن النص نفسيا، صوتيّا و جسديّا، التعبير الجسدي و العناصر المسموعة و المرئية (الموسيقى، السّينوغرافيا)، اما الفئة المستهدفة فهم ممثلون هواة و محترفون و طلبة ( مسرح) و راقصون ( كوريغراف)، حيث الهدف من الدورة جعل الممثل قادرا على تقمص شخصية مسرحيّة و نقلها من النّص كفكرة إلى فعل نابض بالحياة و تعليمه تقنيات الفعل المسرحي من الجسد البيولوجي العضوي إلى الجسد المبدع الخلاّق ( ممثل)، بالاضافة الى الندوة الفكرية « تجليات مسرح الصور « يدير هذه الندوة الدكتور يحيى البشتاوي مديرا من الاردن والدكتور رياض السكران والدكتور عبد الرضا جاسم من العراق وتقام بالساعة 11 صباحا بقاعة فندق الريجنسي.

كتابات عن المسرح لبرتولت بريشت (Bertolt Brecht) *

مجلة الفنون المسرحية

كتابات عن المسرح لبرتولت بريشت (Bertolt Brecht)*


ترجمة : د. انتظار علي جبر 


المسرح الواقعي والوهم

تحدث الاديب الالماني يوهان غوته (Johann Goethe) عام ١٨٢٦ عن النقص في العرض المسرحي لشكسبير. اذ يقول في العرض المسرحي لشكسبير: ‹‹لا يوجد اي أثر يدل على ان مسرح شكسبير بحاجة الى الطبيعة التي تم اعمامها شيئًا فشيئا وذلك بفضل آلالية الجيدة، وفن المنظور والأزياء‹‹. و السؤال: ‹‹من سيقبل شيئًا مماثلاً اليوم في هذه الظروف؟. كانت أعمال شكسبير الكوميدية عبارة عن قصص مثيرة للغاية يقصها العديد من الاشخاص يتسببون في ترك أكثر من انطباع كانوا يتميزون بوضع الماكياج وينتقلوا من جانب إلى أخر يدخلون ويخرجون حسب اقتضاء المشهد لكنهم تركوا حرية التخيل الى المشاهد على وفق ذوقه ان يتخيل الجنة أو قصرا″ على المسرح الخالي‹‹.
منذ أن تم عمل هذه الملاحظة، تحسنت آلية مسارحنا على مدى مائة عام وأدى ‹‹الحاجة الى الطبيعة‹‹إلى وهم كامل بأننا نحن السليل ونفضل كثيرا" شكسبير فوق مسرح خال⸗ على مسرح لا يحتاج أي خيال ولا خيال يصنعه أيضًا.
في زمن غوته، لم يكن تحسين آلية إنتاج الوهم إشكالياً للغاية؛ لأنها كانت لا تزال ناقصة إلى حد كبير وكانت في بداياتها لدرجة أن المسرح نفسه بقي واقعيا" سواء في الفنتازيا أو الاختراع مازالوا بإمكانهم عمل فن الطبيعة. ومازالت المسارح ذات عروض مسرحية فيها مواقع بناها المسرحيون بطريقة فنية وشاعرية.
كان المسرح الكلاسيكي البرجوازي في منتصف الطريق السار إلى طريق النزعة الطبيعية - الوهمية، اذ يمكن للآلية أن تخلق العناصر الوهمية التي سمحت بتقديم شئ طبيعي بشكل كامل، ولكن ليس لدرجة أن الجمهور يفكر أنه لم يعد في المسرح، بحيث لا يؤدي هذا الفن الى تدمير الانطباع بأنه كان يعمل. بدون اللمبة الكهربائية وتأثيرات الإضاءة التي كانت بدائية، حيثما كان يعتقد الذوق المريب أن غروب الشمس ضروري، والآلية البدائية أعاقت النشوة الكاملة. الأزياء التاريخية ل Meininger ظهرت في وقت لاحق؛ كان المسرح بشكل عام فخمًا على الرغم من أنه لم يكن دائمًا جميلًا"، وتم تعويضه أيضًا بقصص عفا عليها الزمن.  ويمكن ان نلخص ذلك بكلمة واحدة على الأقل اذ كان هناك فشل في مسألة الخداع كان المسرح ولا يزال يظهر كمسرح 
اليوم أقامت مسرح واقعي هو فرضية للوصول الى عروض مسرحية واقعية للتعايش البشري. وتعزيز كبير للوهم في المواقع المسرحية وطريقة للتمثيل ‹‹ألمغناطيسي›› مما تسبب في الوهم بأن نشارك في حدث خاطف وعشوائي وحقيقي، منح كل هذه الطبيعة التي لم يعد بإمكاننا التدخل فيها بلحقيقة وبالخيال أو بردود الافعال ونعترف ونحن مجرد متفرجون أصبحنا هدف للطبيعة. ينبغي أن يكون وهم المسرح جزئيا" بحيث يمكن التعرف عليه دائمًا على أنه وهم. على الرغم من كماله، الواقع ينبغي ان يكون متحوله من خلال الفن لأجل التعرف عليه ومعالجته على أنه شيء يمكن تغييره. وهذا هو سبب حاجتنا الحالية للطبيعة ونتمنى ان نغير طبيعة تعايشنا.

الفيلسوف في المسرح

قد خصص الفلاسفة منذ زمن بعيد اهتمامهم بالمسرح، كتب ارسطو(Aristotle) الفيلسوف الاغريقي مؤلف كلاسيكي عن المسرح ودرسه باكون (Bacon) من وجهة نظر تربوية. حتى ان لبعض اعتقد انه هذا المؤلف قريبا من مسرح شكسبير فولتير وديدورت (Shakespeare, Voltaire, Diderot)الذين اكتسبوا شهرة لكونهم فلاسفة وكتاب مسرحيين وكذلك ايضا من بين الكتاب الالمان ليسننغ. Lessing)) ومن بين المؤلفين المسرحيين العظماء يقال أنهم كانوا كمعلمين لبعض الفلاسفة مثل شلير (Schiller) الى كانت (Kant).
 في الواقع يتعامل أهل المسرح مع الاشياء التي تخص الفلاسفة كثيرا" والمعرفة مثل (السلوك الإنساني أراء الإنسان وعواقب الأفعال البشرية). 

طريقة الفلسفة 

إذا كنت قد أعلنت كتابة أعمال مسرحية ووضع مشهد من الاعمال المسرحية في المسرح يتناول جوانب من الفلسفة دون قلقي بشأن ما يمكن ان يفهمه الاخرون من المشهد، سيتوجب علي الان تعريف هذه الفلسفة بطريقتي لأن الفلسفة في عصرنا ومنذ مدة طويلة تعني شى جدا محددا لا أهتم به على الإطلاق.
بطبيعة الحال افتقر الى الموهبة في الميتافيزيق، كمية الأشياء التي يمكن التفكير بها وكيف تترافق مع بعضها البعض لتحمل مفاهيم في طبيعتها غير واقعية.
لهذا التزم بالطريقة الفلسفية الحالية لاسيما بين عامة الناس، التي يعتقد بها الناس عندما نقول(أذهب الى فلان ليقدم لك نصيحة، إنه فيلسوف) أو(ذلك يتصرف مثل الفيلسوف الحقيقي).فقط اريد إجراء أستثناء هنا. عندما يعزو الناس موقفا" فلسفيا" الى شخص ما، بصورة عامة يتناول القدرة على تحمل شيئا″ ما.  في الملاكمة نميز بين المصارعين الذين يعرفون كيف يلائمون ومصارعين يعرفون كيف يعطون، أي مصارعين يتحملون الضرب كثيرا ومصارعين يضربون بشكل جيد، يفهم الناس في هذا المعنى الفلاسفة  بوصفهم أناسا" يتلاءمون مع الشئ الذي يعود الى حالتهم. وفي ما يأتي سأفهم التفلسف فن الملائمة والضرب في المبارزة، والباقي تزامني مع الناس في ما يعنيه التفلسف.
ومن ثم ببساطة الاهتمام في سلوك البشر، ومقاضاة فنونهم التي من خلالها يصنعون حياتهم،وأهم ما يميز الفيلسوف من هذا النوع اهتمامه بما هو عملي ومتوجه نحو ما هو مفيد فقط في المقاييس التي تكون فيها المفاهيم الفلسفية الاكاديمية والعلمية هي الادوات التي يمكن تستخدم اشياء وأشياء ليس من المفاهيم التي يمكن أن تتضمن فلسفة الشارع التي هي فلسفة السبابة.
و اذا ما هو عملي لدية شئ مبتذل ينبغي علينا تأمل ما هو مبتذل بعيون جديدة ونستغني عنه ما بما هو سام⸗ وعال″ قبل إعفائه من كونه مفيدا″.

الهوامش :
*كتابات عن مسرح برتولت بريشت(Escritos sobre el teatro،2010، ص29-33

 كانت كلمة Meininger تعني تنفيذ النظريات الجديدة حول المسرح في ألمانيا التي تم تطويرها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اذ تُعطى أهمية للفنون والتقنيات المختلفة التي تتلاقى في التمثيل المسرحي.التي يظهر فيها شكل المخرج كمدافع ومنسق مع نشاطه المكثف الذي دام ما يقرب من خمسين سنة داخل ألمانيا وخارجها،هذه الحركة كان يقودها الدوق خورخا الثاني أثرت في تجديد المسرح الاوربي ومنظمي المسرح الأوروبيين في وقته وبعد ظهوره
 هذه الحركة طورت مسرحًا واقعيًا سلط الضوء فيه على الإخلاص لنص المؤلف ووضع سياق العمل مع مجموعة من الافراد والازياء ودعائم تعكس الزمن والمشهد والممثلين، مما يوفر اتجاهًا للممثلين الذين فروا من شخصية الممثل المنفرد و دمجها في مجموعة  من أجل خدمة الدراما

المهرجان الدولي للمسرح الجامعي يعلن دورته الثلاثين الموعد السنوي والمؤتمر التواصلي والترافعي في الفكر والفعل المسرحي

مجلة الفنون المسرحية

المهرجان الدولي للمسرح الجامعي يعلن  دورته الثلاثين
الموعد السنوي والمؤتمر التواصلي والترافعي في الفكر والفعل المسرحي

أحمد طنيش

بمناسبة الاحتفاء بحدث الدورة 30 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء الذي يصل إلى هذه المحطة الآن والهنا والتي تدعوه لتقييم التجربة ورصد ذاكرتها وفتوحاتها واسهامها الإبداعي والأكاديمي والتواصلي الفني والثقافي، نظمت الجهة المنظمة كلية الآدب والعلوم الإنسانية بنمسيك ندوة صحفية تواصلية وترافعية يوم الخميس 21 يونيو 2018 في إحدى فضاءات التواصل بالعاصمة الاقتصادية والثقافية الدار البيضاء، إعلانا عن الدورة الثلاثين  للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء FITUC والذي ستنطلق فعالياته من 2 إلى 7 يوليوز 2018، تحت إشراف نخبة من الأطر والطلبة يمثلون اللجنة التنظيمية لهذا الحدث الثقافي والفني الجامعي، وبرئاسة عميد الكلية ورئيس مهرجانها ذ.عبد القادر كنكاي الذ صرح خلال حدث الندوة الصحفية المعلنة عن فعاليات المهرجان، أن هذا المشروع الثقافي الدولي الذي وصل إلى ثلاث عقود من العمل والمثابرة والاجتهاد ووعى بطموحه وبنا له الأفق المستقبلي بدء من مراحل التأسيس إلى التطور والاستمرارية وصولا إلى مرحلة النضج والتموقع والتميز وبذلك تعدى إشعاعه حدود الوطن إلى كل القارات، بالإضافة أنه ساهم في إشعاع الجامعة المغربية، ومدينة الدار البيضاء التي يحمل اسمها، باعتباره مشروعا ثقافيا متكاملا يجمع بين الإبداع والتكوين والتأطير والإشعاع والانفتاح على الذات والآخر، بدعم ثقافي وعلمي من طرف كل الفاعلين والشركاء وأهل الصحافة والإعلام والفاعلين من الشباب الجامعي وأطر ومتلقين وباحثين وراصدين ومتتبعي الشأن الثقافي والفني والمسرحي على وجه التحديد ولكل الفيتيكيين، داخل الجامعة المغربية وخارجها وعبر المحيط المغاربي والعربي والإفريقي والأوروبي والدولي.


لكل دورة محور بدء من المحور المنطلق الأول انفتاح شبيبة العالم على الثقافات وعلى الفنون وتلاقحهم من خلال المشترك الفني والإنساني من تم تناسلت المحاور الأخرى وتتابعت نذكر منها، المسرح والجوانب النفسية والاجتماعية تم المسرح والتحولات والحدود إلى أن كانت الدورة 28 في محور "الصمت" والدورة 29 في محور "الحركة" لتصرح الدورة 30 أن محورها وشعارها تفاعل interaction لكون المسرح هو فن التفاعل بامتياز: تفاعل داخل المسرح وخارجه، تفاعل بين الممثلين فيما بينهم، ومع كل مكونات العرض المسرحي، نحو التفاعل مع الجمهور ليتحقق التفاعل مع المجتمع من خلال قضاياه وهمومه وطموحه وآلامه وآماله وفرجاته المتعددة والمتنوعة، ومع فئة هامة متمثلة في الشباب الجامعي كآلية وبعد لمخاطبة المستقبل فرجة وإبداعا وحضورا تفاعليا.
بكل هذه الصفات والخصوصية والتميز لعب المهرجان FITUC وما زال يلعب دورا هاما وأساسيا ومركزيا في الدبلوماسية الثقافية/الجامعية الموازية إذ أصبح موعدا سنويا ومؤتمرا تواصليا وترافعيا فوق العادة في الفكر والفعل المسرحي المتجدد والذي يواكب التحولات وتطورات الفنون وتداخلاتها وتفاعلاتها من داخل الذات وعبر المحيط وسعة التلقي.
عبر عمره الثلاثين استضاف المهرجان الدولي للمسرح الجامعي دولا من القارات الخمس ممثلة لكل الجنسيات والهويات والتجارب  والمدارس المسرحية التي انصهرت في هوية المسرح والتفاعل المسرحي وبذلك قدمت اللجنة المنظمة، باسم مدير المهرجان الأستاذ محمد أمين مومين، إحصائيات من ذاكرة وأرشيف المهرجان وبأرقام لها دلالات التمثيلية للمنجز المهرجان لجل دول العالم بعروض مسرحية جامعية لأكثر من 70 دولة شاركت بما يقارب 630 عرضا مسرحيا كانت فيه الحصة الكبرى للمغرب بـ 29 عرضا مسرحيا وحمولة بشرية لأزيد من 1000 مشارك في جل فقرات المهرجان من عروض مسرحية تضم ممثلين ومخرجين وتقنيين ومؤلفين وإداريين ولجن التحكيم واللجن التنظيمية وإدارة المهرجان وعدد من المكرمين والمحتفى بهم، ناهيك على جمهور عريض من المتتبعين لفقرات المهرجان وعروضه وندواته وتكويناته، بالإضافة إلى تتبع كبير وطني ودولي صحفيا ونقديا.


كما صرحت الندوة الصحفية باسم مديرها الفني ذ.هشام زين العابدين عبر تدخل مباشر، والمدير الفني الثاني ذ.فتاح الديوري، عبر الوات ساب، أن محطة هذه السنة ستعرف تقديم 16 عرضا مسرحيا في خمس فضاءات/مسارح تمثل جغرافية البيضاء وهي: مسرح مولاي رشيد، مسرح عين الشق، مسرح المركب الثقافي الحسن الثاني، أستوديو الفنون الحية بالحي الحسني، وفضاء عبد الله العروي بكلية الآدب بنمسيك، بمشاركة الدول التالية: من أوروبا (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، روسيا، وجمهورية التشيك) من مريكا وأمريكا اللاتينية (المكسيك) من أسيا (البنغلادش وكوريا الجنوبية)، من إفريقيا (ساحل العاج وغينيا)،  من العالم العربي (الجزائر وتونس ومصر)، بالإضافة إلى عدد من الفرق من المغرب البلد المنظم، روعي في هذا الاخيار والتوزيع والبرمجة معايير زمنية وجغرافية ومعايير فنية وتقنية وتعددية للأنماط والتجارب والمدارس المسرحية.

كما صرحت اللجنة المنظمة أن المهرجان سيواصل معتاده التكويني بتنظيم 5 ورشات تكوينية يؤطرها مختصون في المجال المسرحي تقنية وفنية وفي مجال الإبداعي عموما، وسيتكلف بمهمة لجنة التحكيم مختصون وخبراء وأكاديميون ومبدعون من داخل الوطن وخارجه روعي في مكوناتها مقاربة النوع، وتضم الأستاذ الجامعي والناقد الفني والفنان التشكيلي المغربي والفاعل الثقافي على المستوى الوطني والدولي، ذ.عز الدين الهاشمي الإدريسي، والمخرج المغربي والدراماتورك والباحث في فنون العرض، ذ.رشيد أمحجور، وأستاذ السياسة الثقافية ومدير مؤسسة السياسة الثقافية، عضو اليونسكو الألماني، ويلفاك شنايدر، ومديرة المدرسة العليا للفنون الدرامية، الإسبانية سونيا موريس، والباحتة والكاتبة والقاصة الأستاذة الجامعية المغربية، ذ.لطيفة لبصير.
وسيتم الاحتفاظ بلحظة الاعتراف والامتنان وتحية التكريم التي ستقدم لرجل التجريب والكتابة والإبداع والبحث العلمي المسرحي من الوجهة الأكاديمية، الدكتور عبد الواحد عوزري، والإعلامي وأستاذ المادة في المعاهد الصحفية الأستاذ حميد ساعدني، والفنان الدرامي والمسرحي الأستاذ عبد القادر مطاع.
كما سيقف المهرجان هذه السنة أمام لحظة احتفاء بالذات وسيحتفي بالمسرح الجامعي بالمغرب بدل معتاده الاحتفاء بدولة من الدول أو تجربة ما أو مسار أو بعد ثقافي وفني، وقد خصصت هذه الدورة ندوة علمية دولية في المحور ستتناول فيه تجربة المسرح الجامعي عبر العالم والوقوف على تجربة المسرح الجامعي بالمغرب، من تأطير وتفعيل ممارسين وراصدين وباحتين مغاربة وأجانب.
 صرح  ذ.أحمد طنيش المسؤول الإعلامي لفعاليات المهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، أنه بالفعل سعيد لهذا التجاوب والحضور الإعلامي المتعدد والممثل لوسائط الإعلام الأربع من شركاء إعلاميين ومن عموم الجسم الصحفي الذي يعتبره المهرجان سندا معنويا كبيرا من خلال الحضور والتغطية والمتابعة الصحفية والمشاركة في المقترحات والتصورات إذ يعتبر الإعلام والصحافة بالفعل أعضاء أساسيين في اللجنة المنظمة، سيما والمهرجان يؤشر على الانطلاق الفعلي للمهرجان من خلال التواصل معهم والأخذ بآرائهم.. وبرز المسؤول الإعلامي الخطة الإعلامية للاحتفاء بالحدث في لحظته الذهبية 30 سنة في خدمة المسرح الجامعي بالمغرب والعالم، والتي يدعمها ويرعاها كل الشركاء وكل أهل الإعلام بجميع الوسائط داخل المغرب وخارجه.


وبالمناسبة تم الإشارة أن القناتين التلفزيتين الأولى والثانية، يعدان لحظة توثيقية عن ذاكرة المهرجان، وهناك إسهام هام توثيقي وعبر MAPnews لوكالة المغرب العربي للأنباء، وأن اللجنة الإعلامية للمهرجان ستعد جريدة المهرجان MON FITUC التي يدعوا مشرفوها كل الفاعلين إلى اعتبارها لحظة توثيق وكتابة وشهادات وآراء ومقترحات مفتوحة في وجه وقلم كل الفعاليات، مع حضور قناة المهرجان للتوثيق الحي.





السبت، 23 يونيو 2018

صدور كتاب "المسرح التركي المعاصر" تأليف د. عامر صباح المرزوك

مسرحية "البطة البرية" للنرويجي هنريك ابسن: محاولة لفضح هشاشة الحياة والحلم و الفكر

الفارس ذو الوجه الحزين مسرحية عن دونكيشوت معاصر

مجلة الفنون المسرحية

الفارس ذو الوجه الحزين مسرحية عن دونكيشوت معاصر

باريس - العرب 

المسرحية توظف صيغة بصرية تدمج بين السينما والمسرح، كأسلوبي سردٍ يحضران معا على الخشبة، وذلك للاستفادة من مميزات كل منهما لبناء الحكاية ومستوياتها.

 كيف يمكن الحديث عن  دونكيشوت في الألفية الجديدة، في ظل الفصام الرأسمالي، والسياسات القمعيّة، والخراب المتسارع للشروط الإنسانيّة، وكيف ستنتقل حكايته في عالم تطغى عليه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعيّ، التي تتيح للفرد أن يكون بطلا أو أضحوكة في ثوان، التساؤلات السابقة تحضر في مسرحيّة “تحت جلد دونكيشوت”، التي تستضيفها خشبة مسرح المدينة في العاصمة الفرنسيّة باريس.

العرض من إخراج كل من ماتيلد وايرغانس وسامويل هرقل مؤسسي فرقة “لاكوردنيري”، التي توظف صيغة بصرية مميزة، تدمج بين السينما والمسرح، كأسلوبي سردٍ يحضران معا على الخشبة، وذلك للاستفادة من مميزات كل منهما لبناء الحكاية ومستوياتها؛ كأن نرى الممثلين على الخشبة يؤدون بأصواتهم ما يحصل على الشاشة، وأثناء سير العرض، نرى أن الممثلين يلعبون دورين مختلفين ومتزامنين، الأول آنيّ مسرحيّ أمام الجمهور، والثاني سينمائيّ خارج زمن العرض.

التقنية السابقة مرتبطة بطبيعة نص سيرفانتس، والعلاقة بين المتخيّل الهذياني الذي يعيشه دونكيشوت، وبين “حقيقته” كشخص، فالسينما بوابة نحو الأحلام وتحقيقها، في حين أن الخشبة، تختبر “الحقيقة” ومدى واقعيتها، فالعرض وليخلق الحس بالواقعيّة، يتبنى ذات التقنيّة الموجودة في النص الأصليّ؛ إذ يبدأ العرض بفريق العمل (الراوي) ومحاولتهم لإنجاز مشروع مسرحي جديد.

 وأثناء ذلك، تخبرنا المخرجة أنهم وجدوا صدفة صندوقا قديما يحوي سيناريو فيلمٍ غير مكتمل، لمؤلف مجهول التاريخ اسمه سيدي حامد بن علي، ذات الشخصية الوهمية التي يشير إليها سيرفانتاس، بوصفها التي قامت بتأليف حكاية دونكيشوت، هذه “الصدفة” هي التي تدفع الفريق إلى إعادة بناء حكاية الفارس الشهير بوصفه بطلا عابرا للأزمان.

تقوم الفرقة المسرحيّة بإنتاج السيناريو الناقص، وتحويله إلى فيلم ونص مسرحيّ، حينها نتعرف على بلدة مجهولة في الريف الفرنسيّ، يسكنها ميشيل ألونزو، الذي يعمل في مكتبة البلدة العموميّة، كموظف مسؤول عن تحويل مؤلفات القرون الوسطى إلى نسخ رقميّة، إذ نراه يقضي ساعات يومه صامتا، يقرأ وينضد الكتب وينسخها على أقراص ليزرية، تحت إشراف العمدة الذي يرغب في مواكبة العصر والنهوض بالمكتبة.

 لكن، وأثناء تأديته لعمله البيروقراطي والروتيني، يقع ألونزو في حب طبيبة نفسيّة ترتاد المكتبة، وتستعير دوما كتاب دونكيشوت، وفي ليلة رأس السنة، مطلع الألفية الثالثة، وإثر خطأ في الكمبيوتر، تبتلع الشاشة ألونزو، ليتحول إلى دونكيشوت، لنراه في أرض الخيال السينمائيّة، باحثا عن معشوقته، مرافقا إياه سانشو (عامل في المكتبة) الذي يساعده في مغامراته، وفي الدفاع عن شرف الفرسان والتصدي للبرجوازيين الصغار.

تتجلى أمامنا مأساة دونكيشوت تدريجيا، إذ يبدأ جنونه وأوهامه السينمائيّة بالتلاشي، ويبقى حبيس الواقع/ الخشبة، حيث ينعته الناس بالجنون، أما معشوقته، فغافلة عن مشاعره، ولا تعلم سوى أنه مريض نفسي، تحول إلى أضحوكة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وحين انتهى به الأمر في المستشفى النفسي، يقرر الأطباء أنه مصاب بكل الأمراض الهذيانية والفصاميّة التي يمكن أن تحضر في معاجم التحليل النفسيّ، مع ذلك فهو قريب من حبيبته التي تشرف على علاجه، ولا تدري أنه فارس من العصور الوسطى وأسير عشقها، تناوله الأدويّة يوميا، كي يعود إلى “عقله”، وممارسة حياته كميشيل ألونزو موظف المكتبة المسحوق، أسير اسمها وكلمات سيرفانتس.

الألفية الثالثة جعلت  دونكيشوت أضحوكة عالميّة، مأساته الذاتيّة وفصامه العرضيّ ملك للشاشات، في إحالة إلى سياسات الاستعراض، التي تستهدف مختلف أشكال النشاط البشريّ، مرضيا كان أم صحيا، هلوسة أم إبداعا، وتحوله إلى بيكسلات ونقاط ضوئيّة.

فما يهم هو الأسلوب العلنيّ، والسلوك الذي يجعل الفرد متاحا ليكون منتجا جديرا بالتبادل والمونتاج وإعادة التبادل، فالمسرحيّة تنتقد مفاهيم الصور واستنساخها اللامتناهي حد فقدانها لأصلها، فألونزو يحضر على شاشة السينما وخشبة المسرح ثم شاشات وسائل التواصل الاجتماعيّ، بوصفه عارضا لواقع متخيّل ووليد عطل في الكمبيوتر، خطأ تقنيّ يتكرر ويتحول إلى “حقيقة” لا أثر لها إلا على الشاشة، وكأنه تجلّ مادي للنوستالجيا المرتبطة بالألفية الجديدة، والحنين إلى زمن وعلاقات ماضية ولّدتها المخيلة ذات السيناريوهات غير المكتملة.

الجمعة، 22 يونيو 2018

الانثروبولوجيا المسرحية*

مجلة الفنون المسرحية

الانثروبولوجيا المسرحية*

ترجمة : د.انتظار علي جبر 

وجدت الأنثروبولوجيا في المسرح مجالًا استثنائيًا للتجريب لأنه وجدت أمام عينيه أناس يقومون بأداء ادوار لتمثيل أناس آخرين. هذه المحاكاة تهدف إلى تحليل وإظهار كيف يكون سلوكهم في المجتمع . من خلال وضع الإنسان في وضع تجريبي، يمنح المسرح والأنثروبولوجيا المسرحية الفرصة لإعادة توظيف هذا المجال في المجتمعات الصغيرة وتقييم ارتباط الفرد بالمجموعة. كيف يكون هناك تقديم أفضل للإنسان بدون تمثيله؟ هناك تقديرات وضعها ششيشنر ((Schechner، تقارب نماذج من الأنثروبولوجيا والمسرح: ‹‹بالطريقة نفسها التي يتم فيها انثربولوجية المسرح، تتم مسرحة الأنثروبولوجيا. هذا هو المنطق لا تشوبه شائبة للأنثروبولوجيا المسرحية‹‹.

لسوء الحظ، الأمور أكثر تعقيدًا في هذا المجال لأنه من الناحية النظرية يمكن لعالم الأنثروبولوجيا المسرحية أن ينظم معرفة المسرح واليوم توجدت أكثر من دعوة للاجتماع أو رغبة في المعرفة للانثروبولوجيا أكثر من النظام المؤسس، ومع ذلك، فقد بدأت هذه المهمة بالفعل بفضل ISTA (المسرح المدرسي الدولي اللأنثروبولوجيا) ل اوجينيو باربا(Eugenio Barba) التي نظمت ندوة منذ عام 1980: ISTA هو المكان الذي يتم فيه نقل وتحويل وترجمة علم أصول المسرح الجديد. وهو مختبر أبحاث متعدد التخصصات و الإطار الذي يسمح لمجموعة من المسرحيين بالتدخل في البيئة الاجتماعية المحيطة به، على حد سواء في عمله الفكري ومن خلال عروضه المسرحية.

الكتاب الذي كتبه اوجينيو باربا (Eugenio Barba) مع نيكولا سافاريزي(Nicola Savarese)، تشريح الممثل الذي هو قاموس الإنثروبولوجيا المسرحية (1985/1995) يقدم سلسلة من ابحاث ISTA في الوقت نفسه يثبت برنامج الأنثروبولوجيا المسرحية: (دراسة السلوك البيولوجي والثقافي للإنسان في حالة التمثيل، أي الانسان الذي يستخدم حضوره الجسدي والعقلي وفقا لمبادئ مختلفة عن تلك التي تحكم الحياة اليومية. (نظرا لأهمية مؤلف باربا ومؤلف ISTA ، سنلجأ إلى مثل هذه المبادئ على نطاق واسع بعد تحديد أسباب ظهور الفكر الأنثروبولوجي في المسرح، وكيف تكون شروط نجاح مثل هذا العمل أو المهمة ومناقشة بعض من أطروحته.

1-أسباب ظهور الفكر الانثروبولوجي في المسرح

 أ-النسبية الثقافية: فكرة النظر في المسرح من وجهة نظر الأنثروبولوجيا أو نظرية الثقافية ليست جديدة. تقريبا كل الاطروحات المسرحية تصوغ بعض الفرضيات مهما كانت متواضعة عن اصول المسرح.


وينتهي فكر الأنساب من هذا النوع في القرن العشرين على سبيل المثال مع انطوان ارتود ((Antonin Artaud، في الحنين أو الرغبة في العودة  للأصول في مقارنة مع الثقافات أبعد من الثقافة الغربية. يبدو أن الأنثروبولوجيا المطبقة على الثقافة (حتى عندما لا تأخذ هذا الاسم بعد) تنشأ نتيجة الوعي (بعدم رفاهية الحضارة) كما يقول فرويد(Freud)، عدم ملاءمة الثقافة للحياة المشابهة لتلك التي يشخصها انطوان ارتود ((Antonin Artaud يقول:على الرغم أن الحياة هي ما يهرب منا، يتحدث كثيرا عن الحضارة والثقافة. وهناك تباين غريب بين هذا الانهيار المعمم للحياة الذي هو على أساس المعنويات الحالية والقلق من الثقافة التي ابدا لا تتزامن مع الحياة، والتي تم إنشاؤها لتحكم الحياة.

الشعور بانهيار ثقافتنا وفقدان نظام المرجعي المهيمن في تصرف المسرحيين كما سماه بيتر بروك (Peter Brook)غرتشوسكي (Grotowski) أو باربا (Barba) النسبية لممارساتهم السابقة- يفتحونها على أشكال مسرحية غريبة وقبل كل شيء، تقدم لهم نظرة إثنولوجية عن الممثل. وترتبط هذه التجارب المسرحية جزئيا بأنثروبولوجيا ليفي ستروس(lévi- straussian) التي تحاول فهم الإنسان (اعتبارا من اللحظة التي فيها نوع التفسير يسعى إلى التوفيق بين الفن والمنطق والفكر والحياة ، والحس و المفهوم).

ب -عدم كفاية المنطق العقلاني

وفقا لتقليد مختلف عن التفكير العرضي لفرويد (Freud)، يتم وضع رمز فوق المفهوم، ومع المفكرين مثل يونغ، كيريني أو إليادي(Jung, Kerenyi, Eliade) (1965)، يبقى ذلك مرتبط بالجهود المبذولة لترجمة ما في الخبرة الذاتية لنفس أو في اللاوعي الجماعي، خارج حدود هذا المفهوم، يبتعد عن درجات الفهم لذلك لا يمكن معرفته بالمعنى الدقيق للكلمة، والذي مع ذلك يمكن التفكير به، ومعترف به من خلال أشكال التعبير اذ يتم إدراج التطلع البشري بما هو غير مكيف، وما هو مطلق، وما هو لانهائي، وما هو كلي أي اللجوء إلى لغة الظاهرة الدينية، و الانفتاح على ما هو مقدس. غالبًا ما ترافق هذه الظاهرة العودة إلى ما هو مقدس، حتى لو لم يميز ذاته ؛ يتطلب الأمر في بعض الأحيان، كما أشار السيد بوري(Borie)،الى شكل الوعي سيئ للأنثروبولوجيا الغربية ضد المجتمعات المثالية البدائية والبحث عن الأصالة المفقودة (المسرح، مفهوم كل مرة أكثر حتى قبل آرتود (Artaud)، ليس كمساحة لتوضيح النص وتقديمها. ليس كفضاء مقدر لتوضيح النص وتقديمه لسيادة ما هو مكتوب، بل كمكان للتميز في الاتصال الجسدي بين الممثلين و ألمتفرجين ألا يوفر لنا ربما مساحة مميزة لتجربة العودة إلى أصالة العلاقات ألإنسانية؟ . مسرح المشاركة، والبحث عن حدث جماعي أو أداء تمثيلي ذاتي من هذا المصدر يستخرج الأصالة التي ينبغي أن تسمح بالاتصال المسرحي.

ت-البحث عن لغة جديدة

إن التطلع إلى ما هو مقدس يحتاج إلى لغة جديدة لا ترتبط باللغة التي يمكن التنبؤ بها الطبيعية أو الكتابة التي تسند بشكل كبير الى ألعقلانية: ‹‹كسر حاجز اللغة لوصول الحياة يعني العمل أو إعادة عمل مسرح، ومن المهم عدم تصديق أنه ينبغي لهذا الفن ان يبقى مقدسا″، أي محفوظا″ والشيء المهم هو أن نعتقد أنه لا يمكن كل العالم أن يفعل ذلك ولان هذا الامر يتطلب الاعداد››. هذا الإعداد للغة يرفض السهولة في العثور على نوع من لغة مشفرة التي هي في الوقت نفسه لغة أولئك الذين يخلقون المشهد ومن المشاركين في الطقس المسرحي والممثلين الذين هم (كضحايا لمحنة النار الذين يعملون إشارات من المحرقة)، هذا يعني القول أنه ليس من السهل العثور على كلمة المرور الخاصة بك أو أنه سيحرق من يريد العثور عليها. هذه الهيرمونات التي لا تثق بالعقلانية وبمعنى آخر، تود أن تفكك شفرات اللغة المسرحية الأسطورية، سواء كانت هيروغليفية مايرهولد (Meyerhold) أو إيديوغليفت غروتوفسكي (Grotowski) أو ‹‹قاعدة معبرة سلفا للممثل››باربا(Barba).



.2-الشروط المعرفية للأنثروبولوجيا المسرحية

لإيجاد أنثروبولوجيا مسرحية، من الضروري جمع عدد معين من الشروط.

أ- طبيعة الأنثروبولوجيا

التمييز عادة بين الأنثروبولوجيا المادية (دراسات حول خصائص الفسيولوجية للانسان والسلالات)، والأنثروبولوجيا الفلسفية (دراسة الإنسان بصفة عامه وعلى سبيل المثال بمعنى كانت (Kant): الانثروبولوجيا النظرية و العملية والأخلاقية)، وأخيرا الأنثروبوجيا الثقافية أو الاجتماعية (تنظيم المجتمعات والأساطير، والحياة اليومية، وما إلى ذلك): سواء ان كانت الانثربولوجيا الاجتماعية والثقافية، فهي دائما تتطلع لمعرفة التأمل أو التفكير الشامل للانسان، في حالة واحدة من خلال إنتاجه ومن جهة أخرى، من خلال تمثيله. الأنثروبولوجيا المسرحية خصوصا أنثروبولوجية باربا- تتعامل مع البعد الفسيولوجي و الثقافي للمثل في حالة التمثيل ! برنامج طموح ! طموح لأنه ينبغي أن يتوافق مع الوصف المورفولوجي والتشريحي لجسم الممثل؟ هل من الضروري قياس عمل العضلات، ومعدل ضربات القلب، وما إلى ذلك؟ هل ينبغي أن نجعل البحث المسرحي طبيًا؟ . وقد أجريت دراسات من هذا النوع دون الوصول الى النتائج التي يمكن أن تكون ذات صلة بسلسلة أخرى من الأحداث لا سيما العوامل الاجتماعية والثقافية.

ب-اختيار وجهة نظر

يعتقد ليفي شتراوس(lévi- straussian)، بأن وجهة نظر الانثربولوجي تتميز بالموضوعية والشمولية قبل كل شيء، والاهتمام بمعنى وبكرامة العلاقات الشخصية وأصالتها، و العلاقات ملموسة بين الأفراد. ومع ذلك، فإن الأنثروبولوجيا، في مفهوم باربا (الذي من ناحية أخرى، لا يشير أبدا إلى أعمال ليفي شتراوس) لا تختار نفس البرنامج. لا تفضل وجهة النظر الخارجية و الموضعية، لملاحظ البعيد المتفرج، ولا الملاحظ الاثنولوجي، الذي يحاول جمع كل البيانات التي يمكن ملاحظتها. على العكس من ذلك، كلام تاویانی Taviani)) في (باربا Barba و ستروس straussian)، يواجه الجانبان وجهات النظر من الممثل و المشاهد لانه يهمه الاستفادة من ملاحظات الممثل، وهو نهج تجريبي أصيل لظاهرة الممثل، وبالتالي رده على الممارسة المسرحية: ‹‹عندما يقوم علماء الأحياء بتحليل عرض كتقسيم كثيف جدا للعلامات فإنهم يلاحظون الظاهرة المسرحية من خلال نتائجها، ومع ذلك، لا شيء يثبت أن هذا الإجراء يمكن أن يكون مفيدا لمؤلفي العرض المسرحي، لهذا ينبغي عليهم ان يبدؤوا من البداية أما الى المؤلفين الذين سيشاهدون المشاهدين سيكون نقطة الوصول››. ولكن قلب الأنثروبولوجيا المسرحية لباربا هو في مفهوم ‹‹تقنية الجسد›› وهو على عكس ما يضع موس (Mauss)‹‹استخدام الخاص لعمل الجسد في العرض المسرحي يكون خارج المعتاد على عمل الجسد يوميا››.

ت-الحالة التقنية لجسد

يمكننا هنا كما يفعل، وإنما جزئيا - اللجوء إلى مقال مرسيل موس (Marcel Mauss) بشأن ‹‹تقنيات الجسد››(1936)، أي الطرق التي فيها يعرف الانسان في المجتمع ان يستخدم جسده، موس قدم العديد من الأمثلة المستمدة من جميع الأنشطة البشرية، لكنه لا يذكر المسرح أو الفن، وفي أي حال لا يعارضها، لأنه في وجهة نظره كل تقنيه يتم تحديدها من قبل المجتمع. باربا يأخذ من موس (1936) هذا المفهوم لجسد المكيف وفقا للثقافة، ولكن مايفعله هو تقديم معارضة بين الحالة اليومية وحالة التمثيل: نحن نستخدم أجسادنا بطريقة مختلفة في الحياة وفي المواقف تمثيلية. على مستوى اليومي، لدينا تقنية الجسد المتكيفة بثقافتنا، وضعنا الاجتماعي ومهنتنا. ولكن في حالة التمثيل، هناك تقنية مختلفة تمامًا للجسد.

يبدو أن باربا يقترح، في التمثيل، أن يغير تقنية الجسد بشكل جذري وأن يتوقف الممثل عن الخضوع المتزامن بتكيف مع الثقافة. ومع ذلك، فنحن لا نرى ماذا ينتج في مثل هذا التحول، الذي يتسبب في قيام الممثل بتغيير جسد عندما يغير الإطار. حتى في التمثيل، الممثل، وخاصة الممثل الغربي فهم تحت رحمة ثقافتهم الأصلية، ولا سيما إيماءاتهم اليومية. إن الفكرة نفسها فصل الحياة عن التمثيل أمر غريب؛ لان الجسد المستخدم هو نفسه، ولا يمكن أن يمحوه التمثيل بالكامل. هذا التمييز بين ما هو يومي والتمثيل ينطوي على خطر الوقوع في معارضة جذرية بين الطبيعة (الجسد اليومي) والثقافة (الجسد في التمثيل)، وهذه المعارضة، على وجه التحديد، الأنثروبولوجيا تريد دحضها. وفي ترتيب آخر للأفكار، يبدو كما لو أننا قد عدنا إلى الحقبة التي فيها الأسلوبية أرادت أن تميز بأي ثمن بين اللغة عادية واللغة شعرية، دون أن تشرح كيفية إثبات التمييز. بالطريقة نفسها، هنا يتم تعريف الجسد في التمثيل مليئا بالحشو: الجسد في التمثيل هو الجسد الممثل يمتلك خصائص محددة ومميزة مختلفة عن الجسد اليومي

على أي حال، على الرغم من أنه في الواقع يمكن أقامت هذا الاختلاف بشكل براغماتي، فإن الفرق سطحي ولا يدخل في فهم الإيماءات و الحضور، لماذا يحتفظ بهذا الحضور فقط للتمثيل فنحن أيضاً لا نكون تقريبا"حاضرين في الحياة؟

ث- البحث عن الثقافات العالمية

 على الرغم من أن الأنثروبولوجيا تهدف إلى دراسة تنوع المظاهر البشرية، إلا أنه غالبًا ما يتوصل إلى استنتاج مفاده أنه على الرغم من ألاختلافات هناك ركيزة مشتركة لجميع البشر أن الأسطورة نفسها، على سبيل المثال تظهر في أماكن متنوعة جدا. يقترح ليفي ستروس (lévi- straussian) تأملاً يسعى ‹‹للتغلب على التناقض الظاهر بين تفرد حالة الإنسان والتعددية التي لا تنضب على ما يبدو من الأشكال التي نفهمها››.

يوجّه اهتمام مماثل غروتوفسكي (Grotowski)، الذي يلخص إلى أن ‹‹الثقافة كل ثقافة معينة تحدد الأساس الموضوعي الاجتماعي لأنه يربط كل ثقافة بالتقنيات اليومية للجسد. وبالتالي من المهم ملاحظة ما تبقى ثابتًا في مواجهة تباين الثقافات ما هو موجود عبر الثقافات››.

يشترك باربا في هذه المعلومة مع معلمه، غروتوفسكي، لأن المسارح المختلفة لا تتشابه في مظاهرها، ولكن في مبادئها. يحتوي الكتاب على مادة غنية جداً في الإيقونات تهدف إلى إظهار تشابهات معينة بين مواقف الممثلين وإيماءاتهم الذين ينتمون إلى أكثر التقاليد المسرحية تنوعاً.

في الواقع يكتشف باربا عنصر تعدد الثقافات في ‹‹المستوى التعبيري السابق لفن الممثل›› في الحضور (وبأخص للممثلين الشرقيين).‹‹الذي يصدم المشاهد ويجبره على النظر››، الى ‹‹نواة الطاقة، إشعاع غضبه وحكمته، لكن غير معتمده، بأن تلتقط حواسنا››.لايتناول الأمر بعد مسألة تمثيل، أو صورة مسرحية، بل قوة التي تنبثق من جسد وضعت في الشكل.

باربا، يتفق مع غروتوفسكي ، لا يثق في قصد الممثل و رغبته في التعبير التي تعني مثل أو ذلك الشى، وهكذا اختار أن يقترب من الممثل قبل هذا التعبير، وبالتحديد على مستوى ما قبل التعبيرية، والذي يمكن بالتالي وصفه عام تمامًا كما تنطلق القوة التي تنبع من الجسد.أو مصادر أصل الإنسان التي هي في أساس الثقافات المسرحية المختلفة التي يمكن أن تفسر، كتقنيات سابقة للتعبير، تنبع من القوة الابداعية. ومهما كانت القوة المجازية الناشئة، والمصدر، ونواة الطاقة والتعبير السابق- يمكننا أن نسأل أنفسنا ما إذا كان هذا الجسد موضوع في شكل لا يكون من قبل معبرًا، إذا كان هذا التعبير غير مقصود وليس متواصلا ألا يمكننا أن نتواصل؟  ليس وضع التمثيل اتصالاً بالاتصال؟

ج. اعتبارات أخرى

أحدى الهواجس الانثربولوجية الثقافية، لا سيما في القرن الثامن عشر كان موضوع اصل اللغة وتم اغلاق النقاش بفضل علم اللغة البنيوي ولكن نشأ قلق مماثل ومستمر حرك التأمل أو البحث عن أصل المسرح أو الاشكال التي سبقت ظهور المسرح. مهما كان التاريخ الذي حدد فيه ظهور المسرح، يوجد هناك اتفاق عام بان المسرح يحتوي على رؤية علمانية تقدمية للطقوس أو الشعائر.

بقي يتعين تحديد إذا ما كان المسرح يحتفظ بأي أثر لهذا الاصل الطقسي في أشكاله الحديثة. الشخصيات المسرحية الحديثة جدا" التي كتبت في هذا المجال مثل بن خامين (Benjamin) وبريشت (Brecht) يتعارضا حول هذا الموضوع. بن خامين (Benjamin) يقول: ‹‹ان كل عمل فني حتى في حقبة الانتاج الآلي›› (حسب ما ذكر في عنوان المقال 1936), ‹‹يوجد أساسه في الطقس اذ وجدت قيمة استخدامه الاصلية و الاولية.

على الرغم من كل الجهود في كل الطرق الممكنة هذا الاساس نميزه حتى في الاشكال الدنيوية ذات الجمال وفي اغلب في الطقس المقدس››.

على العكس بريشت (Brecht) ، التحرر بشأن ما يتعلق في الطقس يكون قد أكتمل عندما نقول أن المسرح قد نشأ من طقوس الشعيرة وأكد ببساطة مغادرتها تكون عندما يتحول الطقس الى المسرح, مثلا" مسرحية الاسرار التي هي في الاصل شعائر دينية مسيحية لم تحتفظ الوظيفة الدينية،وببساطة يجد فيها الانسان المتعة.

وعلى ما يبدو ان بريشت (Brecht) لم يقبل الجدليه المتواصلة بين ما هو مقدس ودنيوي وحول امكانية تقديس المسرح.

ان العروض المسرحية من ارتود (Artuad)،بيتر بروك (Peter Brook) و غروتشوفسكي (Grotowski) قد وضعوا في دليل الانثربولوجية الدينية لميرسيا إلياد (Mircea Eliade) ويمكننا التوصل في ول باول ستفانك(Paul Stefanek) 1976، بان المسرح لم يخرج ابدا بشكل حقيقي من الممارسة الدينية؛ لان الطقس كان منذ البداية مسرحا″. وسنعود هكذا الى صيغة ششيشنر ((Schechner بشأن مسرحة الانثربولوجية وانثربولوجية المسرح، الصيغة الدائرية غير الوقتية.


________________________________________________

* القاموس المسرحي (2008) باتريس بافيس, ص 43-47


الخميس، 21 يونيو 2018

البطوسي يخلد والدته بجوائز سنوية للإبداع..




مجلة الفنون المسرحية

البطوسى يخلد والدته بجوائز سنوية  للإبداع ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أعلن الشاعر المسرحي (عادل البطوسى) عبر )إعلان رسمي( عن جوائز سنوية بإسم السيدة والدته الراحلة (جوائز السيدة زَيْزَفْ للإبداع) والتي رَصَدَ لها في دورتها الأولى (ثلاثة آلاف دولار) ستزداد سنة تلو أخرى ـ كما صرح لنا ـ والجوائز مخصصة للإبداع بأشكاله المختلفة حيث ستكون الدورة الأولى مخصصة للآداب (شعر ـ قصة ـ مسرح ـ رواية) والدورة الثانية للفنون (التصوير ـ الرسم) والدورة الثالثة للإبداع الموجه للأطفال، وهكذا، وقد تضمن الإعلان شروطا بسيطة وميسرة فالمسابقة مفتوحة للجميع من مختلف الجنسيات ومختلف الأعمار، وليس هناك سوى شرط جوهري ومحوري واحد ألا وهو أن تكون (الأم ) محور المشاركات ـ ومن لا يلتزم بهذا الشرط تستبعد مشاركته ـ وتعلن النتائج يوم 21 مارس (عيد الأم) من كل عام، وأعلن البطوسى أن لجنة التحكيم ستتكون من محكم واحد ـ موثوق في مصداقيته وموضوعيته ـ لكل فرع من فروع الجوائز التي نعيد نشر إعلانها هنا لكل من يريد المشاركة في هذه المسابقة الفريدة بما تحملة من معان إنسانية وإبداعية كثيرة .

الأربعاء، 20 يونيو 2018

دراسة في " التحولات الفكرية في النص المسرحي العراقي "

مجلة الفنون المسرحية



                                               
م .م.عقيل زغير عبيس حمزه العزاوي
جامعة بابل / كلية الفــنون الجميلـــة/ قسم الفنون المسرحية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملخص البحث :

الاثنين، 18 يونيو 2018

الــمـــسـرح الاستهلاكي

مجلة الفنون المسرحية

الــمـــسـرح الاستهلاكي

نجيب طــلال

قـَول الــقــــول:                    
مـبدئـيا؛ لـيس هـناك فـن بدون قـضية، والمـسرح باعـتباره أبو الفـنون؛ بالمعنى الإبيسـي للكـلمة؛ فـهـو الأقــدرعـلى طـرح القـضايا ذات الـطابع الإشكالي المنغرس أو المنبعث من البنـية المجتمعيـة؛ ولاسيمـا أنـه الأقـرب؛ إبداعـيـة للتفاعـل بين الجسدي والفـكـري والروحي؛ بغـية اكـتشاف معـنى الـوجود ومـا في الـوجود؛ مـن مـوجـود، مـما يسـاهـم رأسيا تـغيير نظـرة الإنسان للـكـون وللإنسان؛ وأفقيـا في طباعه وسلوكاته وتطبعه في محيط وجوده.
ومـن ثمـة فـهو سلاح حضـاري؛ حـاد الزوايا في استنهاض الفـكر وانتعـاشة الروح وصياغـة ثقـافة سـليمة وفـعالــة ؛ تدفـع بالمـكون الثقافي الـذي أساسه الإنسان؛ تجـاه الرقي والسـمو؛ لكن المسـرح[العربي]تبـدلت معـطياته السامية التي من أجـلها انوجَـد؛ وأمسى ضمـن ثقافة الاستهلاك؛ متـحولا إلى [ سلـعة ] خاضعا لشروط الإنتـاج والتـرويج؛ وهـذا لا ينفي بأن المسـرح الاستهلاكي ( أو) التجاري لـمْ يكـُن حـاضرا في الثقافة العـربية ! ولكنـه كان يعـيش نـوعا من الحصار الجماهـيري؛ وفي نـفـس الآن كـان مـدانا  ومـرفوضا ؛ من طرف العـديد من القـوى الثقافـية/ الإبـداعـية؛ بحكم  طروحاته المـبتذلـة والترفـيهية الفجـة وكـذا سطحيتها الـهادفة لتبليـد الفـكر والأحاسيس؛ وترسيخ مفهوم – الكاتتريس- بمنظور يذكي المهادنـة والاستسلامية ؛ تجاه كل ما هو سلبي ؛ وضد أحقية إنسانية الإنسان في العيش والعـدالـة الاجتماعية  إلا: أن مـضامـين انتشار إيديولوجية ثقافـة الاستهـلاك والمؤسسات الثقافـية والسياسية؛ التي تبنى عـليـها في قـــلب مركزها في العالم الأول والأماكن الأخـرى؛ حيث تبنـتها الأقـليات القليلة المنتفـعة؛ إلى بقـية أنحاء العـالم، هـو تغـيير اجتماعي عـلى قـدر حقـيقي من الأهـميـة العالمـية (1) بـداهة التغيير يفـرض نـفـسه؛ بحكـم حـركية المجتمع وما يحيط بـه مـن تحولات  طـبقا للسيرورة التاريخـية؛ ولكن ليس من أجـل أقـلية ضـد الأغلبية؛ لكـن منظور العولمة يسيـر في الاتجاه المـعاكس؛ وذلك بـغية تقـليص قـدرات الشعـوب؛ في الـحراك المضاد وايجابية في الحراك الاستهلاكي؛ بحيث يلاحظ الآن التسابق اليومي نحـوَ مـحلات[ الهـومبورغـر/ الماكرو تجاري] من أجل[الأكل/ التسوق] فحتى الأسـر ذات الدخل المتدني أو التي تعيش في هـوامش الـمدن أوالأرياف؛ أوالـذين هاجروا من القـرى والمداشر؛ ولـم يـتـكيفـوا بعْـد بمظاهر المدينة والـمدَنـيَّة، تتسابق وتتلفـظ ب [shopping]  بـدل[ التـسوق] أو [ الاقتناء] فمن وجـهة نظري: مـن حقها؛ وتلك قناعات ذاتية كاختيارات؛ ولكن الأمـر يترك نـوعا من الارتجاجات النفـسـية؛ التي تـؤدي للجـنوح والانحراف؛ ومـا الشذوذ والجرائم المحيرة للعقل التي طفت في عـدة دول عـربية؛ مـاهي إلا مـؤشر نفـسي ومدى علائقه بالاستهلاك ؛ الذي يـعد إيديولوجية العولمـة إضـافة لانتزاع سـيادة الدولة في الضبط والاحتراز حول السلع والبشـروتدفـق المعلومات والأفكار؛ وطبيعي  جــدا أن الدولة [ العربية] ستتراجع وتتقـلص قـدرتها لاعـتبارات داخلية أهمها؛ عـدم تجـدد شرايين الأنظمة والتناوب والحسم في إشكالية التنمية؛ وخاصة الاقـتصادية والفـكرية ,أما العامل الخارجي فـهو الأقـوى وخاصة في التـدفق الهائل في مجال المعلومات والإعـلام؛ التي اخترقت الحـدود؛ وساهـمت في تغيير الجغرافية السياسية؛ وكـذا الـتوظيف العملي للتـكنولوجيا والتحكم في الأقـمار الاصطناعـية؛ وبالتالي ف [الخوصصة] استراتيجية  لتجاوز نظام الدولة والشعب وتـقـليـص أدوارهـما؛ وهاته المعطيات سائرة في التطبيق؛ مما تم تهميش المجال الثقافي الفاعــل في كيان الأمـة؛ وانحصرالفـعـل الثقافي والإبداعي؛ في الزاوية الترويجية/السياحية [فـلكرة الثقافة] وتشريع بوابة الشراكات  الأوربية والمؤسسات الدولية غـير حكوميـة؛ وهـذا الانفـتاح من طبيعته أن يغـير أساليب الإنتاج ؛ ليظل تابعا للعرض والطلب وبالتالي : إن قـفـز المجتمعات العـربية إلى الاستهلاكية من دون أن يرافق هذا القفز تحولات داخلية فــيها ضاعــف النتائج السلبية لهذه الأنماط, مما حول النتاجات الفـنية والإبداعية ؛ إلى مواد وسلع واستهلاك..‏ هـذا هو الانهيار الكبير الذي نشهده ونشاهده ونعيشـه؛ على مستوى الفـن, وهـذا التراجع الرهـيب لكل ما هـو خارج النمط الاستهلاكي؛ مما تحول المجال – المسرحي- بكل تنويعاته وتفريعاته؛ إلى سلعة استهلاكية إعلامية, وتخلّي عـن موقعه في مواجهة الواقع وتجاوزه ، كيف يمكن له ذلك ولقد أضحـى : سلعة مرتبطة بمختلف التعابير المتخلفة والمتراجعة, فبدل أن يتجاوز المنحى الاستهلاكي الذي جرف ما يسمى وسائل الاتصال توقف عـندها فأصبح المسرح الاستهلاكي الذي يستغل مآسي الناس وقـضاياهـم وهـمومهم وتناقضاتهم والواقع لأهـداف تجارية بحتة (2) فهاته الـوضعيـــــة فـرضت إقـحام الشركات؛ لعـرض منتوجاتها التجارية؛ بشكل مباشر؛ وذلك بحـكم أن العـديد مـن الـفـرق التي كانت شعلة في العـطاء الإبداعي/ الفكـري/تحولت إلى شبه  مقاولات؛ أو مقاولات تتحـكم فيها المقايضات سواء بين المـنتجـين والمستشهرين والممثلين والأطراف المساهـمة في العرض[المسرحي] وبالتالي تمـيع المجال المسرحي؛ وأمسى سوقا للمضاربات
والصراعات؛ من هـنا افـتقـد الوجه الأسمى للمسرح؛ جماليا وفكريا وسياسيا: كأنما لم يبق من المسرح السياسي العربي أثر يذكر, هـذا الانطباع تكرس سواء عبرالمهرجانات أو العروض المنفردة في (مهرجان القاهرة التجريبي وقرطاج والمهرجات الخليجية وعمان) كأنما تراجع المسرح السياسي أدي إلى حد كبير إلى تراجع المسرح ككل كما لو أنهما توأمان وكأنما الجمهور بابتعاده عـن الحالة المسرحـية كان يسجل ارتباطاً بالسياسي(3) فـطبيعة الجـدل تـفـرض هـاته الصـورة القـاتمة عـن نـوع من الفعـل المسرحي الراقي والفعال في البنية المجتمعية؛ وبالتالي فالعولمـة فـي بعـدهـا العام  هـجمـة وحـرب ثـقافـية؛ مفـادها تهـجين العـالم الـعربي؛ وتجـريده من خصـوصيته؛ عـلى أسـاس فـرض وترسيخ مـفاهـيم ثقـافـية و سلوكات وتقـاليد[ الآخـر] عـبر آلـيات ثـقافـية؛ تمارس الغـزو والفـتك؛ لتشويه الهـوية ثـم القـضـاء عـليها؛ وذلك مـن خلال تـمرير مصطلحات وتقـديم النماذج؛ ولـنا الآن (مثال) في [الـجـنـدر    »sexe » ( ليعـوض مصطلح[ التفـريق بين الذكـر والأنثى] وذلك لشـرعـنة  الشـذوذ الجـنسي؛ وبالتالي فـمدخل القـطب  الـثقافي لـن يتم إلا عـن طريق القطب السياسي ؛ ولاسيما أن الـوضع السياسي العـربي، أمسى متهلهلا وسلبيا سواء في قـضاياه المحـلية أو القـومية  أو الدولية؛ ولم يـعـد يسيطر إلا عـلى ما أراده [ الآخـر] أن تتم السيطرة عـليه؛ 
ونلاحظ  عـبر الخـريطة العـربية؛ ليست هنـالك [معارضة/ احتجـاج] حول أخطار أوسـلبـيـات الـعولمة؛ ;عـلى البنـي المجتمعـية[عـربيا] كما هـو الـشأن في الـحراك المـدني والسياسي في /أوربا/ أمريكا/ شرق آسيـا/ ومـن البدهي؛ أن يسهـل التأثيـر؛ وإن كان المنطق يقـتضي؛ بأنـه لا يمكـن لأي مـجتمع أن يعـيش بدون سلطة؛ التي هـي شرط تماسك الجماعة؛ سلطة ليست بالمفـهوم القـمعي والاستبدادي؛ والتي تبدأ منذ التنشئة الاجـتماعـية (الوالدين) مرورا بالتعلـيم الأولي والرسمي ؛؛؛ إلى غــير ذلك؛ لكـن في سياق التحـولات؛ أمست السلطة متراخـية أو بالأحـرى مـغـلوبة عـلى أمـرها؛ مـما يـقـع/ وقـع انفلات ؛ أحـدث فـجوات أعـمـق تهـدد القـيم والتـصورات؛ التي أدت باستـفحال [الجـنس] كـقـيمـة استـهلاكـية في بـعـدهـا السلبي والإبتذالي :
صفــوة القــول:
وعـليه؛ فـنحـن أمـام مـخطط أعـد لـه سلـفا ومنـذ عـقـود؛ مـن لـدن جهابذة الاخـتراق والاستراتيجيات  منـطلـقـيـن مـن أرضيـة فـكرية بـعـيدة المـدى؛ ومـا أطـروحة المعـرفة والتواصل التي تـلوح فــي فضائنا وخطاباتنا؛ ماهي إلا غـطاء لـمفـهوم العولمة ذات البـعد الهـيمني؛ التي يعـبرعـنها [ صموئيل هـنـتجـتون] صراع الحضارات ؛ والتي هـي فـي الـواقع صـراع قـيم؛ نظـرا أن الحـضارة مـلك إنساني؛ ولكن أطـروحة الصراع وجـه لخلق نـوع مـن الانفـتـاح الفـكري والسلوكي  نحـو الآخر؛ مـما يـفرض عـدم الانغلاق على الـذات؛ مـن أجل نبـد التـعـصب الفـكري والثـقافي؛ الذي يهدف ضمنيا إلغـاء الآخـر؛ وفـعلا؛ مـا وقـع ويـقع من حـروب واستعمار للعَـديد من الدول العـربية / الإسلامية؛ فأوضح نموذج [العراق] ومخـطط التـهويـد لبيـت الـمقـدس الذي يعتـبر الروح الـحية والنابضـة للحضارة الإسلامية / العربـية؛ وفي السـياق ذاته فالـقـوى[العربية] المناهـضة؛ لكل مـا يحاك حولنا؛ بكل أسف شديد تتخبط في صراعاتها الداخلية؛ والبعض يبحـث عـن تخريجات لإثبات انوجاده ؛ عــبـر مسالك محتشمة؛ وبعض البعض انهـارت معـنويته؛ إثـر الحصار والقـمع الممنهـج؛ مـما تهـلهل ـ الإبداع ـ الـمتميـز وَ الفاعـل في النسيج الاجــتماعي ؛ بحـكم أنه كان يلازم ويتغذى ويتقـاطع وخطاب اليسار أو المعارضة لكل خطاب أو ممارسة مهادنة واستسلامية ؛ وبالتالي انـجـرف وراء [ ثقافة الاستهلاك]

الإحـــالات :
1) من الحداثة إلى العـولمة؛ تأليف ج تيمونز روبيرتس  أيمي هايت ترجمة سمر الشيشكلي /عالم المعرفة عـدد310/ ديـسـمبر/2004 ـــ ص 247
2) المجتمع العربي بحاجة إلى مراجعة نقـدية ذاتية / حوار مع بول شاؤول في الملحق الثقافي لجريدة الثورة أجـراه ايفـلـين الأحـمد في 8 /02/2005
3) نــفــس الحـــوار مـع بـول شــاؤول
      

الأحد، 17 يونيو 2018

بعد أن رثاها شعريا .. البطوسى يبكي أمه مونودراميا ..

مجلة الفنون المسرحية



بعد أن رثاها شعريا .. البطوسى يبكي أمه مونودراميا ..

بعد أن أصدر الشاعر المسرحي (عادل البطوسى) ديوانه الشعري (رحيل السيدة الورد) وهو ديوان كامل في رثاء أمه، هاهوذا يصدر المونودراما الشعرية (أمي) التي يبكي فيها أمه الراحلة ويتحدث عبرها بلسان كل إنسان فقد أمه من خلال هذه المونودراما الشعرية الأصيلة التي تندرج في سياق مشروعه المونودرامي الشعري الهادف لتحديث الإطار المونودرامي وتطبيقاته النصية والذي أنجز منه عدة نصوص مونودرامية شعرية منها (كشتن ـ ياراجويا ـ دزديموليا ـ موناريتا ـ كليوبطره) حيث يسرد بتمكن واضح من الأدوات والعناصر الشعرية والمونودرامية  وعبر عبارات شديدة البلاغة أنيقة رشيقة موجعة باكية معاناة أمه الحقيقية مع مرض السرطان بداية من أورام الثدي واستئصاله ثم انتشار الأورام رغم إستئصال الثدي في الرئتين والكبد راصدا بلغة شعرية شديدة العذوبة رغم الأوجاع والدموع رحلة العلاج الكيميائي وجلسات الإشعاع الذري وآلام أمه وعذاباتها وقبولها للإبتلاء بتسليم كامل ورضا وإيمان تام عبر بكائيات الفقدان المريرة في عمل أدبي إنساني يستحق القراءة والتنفيذ مثلما يستحق الإحتفاء به وبمؤلفه الشاعر والمسرحي عادل البطوسى  الذي لم يعد بحاجة لتعريف وهو الحاصل على عشرات الجوائز الأدبية من مختلف الأقطار العربية في الشعر والمسرح الشعري بالإضافة إلى إصداراته الشعرية والمسرحية العديدة الفريدة ... 


أنطوان أرتو وتثوير المسرح

مجلة الفنون المسرحية


أنطوان أرتو وتثوير المسرح


محمد سيف - مجلة نزوى


مقدمة
لقد حاول مسرح العشرين إعادة الاتصال مع الأصول المسرحية المزالة منها الصفة البرجوازية، والعودة إلى الأساس، انطلاقا من الثورة التي قام بها الرمزيون والسرياليون، واكتشاف الأشكال الدرامية الغريبة التي سوف تساعد على تطوير الأبحاث المسرحية، وقيادتها نحو أشكال جديدة ذات جماليات متنوعة عالية، مثل، وضع جسد الممثل على المسرح الذي صار يشبه إلى حد كبير جسد الراقص، بفضل اللعب بالإنارة الذي أعطى قيمة إلى الحركات التي يقوم بها، أثناء انتقالاته، وتعبير وجهه، وعمل المخرج الذي أصبح متفوقا، سواء في قيادة الممثل، أو في بحثه عن (تطابق الهوية)، وفقا لمنهج ستانسلافسكي، أو في تنظيم الفضاء، والإضاءة، والصوت.
وبمواجهة أندري أنطوان، تبنى جاك كوبو1 أفكار(Luguné-Po)2 مستوحيا في ذات الوقت نظريات كوردن كريك، وأدولف أبيا في محاكاتهما للبساطة، والتجريد، والأسبلة. ومع اكتشاف المسرح الشرقي من خلال قدوم فرقة مسرح بالي في عام 1931 إلى باريس، التي أثرت كثيرا على أنطوان أرتو وتركت انطباعا قويا عليه، وكذلك مسرح النو الياباني، ومسرح خيال الظل في الدراما السنسكريتية، اكتشف المسرحيون الأوروبيون لغة جديدة دعتهم لأن يعيدوا التفكير في مسرحهم وفي الوهم المستخدم فيه. وقد ابدي انبهاره هنري ميشوا في أعاجيب وثراء المسرح الصيني، في كتابه (البربري في آسيا3)، ، في حين كتب جان جينية، في نص (كيف يمكن تمثيل مسرحية الخادمتان4): لا نستطيع إلا أن نحلم بفن يتشكل من مجموعة متشابكة من الرموز العميقة النشطة، القادرة على التحدث علنا إلى الجمهور، بلغة لا تكون بالضرورة مسموعة، ولكن أن يكون فيها كل شيء حاضرا). وقارن أنطوان أرتو من جانبه، ممثلي مسرح بالي بالطلاسم الهيروغليفية الكبيرة، عندما جمع كتاباته التي كتبها في عام 1932، في كتاب (المسرح وقرينه) الصادر في عام 1938. متأثرا بالجانب الميتافيزيقي للمسرح الشرقي، مفتونا بالدم والمأساة. مناديا بمسرح القسوة الميتافيزيقية القادرة على جرح الروح، التي بفضلها قد يستعيد البشر أصولهم المقدسة. وإذا شاء المسرح أن يصبح حفلا، وفقا لأرتو، فيقتضي عليه أن يكون قاسيا مع نفسه. ودعا إلى تعزيز الإخراج والحركة، ورفض المسرح السيكولوجي والمسرح الذي يحكي قصة. وطالب بالعودة إلى الأساطير وسحر الشرق للتعبير الجريء عن أعمق النزعات المحتملة في العمل البشري. وهو ما يسميه (بمسرح القسوة) وطالب بأن يكون التمثيل متطرفا، فلا قائمة للمسرح إلا منذ اللحظة التي يبدأ فيها المستحيل. وطالب بخلق الوسائل الضرورية واللازمة لحدوث (ردود الأفعال) لدى المتفرج، لانتزاعه من خوفه الكبير ومن سكونيته وسلبيته. ورغم أن أرتو قد وضع اللبنة الأولى لكثير من الأسس التي قام عليها مسرح اللامعقول إلا أنه لم تتح له الفرصة المناسبة ليضع نظرياته موضع التنفيذ. ولكن يبقى فضل أرتو كبيرا على معظم الكتاب المسرحيين المعاصرين، الذين طوروا بدورهم ذوقهم باتجاه مسرح الصورة، كرسالة بصرية أساسية، بإعطائهم الكلمة مكانة ثانوية.
قراءة في كتاب (المسرح وقرينه) … أنطوان أرتو
سنقوم هنا بقراءة بعض فقرات كتاب (المسرح وقرينه). يعمل أرتو في هذا الكتاب، على تأسيس مسرح من شانه أن يستعيد قوته من خلال توحيد الجسم بالعقل، والمجرد بالملموس، والإنسان بالعالم. ولد أرتو في عام 1896 وتوفي في عام 1985 في مدينة مارسليا الفرنسة. وقد عانى من اضطرابات نفسية في وقت مبكر من عمره. ولم يبق لنا منه حتى يومنا هذا، إلا النظريات الأكثر راديكالية في المسرح الحديث. فهو واحد من آباء المسرح اللامعقول. انتقد في هذا الكتاب المسرح الغربي الذي بموجبه لا يركز إلا على الكلام، والعقلانية، وأعرب عن اعتقاده بأن المسرح قد فقد صحته عندما اتجه نحو الترفيه والتسلية.
يتألف كتاب (المسرح وقرينه)، من مجموعة محاضرات نشرها المؤلف، من بينها (المسرح والطاعون)، و(الإخراج والميتافيزيقيا)، ومقالات أخرى حول ( المسرح والخيمياء)، و(المسرح الشرقي والمسرح الغربي)، و(عن المسرح في بالي)، كما يشتمل على بحثين عن (مسرح القسوة) نشرهما على هيئة منفيستو أول ومنفيستو ثاني، وقد أحدثا ضجة كبيرة، مع العديد من الرسائل بين عامي 1932- 1937. يطرح أنطوان أرتو، من خلال هذه النصوص المتنوعة، أفكاره المسرحية التي هزت سبات الثقافة الغربية التي بدت له راضية عن حالة تجمدها، باعتبار (الكلمة في المسرح هي كل شيء ولا وجود لأي إمكانية خارجها)، وإن المسرح هو فرع من الأدب ونوع ثانٍ من الكلام. مقترحا رؤية أساسها الممارسة المسرحية العملية، وهذا ما خلق (نظاما نقديا هزّ التاريخ الغربي بأكمله)، مثلما يقول جاك دريد5.
تسعى نظرية أنطوان أرتو إلى التأكيد وبشكل واضح وصريح على أن النص لا يصنع مسرحا وإنما الإخراج هو الذي يعتبر الأساس الحقيقي للمسرح المعاصر. وقد ركز في أفكاره على الممثلين الذين يرسمون الفضاء بتحويلهم النص إلى حركات، ولكنه يأخذ بعين الاعتبار أيضا بالموسيقى، والصوت، والإضاءة، الاكسسوارات، والأزياء … والخ. أي إن أرتو يتعارض وبشكل قطعي مع المسرح مثلما هو في الغرب.
إن مفهوم الإخراج جديد للغاية، ويعود تأريخه إلى القرن التاسع عشر، أي إلى العصر الذي حدد فيه أندري أنطوان وظيفة الإخراج في المسرح. وقد تجاوز أرتو حدود هذه الوظيفة إلى ما هو أبعد، عندما كتب: ( لم يعد الإخراج مجرد انعكاس لنص على مسرح، بل نقطة انطلاق كل خلق مسرحي، ومن دونه فإن المسرح لا يساوي شيئا)6. إن هذا الموقف المتطرف يتضمن ثلاث نقاط رئيسية، هي:
– رفض النص
– استبدال النص باللغة المسرحية
– تجديد وظيفة المسرح من قبل الجمهور، ووضعه تحت مصطلح مسرح القسوة.
رفض النص
إن رفض النص يتم في ثلاث مراحل: نلاحظ أولا وقبل كل شيء، رفض نص المؤلف، وهذا يعني النص المكتوب، والكلام الواضح. إنه يرفض اللغة التي تعبر عن وجهة نظر الدراماتورج في فرنسا. وإذا كان يرفضها، فذلك لأن لها علاقة بعلم النفس، الذي بالنسبة لأرتو، لا يمكن أن يكون إلا غير مجدٍ. إن أرتو يعترض على مفاهيم ومعايير المسرح الغربي لأنه (من النوع الذي يعتمد على النص)، مثلما يعترض أيضا على حيوية مسرح البوليفار نفسها في ذلك الوقت، التي خلقها أندري أنطوان. وهذه هي أيضا ردود فعل جاك كوبو، الذي عمل في بداية القرن العشرين مخرجا في مختلف الفرق المسرحية. وهي أيضا نوع الأفكار التي يمكن نسبها إلى مسرح الكارتل. ومسرح الكارتل يعني تعاهد أربعة مخرجين على العمل معا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهم: شارل ديلان، لويس جوفيه، غاستون باتي، وجورج بيتوييف. وقد وحد بين هؤلاء المخرجين الأربعة اتجاه واحد كبير يقوم على أساس المعارضة الشديدة لمنهجين متطرفين: منهج المسرح التجاري الاستهلاكي، ومنهج الكلاسيكية الأكاديمية الذي دعا إليه جاك كوبو. وقد عمل هؤلاء المخرجون على نصوص كبيرة (كاعتراض على مسرح البوليفار) ولكن أيضا على بعض النصوص الحديثة لكتاب ، مثل : جان جيرودو، بول كلوديل، جان جينيه، وصموئيل بيكيت.
لقد كان أرتو يحلم بمسرح آخر، مختلف كل الاختلاف عن المسرح الفرنسي الذي كان ما زال يبحث عن التوازن بين النص والعرض، وخاصة بعد أن انضم لرواد حركة (السريالية) الذين كانوا ينددون باتخاذ مسافة عن كل ما هو (أدبي). وإذا كان أرتو قد انضم إلى الحركة السريالية، فهو سرعان ما تخلى عنها وذهب بعيدا في تفكيره الذي كان يرفض الفكر الماركسي الذي توجه نحوه بريتون. وعلاوة على ذلك، أن أرتو كان يتهم السرياليين بمهاجمتهم للغة الواضحة، والتواصل العادي، في الوقت الذي كانوا يستخدمون دائما واحدة من الاثنين.
ويشمل هذا الرفض أيضا الروائع ، فيعنون إحدى مقالاته المنشورة في الكتاب (فلننته من الروائع). إنه يرفض اللجوء إليها بشكل أبدي، ويتجه نحو الإبداع الجديد، وتجديد هذه الروائع من خلال الكتابة الجديدة، لتحريرها من تقاليد الماضي. ويتناول مسرحية (أوديب ملكا) كمثال، ليكشف عن القوى الهائمة على وجهها، وثيمة الحب المحرم بين الأم وابنها، وفكرة سخرية الطبيعة من الأخلاقيات، يقول، إن هذا النص يجسد بشكل مادي تلك القوى، وكل هذا تحت ثياب ولغة فقدت كل صلة بالإيقاع الخشن الذي كان لذلك الوقت، ولكنه يظهر أيضا أن النص لم يعد ملائما لعصرنا. إذن إن أرتو يثير المشاكل المتعلقة باللغة نفسها، التي تمثل بالنسبة له، نوع من الاتصالات المجردة تماما، والتي فقدت قوة علاقتها مع الواقع، ويوجد هناك تباين بالتأكيد بين الواقع كما هو والواقع المُعبر عنه عن طريق اللغة. يقول، يوجد في اللغة الغربية نوع من (التحجر الكلامي) وإن كلماتها (متجمدة). إنه مثل مالارميه، الذي يعتقد أن الكلمات قد فقدت قوتها الاستذكارية، وقوتها الموسيقية، وإمكانيتها على إثارة العواطف. وهما بهذه الطريقة ينضمان إلى رأي كلوديل الذي يرى أن وظيفة الشاعر هو إعطاء معنى آخر للكلمة، شأنه شأن الخالق الذي قام بتسمية الأشياء. وقد غير أرتو وجهة هذا المفهوم عندما نقله إلى المسرح، بعدما دمرّ اللغة من أجل رفضها على نحو أفضل. ويهاجم أرتو أيضا علم النفس، خاصة، عندما يكون النص مرتبطا به ارتباطا جوهريا. يقول: (إن المسرح أصبح مسرحا للقص، إنه يروي علم النفس). ويشمل هذا التأكيد مسرح عصر النهضة ومسرح بريشت. إن أرتو يريد من الرسائل المسرحية أن تتجاوز علم النفس، وأن يتوقف القارئ عن تقمص الشخصيات المحللة على خشبة المسرح. وهذا يعني أن الرسالة المسرحية في مفهومه، لها مفهوم فكري محض. وأخيرا، من أجل رفضه للغة، يعرض أرتو الإخراج، لأنه في المقام الأول، هو إخراج لنص مكتوب مسبقا (سواء كان كلاسيكيا أو حديثا). وهكذا تتميز نظريته عن جميع النصوص النظرية الأخيرة التي ظهرت في فرنسا في ذلك الوقت. كان جاك كوبو، على سبيل المثال، يبجل ويعظم مسرح المصطبات العارية théâtreux nu ، فبالنسبة له، إن المسرح يجب أن لا يكون مجرد مكان تنبثق فيه وتسيطر عليه عوالم شخصية بقدر ما هو فضاء يجب أن يتأسس على الفهم الحقيقي للعلاقة القائمة ما بين الكاتب، الممثل، والمخرج، لأن العمل المسرحي، عمل جماعي، ولا يملك المخرج فيه سلطة عظمى أو مطلقة، مثلما تم تخيل ذلك من قبل (كوردن كريك). إن جاك كابو لم يقم إلا بتجريد المسرح، من أجل جعله بسيطا، وأفضل لعمل الممثلين على النص. إن هذا المفهوم بالنسبة لأرتو بمثابة انحراف وإن المسرحة يجب أن تكون في المقام الأول بدنية.
لغة تتوجه إلى الحواس وليس إلى العقل فقط
يجب على اللغة من الآن فصاعدا أن تتوجه إلى حواس المشاهد وليس إلى عقله فقط. وينبغي على البناء الكلي للخشبة أن يخاطب المتفرج وفقا لمفهوم أرتو: الإضاءة، وعناصر الديكور، والأزياء، وإن عمل المخرج يقوم على الجمع بين هذه العناصر معا لأجل خلق لغة مسرحية جديدة. وبدل اللغة الواضحة، يفضل أرتو لغة الإشارة، مستوحيا ذلك من المسرح الشرقي الذي يستند في المقام الأول على الإشارات لأنه مسرح مشفر، مثل الكتابة الهيروغليفية. وإن عرض مادة ما فيه بمثابة عرض لفكرة: تقديم طائر في عين واحدة مغلقة هو عرض لليل. إن هذا التلاعب في الحواس والمعاني لا يأتي أو يتحقق من خلال العمل على النص، وإنما يتم بصورة مباشرة على المسرح. وإن نتائج مثل هذا العرض له قيمة تعبيرية أكبر بكثير من تلك التي تنتجها اللغة الواضحة. إن عملية اكتشاف الكلمة من خلال معناها الذي ينتج صدمة عاطفية يسمح للمشاهد بعقد علاقة مع المبدع نفسه. يقول:(علينا أن نؤمن في شعور تجدد الحياة من خلال المسرح)، وهذا هو التحدي في جميع تنظيرات أنطوان أرتو، وفي هذا المبدأ يكمن ما سيدعوه أرتو فيما بعد بمسرح القسوة. إنه يقارن المسرح بتجربة الطاعون والآثار التي يخلفها المرض على الجسد، وهذا يعني، هذيان المريض الذي ينتج انهيارا في كل أماكن جسده، وفي جميع سياقاته الاجتماعية. ويُعرف أرتو المسرح أيضا بأنه فن (مجاني)، وهو يشير هنا إلى مجانية لعب الممثل الذي يحاكي الأحداث التي تعبر عن الفوضى الاجتماعية التامة، (المُجسدة من قبل الحروب والثورات …)، وانتشار الطفح الذي نجده لدى المصابين بمرض الطاعون. وهكذا يصبح المسرح شيئا فشيئا بالنسبة للناظر إليه مكان للتفريغ العاطفي بقوة تماثل قوة الوباء. ولكي يعمق هذا المفهوم، يستخدم أرتو نظرية القديس أوغسطين الذي يعتقد أن المسرح هو خطر مثل الطاعون. ولكن الفرق بينهما هو أن الطاعون يقتل دون أن يقضي على الأعضاء، في حين أن المسرح لا يقتل، ولكنه يثير أكثر التغيرات غموضا، لا في فكر الفرد، بل في فكر شعب بأكمله. إن هذا الهذيان الأخلاقي الذي ينتجه المسرح يمكن أن يكون معديا. إن هذا المنطق يقودنا إلى مفهوم المخرج الأمريكي جون فورد الذي يفكر مثل أرتو تقريبا، باعتبار أن المسرح يكشف من خلال تطرفه العنيف عن عمق اللاشعور الفردي والجماعي المليء بالقسوة. يقول أرتو: (إن كل الأساطير العظيمة سوداء). ولا يمكن أن نتصور كل الحكايات الرائعة التي تروى للناس، خالية من المجازر، والتعذيب والدم المسكوب. إنه يشبه المسرح بالطاعون، أي إن تأثير المسرح من وجهة النظر الإنسانية، كتأثير الطاعون، يقول: ( إنه نافع، إذ يدفع البشر إلى أن يروا أنفسهم كما هم، وهكذا يسقط القناع، ويكشف الكذب، والنذالة والنفاق. إنه يكشف للجماعات عن سلطانهم القاتم، وقوتها الخفية، ويدعوها إلى أن تتخذ، أمام القدر، موقفا بطوليا ساميا، لولاه لما اتخذته أبدا). وتأخذ القسوة هنا لدى أرتو معنا خاصا، إنها شعور منفصل ونقي، وعلى المسرح أن يقدم الحياة في شموليتها، في مجملها، بكل ما تحمل من أثقال ومتاعب. ولهذا يأخذ أرتو المسرح الشرقي كنموذج، لأنه يتأسس على (الميتافيزيقيا)، على عكس المسرح الغربي الذي لا يعتمد إلا على علم النفس. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد في المسرح الشرقي لغة للكلمات، بل لغة مكتوبة من الحركات، والوقفات، والإشارات، ولكل من هذه العناصر، من وجهة نظر الفكر العامل القيمة البيانية التي تتمتع بها اللغة الأخرى. لهذا يقترح أرتو فكرة عرض شامل لا بد من بعثها.
انطلاقا من هذه المقدمة الاستعراضية لأهم مرجعيات أرتو النظرية، كيف يمكن لنا موضعة أرتو من الناحية التاريخية ومقارنته بماذا وبمن يمكن موضعته؟ وما هو تأثيره ونفوذه بعد أعوام 1930؟ (تأثيره سيكون متأخرا بعض الشيء لأنه قد تم الالتفات إلى أفكاره حقا في سنوات السبعين، على الرغم من تأثيره على أبناء جيله)، ثم أن الأفكار التي تناولها أرتو تطرح مشكلة علاقة النص بالكاتب وفي المخرج.
في مطلع الستينيات، وبعد عشر سنوات على موت أرتو، كثيرون ممن يعملون في حقل المسرح، تبنوا نظرياته وآراءه الجديدة وخاصة مؤسسي المسرح الحي جوليان بك وجوديث مالينا، Le bread and Puppet theatre، وروبير بوب ولسون، غروتوفسكي، وهكذا ظهرت وتألقت دمي ارتو الضخمة الحجم التي كان يستعملها في مسرحه، في عروض مسرح Le bread and Puppet theatre الذي يمزج بشكل قصدي وإرادي صورا وأشكالا يستعيرها من مختلف التقاليد الدينية، ابتداء من العبادات الوثنية إلى المسيحية مرورا بالميثولوجية الإغريقية (عرض Fire، عام1966) مثلما نجد دمي ارتو الضخمة أيضا، في عروض بوب ولسون (Civil Wars, 1988, Death, Destrution and Detroi, 1977)، وفي عروض تاديوز كانتور. ومع هؤلاء المبدعين المحدثين في مجال المسرح، أخذت الحركات والإيماءات، أبعادا طقسية مقدسة، مثل هذا الذي يعبر باستمرار المسرح راكضا، في عرض النظرة الأصم ، عام (1970)، لبوب ولسون. إن هؤلاء الفنانين جميعا يتعاملون مع المسرح باستمرار، مثل مكان خارق، تجربة غير مستقرة طوعا أو مثل مكان جذاب وفي نفس الوقت، خطر ويحتاج إلى المغامرة. إن جوليان بك وجوديث مالينا، اشتعلا في عرضيهما (1966، The Brig، والجنة ألان،1968) في هذا الاتجاه والمعني أيضا، أي أنهما، واجها المتفرج بصور وحشية ومتطرفة لدرجة أن ضمنا الحدث نفسه، في بعض الأحيان، بعضا منها وألصقوها بالفعل، بحيث أصبحت جزءا منه، أما غروتوفسكي (صاحب المسرح الفقير) فقد سعى في عروضه إلى خلق طقوس مسرحية حديثة مستوحاة من الطقوس الدينية القديمة، لغرض: إثارة الدهشة والإعجاب، والإيحاء، واستفزاز الطاقة العضوية للمتفرج والممثل في الكلمات والإشارات السحرية. ولم يكتف بهذا وإنما أضاف عناصر أخرى وظفها لاستفزاز الجمهور وإرغامه على المشاركة فيما يجري من أحداث (مسرحية الأمير كونستان،1962). في حين أن تاديوز كانتور، متبعا نفس الرغبة في إقحام المتفجر في كيمياء العرض من خلال تغذية عروضه بذكرياته الخاص، المعاشة منها والمتخيلة، ملتجئا في ذلك إلى القيء والرغبات التي يمكن أن يشترك فيها كل فرد من الأفراد (مسرحية الصف الميت، عام1977).
أفكار تعارض التقاليد علنا
منذ العصور القديمة، والمسرح هو في المقام الأول نص، أما الإخراج ما هو إلا تابع له، بديكوراته، وحركاته، وأزيائه … ويؤكد أرسطو على أن الإنتاجات الأدبية تتضمن بالضرورة النص، وبشكل خاص المأساة التي هي تقنية تكوين النص يحكمها المضمون والفعل. وإن الدور الذي أعطاه أرسطو إلى اللغة يعتبر غاية في الأهمية، وخاصة في المسرح، لأن اللغة هي انعكاس للكرامة. وهي تختلف عن اللغة المشتركة، وتعوض عن أوجه القصور.
إذن، أن العرض يعتبر منسقا للنص، وإن الرثاء الذي ينتج عنه لعب الممثلين، ما هو إلا مكمل له. وهناك أشياء قليلة جدا في كتاب (فن الشعر) لأرسطو حول العرض، وإن وجدت فهي تشير بشكل ظاهر إلى كونه مكملا للنص. وفي القرون الوسطى، تم تطوير حرية العرض سواء في المسرحيات الجادة (الأسرار) أو في المسرحيات الشعبية (الفارس). ومع ذلك، هناك اعتماد كامل على النص. أي أن جهود الإخراج في العصور القديمة كانت صغيرة جدا أو بالأحرى تكاد أن تكون غير موجودة.
المنظرون والمسرح
إن المقدمات التي تتناول النوع المسرحي كثيرة جدا، ولكن غالبا ما تكتب من قبل الكتاب الذين هم ليسوا من الكتاب المسرحيين، مثل: جان جاك روسو (خطابات حول العروض)، وستندال (راسين وشكسبير). إذن هناك عديد قليل جدا من المخرجين الذين نظروا للمسرح، هذا إذا استثنينا موليير، الذي هو في نفس الوقت، ممثلا، مؤلفا، ومخرجا. وفي القرن العشرين فقط أصبح المؤلفون مخرجين أيضا، وهذا يمكن ملاحظته عند بريشت وأرتو. والسبب يعود في تقديرنا إلى أن مفهوم المخرج لم يكن موجودا حتى القرن التاسع عشر. وقد كان الممثلون يتدربون على النص في الغالب مع المؤلف ولكن كان من السائد أيضا، أن مدير المسرح الذي كانت تعرض فيه المسرحية يقوم هو عادة بإخراج النص وقيادة الممثلين. ولم يبدأ التنظير للإخراج المسرحي إلا في نهاية القرن التاسع عشر، ولا سيما بعد الإمبراطورية الثانية7 ، وبعدما أصبحت إبداعات الرومانسية نادرة أكثر فأكثر، وهذا مما فسح المكان والمجال إلى أعمال الفودفيل والأوبريت. ونعود إذن إلى مفهوم المسرح باعتباره حدثا، لنشير إلى أن أول شخص أراد فعلا أن يوحد جميع العناصر المسرحية هو أنطوان أرتو، وإعطائه قيمة كبيرة إلى النصوص بإخراجها إلى المسرح، وأنشأ قطيعة جذرية برفضه النص لصالح الاحتفالية في العرض. وقد اعترض المخرج جان كوبو على هذا المفهوم، باشتغاله على مفهوم (المصطبات العارية)، وتجريد المسرح من الديكور، والأزياء وتسليط الضوء على النص.
أرتو وقلق البحث عن مسرح جديد
يناقش أنطوان أرتو في كتابه (المسرح وقرينه) الذي صدر عام 1938، مسألة المسرح (الخالص). ويحتوي هذا الكتاب على خمسة عشر مقالا مكتوبا بين 1931 و1936. وإن عنوانه هو غاية من الأهمية ويحيل إلى العديد من المعاني والدلالات: المسرح وقرينه.
كتب أرتو، من الباخرة التي أقلته إلى المكسيك في 25 يناير سنة 1936 إلى )جان بولو(8 ليقول له: (أعتقد أنني وجدت العنوان المناسب لكتابي. وسيكون المسرح وقرينه، لأنه إذا كان المسرح قرينا للحياة، فالحياة قرينة بالمسرح الحقيقي)9. ومع ذلك، فعندما يستدعي أرتو القرين، فإن هذا المصطلح لا يعني انعكاسا بسيطا للواقع. يقول:( يجب أن نعتبر المسرح قرينا، لا لذلك الواقع اليومي المباشر الذي أصبح، شيئا فشيئا، مجرد صورة جامدة منه. بل قرينا لواقع آخر نموذجي، وخطير)(مجلد 4 ص 46)، وقال أيضا:( هناك ما بين المسرح والحياة فصل سخيف)(مجلد 4 ص218)، ويضيف: (إذا كان المسرح قد فقد منذ فترة طويلة كل اتصال مع الواقع، فبإمكاننا أن نحيي هذا الاتصال)(مجلد 4 ص227)، أو ( ليس الفن محاكاة للحياة، بل إن الحياة هي محاكاة لمبدأ متعال يضعنا الفن في تواصل معه)(مجلد 4 ص242). وهذا هو الشيء المعقد في أفكار أرتو، ولكن، إذا كان المسرح لا يعرض ولو جزءا بسيطا من الواقع، فماذا يشاهد المتفرج من على المسرح بعد ذلك؟ ولتوضيح هذه النقطة، لا بد لنا من مقارنة أفكار أرتو التي تتعلق في المسرح الشرقي والمسرح الغربي. لهذا نقترح أولا معرفة حدود المسرح الغربي. ثم سندرس بعد ذلك إمكانية المسرح الشرقي، لكي يتسنى لنا تحديد معنى المسرح الخالص لدى أرتو.
موقف أرتو من المسرح الغربي
نحن نعلم أن أرتو قد تأثر ببعض الثقافات الأجنبية، مثل الثقافة المكسيكية والبالية، مثلما نعلم أيضا أنه لم يتوقف عن انتقاد المسرح الغربي والإشادة بالمسرح الشرقي. ما هي عيوب المسرح الغربي؟ يجب أن نتصدى لمسألة اللغة، التي تقع في مركز بحث أرتو. إن عدم ثقته باللغة يظهر في مقدمة كتابه المسرح وقرينه: (يعني تحطيم اللغة من أجل لمس الحياة، وصنع المسرح أو صنعة ثانية)(مجلد 4 ص14). لماذا ينبغي تحطيم اللغة من أجل القيام بصنع المسرح؟ لأن اللغة لا تمتلك الخصائص المسرحية التي يبحث عنها، كيف (يترك-على الأقل- المسرح كما نعرفه في أوروبا، في مركز ثانوي كل ما هو مسرحي بحت، أي كل ما يخضع للتعبير، بالكلمات، أو إذا شئتم، كل ما لا يشتمل عليه الحوار).(مجلد 4ص35.) إن هذا الاستشهاد يوضح أن العناصر في المسرح يجب أن تكون حرة: كلام، كلمة، وحوار. ويلخص أرتو سمة المسرح الغربي في تفوق الكلمة: (الكلمة في المسرح كل شيء بالنسبة لنا، ولا وجود لأي إمكانية خارجها)(مجلد 4 ص66). إن حدود المسرح الغربي يكمن في اعتماده على الكلمة بشكل مفرط. لماذا الكلمة هي التي تقوم بتحديد وتقويض المسرح ؟ إن جاك دريدا يحلل بدقة أفكار أرتو في (مسرح القسوة، وحدود التمثيل). إنه يسمي ستة موضوعات ليس لها علاقة بمسرح القسوة. فهو يعتقد أن الجوهر العميق لمشروعه وقراره التاريخي-الميتافيزيقي، إنه أراد مًحْو التكرار بعامة: (كان التكرار هو في نظره أصل الدَّاء، ويمكن بلا شك أن ننظم قراءة كاملة لنصوصه حول هذا المحور)10. لكن الكلمة تحتوي بالفعل على تكرار الحروف، لأن الكلام ينتمي إلى النظام اللغوي الذي يجب أن يكون المعنى فيه معروفا، وأن يبقى هو نفسه. إذن، إن رفض التكرار في المسرح يكاد أن يكون مستحيلا طالما يتدخل فيه الكلام.
أنا أكتب للذين لا يقرأون ولا يكتبون
إن موقف أرتو ضد الكلمة يظهر أيضا في عملية الكتابة. وسنقدم تعريفه للحوار:( الحوار- هو شيء مكتوب وشفوي- ليس ملكا للمسرح خاصة، إنه ملك الكتاب) (المجلد 4 ص36)، ويقول في رسالة موجهة إلى كريميو 1931: (يخيل إلي أن، على المسرح-هذا الفن المستقل- إذا ما أراد أن ينبعث أو ببساطة أن يعيش، فهو عليه أن يؤكد وبوضوح، على المسافة التي تفصله عن النص وعن الكلام الخالص وعن الأدب، وجميع الوسائل الأخرى المكتوبة والمثبتة) (المجلد 4 ص102). إن عملية الكتابة تستند على وضع النص. وبالنسبة لأرتو، إن جوهر المسرح يكمن في الحركة الملائمة. ويذكر في كتاب المسرح والآلهة، الذي صدر في عام 1936: ( فالمسرح الحقيقي مثل الثقافة لم يكن مكتوبا أبدا)(المجلد 8 ص165). إن أرتو يتهم اللغة، إلى حد قوله: (أنا أكتب للذين لا يقرءون ولا يكتبون). ولكنه لا يجرؤ على التخلي عن اللغة. وبدلا من تقييد إمكانيات المسرح، إنه يحاول توسيع لغة الخشبة وإدخال لغة جديدة، مستقلة عن الكلمة قائمة بذاتها: (أقول إن خشبة المسرح مكان مادي ملموس يطلب منا أن نملأه، وأن نجعله يتكلم لغته الملموسة) (المجلد4 ص36). أين توجد هذه اللغة الجديدة التي تناسب المسرح الذي يختلف عن الكلمة؟ إن أرتو يبحث عن هذه اللغة في المسرح الشرقي.
أرتو ومسرح بالي
شاهد أرتو في عام 1931 مسرح بالي في باريس، في معرض المستعمرات. وقد أتاحت له هذه الفرصة بتعميق أفكاره المسرحية، وبشكل خاص تلك التي تتعلق في إمكانية الطعن في هيمنة الكتابة. ويحتوي كتاب (المسرح وقرينه) مقالين يخص فيهما الثقافة الشرقية: (عن المسرح في بالي)، المكتوب في عام 1931، و(المسرح الشرقي والمسرح الغربي) المكتوب في عام 1935. إن المعارضة بين المسرح الغربي والشرقي في منطق أرتو تعتبر واضحة. فالثقافة الغربية تعتمد بشكل مفرط على الكلمة، في حين تمتلك الثقافة الشرقية وسيلة أخرى للتعبير على المسرح، وهي اللغة الجسدية: (أعطانا اكتشاف مسرح بالي فكرة مادية، لا كلامية، عن المسرح، حيث إن المسرح يظل داخل حدود كل ما يمكن أن يحدث على الخشبة، بغض النظر عن النص المكتوب، في حين أن المسرح كما نفهمه في الغرب متفق مع النص ومحدد به) (المجلد 4 ص 65). إن عيون أرتو اتجهت نحو إمكانية القيام بمسرح يكون خارج النص: (كل ما أعتبره مسرحيا في المسرح، يسمى بإهمال فنا، عندما يوجد خارج النص) (المجلد 4 ص 39). وسنعرض هنا بعض التناقضات بين المسرح الشرقي والمسرح الغربي: الأول يعتمد على النزعات الميتافيزيقية، والثاني يعتمد على النزعات النفسية، والأول يعتمد على الحركات، والإشارات، والوقفات، والأصوات، التي تتكون منها لغة الإخراج والمسرح، في حين أن الثاني يعتبر الكلمة هي كل شيء. وقد سبق لنا وإن قدمنا بعض العناصر التي تعتبر (غير مسرحية): الكلام، الكلمات، والحوار. على عكس لغة المسرح الشرقي التي تتيح إمكانية إنشاء نظام جديد لا ينتمي إلى نظام الخطاب، الذي يأخذ مكانه الوحيد على خشبة المسرح، لغة شرقية نستخلصها من: ( متاهة من الحركات، والوقفات، والصرخات المنطلقة في الهواء، وبعض التحركات والخطوط المائلة التي لا تدع جزءا من الفضاء المسرحي دون أن تستخدمه، كما نستخلص معنى لغة جسمانية جديدة أساسها الإشارات لا الكلمات) (مجلد 4 ص52). إن أرتو يقدر الكفاءات البدنية المتوفرة في المسرح الشرقي، وهذه اللغة التي تحتوي على نوعين من التعبير: البصري والسمعي. إنه يفضل الشكل البصري على الكتاب في المسرح، ويستبدل الكتابة بالحركات والإشارات. وإذا جردنا المسرح من الكلمات، لم يبق أمام الممثلين إلا أن يعبروا بأجسادهم. ويتعلق الأمر هنا باستبدال اللغة الناطقة بلغة مختلفة الطبيعة، تتساوى إمكانياتها التعبيرية بلغة الكلمات: (علينا أن نعثر على نحو هذه اللغة الجديدة، الحركات مادتها ورأسها، وألفها وباؤها، إذا شئنا. وهي تبدأ من ضرورة الكلام أكثر مما تبدأ من الكلمة المكونة سلفا. وإذا تجد في الكلمة طريقا مسدودا، تعود إلى الحركة تلقائيا). (مجلد 4 ص106). إن أرتو يواجه هذا (الطريق المسدود) في محاولته لتحويل الكلمة حتى تتمكن من التعبير أكثر بعد ذلك. إنه يعيدها إلى الحركة، ويقترح عليها طريقا جديدا. ونلاحظ التعبير الذي يستخدمه عندما يقول: (علينا أن نعثر على نحو هذه اللغة الجديدة). أي إن من خلال الحركات سوف نحقق لغة لا زلنا لم نعثر على قواعدها النحوية. لهذا يلغي الرجوع إلى الكلمة ويخترع لغة بدنية لا يمكن أن تكون لها معنى خارج الفضاء المسرحي. وفيما يتعلق بالإشارات، يكتب أرتو في مقاله (الإخراج والميتافيزيقا): (إن شكل هذا الشعر الفضائي (…) يوجد في لغة الإشارات. وآمل أن تتاح لي فرصة الحديث عن الوجه الآخر للغة المسرحية الخالصة، تلك التي تفلت من الكلمة، لغة الإشارة، والحركة، والوقفة، كتلك التي في البانتوميم غير الفاسدة) (مجلد 4 ص38). إن مفهوم الإشارة عند أرتو يعتمد على اللغة البصرية التشكيلية، وليس على كونها تمثل دائما شيئا ما. فهو واقع تحت تأثير وسحر مسرح بالي، لذلك يعتبر جسد الممثلين مثل الإشارات: (إن هذا العرض الرائع يتألف من مجموعة صور مسرحية خالصة، تجعلنا نفهم لغة جديدة يبدو أنه قد تم اختراعها، ويبدو هؤلاء الممثلون، بأزيائهم الهندسية، وكأنهم حروف هيروغليفية حية ومتحركة). (مجلد 4 ص58). وفي مقال مسرح القسوة (المنفستو الأول)، يقول أرتو: ( وبما أن المسرح قد وعى هذه اللغة في الفضاء- لغة الأصوات، والصرخات، والأضواء، والكلمات التي تحاكي الصوت- عليه أن ينظمها، وبأن يجعل من الشخصيات والأشياء رموزا حقيقية). (المجلد 4 ص87). أو في المنفستو الثاني: (ويمكن أن نقول إن روح أقدم الحروف الهيروغليفية ستشرف على خلق هذه اللغة المسرحية الخالصة). (المجلد 4 ص 120). إن الكتابة الهيروغليفية ستكون بلا معنى إن كنا لا نعرف الرمز أو الشفرة. ولقد تحدث مالارميه عن راقصة واصفا حركاتها (بالكتابة الجسدية)11 ، وهنا أرتو يحول الشخصيات والأشياء إلى كتابة بلاستيكية بحتة، ذات قيمة تصويرية.
إن الشكل السمعي البديل للكلام، هو الترنيم والتعزيم. ولكن يجب أن لا ننسى أن أرتو يعتبر اللغة الواضحة لغة (غير مسرحية). ولكن اللغة السمعية ألا تعتبر هي الأخرى لغة واضحة ومحكية ؟ ويجدر الإشارة هنا إلى جانبين من جوانب اللغة الواضحة: الصوت والمعنى. إن الترنيم يشير إلى الاستخدام الخاص للصوت الذي يؤكد على مظهره الصوتي: (ولا يمكن تعريف هذه اللغة إلا بإمكانيات التعبير الديناميكي في الفضاء، وهي تناقض إمكانيات التعبير بالكلمة داخل الحوار(…) هنا تتداخل النبرات، والطريقة الخاصة التي تنطق بها الكلمة).( مجلد 4 ص 86). إن الترنيم يطور لغة موسيقية انطلاقا من النطق المستقل عن المعنى المادي للكلمات. إما التعزيم فله استخدام أيضا آخر للكلمات، يكتب أرتو: ( يعني صنع ميتافيزيقا الكلام المنطوق (…) يعني أخيرا النظر إلى الكلام على أنه سحر). (مجلد 4 ص 44).يحاول أرتو استخدام اللغة للتعبير عما لا يعبر عنه بالعادة. ويبدو أن التعزيم مثل نقطة النهاية لهذا العمل، يقول: (تستخدم هذه اللغة المسرحية الموضوعية المحسوسة في الإحاطة بالأعضاء وتثبيتها، بإحساس شرقي بحت بالتعبير. فهي تجري في الإحساس. وإذا نتخلى عن الاستخدام الغربي للكلمة، نجعل من الكلمات تعزيما. وندفع الصوت، ونستخدم ذبذباته وأنواعه). (المجلد 4 ص 88). إن التعزيم هو استخدام الكلمات التي تسمح بالتأثير بالعاطفة بقوة. وإنه لا يتوجه إلى الذهن وإنما إلى الحساسية. وهنا يجب علينا أن نتوقف عند كلمة (صوت). فالصوت لا يغادر أبدا هذا الذي يتكلم هنا الآن، على عكس الكتابة المسرحية الموجودة خارج المشهد. إن أرتو يعطي تعرفين إلى (اللغة المسرحية الخالصة)، في مقال (مسرح شرقي ومسرح غربي). وإن طبيعة عناصر اللغة الشرقية تتلخص في هذين التعريفين:
– من ناحية، تجسيدا مرئيا تشكيليا للكلمة.
– لغة كل ما يمكن أن يقال ويتم التعبير عنه على خشبة المسرح، بغض الطرف عن الكلمة، لغة كل ما يجد تعبيره في الفضاء، أو ما يمكن أن يبلغه الفضاء أو يحلله. (المجلد 4 ص 67).
إن الحركة، والترنيم، والتعزيم، هي محاولات ضد الكتابة، وضد الكلام. ولكن إذا ما تشكل المسرح من عناصر لا معنى لها سيتحول إلى فضاء غير معقول. وهذا النوع من المسرح لا يبحث عنه أرتو. فهو لا يقبل بمسرح لا يتأسس على الوظيفية الفكرية. لهذا فهو يكتب في عام 1925 منفستو في اللغة الواضحة: ( أنا أستسلم لحمى الأحلام، ولكن لاستخلاص قوانين جديدة, أنا أبحث عن التكاثر، والدقة، والعين الفكرية في الهذيان، وليس التنبؤ المقامر). (مجلد 2 ص 52). وإنه يتهم أيضا الإبداع السهل، المصنوع من اللاوعي أو المصادفة. لذلك يجب إعادة بناء مسرح جديد، مسرح خالص.
* حول المسرح الخالص
يبدو سبق لنا وإن ذكرنا ماذا يعني المسرح (الخالص). إنه يتكون من عناصر مثل: الحركة، الصراخ، والترنيم، والتعزيم، وباختصار شديد، كل ما ينتمي إلى المسرح الشرقي. وبالإضافة إلى ذلك، إن أرتو نفسه يعترف بأن في مسرح بالي، هناك إخراج مسرحي خالص. ولكن يجب أن لا نكتفي بقائمة خصائص المسرح الشرقي. ولكن كيف فعل أرتو الأوروبي، لكي يعثر على المسرح المثالي ؟
إن المسرح الخالص بالنسبة لأرتو هو مسرح قد انتهى مع اللغة، ومع الكتابة. وإن جوهره يكمن في الإخراج: (يختلط المسرح في نظري بإمكانيات إخراجه، وتنتمي هذه الإمكانيات بأكملها إلى مجال الإخراج، باعتباره لغة تتحرك في الفضاء). ( مجلد 4 ص 44). وهذا يعني إن المسرح من خلال الفضاء والحركة يوفر حقلا مميزا للإخراج.
إن الإخراج لا يحتاج إلا لفضاء واحد، وهو فضاء المسرح خارج النص. إن اللغة المسرحية هذه المرة سوف تتخلص من الكلمة من أجل بناء فضاء لغوي مستقل، وهذا الفضاء لا يحتوي إلا على عناصر مسرحية فقط، وإذا اقتبسنا عبارة دريدا: ( إعادة تأسيس فضاء مغلق يعود إلى التمثيل الأصلي)12. فسنجد أن تعبير دريدا يبدو متناقضا، لأن التمثيل يحتاج دائما إلى نموذج ينتسب إلى مكان آخر. وهنا يجد مسرح أرتو خصوصيته. ففي هذا (الفضاء المغلق) يتم تحويل الكلمة إلى (لغة المسرح الخالص)، وتبدأ في خلق معناها الخاص، الذي يعتبر مهما وبليغا مرة وإلى الأبد على الخشبة: (ولندع نقد النصوص للحمقى ونقد الأشكال لعلماء الجمال، ولنعترف بأن ما قيل لا ينبغي أن يقال، وبأن التعبير لا يستخدم مرتين، ولا يحيا مرتين، وبأن كل كلمة ينطق بها كلمة ميتة لا تؤثر إلا في اللحظة التي يتم النطق بها، وبأن الشكل المستخدم لا يستخدم، ولا يدعونا إلا إلى البحث عن شكل آخر، وبأن المسرح هو المكان الوحيد في العالم الذي لا تتكرر فيه الحركة مرتين).( مجلد 4 ص 73). فكرة أن المسرح لا يعيش إلا مرة واحدة، هي التحدي والاعتراض الكبير في تاريخ المسرح الأوربي ومسرح المحاكاة.
إن المسرح يتنبأ بتدميره، عند تنفيذه (مرة واحدة)، لأنه كما يقول أرتو: (بأن كل كلمة ينطق بها كلمة ميتة لا تؤثر إلا في اللحظة التي يتم النطق بها ). وبمجر ما تلد الكلمة، تذهب نحو الموت. ومع ذلك، إن الحياة المسرحية التي تتحقق (إلا مرة واحدة) لا تخضع إلى تدمير وحشي. وهنا يأتي موضوع الحياة والموت. ينادي أرتو في المنفستو الأول، بتحطيم اللغة من أجل ملامسة الحية. إلى جانب هذه المحاولة، يختبئ الموت دائما. ويشير آرتو في كتابه (المسرح والآلهة)، إلى التعايش بين الحياة والموت في الفضاء: ( الثقافة في الفضاء، تعني ثقافة فكر لا يكف عن التنفس والإحساس بالحياة داخل الفضاء، ويطالب بضم أجساد الفضاء إليه كموضوعات فكره نفسه، ولكن باعتبارها فكرا متمركزا وسط الفضاء، أي في نقطته الميتة). (مجلد 8 ص 164). في هذا النص، الثقافة مطابقة للمسرح. يقول أرتو على إنها حركة ذهابا وإيابا بين الحياة والموت: (إن الثقافة حركة فكرية تنتقل من الفراغ نحو الأشكال، ومن الأشكال تدخل في الفراغ، وفي الفراغ كما تدخل في الموت. أن تكون مثقفا معناه أن تحرق الأشكال لكي تربح الحياة. يتعلق الأمر بمعرفة كيف نقف مستقيمين داخل الحركة الدائمة للأشكال التي ندمرها على التوالي). (مجلد 8 ص 165). إن المسرح مثل الثقافة، إنه أحد المجالات التي نقاوم فيه التدمير المتوالي. بعد هذا الدمار، ما الذي يبقى على الخشبة ؟ لا شيء سوى مصطلح (الخالص) الذي يوحي بهذا العدم. إن أرتو يقارن المسرح بالطاعون: (والطاعون داء أسمى لأنه أزمة كاملة لا يبقى بعدها سوى الموت أو أقصى التطهير، وكذلك، المسرح، داء لأنه التوازن الأعظم الذي لا يكتسب بلا هدم). (مجلد 4 ص 341.)
في المرحلة الأخير للطاعون، يوجد (التطهير) الذي لا نتمكن من الحصول عليه إلا من الموت، من خلال تدمير له. وتأتي هنا ضرورة مقارنته بـ(الخيمياء)13، يقول أرتو في مقاله (المسرح والخيمياء): (إن العملية المسرحية التي تسعى إلى صنع الذهب (…) تذكرنا في نهاية الأمر، بالنقاء والمطلق المجرد، الذي لا يوجد بعده شيء).(مجلد 4 ص 49). وهنا تبدو المسرحة (الخالصة) مثل النقطة القصوى التي لا يوجد بعدها شيء، النقطة الأخيرة بين الحياة والموت، والمحافظة عليها والدمار. ويتوصل آرتو إلى اقتراح هذه النقطة الحاسمة من خلال تشييده لمكان مغلق توجد فيه حركة مستمرة تؤدي إلى الدمار.
إن المسرح الخالص يصنع المشهد الذي تكون فيه اللغة معناها الخاص غير القابل للاستبدال، والتكرار ابدأ. وإن محاولة خلق المسرح الخالص، في نهاية المطاف، هي بناء فضاء مغلق حيث لا يتكرر فيه شيء.
الهوامش
1 – جاك كوبو، ولد في باريس في عام 1879، وتوفي في 20 أكتوبر عام 1949، ويعتبر شخصية مهمة في عالم الفكر والفن الفرنسي في النصف الأول من القرن العشرين، وخاصة في مجال المسرح، حيث عمل كناقد مسرحي في العديد من الصحف الباريسية، وشارك مع أصدقائه الكتاب مثل أندري جيد وجان شلمبرجير، في تأسيس مجلة لانوفيل الفرنسية في عام 1908،. وأسس مسرح دو فيو- كولومب في عام 1913، وقام بإدارته لعدة سنوات.
2 – لوكن-بو، ولد في باريس 27 ديسمبر 1869 وتوفي في مدينة أفنيون في 19 يونيو 1940، وهو ممثل ومخرج ومدير المسر الفرنسي، ويعتبر مع أندري أنطوان، من ممثلي النهضة المسرحية الجدية في المسرح الباريسي في نهاية أواخر القرن التاسع عشر.
3 – البربري في آسيا، كتاب في أدب الرحلات لهنري ميشو، كتبه خلال رحلته إلى آسيا في عام 1928. وفيه يصف هذا الشاعر/الكاتب، انطباعاته في مختلف البلدان التي مرّ فيها، وسكان هذه البلدان، وثقافاتها الخاصة، بنظرة ثاقبة ولكن لا هوادة فيها، كاشفا عن روح الدعابة والاختلاف الثقافي الموجود بين هؤلاء السكان، وتلك الموجودة في أوروبا الغربية، داعيا الأوروبيين فيه للتعلم من هؤلاء الناس.
4 – الخادمتان: مسرحية للكاتب الفرنسي جان جينية، كتبها في عام 1947. وهي مسرحية مأساوية، وعنيفة، مستوحاة من وقائع مختلفة، حتى وإن كان الكاتب لا يعترف بذلك.
– جاك داريدا، الكتابة والاختلاف، (مسرح القسوة وحدود التمثيل)، ترجمة كاظم جهاد، دار نشر توبقال، المغرب سنة 188.5
6 – أنتونان آرتو، المسرح وقرينه، مسرح القسوة،دار نشر غاليمار، عام 1985، صفحة 87.
7 – الإمبراطورية الثانية، هو النظام الدستوري والسياسي الذي أنشئ في فرنسا في2 ديسمبر كانون الأول 1852، عندما لويس نابليون بونابرت، رئيس الجمهورية الفرنسية، أصبح نابليون الثالث، وإمبراطورا للفرنسيين.
– جان بولون: هو كاتب وناقد ومحرر فرنسي، ولد في ديسمبر 1884 وتوفي في باريس نوفمبر1968.8
(الطبعة إن جميع الاستشهادات الموجودة في هذا المقال، مأخوذة من أعمال أنتونان آرتو الكاملة – 9 الثانية)، دار نشر غاليمار الفرنسية. ونحن نشير إليها في النص نفسه بذكرنا لرقم المجلد ورقم الصفحة. المجلد الخامس، صفحة 196.
– جاك ديريدا، الكتابة والاختلاف، (مسرح القسوة وحدود التمثيل)، ترجمة كاظم جهاد، دار نشر توبقال، المغرب سنة 1988، 196.10
-ستيفان مالارمية، (بالية)، دار نشر غاليمار، مجموعة شعرية، 1978، صفحة 192.11
-انظر المرجع السابق، مسرح القسوة وحدود التمثيل، المرجع السابق، صفحة، 349.12
– الخيمياء، وهي الكيمياء القديمة، وكانت غايتها تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، واكتشاف علاج كلي للمرض، ووسيلة لإطالة الحياة إلا ما لا نهاية.13


المشاركة في المواقع الأجتماعية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption