أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

المشاركة على المواقع الأجتماعية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد مسرحي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد مسرحي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 16 يونيو، 2017

العرض المسرحي "من سيرة المدعو حمد" أنين الثكالى وبوح المقهورين

الأربعاء، 14 يونيو، 2017

عرض «مكعب بس مثلث».. صياغة مسرحية تعكس «القلق الوجودي العصر»

مجلة الفنون المسرحية

عرض «مكعب بس مثلث».. صياغة مسرحية تعكس «القلق الوجودي العصر»


جمال عياد

ضمن فعاليات (مسرح الخميس) الذي تقيمه وتنظمه مديرية المسرح والفنون، كل مساء خميس من كل أسبوع، عرضت مسرحية «مكعب بس مثلث»، بتوقيع المخرج بلال زينون.

استهلت المسرحية افتتاح فعاليات مهرجان عمون لمسرح الشباب الثالث عشر في العام 2014، وهي احدة من المسرحيات الشبابية القليلة التي قدمت مقترحات مشهدية تنتمي إلى مسرح العبث، خلال هذا العام، وبمقترحات بصرية وسمعية جديتين لم تتأثرا بالعروض المسرحية التي قدمت سابقا. العرض الذي كتب نصَّه ووضعَ رؤيته زيتون، هدفت لوحاته المسرحية ومشاهده، إلى تبيان مدى فداحة الظلم الواقع على المواطن، من جانب النظام السياسي العربي بالإجمال؛ لجهة ضف المشاريع التنويرية، وغياب التنوّع وعدم تقبّل الاختلاف بالرأي. تتحدث الحكاية عن شخوص تنتمي للشرائح الاجتماعية الشعبية، وجدت نفسها في حمام وفق انماط الحمامات العربية والتركية القديمة، فضاؤهُ أقرب لمنصة غسل الموتى، في زمن ومكان غير محددين. وفي سياق الأحداث العبثية، تتبادل هذه الشخوص الأدوار؛ حيث تارة يصبح كل منهم السيد، ثم الضحية والتابع وهكذا، وتارة أخرى شخصية حية ومرة ثانية متوفاه، وهكذا. نص العرض قدم وفق شكل مسرحي تأسّسَ على تقنية الحلم والإفادة من الخيال الخصب فيه، كما ووظفت الرؤية الإخراجية الذاكرة الانفعالية، في إثارة الزخم التعبيري للعرض، عبر تعميق امزجة وهواجس الشخوص لجهة تبيان مواقفها في الماضي والحاضر وأفقها المستقبلي المغلق، كون ان تصميمها ينتمي لمسرح العبث. أظهرت جماليات السينوغرافيا قوةً في تأشيرها الدلالي، بفعل بساطة العلامة وثراء تعبيرية إيحائيتها في آن، لجهة الفضاء السينغرافي، في تموضع غرفة الحمام والمجسدة بطاولة خشبية مقلوبة في بؤرة المسرح، وإلى يسارها ثلاثة سطول ماء، صممها ونفذها محمد أبو حلتم. فضلاً عن تصميم أزياء الشخوص الذي أسهم في إظهار القسمات الخارجية للشخصيات العاملة في الحمامات القديمة، سواء الذين يغسلون الأموات أو الأحياء واستخدام أساليب الإضاءة التي وضعها محمد أبو حلتم ومحمد المجالي، العامودية والأفقية وبنسب مختلفة في الشدة لتتلاءم مع الأجواء المختلفة في غرف التحقيق والتعذيب، أو أماكن غسيل الموتى، التي تضمنتها المشاهد واللوحات. غيران الكتلة الأهم دلاليا كانت في الحنفية بحجمها الكبير التي تموضعت في عمق المسرح، حيث أشر صوتها دلاليا في البناء السطحي للعرض على مسألة شح المياه، التي يعاني منها أبناء البشر في الزمن الراهن. ومن جهة أخرى في طرح أنساق المؤثرات الصوتية غير المنطوقة، ضمن البناء المضمر في السياق؛ حيث كان صوتا (علامة) دلالية أسهمت بتعميق الفضاء الوجودي للعرض، (صوت وشيش مواسير الماء الفارغة) وكأنها تضخ مجازا معاني العدم واللا جدوى والعقم من الإسهام بأي تواصل تنويري يمكن أن يحدث فيما بين الشخوص، وهنا بالضبط كان هذا التوظيف جماليا في خدمة إنشاء الفضاء الدلالي العبثي. وقد شكّلَ اندفاعُ أداء الفعل الجسدي الداخلي الانفعالي بمحمولاته إلى الأمام،(كونه يعد الحامل الأساس للعلامات) وفق زمن داخلي دائري رافعةً أساسية في تحقيق لغة المسرحية، لأن الحوار المتأسس على دلالة الكلمة، يعدّ مضلِّلاً في هذا السياق العبثي، لعدم يقينية المعاني المباشرة للّغة؛

لذا انصرف الفعل للتأشير بصرياً، في تأسيس نظام تواصل تتمظهر آلياته بين تقاطعٍ والتقاء، مع ما يراه المشاهد للواقع الحافل بالقوانين الاستبدادية في منظور الجغرافيا العالمية الآن، التي تحمل نذر شؤم حروب، مدججة بالكراهية العرقية، والطائفية، فضلا عن توسع حيزات الفقر في المجتمعات الإنسانية وما تتركه من آثار سلبية وبخاصة لجهة ظهور فضآت التطرف والتوتر الاجتماعيين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى مع رؤية نص العرض لهذا الواقع، وبخاصة مَشاهد التحقيق الأمنية الشائعة في المنطقة العربية، والمتسمة بالعنف المسلط على المعتقَل السياسي، حيث يغدو فعل الجسد عليه، بمثابة الدلالة الأساسية في طرح اللغة المسرحية. الممثلون: إبراهيم النوابنة، وعطية المحاميد، ومثنى القواسمة، كانوا شركاء المخرج في الإنشغال في ادوارهم من حيث ظهورهم، إذْ انهم أسهموا بقوة وبراعة أدائية في إنشاء الفضاء العبثي للعرض، وبخاصة في تركيزهم على المعطى الأساس في عملهم ألا وهو الفعل الداخلي، الذي انساب عبر لغة الجسد والذي كان في أحايين كثيرة مستقلا عن اللغة المنطوقة، ولكنه كان متمما ومتناغما معها، عبر حركات الجسد والإيمائة التي تشارك أيضا في إخراج وطرح المعاني العبثية لهذه المسرحية. 

------------------------------------
المصدر : الرأي 

الثلاثاء، 30 مايو، 2017

النقد المسرحي المغربي ورهان تجدد أسئلة النقد -خالد أمين نموذجا-

مجلة الفنون المسرحية

النقد المسرحي المغربي ورهان تجدد أسئلة النقد "خالد أمين نموذجا"

فاطمة اكنفر

اعتاد الباحثون تقسيم مراحل النقد المسرحي بالمغرب إلى ثلاثة مراحل: المرحلة الجنينية، المرحلة التأسيسية، مرحلة الترشيد العلمي، حيث كانت المرحلة الأولى مرحلة "بدايات النقد المسرحي الشفوي أو المكتوب في صحافة في عهد الاستعمار، وكانت المرحلة التالية مرحلة بروز رواد أسسوا المسرح في المغرب تأسيسا علميا أمثال حسن لمنيعي، وحسن لمريني، ومحمد الكغاط"، أما المرحلة الأخيرة فقد تميزت بتحول كبير في الممارسة النقدية المسرحية من خلال تطعيمها بمناهج التحليل العلمي من جهة، وانفتاحها على المسرح العالمي والنظريات والمناهج العالمية من جهة أخرى، حيث كان من الطبيعي بروز نقاد جدد في الساحة النقدية المسرحية متمكنين من آليات تحليل الخطاب المسرحي وجمالياته عبر تمرسهم في البحث العلمي الجامعي والأكاديمي الذي كان نقطة انطلاقة الممارسة المسرحية الجادة والمسلحة بآليات جديدة تأليفا وإخراجا وتمثيلا.
وهكذا ظهرت العديد من الدراسات التي تناولت موضوع المسرح في العصر الحديث وتناولت جوانبه المختلفة والمتعددة، حيث بدأنا نستشعر في نسيج تفكيرنا النقدي مؤخرا توجه الخطاب النقدي المسرحي نحو مفاهيم جديدة من صنف آخر، من خلال انفتاح الخطاب المسرحي على توجهات معرفية جديدة ومتنوعة.
إن تصفح ما كتب من دراسات نقدية وأبحاث أكاديمية حول المسرح يجعلنا لا نتردد في الحكم على أن هذه التراكمات كانت وراء التحولات التي عرفتها الحركة المسرحية في المغرب، وهي دراسات كانت ولا تزال من العوامل التي ساعدت على معرفة تجارب مسرحية عربية أو عالمية، حفزت الممارسين للمسرح والكتابة الدرامية على نقد الذات من جهة ونقد الآخر من جهة أخرى، ولعل مشروع خالد أمين من أهم المنجزات النقدية التي أبان فيها الناقد عن وعيه وتمثله لمرجعيات وأطروحات النقد الثقافي في دراسة المنجز المسرحي الغربي والعربي، مستعيرا أجهزته المفاهيمية من عمق الثقافة الغربية مطوعا إياها لما يستجيب لخصوصية النصوص والأنساق التي يهدف إلى استنطاقها، حيث تعد كتاباته حدثا ثقافيا وفكريا متميزا مؤسسا على تنوع معرفي ومنهجي رصين، فهي تتسم بعدة مميزات جعلتها تجربة رائدة في إطار النقد المسرحي المغربي، وذلك من حيث إسهامها في بلورة مشروع ثقافي جديد يروم مساءلة المسرح الغربي وتفكيك أطروحاته من جهة، وإعادة النظر في المسرح العربي والمغربي من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار قدم خالد أمين للساحة النقدية المغربية أهم النظريات التي أدت دورا أساسيا في قلب المفاهيم المختلفة التي تحكمت في مسار المسرح الغربي، وخلخلة المسلمات المؤطرة للفعل المسرحي الذي بات يتأرجح بين الداخل والخارج، والانا والآخر، والمستعمر والمستعمر، والاحتكاك بالثقافة العالمية من خلال الترجمة وتفاعل الايجابي المباشر والغير المباشر، حيث كان الخطاب النقدي عند خالد أمين مسكونا بهاجس السؤال وإعادة النظر في العديد من المفاهيم والمسلمات التي كانت رائجة بشكل عام في المسرح العالمي والعربي/المغربي على حد سواء.
والمتتبع لمشروع خالد أمين يلحظ فيه مبدأ الثبات المنهجي بالإضافة إلى المرونة والانفتاح على نظريات ومفاهيم إجرائية متعددة ومتنوعة، تنم عن ثقافته الموسوعية ومدى إطلاعه على النظريات المعاصرة التي تسعى إلى تفكيك وتقويض التمركز الثقافي الغربي، بالإضافة إلى انفتاحه على الثقافات المسرحية المختلفة، حيث تأثر باطروحات المسرحيين الغربيين أمثال (بريخت وأنطونان أرطو وبيكيت وباربا) وغيرهم ممن سعوا إلى تفكيك الثقافة الغربية وتوجيه أنظارها إلى الثقافات المسرحية الأخرى، فــ"منذ إصداره لكتابه الأول ما بعد بريشت الذي دشن به خالد أمين انخراطه العميق والوازن في الدراسات المسرحية عامة والمغربية خاصة وهو يبلور مشروعا نقديا مفتوحا على آفاق معرفية جديدة بوأه مكانة علمية متميزة في المشهد النقدي المسرحي وطنيا وعربيا ودوليا ".
إن المتأمل لأعماله النقدية يلمس مبدأ التناسلية والنمو بالإضافة إلى مبدأ الحوارية والتبادل بين آرائه واطروحاته، حيث يرى حسن اليوسفي في مقدمة الكتاب (المسرح ودراسات الفرجة)، أن انفتاح مشروع خالد أمين جعله ينخرط في مرحلة جديدة قوامها إعادة النظر في الترسانة النقدية المستعملة سلفا في كتابه (الفن المسرحي وأسطورة الأصل)، واقتراح مشروع آخر في كتابه (المسرح ودراسات الفرجة) "من خلال تأسيس مفاهيم ثرية ومقولات جديدة. وبلورة خطاب نظري غني بالمفاهيم الجديدة في المجال النقدي من قبيل: "الهجنة المسرحية، المثاقفة المسرحية، مابعد الدراما، وتناسج الثقافات الفرجوية، ويقوم بأجرأتها من اجل صياغة مقاربة جديدة ومغايرة في السياقين العربي والمغربي".
وعليه يتميز مشروع خالد أمين بالتنوع المعرفي والمنهجي وهو تنوع يوحد بين عناصر ومقومات البحث لديه، كما يوظف مناهج مختلفة بالشكل الذي يضيف إلى معنى الممارسة النقدية وفرة في المصطلحات والمفاهيم وثراء في الأدوات، حيث "ينهض خالد أمين على قراءة واعية للتنظيرات المسرحية المغربية في علاقتها بالممارسة الركحية وكذا في علاقتها بما أفرزته التنطيرات الغربية من صيغ فنية، اعتمادا على البحث المخبري الذي يراعي غاية المسرح وتطور أساليبه، أي تجدد نظرياته بفعل صيرورة التفكيك وإعادة البناء حسب متطلبات وحاجيات المرحلة".
إن رؤيته النقدية قائمة على الجدلية بين العام والخاص، والعلاقة بين المحلي والكوني، كما أفصحت تجربته عن مدى وعيه وسعة إطلاعه على مختلف تضاريس العمل الدرامي على المستوى العالمي وعلى المستوى المحلي، كما عبرت اطروحاته عن مدى إلمامه الواسع بمكونات العمل المسرحي وشروط قيامه.
تظهر كتابات خالد أمين في تشكيلة نظرية واحدة وفي نسق نظري متكامل، يمكن أن نشير من خلال الملاحظات التالية إلى بعض تجليات المشروعه النقدي:
- يساير باستمرار كل الممارسات والاتجاهات المسرحية سواء الغربية أو العربية أو المغربية، وهذا ما جعل مشروعه النقدي متجددا ومتطورا.
- تشكل جميع كتاباته حلقة متسلسلة ومتواصلة يطبعها الكثير من الانسجام والتكامل هدفها تحقيق ثقافة مسرحية موسوعية يربط فيها النظري بالتطبيقي والنص بالعرض والمحلي بالعالمي.
-لا يقتصر خالد أمين على طرح مواضيع ومناقشتها بل يتجاوز ذلك إلى تقديم اقتراحات تساهم في عملية تطوير المسرح، وضرورة تكثيف جهود المسرحيين العرب وتبادل الخبرات فيما بينهم ومناقشة المشاكل وإيجاد الحلول، يقول: "حيث علينا أن ندرك جميعا إن مستقبل المسرح المغربي رهين بالتفاعل الايجابي بين الفاعلين المسرحيين من مختلف الاجيال والدروب، وذلك التفاعل هو السبيل الأوحد للمصالحة مع الجسد المسرحي والارتقاء به، والتنظير لهذا المسرح لا يمكن أن يتأسس إلا من خلال تقعيد الأسس المهنية والانفتاح على الجامعة بوحدات للبحث فيها، ومختبرات المسرحية وأبحاثها وأطاريحها التي تشكل ذاكرة المسرح المغربي بحق، لا يمكن ان يستقيم هذا المسرح بتنضيراته وانجازاته في غياب علاقته تفاعلية بالجامعة المنفتحة والفاعلة".
يمكن أن نلخص اشتغال خالد أمين في مسارين متشابهين في العمق رغم اختلافهما في الظاهر، ولكن قبل الحديث عن هذين المسارين لابد أن نتحدث عن الموقع الذي إنطلق منه وهو تحديدا موقع المابينية. إلى جانب بحثه الأكاديمي ينتمي الناقد إلى حقل الدراسات الإنجليزية، وهذا راجع لطبيعة عمله كأستاذ باحث فيها، بيد أن عشقه للمسرح المغربي ورغبته في المساهمة في النهوض بأحواله جعلا الناقد يركز بحثه في الاشتغال على المسرح بلغة شكسبير. فمنذ أن التحق بجامعة "إسكس" ببريطانيا سنة 1990 بهدف الدراسات العليا، توجه خالد امين بسؤال (لروجر هاورد) رئيس قسم المسرح في تلك الجامعة العريقة (ماذا عن المسرح المغربي؟)، حينها أدرك أنه من واجبه الإشتغال على الذات في حدود علاقتها بآخرها، فكانت الإنطلاقة من شكسبير في المسرح المغربي رفقة حسن المنيعي والأستاذ محمد العميري، وحاول قدر الإمكان أن يساهم في مد جسور التواصل بين الذات والآخر في إطار تفاعل إيجابي يسمح بالتعرف على الذات واكتشاف الآخر.
لذلك أصبح خالد أمين يكتب بالإنجليزية حول موضوعات المسرح المغربي، وبالعربية حول ما يروج في الساحة الأنجلو أمريكية تفاديا للوساطات المشرقية. أما الأسباب فكانت كثيرة ولعل أبرزها هو شبه غياب المسرح المغاربي من الكتابات الإنجليزية المركزة على المشرق العربي فقط. ومن هنا كان إحساسه بالمسؤولية الجسيمة والدور المنوط الذي ألحق به، والمتجلي في إحياء المسرح المغربي الذي ظل غائبا في الأوساط المسرحية الغربية من خلال التعريف به وبمختلف مظاهره الفرجوية عن طريق الوسيط الترجمي.
ينتمي إذن النقد المسرحي عند خالد أمين ضمن النقد الأكاديمي "وهو نقد تحليلي يروم الموضوعية ويسعى إلى تفكيك وفهم الظواهر المسرحية، ويتجاوز العملية النقدية السطحية التي تروم التعليق والتلخيص وتتأسس على الضبط المنهجي المتماسك، وتستند على أدوات منهجية وإجرائية رصينة"، فإن هذا النقد أرسى ممارسة نقدية جديدة تأسست في رحاب الجامعة المغربية نظرا لانفتاح المسرح المغربي الجامعي على المناهج الغربية المحكومة بخصوصياتها العلمية وطابعها الموضوعي.
1. - أسس ومبادئ مشروع خالد أمين
إن المتأمل والمتفحص لكتابات خالد أمين النقدية يتضح له أنها تقوم على مجموعة من المبادئ والأسس والمميزات ويمكن أن نوجز هذه المبادئ في مبدأين:
أ- مبدأ التناسل والنمو:
عندما نستعرض مؤلفات خالد أمين فإننا نلاحظ أنها تتخذ في مسارها وثيرة منتظمة ومتناسلة حيث نجد مؤلفاته ظهرت على الشكل التالي:
- ما بعد برشت، منشورات السندي، مكناس، 1996.
- المسرح المغربي بين الشرق والغرب Moroccan Theatre Between East and West -باللغة الأنجليزية- منشورات نادي الكتاب، كلية الآداب تطوان، 2000
- الفن المسرحي وأسطورة الأصل ، منشورات كلية الآداب تطوان، 2002
- الفرجة بين المسرح والأنثروبولوجيا، منشورات مجموعة البحث في المسرح والدراما التابعة لجامعة عبد مالك السعدي، 2002
- المرتجلة في المسرح الخطاب والمكونات، منشورات مجموعة البحث في المسرح والدراما التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، تطوان، 2003
- مساحات الصمت -غواية المابينية في متخيلنا المسرحي-، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 2004
- المسرح المغربي بين التنظير والمهنية، منشورات مجموعة البحث في المسرح والدراما التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، بتطوان، 2004.
- خالد امين، دراسات الفرجة، ط.1، منشورات المركز الدولى لدراسات الفرجة، طنجة، 2011.
والهدف من هذا الجرد توضيح مبدأ التناسل الذي يتسم به مشروعه، والمقصود بالتناسل هنا هو خروج أعمال المؤلف الواحدة من صلب الأخرى بما يعطيها نوعا من الوحدة والتكامل، بدءا بمفهوم الهجنة المسرحية الذي شكل موضوع الاشتغال في عمله (الفن المسرحي وأسطورة الأصل) و(مساحات الصمت وغواية المابينية)، ثم إعادة النظر في هذا المشروع مبرزا بعض نواقصه ومقترحا في الآن نفسه مشروعا جديدا ينطلق من رؤية جديدة ومن زاوية نظر مختلفة في كتابه (المسرح ودراسات الفرجة).
يمكن القول إن مؤلفات خالد أمين تقوم على فرضية مركزية كبرى هي نواة النظرية التي يعمل عليها مشروعه في مختلف مراحله من خلال البرهنة والتدليل عليها، بمناهج ومفاهيم متنوعة ومقاربات متعددة، ويتضمنها هاجسا واحدا رغم تنوع الأسئلة وتعدد القضايا والمرجعيات بكل ما تقتضيه الأسئلة من جرأة في الطرح ودقة في التناول، كما توضح تفاعل الناقد مع "نظريات غربية حديثة تحولت لديه إلى أداة تفكيك وتحليل، كما مكنته من تأسيس خطاب نقدي يقوم على الحوار مع هذه النظريات وتطويع مفاهيمها في جل كتاباته".
وبالتالي تدل قائمة الكتب السابقة على تنوع اهتمامات خالد أمين ونشاطه الفكري الخلاق، ولقد صدرت رؤيته النقدية وعمله المعرفي عن تصور يرفض النظريات الكلاسيكية أي تلك التي ترى في الأصل الغربي الأوروبي مصدر إشعاع، يغمر بضيائه الثقافات الأخرى.
إن مشروع خالد أمين يقوم على نسف فرضية المركزية وتفكيك أسطورة الأصل الدرامي، وتعد هذه الفكرة نواة عمله النقدي، كما يقوم مشروعه على فرضيات فرعية صغرى كروافد تعزز وتغذي الرافد الأصلي وبهذا تعطي هذه الفرضيات الفرعية للمشروع إمكانية النمو والتوسع واستيعاب مختلف الخطابات والمقولات والمفاهيم بالإضافة إلى الانفتاح على ممارسات فكرية ونقدية مختلفة عالمية ومحلية.
ب‌- مبدأي التركيب والتوليف:
يتسم مشروع خالد أمين بالطابع المركب سواء على مستوى رصد الظواهر المختلفة التي يتم الاشتغال عليها، أو على مستوى المناهج والنظريات والمفاهيم التي يتعامل معها، ومن هنا يتضح البعد التركيبي المرفق بالسمات التوليفية في أعماله النقدية حيث تظل كتابات خالد أمين عارفة بشروطها العلمية الواعية ومراعية لطبيعة الإرغامات التي يتطلبها التركيب بين مرجعيات مختلفة ومتباينة، خاصة وأن الناقد ينهل من خلفيات متعددة ومتنوعة ويستعير أجهزته المفاهيمية من المنجز الثقافي الغربي، فهو ملم بالنسق الثقافي الغربي وبنياته الذهنية وطبيعة تركيبته السياسية والاقتصادية والثقافية.
كما يستند الناقد إلى معرفة دقيقة بالنظريات ومناهج التحليل الغربية الجديدة التي كشفت فضيحة العقل الغربي في مرحلة الحداثة وبداية التفكير في دول العالم الثالث وعلاقة المستعمر بالمستعمر وعلاقة الذات بالآخر، والنتيجة هي إعادة قراءة المنجز المسرحي وفق هذه الآليات والأطروحات المابعد حداثية والمابعد استعمارية، والبحث عن الأنساق الثقافية الثاوية خلف الخطاب الغربي الأديولوجي الذي يعمل على إقصاء الثقافات الفرجوية المنتجة والحكم عليها بالدونية واللاعقلانية.
لقد استطاع خالد أمين بفعل بصيرته النافذة وعقله التركيبي البحث في الأنساق المضمرة التي تؤطر علاقة الأنا بالآخر، المستعمر بالمستعمر، الشرق بالغرب، الداخل والخارج، وهي ثنائيات تترد في مختلف كتاباته، وتنم عن سعة الرؤية والسعي إلى تجاوز هذه الثنائيات التي يرسخها الفكر الغربي المهيمن.
إن كافة كتابات خالد أمين النقدية تفصح بجلاء عن ميله إلى تطبيق أجهزة مفاهيمية مختلفة تتبادل عناصرها التأثيرات بشكل جدلي، حيث جاء بأدوات نقدية ما بعد حداثية ذات مولد غربي وبحث بها في المسرح المغربي، واستطاع أن يستقدم جملة من المفاهيم والنظريات والمناهج العلمية محاولا تطبيقها واستثمارها عمليا في قراءة المنجز المسرحي الغربي والعربي /المغربي.
2. - خالد أمين ومرجعية النقد الثقافي.
ارتكز خالد أمين على أدوات إجرائية ومفاهيم نقدية واليات منهجية تفك مغالق الفعل المسرحي، وتقبض في نفس الوقت على جوهر الممارسة الدرامية في الثقافات العالمية والمحلية، وهكذا تتعالق المعطيات الفلسفية والخطابات الفكرية في تشكيل وصوغ الخطاب النقدي عنده، وبالتالي تجاوز الناقد المقاربات السطحية للظاهرة المسرحية وصاغ تصور منهجي يحاصر الفعل المسرحي في أبعاده الشاملة والمختلفة.
حاول خالد أمين الانفلات من دوامة المناهج النقدية التقليدية الناهضة على تصور تبسيطي الذي أدى في "المراحل الأولى من تاريخ التجربة النقدية إلى انزلاق النقد المسرحي المغربي إلى التعميم الذي يعكس فقرا في الثقافة المسرحية".
اكتسب النقد المسرحي خصوصيته وملامحه في خطابات خالد أمين من خلال الارتباط بنظريات حداثية وما بعد حداثية، والانفتاح على التجربة المسرحية الغربية، والنزوع إلى ابتكار صيغة مسرحية جديدة منفتحة على ثقافات الفرجوية المختلفة والمتنوعة.
والجدير بالذكر أن "دينامية الحركة النقدية بالمغرب انسلخت عن ثوبها التقليدي لتعانق الحداثة النقدية"، وهكذا تشكلت الحركة النقدية عند خالد أمين على ثوابت أهمها:
- الانفتاح على مكونات الفعل المسرحي وفهم آليات اشتغاله ومكوناته وأنساقه الداخلية.
- الارتكاز على وعي قائم على معرفة عميقة بالاتجاهات المسرحية وخاصة النظرية البريختية، وارث ارطو وانفتاحه على الثقافات الفرجوية غير أوروبية، مما أدى إلى إثراء الحقل الاصطلاحي في كتاباته، بالإضافة إلى انفتاحه على مقولات نقاد ما بعد الاستعمار خاصة ادوارد سعيد، فرانز فانون، هومي بابا، غياتري سبيفاك وغيرهم.
- انتقاء مفاهيم وتصورات جديدة خاصة أطروحات النقد الثقافي وفلسفة الاختلاف، محاولا معالجة وضعية المسرح في ضوء الإشكالات الكبرى منها: الأنا والأخر، الاستعمار وما بعد الاستعمار، الشرق والغرب، الهجنة والأصل، وغير ذلك من الأجهزة المفاهيمية التي تنم عن انفتاح الناقد على الاتجاهات المابعد حداثية والمابعد استعمارية، والإطلاع على ما أفرزته الثقافة الغربية من تصورات ومقولات.
إن الخطاب النقدي عند خالد أمين يتأسس على رؤية تحليلية تركيبية تروم الموضوعية، وتسعى إلى تفكيك وفهم الظواهر المسرحية عبر مستوياتها المختلفة والمتعددة النصية والمرجعية، وقد نتج عن انفتاحه على المناهج النقدية والنظريات المختلفة:
أولا: محاولة صوغ منهج يراعي خصوصية المسرح العربي والمغربي، مما أدى إلى الارتقاء بالعملية النقدية من التلخيص إلى التفكيك والتقويض.
ثانيا: مساءلة المسرح الغربي من جهة ومساءلة واقع المسرح العربي والمغربي من جهة أخرى.
وهكذا أرسى خالد أمين ممارسة نقدية واعية تقوم على التجديد وإماطة اللثام عن الخطاب المسرحي الغربي والمغربي، حيث قام الناقد بمحاسبة الأخر ومحاسبة الذات لأن المسؤولية لا تقع فقط على الأخر الغربي بل تقع كذلك على الذات.
وبالتالي يعد خطاب النقد الثقافي وممارسته منهجيا من الأمور المعلنة في مشروع خالد أمين، إذ يتيح هذا النشاط إمكانية تغيير زاوية النظر إلى المسرح من وصفه شكلا جماليا إلى اعتباره حادثة ثقافية وسياسية، وهكذا "فإن الخطاب المسرحي استطاع أن يمتلك مقومات الكتابة الناضجة من خلال الانفتاح على الاتجاهات والطرائق المنهجية الغربية من جهة، وعبر البحث المستمر عن ملامح الخصوصية المحلية من جهة أخرى".
انفتح الناقد على نظريات عديدة خاصة اتجاه النقد الثقافي الذي يذهب إلى أبعد مما ذهبت إليه البنيوية حين نظرت إلى النص من الداخل وركزت على وحداته وأنساقه الداخلية، منصرفة عن باقي الجوانب الأخرى التي شكلت بنية النص، لذلك حاولت هذه النظريات توسيع أفاق النص الأدبي، كما استفاد من استراتيجية التفكيك وما تقدمه من مفاهيم في دراسة النصوص الأدبية، فالقراءة التفكيكية "تبحث عن اللبنة القلقة غير المستقرة، تحركها حتى ينهار البنيان من أساسه ويعاد تركيبه من جديد، وفي كل عملية هدم وبناء يتغير مركز النص، وتكتسب العناصر المقهورة أهمية جديدة، يحددها أفق القارىء الجديد، وهكذا يصبح ما هو هامشي مركزيا، وما هو غير جوهري جوهريا".
كما أتاح له هذا الاتجاه خلخلة جملة من الوثوقيات التي روج لها الفكر الغربي في سبيل إضفاء طابع الكونية على تقاليده الفرجوية، واحتواء وإقبار ما عداه من الثقافات الفرجوية الأخرى، حيث نجد أن كتاباته ظلت وفية لنفس الخلفيات الفكرية والمعرفية التي تشربها الناقد خاصة النقد الثقافي والمفاهيم التي تشتغل تحت مظلته: ما بعد الاستعمار، الاستشراق، مفهوم الهجنة، المركزية الغربية، التابع، ما بعد الحداثة وغيرها من المفاهيم التي تنسجم وطبيعة المناهج النقدية والنظريات التي يتوسل بها الباحث في قراءة المنجز المسرحي.
إن هذا المنظور الذي ينطلق منه الناقد كشف عن زيف الفرضيات الاستعمارية المتمركزة فنيا حول ذاتها، عبر والوعي الشديد بالسياق الثقافي المحلي في تكوين التفكير، وفهم النصوص الإبداعية، وفي ذلك إعادة الاعتبار للذات المحلية التي شيئت، ونظر إليها كذات لا فنية، وإعادة النظر في المركزية المسرحية الغربية الرافضة لفكرة الاختلاف الفني.
وبالتالي قام خالد أمين بتفكيك أسطورة الأصل من خلال العودة إلى الثقافات الفرجوية العربية الإسلامية من قبيل: طقس التعزية، خيال الظل...، والتقاليد الفرجوية المغربية: الحلقة، البساط، سلطان الطلبة...، وهي أشكال قام الآخر الغربي بحجبها وطمسها وإخراس صوتها، بفعل لقاء الذات العربية بالآخر الغربي، والانسياق وراء المؤثر الغربي، وهو انسياق فرض بالقوة لاسيما عندما تعثرت عمليات التحديث في مجتمعاتنا العربية الحديثة.
وفي ظل هيمنة النموذج الغربي نزعت العديد من التجارب المسرحية العربية نحو تأصيل الممارسة المسرحية من خلال ربطها بجذورها التراثية، وانفتاحها على الظواهر والأشكال الفرجوية التي يزخر بها المجتمع العربي مثل: السامر والحكواتي والمداح وخيال الظل... وغير ذلك من الأشكال الفرجوية، وفي هذا الصدد كشف خالد أمين عن واقع المسرح المغربي الذي يتأرجح بين الأنا والآخر، الشرق والغرب، المستعمر والمستعمر، وموزع بين موقفين: موقف يستلهم من الجماليات الفرجوية التراثية ويرفض كل ما يمت للآخر بصلة، وموقف آخر يسعى إلى تبني النموذج المسرحي الوافد من الغرب، في حين طرح الناقد مفهوم الهجنة للمصالحة مع وجدان الفرجة المغربية، انطلاقا من الحوار الإيجابي بين الأنا والآخر، الداخل والخارج، المستعمر والمستعمر، لأن تحديث الفرجة المغربية لا يمكن أن يتحقق في فعل الانغلاق والانطواء على التراث، واستحضاره بوصفه نموذجا مقاوما ومضادا للنموذج المسرحي الغربي، ولا في تبني الممارسة المسرحية الغربية وإعادة إنتاج فكرة الأصل، بل عن طريق إنتاج مسرح يقوم على أساس الهجنة من خلال الاستلهام الجماليات الفرجوية التراثية من جهة، والاستفادة من النماذج المسرحية الغربية من جهة أخرى لإنتاج نموذج جديد يحمل البصمة المحلية ويسمح بالتفاوض مع الآخر المستعمر.
إن تحديث الفرجة المغربية من منظور الناقد لا يمكن أن يتحقق في فعل الانغلاق والانطواء على التراث، واستحضاره بوصفه نموذجا مقاوما ومضادا للنموذج المسرحي الغربي، ولا في تبني الممارسة المسرحية الغربية وإعادة إنتاج فكرة الأصل، إن التحديث لا يمكن أن يتم دوما عن طريق اجترار أساليب جاهزة سبق التعامل معها تنظيرا وممارسة، بل عن طريق إنتاج مسرح يقوم على أساس الهجنة من خلال الاستلهام الجماليات الفرجوية التراثية من جهة، والاستفادة من النماذج المسرحية الغربية من جهة أخرى لإنتاج نموذج جديد يحمل البصمة المحلية ويسمح بالتفاوض مع الآخر المستعمر.
طرح الناقد مفهوم الهجنة للمصالحة مع وجدان الفرجة المغربية، انطلاقا من الحوار الإيجابي بين الأنا والآخر، الداخل والخارج، المستعمر والمستعمر، لذا يدعو خالد أمين إلى عدم الارتكاز على ثقافة ماضوية، ولا الانكفاء، لأن إنكار الثقافة الغربية لا يشكل بحد ذاته ثقافة، والرقص المسعور حول التراث المفقود، كما يذكرنا المفكر المغربي (عبد الله العروي) لن يجعله ينبعث من رماده فالمطلوب أن نتواجد وأن يكون لنا حضور كوني، ولا ينبغي أن نكتفي بذلك، بل علينا أن نصحح السرد الأحادي الذي ابتدعه الغرب، وأراده أن يكون سردا كونيا لصالحه، ولكل الأزمنة.
لهذا أضحى المسرح يتأرجح بين الأنية والغيرية والهوية والاختلاف، وفي الحد "الفاصل بين السردين: السرد الغربي والسرد المحلي/ السرد العربي الاسلامي، هكذا تسوق المسرح المغربي مع شرط الهجنة"، حيث يؤكد خالد أمين على ضرورة التهجين بين الفكر الأوروبي والذات العربية، والتحرر من الفكر الماضوي السكوني واستقبال الآخر بروح التكامل.
استطاع خالد أمين أن يستفيد من أطروحات النقد الثقافي ونظرية ما بعد الاستعمار في تحليله للظاهرة المسرحية، كما استمد مفاهيمه ومقولاته من أطروحات النقاد ما بعد الاستعمار ولعل أبرزهم ادوارد سعيد، فرانز فانون، هومي بابا، غياتر سبيفاك...، وهذه الخاصية تميز جميع كتابات خالد أمين النقدية، أي قدرته على التركيب بين مناهج ومفاهيم واطروحات متنوعة ومتعددة، التي أسعفته في الكشف عن الأنساق المضمرة التي تحكمت في العلاقة بين الشرق والغرب، الأنا والآخر، المستعمر والمستعمر، الداخل والخارج.

المراجع:
- حسن المنيعي، النقد المسرحي العربي (إطلالة على بدايته وتطوره)، المركز الدولي لدراسات الفرجة، ط.1،2011.
- حسن يوسفي، المسرح والانثربوولجيا، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، ط.1، نوفمبر،2002.
- حسن يوسفي، المسرح والفرجات، المركز الدولي لدراسات الفرجة، ط.1، اكتوبر، 2012.
- خالد أمين، مساحات الصمت غواية المابينية في المتخيل المسرحي، منشورات اتحاد كتاب العرب، ط.1، 2004.
- خالد أمين، "الفن المسرحي واسطورة الاصل"، منشورات الطوبريس، ط.1، 2002.
- خالد أمين، الفن المسرحي وأسطورة الأصل، منشورات الطوبريس، ط.1، 2002.
- خالد أمين يتحدث عن مساراته، مجلة مغرس، بيان اليوم نشر في بيان اليوم يوم 06 - 06 - 2011 .
- خالد امين، المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولى لدراسات الفرجة، ط.1، طنجة، 2011.
- عبد الرحمان بن زيدان، خطاب التجريب في المسرح المغربي، مطبعة ساندي، ط.1، مكناس،1997.
- عبد العزيز حمودة ، المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998.
- محمد محبوب، المسرح المغربي اسئلة ورهانات، ط.1، 2011.
- عبد الكبير لخطيبي، النقد المزدوج، منشورات الجمل، ط.1، بيروت، 2009.
- هومي بابا، "موقع الثقافة"، ترجمة: ثائر ديب، ط.1، المركز الثقافي العربي، الدار بيضاء، 2006.

-----------------------------------------------
المصدر : الحوار المتمدن

الثلاثاء، 16 مايو، 2017

المسرح المغربي بين سؤال الخصوصية وإغراءات المسرح الغربي الطيب الصديقي نموذجا

مجلة الفنون المسرحية

المسرح المغربي بين سؤال الخصوصية وإغراءات المسرح الغربي الطيب الصديقي نموذجا

فاطمة اكنفر 


إن التحرر من الوصايا الفنية الغربية لتحقيق الاستقلال الفني وإعادة الاعتبار للذات العربية المهمشة وأشكالها الفرجوية المختلفة لا يعني استبدال المركزية الغربية بمركزية أخرى، بل يعني إعادة الاعتبار للذات العربية التي شيئت ونظر لها كذات لا فنية، عبر التعريف بالهوية الفنية خلافا لما سطره الفكر الغربي الرافض لفكرة الاختلاف الفني.
وفي هذا السياق يطرح الناقد خالد أمين مفهوم الهجنة بوصفه مفهوما مناوئا للهويات الصلبة التي تصنف نفسها نقيضا للآخر، وتقيم حواجز بينها وبين العوالم الأخرى، خاصة وأن "جميع الثقافات جزئيا بسبب (تجربة) الامبراطورية، منكمشة أحداهما في الأخريات، ليست بينهما ثقافة منفردة ونقية محض، بل كل مهجنة مولدة، متخالطة، متمايزة الى درجة فائقة، وغير واحدية".
ويرى الناقد أن المسرح العربي عامة والمغربي خاصة يتراوح بين الأنا والآخر، والشرق والغرب، والتقليد والحداثة، وهذا الأفق بالتحديد هو مصدر تموقع المسرح في فضاء ثالث بيني، فضاء ابستيمولوجي. حيث "يكشف نقل تقنيات الفرجة الشعبية الى البناية المسرحية عن مسار الهجنة كثورة مستمرة لأشكال يتم من خلالها قراءة النصوص وأزمنة التشكلات الثقافية المعاصرة، كما يرمز الى وضعية التردد والتشدر الثاوية في عمق الكتابة المسرحية المغربية ما بعد الاستعمارية".
وفي سياق تبني النموذج المسرحي الغربي لا تنتج الذات العربية النص ذاته، وإنما بالأحرى نصا شبيها ومختلفا في ذات الوقت عن النص الاستعماري، "كما تعتبر ديناميات تبني وفهم النموذج السائد تاثيرات ناتجة عن الكتابة المعكوسة داخل حدود الفضاء الثالث".
إن نقل تقنيات الفرجة الشعبية إلى البناية المسرحية الغربية يعبر عن مسار الهجنة كثورة مستمرة للأشكال المسرحية، التي يتم من خلالها إعادة صوغ أزمة التشكلات الفرجوية التراثية المعاصرة.
وبالتالي إن الذات العربية نجدها تفتقد إلى مركز ثابت رغم إصرارها المستمر على التشبث بالحضور، بالإضافة إلى تموقعها في فضاء تخومي بيني، يتراوح عموما بين الأنا والآخر، المستعمر والمستعمر، الداخل والخارج، وما الهوية إلا نموذج مثالي للأشكال الهاربة والمهاجرة والسريعة التحول وغير المستقرة على حال، والمسرح بدوره يعتبر من أكثر الفنون مقاومة لمنطق النقاء، فالهجنة إذن، هي حركة تبقي أسئلة الهوية والانتماء مفتوحة دوما على التفاوض. 
إن نظرية الهجنة من منظور هومي بابا تهدف إلى إعادة بناء الهوية الكولونيالية، ومساءلة المشروع الحداثي الذي عمل على إقصاء العديد من الثقافات التي أصبحت تعيش في الهوامش، وهذا الموقع الهجين تنتفي فيه الثنائيات الضدية وتتساوى فيه الرؤى والتصورات في إطار المشترك الانساني.
يمنح خالد أمين مفهوم الهجنة أهميته إذ ليس ثمة مسرح يكتفي كليا بذاته، فالمسرح الغربي بدوره يمتاز بالهجنة، بل هو في الحقيقة جنس هجنة بإمتياز. ولهذا فإن الكثير من المبدعين والمنظرين الغربيين اتجهوا نحو الشرق لخلق هذا اللقاء الثقافي والحضاري بين ثقافة غربية وأخرى شرقية، مثل أنطونان آرطو ، يوجينو باربا ، بريخت ، بيتر بروك، غروتوفسكي وغيرهم.
إن الثقافة بأبعادها الإنسانية الكوسموبولوتية بعيدا عن مركزية الهيمنة لثقافة ما، ستحقق طرفي المعادلة ثقافة تحافظ على خصوصيتها وفي ذات الوقت تزحف نحو الآخر، وسيؤدي هذا التكامل إلى تحقيق شمولية الوعي الإنساني، وهذا النزوع التكاملي هو الذي يعطي لخصوصية الهوية تمايزها، وفي ذات الوقت يمنح الفكر والفن هدفا إنسانيا شاملا. 
وبنفحات نقدية مستمدة من منطلقات منهجية وتأويلية جديدة في طليعتها النقد الثقافي وإستراتيجية التفكيك، يعيد الناقد النظر في مفهومي (الأصيل) و(الخالص) مستحضرا مفاهيم نقدية من قبيل الهجنة بوصفها خاصية في المسرح المابعد استعماري وموقعا نظريا ينفلت من الثنائيات الموهومة: الشرق والغرب، الذات والآخر، السيد والعبد، والداخل والخارج. 
لهذا أضحى المسرح يتأرجح بين الأنية والغيرية والهوية والاختلاف، وفي الحد "الفاصل بين السردين: السرد الغربي والسرد المحلي/ السرد العربي الاسلامي، هكذا تسوق المسرح المغربي مع شرط الهجنة"، حيث يؤكد خالد أمين على ضرورة التهجين بين الفكر الأوروبي والذات العربية، والتحرر من الفكر الماضوي السكوني واستقبال الآخر بروح التكامل. 
يتميز المسرح المغربي الما بعد استعماري بنزوع عام نحو توسيط تقاليد فرجوية تنتمي للشرق وللأخر. فالمسرح المغربي راهنا هو مسرح الهجنة بامتياز، فهو متموضع بين "سردين وان كان ينحو نحو اثبات سرد ثالث داخل تخوم البينية. لم يعد هذا المسرح تقليدا للمسرح الغربي و لا شكلا ما قبل مسرحيا، وانما هو تقليد مختلف ومتسم بالهجنة ومؤسس على نقل كل ما يستعمل قصد تمثله بما هو شكل ما قبل مسرحي الى البناية المسرحية".
إن الهجنة المسرحية وفق منظور ما بعد استعماري تحاول خلخلة ثقافة المركز عبر طرحها لمجموعة من التساؤلات المثيرة، وعبر نزع صفة النقاء الثقافي الذي فرضته الهيمنة الاستعمارية، فحدث تقاطع بين تصورين أو مشروعين أو ثقافتين كل ذلك أدى إلى ميلاد فضاء جديد سمي بفضاء الهجنة حيث تتعايش أو تتصارع ثقافة المركز وثقافة الهامش.
إن النص المسرحي الما بعد كولونيالي هو نص هجين، أي أنه يتضمن علاقة جدلية بين العناصر الثقافية للدول المستعمرة، وبين العناصر الثقافية للدول المستعمرة، من خلال استلهام النماذج الأوروبية وصهرها في بوثقة الثقافة المسرحية المحلية لإنتاج شيء جديد ومختلف يسمح بالتفاوض مع الاخر المستعمر، وبالتالي عمل المسرح الما بعد استعماري على "ابداع فضاء ثالث داخل ثبوتية وانغلاقية البناية الايطالية، ولقد مارس هذا الأفق الثالث تاثيره على الكتابة الدرامية التي أضحت كتابة هجنة تبرز الشفهية والأدبية في آن واحد".
يدعو خالد أمين إذن، إلى ضرورة التهجين والتفاعل بين الفكر المسرحي الغربي والهوية الذاتية، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بالخصوصية العربية. ويتم ذلك من خلال التزام (النقد المزدوج) أي نقد المفاهيم الغربية المهيمنة وفي ذات الوقت الاختلاف معها، وأيضا نقد الهوية الذاتية (الأصيلة). 
إن نقد المشروع الثقافي الغربي لا ينبغي أن يولد انكفاء الذات أو ما يصطلح عليه بالتمركز المعكوس، لأن مواجهة تحديات العصر لا تعالج بالرجوع إلى الوراء. ولذلك انفتح رواد المسرح المغربي على إنجازات المسرح الغربي، ومزجوا في مسرحهم بين العمق التراثي المشكل للهوية، وأحدث التقنيات الجمالية الوافدة.
لإبراز مفهوم البينية يعود خالد أمين إلى أعمال المسرحي المغربي الطيب الصديقي بوصفه نموذجا للتلاقح بين الأنا والآخر، الشرق والغرب، الشمال والجنوب، من خلال صهر النماذج المسرحية الغربية في الممارسات المسرحية المحلية لإنتاج شيء جديد ومختلف. الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن الكيفية التي مثل بها الطيب الصديقي مسرح الهجنة؟ وإلى أي حد ساهم في تقويض الثنائيات الضدية في المسرح المغربي الما بعد استعماري ؟ 
يحتل الطيب الصديقي مكانة خاصة في صناعة الفرجة، وذلك بسبب تخصصه في تأثيث زمن العرض بمهارات فنية على مستوى التمثيل واللباس والعرض والإخراج، من خلال استلهام التقنيات الفنية من التراث من جهة، واقتباس التجارب المسرحية العالمية من جهة أخرى.
شكلت أعمال الطيب الصديقي من منظور خالد أمين مثالا حيا للهجنة بين "الشرق والغرب بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمة، بين الفرجة الشعبية المفتوحة والبناية المسرحية المنغلقة على ذاتها"، حيث تمثل تجربة الصديقي طفرة نوعية في مسار المسرح المغربي، فنقل "تقنيات الفرجة الشعبية الى البناية المسرحية يعبر عن مسار الهجنة كثورة مستمرة لاشكال مسرحية يتم من خلالها اعادة صوغ ازمنة التشكيلات الفرجوية التراثية/ المعاصرة، كما يرمز الى وضعية المابينية الثاوية في عمق الممارسة المسرحية المغربية الراهنة".
لا تخلو أعمال الطيب الصديقي من عناصر التجريب، من خلال الانفتاح على فضاء التراث المغربي من جهة، واستثمار النصوص المسرحية الغربية وتقديمها للمتلقي المغربي من جهة أخرى، وهذه الصدارة لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة التراكم المعرفي، والإحاطة بأسرار الفضاء وبخبايا مؤهلات الممثل وبخصوصيات جغرافية الفضاء المسرحي، فـــ"اثار جدلا مسرحيا بين المثقفين المغاربة-من جهة- حيث نرى بعض الفرق تعارض معارضة شديدة الشكل المسرحي الذي يوظفه - فنيا- لخدمة مضمون المسرحية المقدمة، ونرى فرقا قد تبنت افكاره، وطرق عمله في عروضها فهو الذي طور المسرح الاحتفالي، واثر عمله في تقديم العرض، والتمثيل، والتجربة، والبحث في العمل المختبري على قواعد فنية نابعة من صميم الضرورة الموضوعية الراهنة للحياة التي نحياها... ومن هنا كانت اصالة التزامها وشموليتها الفكرية، بل وقيمتها العلمية". 
إن المتتبع لمسيرة الطيب الصديقي يلمس حضور السرد التراثي المحلي من جهة، ويلاحظ قدرته الفائقة على التواصل مع التقاليد المسرحية الغربية من جهة أخرى، كما تكمن أهميته في تحديث الخطاب المسرحي المغربي، وتأسيس كتابة درامية جديدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الأنا والآخر، والشرق والغرب. ويتجلى ذلك في مسرحيته الموسومة (ديوان سيدي عبد الله المجدوب) التي تشكل لحظة انبعاث المشروع التأصيلي في مغرب ما بعد الاستعمار. حيث "نقل الصديقي الحلقة باعتبارها فضاء جغرافيا وثقافيا وجماليا الى البناية المسرحية باعتبارها فضاء للاخر الغربي المزروعة في المغرب من حيث انها مؤسسة استعمارية يحيلنا انفتاحها الى تشكيلة الهجنة من خلال انعكاسها الذاتي الملح بما هو الية مرآوية الفرجة ذاتها عبر مصوغ التقعير".
لعل ما يميز الطيب الصديقي في الجانب التأصيلي هو جرأته في التمرد على التقليد الفني الغربي، عبر تقديم عروض مسرحية في ساحات عمومية، وفي حدائق كبرى بغية وصل الممارسة المسرحية بالحياة اليومية، حتى يصير الفن المسرحي شيئا مألوفا عند الناس، ومن هنا جاءت فكرة تسمية فرقته بــ (مسرح الناس)، حيث يرى خالد أمين أن هذا الانفتاح يحيلنا على الهجنة من خلال "انعكاس المسرحية على ذاتها وذلك عبر إبراز آليات صناعة الفرجة المرآوية. وهي متموضعة في ساحة جامع الفنا باعتبارها موضعا مفتوحا للفرجوية وفضاء للهجنة بامتياز".
لقد دشن الطيب الصديقي هذا التطور في مسرحيته (ديوان سيدي عبد الرحمان المجدوب)، فأسس خطابا جماليا كان له أثر عميق على تطور عملية التنظير المسرحي فيما بعد، كما شكلت هذه المسرحية من منظور خالد أمين طفرة نوعية تعكس "زمن توهج المسرح المغربي، ولكنها ايضا النص المرجعي الذي لا يزال يمارس سلطة رمزية على جل النصوص والابداعات اللاحقة التي تعاملت بشكل او باخر مع التراث الفرجوي المغربي". 
لقد اخترق الصديقي آفاق التراث وفق اقتناع فني أساسه مسرح عربي الصيغة وعالمي الأبعاد، فقدم بذلك مجموعة من الأعمال المسرحية التي تستلهم الأشكال التراثية الشعبية في نوع من المصالحة الفنية مع بعض الإتجاهات المسرحية الغربية ذات التوجه الغربي، وبالتالي أبرز الصديقي قدرته الإبداعية الكفيلة بتطويع الأشكال الشعبية لخدمة العرض المسرحي، وخلق فعله المسرحي الذي أصبح معه معلمة المسرح المغربي، بوصفه أحد المخرجين القلائل الذين منحوا للفرجة المسرحية طقوسيتها المغربية والعربية بتقنيات غربية، حيث يعتبره حسن لمنيعي "اول من فتح اعيننا على فرجات متنوعة، ودفعنا الى مسايرة تجاربه التي تستفيد من تقنيات الغرب، واشكاله الدرامية، وتوظف عناصر التراث في نفس الوقت، كالحلقة، والبساط وغيرها".
إلى جانب الطيب الصديقي هناك العديد من المسرحيين المغاربة من أمثال: أحمد الطيب لعلج، عبد السلام الشريبي، عبد الرحمان كاكي، عبد القادر علوة، عز الدين المدني، نهلوا من معين الذاكرة الفرجوية الشعبية: "ذاكرة جامع الفنا، باب بوجلود، القريعة...، من حيث هي فضاءات لعبية، فرجوية، تقليدية، شفهية".
تمكن الطيب الصديقي من تطويع التراث الشعبي للفرجة المسرحية، اعتمادا على تقنيات المسرح الحديث، مسرحة، واخراجا، وتمثيلا، وعرضا، وفتح أفقا رحبا لتأسيس الاختلاف انطلاقا من التفاعل الإيجابي مع التراث من جهة، والانفتاح على التقنيات الدرامية الغربية من جهة اخرى، وأسس بذلك فضاء منتجا يخلق صيرورة تهجين دائم ومستمر، وانفلت من الثنائيات المتعارضة الانا والاخر، الشرق والغرب، الشمال والجنوب، الهوية والاختلاف، الانية والغيرية، عبر امتصاص النماذج المسرحية الغربية ودمجها وفق مقتضيات الثقافة المحلية لإنتاج شيء جديد ومختلف يحمل بصمات الثقافة الأصلية.

- إدوارد سعيد، الثقافة والامبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1997.
- حسن لمنيعي، المسرح المغربي من التاسيس الى صناعة الفرجة، دار الامان للنشر والتوزيع، ط.2، 2002. 
- خالد أمين، مساحات الصمت غواية المابينية في المتخيل المسرحي، منشورات اتحاد كتاب العرب، ط.1، 2004. 
- خالد أمين، "الفن المسرحي واسطورة الاصل"، منشورات الطوبريس، ط.1، 2002.
- خالد امين، المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولى لدراسات الفرجة، ط.1، طنجة، 2011.
- عبد الرحمان بن زيدان، خطاب التجريب في المسرح المغربي، مطبعة ساندي، ط.1، مكناس،1997.
عبد الرحمن بن زيدان، أسئلة المسرح العربي، دار الثقافة، ط.1، 1987.
- عبد الكبير لخطيبي، النقد المزدوج، منشورات الجمل، ط.1، بيروت، 2009.
- ديوان الطيب الصديقي، "ديوان سيدي عبد الرحمن المجدوب"، دار ستوكي للنشر، الرباط، 1997.
- هومي بابا، "موقع الثقافة"، ترجمة: ثائر ديب، ط.1، المركز الثقافي العربي، الدار بيضاء، 2006.

الجمعة، 12 مايو، 2017

الميتانقد والنقد: أي علاقة وأي منظور؟

مجلة الفنون المسرحية

الميتانقد والنقد: أي علاقة وأي منظور؟


التفكيرُ في النقد (أعني النقد الأدبي بشكل خاص) وتأمل الخطاب الذي ينتجه، لا يقل أهمية ًعن كتابة النقد نفسه، بل قد يكون هذان الأوّلان أوجب من الثاني، وألزم، لاسيما في وقتنا الراهن، حيث الانتشار الكبير لفوضى المصطلح والعبث باستخدامه، وتجــــرؤ الناس على النقد واستسهالهم الخوض فيه بارتجال وقلة معرفة لا تخفيها لعبة الاحتماء بالإبهام والغموض، ومحاولة إرهاب القارئ عن طريق استدعاء أسماء منظّرين معينين والاستشهاد بهم وبمؤلفاتهم بمناسبة وبدونها. 
يستوجب التفكيرَ في النقد أيضاً سوءُ الفهم هذا الذي تتعرض له النظريات، وعدم الاحترام لها ولمبادئها، والتطاول على منزلتها، والاستخفاف بدورها من قبل كثيرين من كتّاب المقال النقدي اليوم. المشكلة أن بعض هؤلاء السادة أكاديميون مختصون لهم، في كتبهم المنشورة، فتاوى نقدية ونظريات سردية، أسبغ عليها المحبون لهم والتابعون قدسيةً كبيرة، حوّلتهم برضا منهم أو بدونه، إلى سلطة معرفية يُخشى مخالفتها وقد لا تحمد عواقب إزعاجها والتحرش بها. 
لا شك أن نقاداً في هذا المستوى يدركون الفرق بين السؤال عن النص ومساءلته، والكلام فيه والكلام عنه والحفر حوله والحفر داخله. كما أنهم يعون أهمية التفكير العلمي في الممارسة النقدية، على صعيد المقال أو الكتاب، ويعرفون أن الاحتكام إلى الحماسة والذوق والانطباع، والانسياق وراء المشاعر يعيد النقد إلى مرحلة قديمة كان المزاج فيها هو المعيار بالحكم على النصوص. مع ذلك لا يتردد قسم من هؤلاء الأساتذة المحترمين عن كتابة مقالات نقدية عجولة فيها تبسيط مضر لمفهوم النقد عموماً، واستسهال لكتابة المادة النقدية، وتسودها جملٌ مكررة وعبارات مبتورة وأفكار مبتسرة لم تتم مراجعتها بشكل كاف، ورؤى مضطربة مشوشة وتائهة لا يُعرف بالتحديد مقصدها ولا معناها، ناهيك عن الكرم الزائد في وهب المديح لأعمال فنية بلا قيمة أدبية عالية. كل هذا وغيره يحدث بشكل روتيني ولا يحرك أحدٌ ساكناً، لكأنَّ من الطبيعي أن يتحول كاتب النقد المتخصص إلى عارض حال (كما نقول في العراق) يكتب مقالات ركيكة، يعفي نفسه فيها من اتباع منهج علمي مبرر، ويستسلم للاسترسال بالكلام عن النص الأدبي بحسٍّ وصفي يليق بصحافي مبتدئ، أو معلق أدبي قليل الخبرة.
لا بد من الإشارة إلى أن النقد المطلوب منه التروي وتأمل خطابه والتفكر فيه هو النقد العلمي الخاضع للنظرية الأدبية، والمتقيد بقوانينها والذي يكتبه المتخصصون سواء كانوا من الجامعة أم من خارجها. أما التعليقات والمتابعات التي ينشرها الصحافيون الأدبيون، أو كتابات الروائيين عن بعضهم، فإنها غير مشمولة بكلامي، إذ لا يفترض في نوع كهذا من منشورات، الالتزام بنظرية أو الخضوع لقانون، لذا فهي، من هذا الباب، خارج اهتمام النقد العلمي. لا أعني بهذا الأخير النقد الذي نشأ على يد هيربرت سبنسر في فرنسا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي الحركة التي أرادت من النقد الاّ يكون جنساً أدبياً، بل أن يصبح علماً وضعياً يبحث عن حقائق، ويتجرد من الروح، كي يجاري العلوم الطبيعة التجريبية، يتمثل مناهجها وينهل من مبادئ نظرية التطور وعلم النفس الفيسيولوجي والتجريبي. النقد العلمي المقصود بكلامي هنا هو المنبثق عن نظرية الأدب التي تبنت دراسة هذا الأخير، على أساس كونه ظاهرة ثقافية لغوية استطيقية يمكن تحليلها بالاستناد إلى تفكير نظري. 
تقع منطقة مراجعة المكتوب النقدي ضمن ما يعرف بالميتانقد، أو بنقد النقد، لا بحسب معناه الكانتي طبعاً، بل وفق بعده المعرفي العام الذي يشير إلى توجه الفكر النقدي نحو تأمل خطابه، والتفكير بنفسه وأدوات اشتغاله المعرفية وفرضياته الأساسية. في هذه الحالة، توضع الممارسة النقدية بحد ذاتها ومباني النقد نفسها، لا مباني النصوص الإبداعية موضع تساؤل وفحص ومراجعة ونقاش. بعبارة أخرى أكثر وضوحاً ودقة: الميتانقد ميدان علمي بحثي، لا أهمية كبيرة للقول بتبعيته لنظرية الأدب أو استقلاله عنها، لأنه بها أو بدونها يتحمل مسؤولية تنظيم المفاهيم وتحديد الأطر الخاصة بالكتابة النقدية، وفحص سلامة مبادئها النظرية، ومراجعة أدواتها التحليلية وتقييم إجراءاتها التفسيرية والتأويلية. على أساس هذا الوصف المختصر، من الممكن أن يتحدد واحد من معاني الميتا، التي تسبق كلمة نقد في مقالي الحاضر، وهو معنى اعتمد به على رومان ياكوبسون ورولان بارت، كما سأبين. 
في مخططه التواصلي، يستخدم العالم الروسي السابقة «ميتا» التي يضعها أمام كلمة «لغوي» فتصبح «ميتالغوي»، للإشارة إلى خطاب ثان يعلِّق على خطاب سبقه، وذلك لشرحه وتوضيحه باستخدام المرموزات اللغوية ذاتها التي ينشأ منها الخطاب الأول. يعني هذا أن الرسالة اللغوية التي يصعب على المستقبِل لها فهمُها، جزءاً أو كُلاً، يعاد شرحها بعناصر ليست غريبة عن طبيعة مكونات الإرسال الأصلي. سيتحدث رولان بارت عن فكرة مماثلة لهذه الأخيرة، في إحدى مقالات كتابه «دراسات نقدية»، لكن كلامه سيكون لتعريف النقد وليس الميتانقد. مع ذلك فإن هذا التعريف مفيد لنا في محاولتنا التقرب أكثر من مفهوم نقد النقد. يقول رولان بارت بأن النقد «خطاب على خطاب» ثم يعود ليصفه مرة أخرى بكونه «ميتالغة»، أي أنه تعليق على اللغة الأدبية للنص الإبداعي بلغة غير مفارقة، تستخدم العناصر ذاتها التي تنتج عنها شيفراتُ النص الأدبي. 
يهمني من هذا الوصف والذي سبقه أمر واحد، هو أن «ميتا»، في عرف ياكوبسون كما رولان بارت، تتضمن معنى المراجعة وإعادة النظر، والتعليق عن طريق توظيف أدوات وآليات إجرائية من جنس الخطاب الأول نفسه. أضيف إلى المعاني السابقة مفهومَ المراقبة لغرض التصويب والتعديل، وهو معنى لا يمكن نكران وجوده في البادئة «ميتا»، حسب ما يسنده إليها من إحالات، في الأقل. بحسب ما تقدم، يكون الميتانقد قولاً على قول، ورأياً على رأي، الغاية منه المراجعة والتدقيق والتمحيص واختبار تطابق النظرية مع الإجراء العملي. تلتئم تحت هذا المفهوم العام والعريض للميتانقد كلُّ المراجعات التي عرفتها العلوم الإنسانية والمحضة. أذكر منها، على سبيل المثال ليس إلاّ، مراجعات أرسطو لأفلاطون وسارتر لهيغل وأدورنو وليوتار ودريدا، كل من جهته، لظاهرية هوسرل. في مجال النقد الأدبي، تندرج أسفل عنوان الميتانقد، من بين أمثلة أخرى كثيرة، اعتراضاتُ ومؤاخذات مارسيل بروست الكبيرة والجوهرية على منهجية سانت- بوف النقدية، وقراءات ميك بال لنظريات جيرار جونيت السردية، كما تنضوي تحت مسماه الدراسات الاستقبالية للمؤلفات النقدية على اختلاف مدارسها ومناهجها.
لا أجدني ميالاً كثيراً لتبني فكرة أن الميتانقد يتبع النقد ويحاكيه، كما قد يوحي بهذا المعنى الوصفُ الذي يمنحه ياكوبسون للبادئة «ميتا». ينبغي التأكيد، هنا، على أن هذه الأخيرة تحمل، عند بارت أيضاً، معنى التبعية. إن الإقرار بهذه الفكرة (أي تبعية الميتانقد للنقد) سيؤدي إلى عدِّ النقد نصاً أعلى، والميتانقد نصاً أسفل، وبالتالي تتحول العلاقة بين الاثنين إلى مجرد مواجهة معرفية يختزلها صراع بين قراءة سابقة وأخرى لاحقة. في هذه الحالة، سيتم إقصاء الخاصية الحوارية للخطاب الميتانقدي، وهي واحدة من أهم خواصه، التي لم ينتبه إليها دارسوه. ليس الميتانقد، بحسب فهمي البسيط، قراءة على قراءة، ولا تعليقاً على تعليق ولا معركة فكرية بين ناقد ومنظِّر يختلفان على معنى مصطلح ما، أو حدود نظرية معينة، أو طريقة تفسير ظاهرة سردية تجلت في مكتوب أدبي. الميتانقد، وهذا رأي خاص بي، رؤية علمية واعية أوسع بكثير من أن تكون مجرد ردِّ فعل على فعل، ولا أن تتلخص في عملية ملاحقة الناقد وتتبعٍ هفواته وإثارة الإشكالات بخصوص منهجيته ولغته ومراجعة آليات اشتغاله. إنه إضافة إلى شيء مما سبق، بنية مفتوحة غايتها الحوار وتنمية الحدود المعرفية بينها وبين الخطاب النقدي. هذه العلاقة الحوارية لا تلغي حقيقة أن الميتانقد يتفوق على النقد في نقطة مهمة وجوهرية، هي أن الأول تجسيد لمنهج والثاني تمثيل لنظرية والمنهج أوسع من النظرية وأشمل. إذا كان النقد عملاً إجرائياً تطبيقياً، فالميتانقد علم خالص محض والعمل، كما تقول قاعدة حوزوية أصولية، تابعٌ للعلم ومبنيٌ عليه يصح بصحته ويبطل ببطلانه. 
بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول مفهومه يبقى ثابتاً، في الحالين، أن هذا النوع من النشاط الذهني المتعِب والصعب لا يحظى بمكانة مناسبة في حياتنا الثقافية العربية الراهنة، بل لعله بلا حضور فعّال يذكّر به ويشير إليه. قد يعود السبب في هذا الإهمال إلى طبيعة مزاج المثقف العربي الذي يميل إلى المجاملة أحياناً وإيثار السلامة وراحة البال أحياناً أخرى، ناهيك عن استهانته بالمراجعة بشكل عام، إما من باب التعالي عليها، أو لأنه لا يرى فيها، أصلاً، ضرورة ولا فعلاً معرفياً جاداً ومكوِّناً محورياً من مكونات الابتكار والتجديد، ومنطلقاً جوهرياً لإثارة الإشكاليات وتفكيك الخطابات النقدية ودراستها وتجديد مصادرها. 
خلاصة ما أريد قوله هنا إن لتفعيل دور الميتانقد في حياتنا الثقافية وتواصل الكتابة فيه فوائد أهمها، تسليط الضوء على المشهد النقدي وضبط إيقاعه ودراسة اتجاهاته وكشف ميوله والتنظير له، وأقلها تمييز حسنه من رديئه، استناداً إلى مدى الاحترام لمبادئ النقد الجاد، المتقيد بمعايير الكتابة النقدية العلمية التي تهتدي بهدي النظرية الأدبية وتسير على مسارها. أليس في هذه الفوائد المتنوعة وغيرها، مما غفلت عنه، ما يوجب علينا الاهتمام بشكل أكبر بالميتانقد والتشجيع على ممارسته وتدريسه ودرسه والتعظيم من شأنه كما يفعل أصدقاؤنا الغربيون؟
كاتب من العراق
-----------------------------------------
المصدر : القدس العربي 

الأحد، 30 أبريل، 2017

بنية الصّراع المفتوح في مسرحية "جرصة"

الاثنين، 27 مارس، 2017

رؤية إيفو فان هوفا الجديدة لرائعة إبسن

مجلة الفنون المسرحية

رؤية إيفو فان هوفا الجديدة لرائعة إبسن

د. صبري حافظ

لا شك في أن المخرج البلجيكي إيفو فان هوفا يؤكد نفسه على الساحة المسرحية الدولية كأحد أكثر مخرجي المسرح المعاصر تميزًا وإبداعًا بلغته الإخراجية الفريدة، وتأويلاته الشيقة للنصوص المسرحية العريقة. فبعد أن شاهدت له إخراجه المدهش لمسرحية "الملعونون" المأخوذة عن فيلم فيسكونتي الشهير في مهرجان أفينيون المسرحي قبل أشهر، ها أنا أشاهد إخراجه الجديد لرائعة هنريك إبسن (1828 -1906) "هيدا جابلر" التي كتبها عام 1890، على خشبة المسرح القومي الإنكليزي، فتتأكد بها موهبته الإخراجية المتفردة، ولغته البصرية التي تستهدف التوجه إلى عقل المشاهد واستثارة تلقيه للعمل المسرحي بشكل عقلي ونقدي معا. تتيح له الاستمتاع بجماليات ما يرى، وكأننا بإزاء مخرج سينمائي يفكر في تشكيلات "كادراته" البصرية مشهديًا وحركيًا، وتأمل ما تنطوي عليه الأحداث أو الشخصيات من دلالات. أو كأننا بإزاء مخرج مسرحي يتفق مع جوهر منهج التغريب البريختي، ولكنه يحقق هدفه بطريقته المتميزة والمغايرة كلية لطريقة بريخت.

والواقع أن هنريك إبسن، أحد أهم كتاب المسرح، إن لم يكن أهمهم في القرن التاسع عشر؛ وأن إنتاجه المسرحي الثري يضعه جنبا إلى جنب مع كبار القامات المسرحية في العالم مثل شكسبير وراسين وتشيكوف. كما أن مسرحيته الشيقة "هيدا جابلر" واحدة من المسرحيات القليلة التي تحمل اسم امرأة، وتقدم دراسة شيقة وعميقة للمرأة، توشك أن تكمل اهتمامه بها، الذي صاغت ملامحه الأولى مسرحيته الشهيرة "بيت الدمية" وبطلتها "نورا هيلمر" التي ظلت أصداء إغلاقها للباب خلفها تدوي في أرجاء العصر الفيكتوري المتزمت، حتى تمخضت عن حركات تحرير المرأة المختلفة في الغرب. والواقع أن مسرحية "هيدا جابلر" أو بالأحرى بطلتها التي منحت المسرحية اسمها، لا تقل ثراء وتعقيدًا عن مسرحية "هاملت" وعن شخصيته المفتوحة على العديد من التأويلات. فقد تعددت تأويلاتها من اعتبارها ضحية لواقع لا يفهم المرأة، ولا يهتم بطموحاتها، أو دراسة في أوجاع مرحلة من مراحل التحول الاجتماعي الحرجة ووقعها على المرأة وعقابيلها، إلى إدانتها كلية كتجسيد حيّ لقوى الشر والدمار، أو كأفعوان خبيث ينفث سمومه في كل من حوله، ويموت بها أيضًا.

وهذا ما جعلها أحد أكثر المسرحيات إشكالية من حيث تأويلها، والتعرف على الدوافع الداخلية لسلوك بطلتها التدميري، التي توازي في تعقيداتها دوافع هاملت وسلوكه وتردده كما ذكرت. فإذا كان من اليسير التعاطف مع "نورا هيلمر" بطلة (بيت الدمية) لإيثارها سعادة أسرتها ونبلها، والنقمة على زوجها الفظ "تورفالد هيلمر" لأنانيته وتمركزه حول ذاته وضيق أفقه، وعدم وعيه بمدى تضحياتها الجمّة من أجله، فإن الأمر ليس بهذه البساطة في "هيدا جابلر". فقد كتب إبسن فيها عن حق واحدة من أكثر شخصيات المسرح النسائية إشكالية وتعقيدًا. وكشف فيها بشكل باكر عما استمرت الحركات النسوية في تكراره من بعده لعقود، وهو أن من العسير فهم شخصية المرأة عبر تبسيطات الرجال عنها؛ وأن الرجل هو آخر من يستطيع فهم المرأة، أو سبر أغوار أعماقها الدفينة. وهو الأمر الذي يتبلور في المسرحية أيضا عبر شخصياتها الرجالية الثلاثة حيث يساهم كل منهم بطريقته الخاصة في تعميق عزلة "هيدا"، وإحكام إغلاق الأفق أمامها.

ولذلك فقد شاقت تلك المسرحية الكثيرين، وأصبحت واحدة من مطامح الممثلات اللواتي تترسخ أقدامهن على خشبة المسرح، تماما كما أصبح هاملت أحد مطامح الممثلين الذين رسخوا أقدامهم على الخشبة، وأحد أبرز التحديات لهم في الوقت نفسه. وهو الأمر نفسه بالنسبة لعدد من كبار المخرجين المسرحيين في الغرب خاصة. وقبل الحديث عن تأويل إيفو فان هوفا الشيق والمبتكر معا لهذه المسرحية لا بد من عرض ملخص لها على القارئ، بالرغم من توفر أكثر من ترجمة لها في اللغة العربية. فـ "هيدا جابلر" كما تقول الكلمات الأولى في المسرحية هي ابنة جنرال ميت. أي أنها تنتمي لطبقة كانت في طريقها وقتها للموت، أي الطبقة الأرستقراطية التي عانت من صعود البرجوازية في القرن التاسع عشر. وقد وفرت لها حياتها الأرستقراطية كثيرًا من المميزات من ركوب الخيل إلى الاستمتاع بالحفلات والسهرات الاجتماعية الباذخة، إلى الحد الذي جعلها تدّع عنها كل من وقع في غرامها، أو حاول التقدم لخطوبتها. لكن موت الأب بعدما تجاوزت سنوات عشريناتها الأولى وضعها في مأزق الوعي بأن سنوات اللهو قد مضت، والقبول بمن يوفر لها حياة مستقرة بعد وفاته. وهذا ما دفعها للقبول بالزواج من "يورجين تيزمان" الذي كان آخر من وقع في غرامها، وهو جامعي نشيط، ونموذج لابن الطبقة الوسطى الذي يسعى عبر المعرفة للارتقاء والحصول على وظيفة في الجامعة عبر المزيد من البحث والكتابة. وقد سبقه في الوقوع في غرامها جامعي آخر هو "إيلرت لافبورج"، لكنها هددته بإطلاق النار عليه، فقد كانت منذ شبابها شغوفة باللعب بمسدسات أبيها. فهرب وغرق في دوامات إدمان السكر حتى دمرت الخمر حياته.

وتبدأ المسرحية بعودة تيزمان وزوجته من رحلة شهر العسل التي امتدت لستة أشهر، أمضاها أيضًا في البحث عن مزيد من المواد والمصادر التاريخية لكتابه القادم، الذي سيمكنه من التقدم للوظيفة الجديدة في الجامعة. ونعرف من زيارة عمته "جوليانا تيزمان" له في مفتتح المسرحية، أنه استدان منها الكثير كي يوفر لزوجته الحياة التي اعتادت عليها، بشراء منزل جدير بها في العاصمة برغم أنه يتجاوز إمكانياته، وتوفير رحلة شهر عسل طويلة لها، حاول أن يجعلها مفيدة لحياته العلمية أيضًا. وأن العمة قد أقنعت "بيرتا" خادمة أسرة "تيزمان"، والتي ربّت "يورجين" منذ أن كان طفلاً، بالعمل في بيت "يورجين" الجديد، بالرغم من ترفع "هيدا" عليها، وانتقادها الدائم لكل ما تقوم به. بل إن العمة نفسها لم تسلم من انتقاداتها وترفعها. لكن "يورجين" يطلب من "هيدا" أن تتلطف معها، ويؤكد لها أنه لم يستطيع أن يوفر لها الحياة الباذخة التي اعتادت عليها من دون مساعدتها، وأن من الضروري له أن يكمل كتابه الذي جمع مادته، وأن يحصل على الوظيفة الجديدة التي أعلنت عنها الجامعة، كي يوفر لها حياة مستقرة، وإن حذرها من أنها لن تكون كحياة الحفلات المتتالية التي اعتادت عليها في بيت أبيها.

هنا يظهر الحديث عن أن منافسه القديم في نفس المجال "إيلرت لافبورج"، والذي كان الجميع يعرفون أنه دمر حياته العملية بالإدمان على الشراب، قد نشر كتابًا جديدًا حظي بترحيب النقاد والجمهور على السواء. وأنه قد جاء إلى العاصمة بعدما فرغ من كتاب آخر يعتقد أنه سيكون أكثر أهمية ونجاحا من كتابه المنشور، مما يجعله منافسًا قويًا محتملاً على الوظيفة التي ينشدها "يورجين". وقد جاءت وراءه وللبحث عنه "تيا إلفيستيد"، التي نعرف أنها تركت زوجها من أجله، والتي تتخوف من أن يعود للشراب، بعدما ساعدته في التغلب على الإدمان، وتوجيه طاقته من جديد للبحث والكتابة. بعدما تدهورت به الأحوال إلى حد العمل معلمًا لأبناء زوج "تيا" الذي كان يكبرها بأكثر من عشرين عامًا، وتزوجها كي تربي أولاده. فوقعت في غرام "إيلرت لافبورج" فهو من عمرها؛ وساعدته على التخلص من الإدمان كلية، وعلى مواصلة أبحاثه، حتى انتهى بفضلها من كتابه الجديد الذي يعتقد أنه سيرد له الاعتبار على جميع المستويات. وحينما تأتي "تيا" لبيت "تيزمان" بحثًا عن "إيلرت" نعرف أنها كانت زميلة لـ"هيدا" في المدرسة، وأن "هيدا" كانت تستأسد عليها وتشد شعرها، وكانت دائمة الاعتداء عليها، وهو أمر تزعم "هيدا" أنها لا تتذكره، بل تعتقد أنهما كانا صديقتين. وتحكي لها "تيا" قصتها مع "إيلرت" وتخوفها من أن تعيده العاصمة للشراب، ومدى خطورة الأمر عليه كمدمن سابق. فيثير هذا الحب القوي المغيّر لحبيبها السابق غيرتها من زميلتها السابقة وتأثيرها البالغ عليه.

وحينما يظهر "إيلرت لافبورج" ومعه مخطوط كتابه الجديد الذي سيعزز مكانته ويرد له الاعتبار يبدأ التوتر الدرامي، لأنه سيكون منافسًا خطيرًا يهدد فرصة "يورجين" في الحصول على وظيفة الجامعة. ونعرف أن حبه الكبير الذي لم ينسه أبدًا، كان "هيدا"، وها هي تتمكن من جديد من التأثير عليه، بل تدفعه إلى الشرب من جديد، وتحدي "تيا" الذي يعتقد أن تخوفها من وقوعه في السكر يعبر عن فقدان الثقة في شفائه من دائه القديم. وتدفعه "هيدا" للذهاب مع "يورجين" والقاضي "براك" لحفل سيسيل فيه الشراب أنهارًا، ولن يستطيع له مقاومة. وهذا هو ما جرى بالفعل، فقد شرب حتى سكر تمامًا كما هي الحال مع كثير من الاسكندنافيين. وضيّع باستمراره في الشراب بعد انتهاء الحفل، والتجول بين حانة وأخرى، مخطوطة كتابه الجديد الذي عثر عليه "يورجين" وهو في طريق عودته لبيته؛ وكان قد استمع إلى قراءات منه أثناء الحفل، وتأكد من أهميته العلمية البالغة. وأخذت "هيدا" المخطوط منه، وحينما يظهر "إيلرت" من جديد وقد تعتعه السكر، ويخبرها بأنه مزق مخطوط كتابه الجديد، مع أنه ضيّعه؛ لا تخبره بأن زوجها وجده، بل تشجّعه على الانتحار الإرادي الجميل، وتعطيه أحد مسدسات أبيها. وعندما ينصرف تبدأ في حرق المخطوطة حتى آخرها في المدفأة.

ولما يعود زوجها تخبره بأنها حرقت المخطوطة، فيصعقه الخبر ويثور عليها لتدميرها عملاً بالغ الأهمية، لكنها تبرر فعلها بأنها قامت بذلك للحفاظ على مستقبلهما، وإزالة خطر تهديد "إيلرت" له في وظيفة الجامعة التي يحلم بها؛ مع أننا نعرف أن "إيلرت" كان قد أخبرها بأنه قرر ألا ينافس "يورجين" على تلك الوظيفة. فتهدأ ثورته وتتحول إلى امتنان واضح لأنها تحبه إلى هذا الحد، وهو الأمر الذي يثير تقززها، لأننا نعرف من حوار سابق لها مع القاضي "براك" الذي يطمح في أن يكون له مكان حميم في حياتها الجديدة، أنها لم تحبه قط، وتعاني من السأم، كما أن اهتماماته الأكاديمية تصيبها بالملل، وأنها قبلته زوجًا على مضض. عند ذلك يجيء نبأ موت "إيلرت"، فيثير كلاً من "تيا" و"يورجين" لبعث المخطوطة المفقودة، فيقررا العمل معًا على إعادة كتابتها من الأوراق والمسودات التي احتفظت بها، ويشرعا في التخطيط لهذا العمل معًا. وعندما يصل "براك" يخبر "هيدا" بأن "إيلرت" مات، لا في فعل انتحار إرادي جميل مثلما تخيلت، وإنما في ماخور وأثناء مشاجرة انفجر فيها المسدس خطأ وهو في جيبه. كما يخبرها بأنه يعرف مصدر المسدس، وأنه لو صرح بما يعرف فسوف يتحول الأمر إلى فضيحة تلوك سمعتها فيها الألسنة، وأنها أصبحت الآن في قبضته، يفعل بها ما يشاء من دون أن تستطيع له مقاومة. عندها تدرك "هيدا" أنها وقعت في شراك "براك"، الذي كانت تقاومه وتتلاعب به كما سبق لها أن تلاعبت بالآخرين، وأنها أصبحت الآن ألعوبة في قبضته، فيفزعها الأمر، وتتراجع إلى غرفتها وتطلق النار على نفسها.

هذه هي تفاصيل المسرحية التي يعتقد بعض النقاد أن سيجموند فرويد قد استلهم منها توصيفه الشهير للمرأة العصابية، في كتابه (أمراض الحياة اليومية النفسية) بعد أكثر من عشر سنوات من عرضها على المسرح. فهي بحق مسرحية غنية بالتأويلات، تستثير من يتعرض لها للتعرف على حقيقة دوافع "هيدا" الداخلية لما تقوم به، وعلى سر قدرتها في التأثير على من يحيطون بها في آن. فكيف كان تأويل إيفو فان هوفا الجديد لها؟ هذا هو ما يهمنا في هذه المقالة. لأن منهج هذا المخرج الموهوب هو ما يشد الانتباه ببساطته واقتصاد مفرداته وتركيزه، بقدر ما تجذب مسرحية إبسن الاهتمام بتعقيدات بطلتها وانفتاحها على أكثر من تأويل. لأن الستارة تنفتح فيه على مسرح شبه فارغ تقريبًا، مساحة كبيرة خالية، حسب تعبير بيتر بروك، يسيطر عليها كلية اللون الأبيض، ويغمرها ضوء النهار الساطع. (ستنتهي المسرحية بسيطرة الظلمة في مشهدها الأخير، وكأننا بإزاء دورة زمنية كاملة). صحيح أن فيها أثاثًا قليلاً وبيانو (سنكتشف أنه تمت تعريته، والكشف عما وراء واجهته الصقيلة عادة من أوتار) وعددًا كبيرًا من أصص الزرع وباقات الورود أمام الباب المفتوح على الضوء، إلا أن تجريد المشهد من كل شيء أو لون، وحوائطه العارية، إلا من تجويف (طاقة) فيها مسدسان، هو أهم ما يشد الانتباه.

وقد ذكرتني المسدسات المعلقة في واجهة المشهد بمقولة تشيخوف الشهيرة: إذا علقت بندقية على حائط المشهد الأول، ولم تنطلق قبل إسدال ستار المشهد الأخير، فلا بد من إزالتها. أي أهمية أن يكون كل شيء في المشهد المسرحي موظفًا، بل حتميًا. وهو الأمر الذي يكشف عنه تصميم هذا العرض المحكم. والواقع أن في حضور تلك المسدسات نوعًا من التأكيد على أن المسرحية كلها تدور في حضرة الموت الرازح، الذي ستذكرنا به الجملة الأولى فيها عن "هيدا" كابنة لجنرال ميت؛ لكن حضوره (أو بالأحرى حضور مسدساته) يتحكم في كل شيء منذ موته. بل إن إبسن نفسه أشار إلى أن اختياره لاسم المسرحية الذي احتفظ لبطلته فيه باسمها قبل الزواج يشير إلى أن "هيدا" ابنة أبيها، أكثر من كونها زوجة، لذلك فإنها لا تحمل اسم زوجها "هيدا تيزمان" كما تنص القواعد الغربية. لكن أهم ما يكشف عنه هذا المشهد بجماليات تقتيره البيضاء هو قدرته على فصل المسرحية عن أي مكان معين أو بيئة محددة، وجعل أحداثها تدور في أي مكان، وربما في أي زمان بالرغم من الملابس العصرية.

في هذا المشهد العاري، نجد "هيدا" مكومة على البيانو. وبدلاً من الملابس التاريخية، ملابس القرن التاسع عشر، التي تبدو فيها "هيدا" عادة وكأنها مدرعة وراء طبقات من المشدّات التي يمكن أن تحميها، أو تعبر عن قوتها وفق التأويل الإخراجي، نجدها في رداء أقرب إلى قميص النوم، وكأنها شبه عارية، أو في قميص داخلي، وإن كان يقوم أيضًا بدور فستان السهرة، في مشهد آخر. كما أنها تقوم بدورها بطريقة تعري لنا أيضا تذبذبها بين الترفع على ما حولها، بل اشمئزازها منه، وبين الحماس أو الاندفاع الأعمى للتدمير، كحماس الانتحاريين. هكذا يقدم العرض من البداية مفاتيح تلقيه، تعرية كل ما يدور في المسرحية، والتركيز على مدى قدرتها على إثارة الحوار العقلي مع ما يعيشه المشاهد الذي يعرضها المخرج عليه. حيث نجد أمامنا "هيدا" جديدة نسبيًا، ليست ضحية لتحولات المجتمع الذي لم يعد لابنة جنرال ميت مكانًا مرموقًا فيه، ولا لكونها امرأة غير قادرة على التأثير على الرجل وتغييره كلية كما فعلت "تيا"، التي كانت "هيدا" تسيطر عليها في المدرسة، ولكن لشعورها بالغربة بين أكاديميين ممتلئين ثقة في قيمة ما يفعلونه ويكتبونه. فـ "هيدا" غير قادرة على التخلص من زمن كانت فيه محط انتباه الجميع، والتأقلم مع وضع جديد انصرف فيه عنها الجميع، ويتوقعون منها القيام فيه بدور جديد، بل محدود. فهي تعرف حقيقة ما يدور حولها، وقيمة ما فعله عاشقها السابق، بعدما دمرت حياته ولكن "تيا" أنقذتها من جديد فأشعلت غيرتها؛ بل وقيمة ما يقوم به زوجها من أبحاث للحصول على الوظيفة الجامعية المرتجاة، لكنها غير قادرة على التأقلم مع وضع يهمشها، بل يحيلها في النهاية إلى فريسة في شبكة القاضي "براك". لذلك فإنها ترفض ذلك كله، وتوظف طاقتها في تدميره وتدمير ذاتها معًا.

وهكذا تكشف لنا "هيدا" من خلال هذا التأويل الإخراجي الجديد عن سر نزعة التدمير الذاتية وآليات حراكها المعقدة، والتي يبدو أنها تتفشى في جل أنحاء عالمنا المعاصر: من العالم العربي الذي يستشري فيه تدمير الذات، والإجهاز على أي أمل في التطور وبشكل وحشي، وحتى العالم الغربي الذي صوتت فيه أغلبية الشعب الانجليزي المهمش، وقد فقد الثقة في المؤسسة السياسية، ضد البقاء في الاتحاد الأوروبي، مع وعي الكثيرين في مستوى من المستويات، بأن هذا ليس في مصلحته، وأن من المستحيل إعادة عقارب الساعة للوراء، حينما كانت للكثير منهم أوضاع فقدوها، أو أن فيه نوعًا من تدمير الذات. ويمكن بنفس منطق نزعة تدمير الذات المراوغة تلك فهم ما جرى في الولايات المتحدة الأميركية، وانتخاب دونالد ترامب الرافض للمؤسسة المهيمنة كلية هو الآخر. والواقع أن كل تلك الظواهر التدميرية، سواء منها ما يدور في الشرق أو الغرب قد اعتمدت أيضًا، كما هو الحال في المسرحية، على الاستخفاف بالأكاديميين وآرائهم، وتسخيف تنبؤاتهم وتحذيراتهم، وعلى الرفض الكامل لمنطق العقل الذرائعي الذي ساد في الغرب خاصة.

-------------------------------------------
المصدر : الضفة الثالثة 

الجمعة، 10 مارس، 2017

العرض الجزائري "مايا" الوقوع في فخ الحلم

الأربعاء، 15 فبراير، 2017

العرض الإماراتي في المهرجان الخليجي المأزق العربي دائم في مسرحية «غصة عبور»

مجلة الفنون المسرحية

العرض الإماراتي في المهرجان الخليجي المأزق العربي دائم في مسرحية «غصة عبور» 

حشد المخرج محمد العامري ستة من خيرة الممثلين على الساحة المسرحية الإماراتية هم: إبراهيم سالم ومحمود أبو العباس وحميد سمبيج ورائد الدالاتي وبدور وأحمد أبو عراده، وضمن بذلك أن يقدم أداء تمثيلياً رائعاً على الخشبة في مسرحية «غصة عبور» من تأليف تغريد الداود، وإنتاج فرقة مسرح الشارقة الوطني، وعرضت مساء أمس الأول في قصر الثقافة في خامسة ليالي مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي في دورته الثانية.
في العرض يبدو أبطال المسرحية عالقين على ذلك الجسر، الذي يجتهد حارسه في إجلاء الناس عنه، مخافة أن يحتشدوا فوقه فينهار، لأنه الجسر الوحيد للعبور بين ضفتين، وكل المعابر والطرقات تؤدي إليه، ولكل من أولئك العالقين حكايته المرة التي تجعله عاجزاً عن العبور إلى الناحية التي يتجه إليها، أو العودة إلى الجهة التي جاء منها، فالشاب الذي اندفع فجأة على الجسر محاولاً العبور، رغم تحذيرات الحارس، يقف في نهاية الجسر غير قادر أن يتقدم، لأن أمامه ناراً ستحرقه، ولن يستطيع الرجوع لأنه فارّ من جحيم من القتل والدمار كان سيمزقه، أما المرأة الحامل التي حاولت الانتحار على الجسر، فهي فارة من زوجها الإرهابي الذي أغواها حتى هربت معه وتزوجته، فلا يمكنها أن تعود إليه، وتخشى من مقابلة أهلها، كذلك الرجل المسن القادم من بلاد الغربة التي امتهنته وأكلت عمره، قد حنّ إلى وطنه، لكنه لا يستطيع أن يعبر لأنه لن يجد أحداً في انتظاره، ولن يعود إلى الوراء بعد أن خاصمه أولاده وتركوه يذهب وحيداً، أما ذلك الشاب الذي يحمل جنسية أجنبية واسماً أجنبياً، فهو عائد إلى وطنه الأصلي وحارته التي تربى فيها، ليبحث عن ذاته واسمه الحقيقي وجنسيته التي فقد معناها عندما اضطر إلى الهرب من وطنه، لكي ينجو من سياط القمع والموت، بعد أن سجن وعذب وقطعت أصابع يده التي كتب بها أعذب الأشعار لوطنه، وها هو على الجسر لا يستطيع التقدم لأن نظام القمع والموت الذي فر منه ما زال هناك ينتظره.
إنها مآزق متشابهة، تجعل الجسر هو الملاذ الوحيد لكل أولئك الأشخاص، وتعطي للحارس فرصة استغلال ضعفهم وحاجتهم، فيدفع للشاب الأول مالاً ويعطيه سلاحاً لكي يعود إلى المكان الذي جاء منه، فيساهم في جحيم القتل، وعندما يعود للجسر يعود مضرجاً بالدماء، ويحاول الحارس أن يغري المرأة بالذهاب إلى مدينته حيث رجاله هناك سوف يدفعون لها المال ويفتحون لها فرصاً جديدة للحياة، ولئن كانت رصاصة الشاب التائه قد خلصتهم من ذلك الحارس الاستغلالي، فإن رجلاً أجنبياً استغلالياً سيظهر لهم من جديد، ليلعب على ضعفهم وحاجتهم، وسيظل الجسر يضطرب بهم، إنه مأزق لا مخرج منه. لا شك في أن العرض نجح في إيصال حالة المأزق التي تعيشها الشخصيات، وتأكيد وضع عربي متأزم، بإخراج فني متميز عرف به العامري، لكنّه منذ البداية كان واقعاً في مأزق درامي لا يمكنه التخلص منه، فهو يجمع بين أربع حكايات مستقلة لأربع شخصيات تنتهي كلها إلى مأزق لا يسمح بالتقدم أو التراجع، وهي حكايات واقعية، وقد فرض اجتماعها على العرض أن يسير أفقياً، ويفقدَ التصاعد العمودي المطلوب في النماذج الحكائية الدرامية، كما فرض عليه سمة السردية الباردة، فكل شخصية مضطرة إلى سرد حكايتها للحارس، لكي تفسر له المأزق الذي تعيشه، ولو أن حكايات الشخصيات كانت رمزية، لكان لذلك التعدد الحكائي مبرر، لأن الرمز قد يحتاج إلى تأكيد عبر التكرار لكي تتّضح دلالته، لكنها حكايات كلها واقعية، وكل واحدة منها تغني عن الأخريات، وكل واحدة منها قد تحتاج إلى ساعات وساعات من التمثيل لكي تتضح أعماقها وتتفتح مغاليقها، ألا تحتاج الصراعات الداخلية والحروب الطائفية إلى مسرحيات، وكذلك الإرهاب، والغربة، والدكتاتورية، لقد بدا العرض شبه متوقف بسبب تكرار حالات المأزق المتشابهة التي جعلت الشخصيات في حالة شكوى مستمرة لم تستطع أن تتجاوزها، فهي في حالة «غصة» دائمة.

رغم ذلك المأزق الدرامي فإن المخرج نجح في معالجته بإحكامه للّعبة الإخراجية سواء على مستوى السينوغرافيا التي كانت موظفة بشكل جيد، خصوصاً ذلك الجسر الدوار الذي هيأ للمشاهد أن يرى الممثلين في عدة وضعيات، وكسر الرتابة التي تنشأ من حالة السردية، كما أسهمت الإضاءة في إعطاء أجواء الخوف والترقب والقلق فوق الجسر، وأجواء الحرب والدم والظلام من حوله، ولم تتخلف المؤثرات الصوتية عن ذلك، لكنّ البطل الفعلي في كل ذلك المشهد كان أولئك الممثلين البارعين الذين أدوا أدوارهم باحتراف عالٍ وتناغم جميل، وكان محمود أبو العباس الذي مثل الحارس الدينامو المحرك، نظراً لأن العبء الأكبر كان عليه، فقام بالدور أحسن قيام، وكان بارعاً في الجمع بين الجد والهزل، وإثارة الضحك، وقد أدت كل تلك الإيجابيات إلى جعل العرض يمر سلساً، ويتفادى الملل.

---------------------------------------------
المصدر :محمد ولد محمد سالم -  الخليج

الاثنين، 13 فبراير، 2017

جلسة شهادات النقاد والمسرحيين لتجاربهم المسرحية فى مؤتمر المسرح بالمنوفية

مجلة الفنون المسرحية

جلسة شهادات النقاد والمسرحيين لتجاربهم المسرحية فى مؤتمر المسرح بالمنوفية

خلال جلسة شهادات النقاد والمسرحيين فى تجاربهم المسرحية بمؤتمر المسرح الأول بثقافة المنوفية " مسرح الأقاليم تاريخ وتحديات "والذي عقد أمس السبت 11فبراير2017 بنقابة المحامين برئاسة خالد راشد و بحضور الدكتور سيد خطاب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة والدكتور عواد أحمد على سكرتير عام مساعد بالمحافظة وأحمد درويش رئيس إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي والأستاذ صبري عبد الرحمن مدير عام ثقافة المنوفية ولفيف من القيادات التنفيذية والثقافية بالمنوفية، أوضح الدكتور محمد رفعت الناقد المسرحي أنه بدأ تجربته المسرحية بالمنوفية فى عام 1966 بحضور إحدى بروفات فريق مسرح كلية الآداب، فى مسرحية شقلبان إخراج يوسف النقيب وتأليف سعد حجاج وأسند إليّه دور "وائل" كأحد الأدوار الرئيسية والهامة في المسرحية.

مشيرا إلى أن يوسف النقيب من المخرجين الذين يصبغون أداء الممثل بجزء من ذاواتهم ولا يترك الممثل إلا وقد وصل إلى حد، وأكد الدكتور محمد الروبي الناقد المسرحي أن لمسرح الثقافة الجماهيرية أهمية وضرورة يزدادان بمرور الوقت؛ وفقا لتحديات تتعرض لها مصر الآن ومنذ سنوات طوال موضحا أنه علينا أيضا أن نعترف بأن بنية هذا المسرح "فكراً وتقنية" لابد أن يعاد النظر فيها من أجل أن تواكب مستجدات العصر، ولنسعى إلى عودة المؤتمر العلمي لمسرح الثقافة الجماهيرية الذي شهد دورتين ثم اغتاله بعض من يرون أن العلم يتناقض مع المسرح.

وأشار المخرج المسرحي الأستاذ طلعت الدمرداش أن المسرح اقتحم طفولته منذ الصغر وحبه وشغفه له فى الثامنة من عمره فى استخدام الدكك الخشبية والملاءات والألوان المائية مستعرضا مسيرته الشاقة والممتعة فى المسرح من مشاركته فى العديد من المسرحيات وحصوله على جوائز عديدة تقديرا لإعماله حيث حصل على جائزة أحسن ممثل ومخرج فى مسرحية الغول عام 1971 وأحسن مخرج فى مسرحيتى أغنية على الممر والغريب والعديد من الجوائز فنى مسيرته المسرحية واختتم المؤتمر بفقره فنية رائعة للفنانان أحمد اللولى وسيد جابر. 

----------------------------------------------
المصدر : أحمد رمضان متولي-  بوابة الفجر 

الأحد، 12 فبراير، 2017

الهيئة العربية للمسرح تنشر كتاب: “المفارقة في المسرح” لأثير الهاشمي

مجلة الفنون المسرحية


الهيئة العربية للمسرح تنشر كتاب: “المفارقة في المسرح” لأثير الهاشمي 

ضمن مطبوعات الهيئة العربية للمسرح، تم إصدار كتاب ” المفارقة في المسرح للناقد أقير الهاشمي ويتناول الكتاب مجموعة من النصوص بالدراسة والتحليل مقدمة الكتاب: إن المفارقة تقنية مهمة، أصبحت أسلوباً رئيساً في الأدب العالمي بشكل عام، والأدب العربي بشكل خاص، إذ إن ما تؤديه هذه التقنية من أساليب ترتفع بالنص وتطوّره كالابتعاد عن المباشرة اللغوية، أو تكثيف اللفظ لتعميق المعنى أو كسر الرتابة اللغوية (الموضوعية والفنية)، أو لاستعمال ما هو غير مألوف ومختلف، ومن ثم إن هذه الخصائص وغيرها من شأنها أن تكسر أفق انتظار المتلقي، وعلى هذا الأساس فإن المتلقي يبحث عما هو مشوّق دائماً، ولذلك أصبحت للمفارقة أهمية كبرى في مجال الدراسات الأدبية، ونظراً لـِما تشكله تقنية المفارقة من مميزات عديدة ومما تتطلبه من خصائص جمة، فإن المسرح يأتي أوّل الأجناس قبولاً وتناسباً لها ولأنواعها، لما يمثله من مميزات يمكن أن يتسع للمفارقة بكل تجلياتها، ومن ذلك نقول إن السبب وراء اختيارنا لهذا الموضوع هو عدة أسباب أهمها: إن المفارقة تقنية مهمة في المسرح كما هي في الأجناس الأخر. إن المفارقة في الأدب المسرحي العراقي المعاصر أخذت أبعاداً أخرى كونها تأثرت بالأبعاد السياسية للعراق وما مرَ به من ظروف اجتماعية وثقافية متأزمة خلال سنوات متعاقبة، ولذلك أصبحت المفارقة جزءاً من حياتنا اليومية مما عـُكست بشكل قصدي أو لا قصدي في النص المسرحي العراقي. وعلى الرغم من العناية في الآونة الأخيرة بتقنية المفارقة في الوطن العربي و العراق من خلال عدد من الدراسات (الشعر، القصة، الرواية، المقامات) فإنها لم تدرس في المسرح – بشكل عام -، ولا المسرح العراقي – بشكل خاص -، فكان ذلك السبب الرئيس وراء اختيارنا  لهذا الموضوع. أما الدراسات التي استفدنا منها في دراستنا، فإنها كثيرة، لكن الأهمية تتفاوت من دراسة الى أخرى، ومن هذه الدراسات (المفارقة، والمفارقة وصفاتها) لـ د.سي ميويك، ترجمة د.عبد الواحد لؤلؤة، وكذلك بحث كل من د.سيزا قاسم (المفارقة في القصص العربي) وبحث د.نبيلة إبراهيم (المفارقة)، ودراسة (المفارقة في شعر الرواد) للدكتور قيس الخفاجي، و (المفارقة والأدب) لخالد سليمان، ومن بين الكتب المهمة التي تناولت المفارقة واستفدنا منها، كتاب (المفارقة في الشعر العربي الحديث) للدكتور ناصر شبانة، علاوة على عدد كبير من الدراسات التي لا تقل أهميتها عن الدراسات التي ذكرناها أعلاه. أما المنهج الذي سرنا عليه في هذا البحث، فهو المنهج الوصفي التحليلي، وبحسب مقتضيات البحث. تناولنا في هذا البحث، مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة مرفقة بملخص باللغة الإنجليزية. أما الفصل الأول، فكان إشكالية المصطلح ووظيفته الأدبية، تضمن مبحثين، الأول دراسة (إشكالية المصطلح)  حيث تطرقنا إلى إشكالية ترجمة المصطلح من خلال اختلاف المترجمين والنقاد حول مصطلح المفارقة، ومن ثم تعريفها في المعاجم اللغوية القديمة والحديثة، وبعد ذلك عرضنا لإشكالية المفارقة في التعريف الاصطلاحي، حيث لم تستقر المفارقة على تعريف محدد، بل تنوعت التعريفات والآراء حولها، لكننا حاولنا أن نضع التعريفات في بوتقة واحدة من أجل الخروج بنتيجة متقاربة إزاء تعريف المصطلح سواء في النقد الغربي أو العربي، وكذلك تناولنا  في هذا المبحث أنواع المفارقة، ووقفنا على أهم الأنواع، وحاولنا من خلال دراستنا وضع تحديدات مناسبة لكل نوع، كما درسنا طريقة صناعة المفارقة وبنائها في ضوء أسئلة طرحناها: كيف تـُبنى المفارقة ؟ وما طريقة بنائها ؟ فوجدنا أن طريقة بناء المفارقة تحتاج إلى مهارة لغوية خاصة، كما أنها تعتمد على مبدأ الاقتصاد كما يوضح ميويك، وفي المبحث الآخر (وظيفة المصطلح الأدبية)، تناولنا فيه وظيفة المفارقة بشكل عام، ومن ثم عرضنا لوظائف المفارقة في الأنواع الأدبية، كالشعر والقصة والرواية والمسرح، ودرسنا نماذج من المسرح العالمي كنموذج تطبيقي قبل الدخول إلى مرحلة النقد التطبيقي على المسرح العراقي. وتناولنا في الفصل الثاني (المفارقة في المسرح النثري) تضمن ثلاثة مباحث، المبحث الأول درسنا فيه (المفارقة وأنواعها في النص المسرحي النثري)، درسنا فيه ما تعرضنا له في الفصل الأول في الجانب النظري الخاص بالمفارقة وأنواعها، وحاولنا تطبيق المفارقة وأنواعها على المسرح العراقي النثري، و في المبحث الثاني (بناء المفارقة ووظائفها في المسرح النثري)،كذلك حاولنا تطبيق ما تعرضنا له في الجانب النظري من الفصل الأول الخاص ببناء المفارقة ووظائفها، فدرسنا النصوص بالتحليل النقدي من خلال آلية بناء المفارقة ووظائفها الأدبية في النص،  أما المبحث الثالث، فكان (المفارقة في مسرح الطفل)، وفيه حاولنا دراسة المفارقة في نصوص مسرح الطفل، لأنه أحد أعمدة المسرح العراقي، درسناه من خلال الأسئلة الآتية: أين تكمن المفارقة في مسرح الطفل ؟ وما مدى هيمنتها في مسرح الطفل ؟ ما أنواعها ؟ ما طريقة بنائها ؟ وظائفها ؟ أسلوب الكاتب فيها ؟ أما الفصل الثالث، (المفارقة في المسرح الشعري)، فتضمن مبحثين، المبحث الأول (المفارقة وأنواعها في النص المسرحي الشعري)، حاولنا في هذا المبحث أيضاً تطبيق ما تعرضنا له في الجانب النظري في الفصل الأول وتطبيقه ودراسته على المسرح الشعري، من خلال المفارقة وأنواعها، أما المبحث الثاني (بناء المفارقة ووظائفها في النص المسرحي الشعري)، فتناولنا بالتطبيق النقدي بناء المفارقة في المسرح الشعري والوظيفة الأدبية المتأتية من المفارقة لدى كل نص. وأوردنا خاتمة، لخصنا فيها أهم ما خرج به البحث من نتائج. أما الصعوبات التي واجهت الكتاب، فنعتقد أن لذة البحث وكتابته تتأتى من تلك الصعوبات، وأهم هذه الصعوبات:- قلة ما كـُتب من الدراسات حول المفارقة في المسرح، بخاصة المسرح العراقي، مما اعتمدنا في كثير من الأحيان على تحليلنا النقدي أو رؤيتنا النقدية المتواضعة، مع ملاحظة مهمة أننا لم نختر النصوص المسرحية العراقية بشكل تعييني، بل حاولنا قراءة أكثر النصوص العراقية إن لم نقل جميعها، فكانت حصيلة ما درسناه  في هذا البحث هي بحسب ورود المفارقة فيها، وهيمنتها بها. إن هذا الجهد، ما هو إلا جهد بسيط نأمل من خلاله أن يكون ثمرة متواضعة من ثمرات النقد المسرحي المعاصر. 

---------------------------------------
المصدر : المسرح نيوز  -  هبة جاد 

الأربعاء، 8 فبراير، 2017

مسرحية "يارب "وإنسجام جميع عناصر العرض المسرحي

السبت، 4 فبراير، 2017

مقارنة بين مسرحيتي الأشباح والبجعة لأبسن وستنبيرغ

مجلة الفنون المسرحية

مقارنة بين مسرحيتي الأشباح والبجعة لأبسن وستنبيرغ  

صباح هرمز 

اذا كانت مسرحية البجعة، قد كتبت عام 1907، فان مسرحية الأشباح، كتبها أبسن عام 1881، أي قبل البجعة بستة وعشرين عاما. وكلتا المسرحيتين يدور موضوعها حول السقوط في أحضان الرذيلة. ففي الأشباح الأب مع الخادمة، وانتقال هذه اللوثة الى الابن، وفي البجعة الأم مع صهرها.

وعلى الرغم من أن الرذيلة في البجعة، أقوى من الأشباح، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى، لممارستها من قبل شخصين، تحرم عليهما هذه العلاقة،  وقوتها تظهر في هذا الجانب فقط الذي لا يخلو من المراوغة والتلاعب بالمشاعر ودغدغة العواطف، فان هذه القوة في الأشباح، تتسم بمصداقية أكثر، لنأيها عن غلو سترندبرج في ربط العلاقات. وتصويرها من قبل أبسن، اتساقا والنهج الذي يتبعه  في مسرحياته الأخرى، ألا وهو الأسلوب الاسترجاعي، هذا الأسلوب الذي يعيد الأم والقس الى ماضي الأب، عبر الرذيلة التي يمارسها الابن ( الآن)، أي ظهور صورة  الأب في ابنه.  
يقول عبدالله عبدالحافظ بهذا الخصوص: وقد وضع أبسن هذا الصراع في اطار فني رائع اعتمد فيه سواء في تسلسل الأحداث أو المناظر على الطريقة الاسترجاعية (6).  
رجينا:أوزفولد! أجننت! اتركني!
مسز الفنج:( تجفل في فزع) آه!
ماندرز: (غاضبا) ما الذي يحدث يا مسز؟  ما هذا؟
مسز الفنج: (بصوت أجش) الأشباح. الاثنان في المشتل- يعودان! 
هذه الواقعة هي ذاتها  التي حدثت عندما كان الكابتن الفنج يغازل خادمته (والدة رجينا). كما أن الأب في الأشباح، يأتي ذكره،( بالرغم من عدم ظهوره)، على لسان  الشخصيات على امتداد المسرحية، محتلا مساحة لابأس بها، وموقعا مؤثرا لا، وبل فاعلا وجوهريا في نمو وتطور أحداث المسرحية، بعكس الأب في البجعة، فقد ترك سترندبرغ هذين الدورين، ( احتلال المساحة، والموقع المؤثر للأم).
كما يبدو لي ثمة تناص بين الأشباح والبجعة، وأن تأثيرات الأولى واضحة في الثانية، وتأتي أولى هذه التأثيرات في حصر شخصيات البجعة بخمس مثل الأشباح. واذا كان قد أجرى سترندبرغ من تغيير في مسرحيته، مقارنة بالأشباح، فان هذا التغيير لم يتعد حدود الشخصيات، وذلك بالاستعانة بشخصيتي الصهر والابنة، بدلا عن شخصيتي القس ماندرز والنجار أنجستراند. ليلعب شخصية الصهر الدور الذي لعبه الأب  في الأشباح مع الخادمة جوانا، وهو مع أم زوجته. واضافة الابنة في البجعة، لم يأت بجديد، وجاء بسبب ايجاد المسوغ لاقامة الصهر في منزل الأم، وبالتالي ربط علاقة معها. وأقول لم يأت بشيء جديد، ذلك أن دورها لم يقتصر أكثر من شكواها على تصرفات والدتها، واكتشاف خيانة والدتها لها مع زوجها، وهذان الأمران، أداهما الابن كذلك، ولكن ليس كشقيقته  متأخرا، وأنما رغم المرض الذي يعاني منه، منذ صغره، من بداية المسرحية. وهذا يعني أن اضافة هذه الشخصية، لم تأت الا تابعا لزوجها.
أما الاختلاف الجوهري الذي أجراه سترندبرغ  على شخصية الخادمة في مسرحيته عن مسرحية أبسن، في ظهورها بمظهر المربية العجوز، وليس اللاهثة وراء نزواتها، جعلها أقرب الى شخصية القس ماندرز في الأشباح، وهي تبدي حرصها واهتمامها بصحة وسلامة الابن والابنة، وتفضح تقصير الأم تجاههما وتجاه زوجها، مذكرة الأم بين حين وآخر بماضيها الكالح معهم. ولكنها، بعكس القس تغادر المنزل قبل نهاية المشهد الأول، وغادره القس قبل نهاية المسرحية بقليل. ولكن رغم قصر دورها، فقد استطاع المؤلف، أن يمنحها التأثير الذي لعبه القس في الأشباح.
وبقدر ما استطاع الصهر أن يلعب الدور الذي لعبه الأب في الأشباح، بنفس القدر لم يستطع أن يلعب دور الابن في نفس المسرحية، ذلك أنه مثل الأب، كان غرضه خسيسا، بينما غرض الابن نبيل. والأغراض النبيلة، كما يقول غوتيه، لا تؤخذ بالوسائل الخسيسة. لذا فقد أناط سترندبرغ دور الأب بالأشباح للصهر، ودور الابن في نفس المسرحية للابن (فريدريك). ولعل قول الأم لصهرها:( لكم تشبه الآن زوجي، وأنت تجلس على كرسيه الهزاز)، أدل نموذج على ذلك، بينما تأتي هذه الجملة، أو ما يقاربها على لسان القس ماندرز وهو يخاطب مسز الفنج، ردا على قول أوزفولد، عثوره على غليون والده:( عندما ظهر أوزفولد في المدخل والغليون في فمه بدا لي وكأن والده عاد الى الحياة من جديد). وكلتا الجملتين، جملة الأم في البجعة، وجملة القس في الأشباح، يستحضران ماضي الأب في صورة الابن والصهر، أي أن كليهما يسيران على خطاه الآن، في هذه اللحظة.  
ومثلما أحدث ستريندبرغ، تغيرا جذريا في شخصية الخادمة، كذلك فقد أحدث نفس التغير في شخصية الأم، من رزينة وهادئة وحكيمة في الأشباح، الى ماكرة ومتهورة وخائنة في البجعة. وجعلها أقرب في نرجسيتها، واستبدادها برأيها، الى شخصية (هيدا) في مسرحية (هيدا جابلر) لأبسن. وهي بعد أن تبلغ درجة اليأس، تطلب من ابنتها أن  تعيش معها ومع شقيقها كخادمة، ويعد هذا الانحدار السريع والمباغت من برجها العالي،  بمثابة انتحار هيدا، أن لم يكن أسوأ منه، بعد انسداد كل الأبواب بوجهها.
وليس من باب الصدفة، أن تبدأ كلتا المسرحيتين بجو عاصف وومطر. وتوحيان من خلال جوهما العاصف والممطر الى نفس المعنى. فاذا كان في الأشباح، توحي جملة رجينا: ( أنه مطر شيطاني لعين)، الى موقفها السلبي من زوج أمها ( أنجستراند)، ولا تطيق رؤيته، لما يرافقه من شر. فان جملة:( أغلقي الباب رجاء، من الذي يعزف الموسيقى؟) التي تلفظها الأم في البجعة، توحي هي الأخرى الى موقفها السلبي من ابنها، ولا تطيق رؤيته. ليعمد المؤلفان هنا الى التعبير عن نزعة  الشخصيات من المعنى الكامن وراء الكلمات. فهدف رجينا من ايقاف أنجستراند، حيث هو، ليس لتساقط المطر منه على أرضية الغرفة، وانما لعدم ازعاج أوزفولد، لايقاظه من نومه، وهو يحدث صوتا نشازا بقدمه العرجاء، وهذا الصوت النشاز يوازي صوت الموسيقى الذي تسمعه الأم في البجعة، الصادرة من عزف الابن، والمنبعثة من رائحة الكربونيك والأغصان المحروقة التي تكرهها، لا لأنها قد حرمتها على ابنها وابنتها فحسب، وانما أيضا في نهاية المسرحية، تختنق برائحة الكربونيك والأغصان المحروقة. 
وتمتد هذه المقاربة الى اصابة كلا الابنين، في الأشباح والبجعة بلوثة الأب، وليس من باب المصادفة أيضا، مثل بداية المسرحيتين بجو عاصف وممطر، أن يعاني كلاهما من هذا المرض، بعد عودتهما من الخارج. فردريك نادبا حظه العاثر الذي بفعل الخلافات العميقة بين أبيه وأمه، ساقه هذا الحظ الى مربية، يرافقها الى منزل أختها التي كانت تتعاطى الدعارة، ليشاهد هناك كل شيء بأم عينيه. وأوزفولد مثل فردريك، بعد عودته من باريس، يشكو من نوبة صداع في رأسه. 
فردريك: أنا لم أرضع أبدا من حليب الأم، كنت بعهدة احدى المربيات، وكان علي أن أرضع من قنينة. وحينما كبرت قليلا، صرت أرافقها الى منزل أختها التي كانت تتعاطى فيه الدعارة، حيث رأيت مشاهد حافلة بالأسرار يستبيحها للصغار مربو الكلاب فقط. . .
أوزفولد: بعد زيارتي الأخيرة هنا وعودتي ثانية الى باريس بفترة قليلة – عندئذ بدأت أشعر بآلام غاية في العنف في رأسي – غالبا في مؤخرة رأسي، على ما يبدو، كما لو أن حلقة حديدية محكمة قد ثبتت بمسمار حول عنقي وفوقه تماما.
ونتيجة الخوف الذي يقع فيه أوزفولد، جراء تحذيره الطبيب من مواجهته للنوبة مرة ثانية، لأنها ستؤدي الى نهايته، يفضي به هذا الخوف الى الجنون. وفردريك لا يقل جنونا عن جنون أوزفولد، ولكن لافساح أبسن مساحة أوسع لحركة أوزفولد، قياسا بحركة فردريك المحدودة، حدا لأن تبرز هذه العاهة لدى الأول أكثر من الثاني. وعلى الرغم من ذلك، فانها تظهر من بداية المسرحية لدى  فردريك، ويتأخر ظهورها لدى أوزفولد.

وعملية التناص بينهما هذه، تتضح أكثـر، في اقتباس البجعة جملة من الأشباح،  تعبر عن لب المسرحية، ان لم تكن هذه الجملة كل المسرحية، وهذه الجملة تأتي في الأشباح على لسان مسز الفنج، وفي البجعة على لسان الأم. ومع أن الجملة الأولى طويلة، والثانية قصيرة، غير أن كلتيهما تعبر عن نفس المعنى، وما يضاعف ذلك هو بالاضافة الى ذلك ورود كلمة الأشباح على لسان الأم في مسرحية سترندبرغ، مع أن هذه الكلمة هي عنوان مسرحية أبسن.

مسز الفنج: أنني خائفة لأنه في أعماق نفسي شيء أشبه بالشبح لا أستطيع الفكاك منه أبدا.عندما سمعت رجينا وأوزفولد هناك بدا لي وكأنني أرى أشباحا. أنني أكاد أظن أننا جميعا أشباح. . .
الأم: احذري (بعد برهة) أثمة شخص يمشي هناك؟
مارجريت(الخادمة): لا ليس هناك أحد.
الأم: أترينني كمن يخاف الأشباح؟
والأشباح هنا، وفي كلتا المسرحيتين، رمز للماضي الذي  تخشى منه مسز الفنج، وكذلك تخشاه الأم، لأنه امتداد للحاضر، فما كان يحدث بالأمس، يحدث اليوم. وكلتاهما تشاهدان صورة ابنيهما في شبح أبويهما، وقد عادا الى الحياة من جديد. ويهدف أبسن من الماضي، كل تراكمات العادات والتقاليد البالية والسائدة في المجتمع النرويجي. 
ويعلق عبدالله عبدالحافظ على حوار مسز الفنج قائلا: (هذه صرخة عقل يحتج على كل أشكال الاعتقاد التي لا تقوم على المنطق، وعلى الأشباح التي تعيش في الظلام وتبطش بالضحايا الأبرياء)(7). 
ويستطرد:( ولعل هذا التزمت في هذا المجتمع النرويجي الصغير هو الذي دفع كثيرا من النرويجيين الى الهجرة لباريس والى أمريكا حيث جو الحرية وحيث ينعم الأنسان ببهجة الحياة).  
في كلتا المسرحيتين أيحاءات كثيرة، تأتي  في البداية، وتتحقق في النهاية، وأبرزها ما يحل بفردريك وأوزفولد، لاصابتهما بمرض الزهري الذي ينتقل بالوراثة الى الأبناء عن طريق الأب. ولكن كليهما لم يلقيا حتفهما، أو بقيا على قيد الحياة،  فسيان كلا الأمرين، عن طريق هذا المرض، وأنما كان هذا المرض سببا لجنونهما، وهذا الجنون هو الذي آل ما آل اليهما . فردريك  بإحراق المنزل، وأوزفولد سعيه في شرب السم. اذن أن هذا المرض، وأن يبدو وراثيا، غير أنه لايخص فردا واحدا، وأنما كل المجتمع. بدليل أن كل الناس من وجهة نظر مسز الفنج والأم، تتحول الى أشباح، لذا فإن هذا المرض، ما هو الا وسيلة لبلوغ الغاية الأسمى، وهي رفض كل الأفكار والعادات والتقاليد البالية للمجتمع النرويجي جملة وتفصيلا. هذا بالنسبة لمسرحية الأشباح. أما بالنسبة لمسرحية البجعة، فان الغاية الأسمى، هي التصدي لخيانة المرأة لزوجها وابنتها، وظلمها لأسرتها ككل، وابراز هاتين الحالتين، عبر حرمان ابنها وابنتها وقبلهما والدهما من الأكل والملبس الجيدين، ودفء الحطب في برودة الشتاء الجليدية، وتوظيفهما في احراق المنزل.
وبالتعويل على وصف الفصل الأول لمسرحية الأشباح، والمشهد  الأول لمسرحية البجعة، وبتفكيك رموز هذين الفصلين، وجدنا بدلا من أن يسود التقارب بينهما، يشطرهما التباعد الى خطين متوازيين، يبدو من الصعب، أن يلتقيا في نقطة معينة، الأول بانفتاحه على المستقبل، يشوبه بقسط وافر من التفاؤل، والثاني بالولوج في دهاليز الأغصان المحروقة ورائحة الكربونيك الطافحتين بالتشاؤم. فغرفة حديقة فسيحة لها باب في الحائط من جهة اليسار، وبابان في الحائط من جهة اليمين، بالاضافة الى انفتاح الغرفة على مشتل للزهور، وله حيطان زجاجية كبيرة، وفي الحائط الأيمن للمشتل باب يفضي الى الحديقة، فمثل هذا المنظر المنفتح بأبوابه ونوافذه على العالم الخارجي، لا بد أن يحتوي، أو يريد أن يحتوي على شخصيات، تتسم ولو بجزء ضئيل من الأمل في الحياة. وشخصية أوزفولد هو هذا النموذج.  بدليل أن الكلمة الأخيرة التي أطلقها في نهاية المسرحية، كانت : الشمس. 
بينما المنظر الذي يتكون من باب واحد للشرفة، وصالة جلوس تفضي الى صالة أخرى للطعام، وأريكة مغطاة بغطاء أحمر، وكرسي هزاز... فكل مفردة من هذه المفردات، تشكل بحد ذاتها علامة من علامات التشاؤم التي تنتظر مستقبل شخصيات المسرحية. ولعل احتراق الثلاثة في نهاية المسرحية، الأم وابنها وابنتها في آن، يؤكد ذلك. لنفهم أن أبسن يتبع في الفصول الأولى في مسرحياته طريقة العرض، مع تقنية اقتران البداية بالنهاية. وسترندبرغ يتبع التقنية الثانية أيضا، ولكن ليس  بتجزئة العناصر الدرامية الثلاثة كلا على حدى، كما يفعل أبسن، وانما بخلطها في تركيبة متماسكة معا.
وفي المنظر الثاني للأشباح، تجري الأحداث في نفس الغرفة. الا أن تعزيزه بجملة ( لا يزال الضباب يخيم على المنظر العام)، جعل المؤلف ينحو هذا الفصل، منحى (العقدة)، وأغلب الظن، أن هذه الجملة جاءت، امتدادا للفصل الأول، حيث كان المطر يهطل.
بينما يخلو  المشهد الثاني للبجعة من أي وصف أو شروحات. وهذا يعني أنه كالمشهد الأول، أن عناصره الدرامية تسير على نفس الوتيرة. ولكنه في المشهد الثالث، ومع صوت ارتجاج الباب، وطرقات متسارعة عليه من قبل الصهر، هذه الطرقات التي تذكرنا بمسرحية ماكبث لشكسبير، نفهم من خلالها، أن عقدة مسرحية البجعة قد بدأت. وفي المشهد الرابع أن هذه العقدة تتطور، عبر هبوب رياح عاتية، يسمع صفيرها من النوافذ والمدفأة، والباب الخلفي ينصفق، ليذكرنا هو الآخر بمسرحية الملك لير لشكسبير أيضا. وفي المشهد الخامس والسادس، عزف موسيقى في الخارج، وفي السابع، يدخل الصهر وفي يده عصا غليظة، أشارة واضحة الى أنه سيتعامل مع أم زوجته بشكل فظ. وفي المشهد الثامن، توقف الأم الكرسي الهزاز، ويدخل الابن ثملا، لتوحي المفردة الأولى على القلق، والثانية على جرأة التطرق للمواضيع الحساسة، وتوجه الأم نحو النافذة في المشهد التاسع، وتفتحها تنظر بعيدا، تتراجع بعد وهلة الى الغرفة حيث تأخذ مسافة استعدادا للقفز، لكنها تعدل عن قرارها حين تسمع ثلاث طرقات على الباب، وأذا كانت النافذة تشكل عالمها الخارجي الذي تتوق من خلاله أن تعيش بحرية، فأن الغرفة التي هي في داخلها ، تشكل عالمها المحاصر بقيود محكمة.
وهي بين الاثنين، بين ضميرها الذي يؤنبها، ويدفعها الى الانتحار، وبين توقها للحرية، المتمثلة بطرقات على الباب، لتنقذ هذه الطرقات حياتها، تختار الأخيرة.
وهنا يلجأ سترندبرغ الى استخدام تقنية الاسترجاع كأبسن، من خلال استحضار  صورة الابن على هيئة والده، وهي تقول: من هناك؟ ما الذي يجري؟ ( تغلق النافذة) أدخل ! هل هناك أحد . أنه نفسه وهو يعدو في حقل التبغ، ألم يكن ميتا؟
. . . . 
وفي منظر الفصل الثالث للأشباح، يعود المؤلف، مانحا أياه مواصفات الفصل الأول نفسها تقريبا، أقول تقريبا لأن شابته بعض روح التشاؤم، ولكن ليس بغلبة هذه الصفة على التفاؤل، بل بالعكس، بغلبة الأخيرة على الأولى. وجاء هذا الفصل كذلك، اتساقا مع تطورات أحداث المسرحية التي قادت أوزفولد المحب للحياة، التفكير في الانتحار. مثله مثل الأم في البجعة، واقعا تحت وطأة الشعوربتأنيب الضمير في أصابته بهذا المرض، ظنا منه أنه المسؤول الوحيد عنه والذي ألحق الأذى، ليس برجينا فقط، وأنما بالمجتمع ككل. 
وتكمن روح التشاؤم في هذا الفصل فقط في جملة ( في الخارج ظلام)، وتعقبها جملة، تحتوي على قدر ضئيل من الأمل: (باستثناء وميض خافت من النار ينبعث من خلفية المسرح).
أما التفاؤل فيمكن ملاحظته في هاتين الجملتين: ( كل الأبواب مفتوحة) و( لا يزال المصباح مضيئا على المنضدة.)

---------------------------------------------------
المصدر : جريدة المدى 

المشاركة في المواقع الأجتماعية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption