أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

المشاركة على المواقع الأجتماعية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد مسرحي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد مسرحي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 يناير 2018

تعدد النسخ افقدنا هويتنا دراسة نقدية للعرض المسرحي آخر نسخة منا

مجلة الفنون المسرحية

تعدد النسخ افقدنا هويتنا دراسة نقدية للعرض المسرحي آخر نسخة منا

كاظم نعمة اللامي

(القراءة مبارزة يصعب التنبؤ بنتائجها)

فكتور هوجو

هل للكون بداية؟ كيف بدأ الكون؟ كيف كان شكله؟ متى بدأ؟ وإلى أين يسير؟ هذه أسئلة تحتاج الى إجابات وعلى وجه السرعة والدقة لانها مرتبطة بوجودنا الهش معرفيا والاجابات الموضوعية عنها ترمم بعض هذا الوجود، ومنها واليها وعلى غرارها انبثقت اسئلة اخرى كان قد طرحها الإنسان منذ القدم، وهي في حقيقتها وليدة قراءات لانعكاس إنساني لقراءات إلهية في أصل الكون كوجود أول ونتيجة للمعنى الفلسفي المتشظي للآية القرآنية (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) فإن الكون وفقا لهذه الآية على سبيل المثال لا الحصر آخذ في الأتساع باستمرار فلابد أن حجمه كان أصغر من ذلك وبالتالي العودة الى نقطة البداية ليحتدم الجدل بعدها نتيجة ولادات جديدة لقراءات حادثة، ومن هنا برزت للوجود القراءات بمختلف صورها التي تفسِّر نشوء الكون والتي اتسعت هي الأخرى أي القراءات لتشمل كل ما هو حادث في أصل وجوده وما هو ناشئ تراتبيا بتوقيت معين، ومنشأ هذه القراءات ينطلق من جزئية مهمة وهي ان الحاجة أم الاختراع بإجابة عن كم الأسئلة الهائل التي أضحت صيرورة وجود، وهذه القراءات هي في حقيقتها إساءة قراءة مع الواقع، وربما تطابق قَرُبَ او بَعُدَ عن الحقيقة وفرضياتها بنسبية ما، إلا أنها أتت كردة فعل للمثيرات الداخلية والمحيطة.. وكما قال الفرنسي دريدا وفقا لنظرية الاختلاف:- (القراءة إساءة لا نهائية) لولادة قراءات اخرى تحررت في خطابها من ربقة قراءات سلفها.. والغاية والهدف من كل ذلك وان لم تكن قصدية الفعل حاضرة في بعض الأحيان :- هو نهل المعرفة من منابعها التساؤلية لبلوغ المتعة التي هي الهاجس الجمالي الذي يراود الجميع فالانسان بمجمله قاريء متسائل.. ومن جملة هذه القراءات المتعددة هي القراءة المسرحية، فالعرض المسرحي مؤطر بمعرفتين معرفة ظاهرية صاخبة تقود لتبني المتعة المتحققة بكل أشكالها ومصادرها ومعرفة باطنية هادئة تقودنا لتبني أفكارنا الانطباعية والدفاع عنها في أصل العملية التحليلية والتفكيكية لعناصر العرض المسرحي وتقصي أبعاد وأهداف جدوى النص وسحر العرض، ومن هنا تتجذر حقيقة تصدينا البنيوي للعرض المسرحي (آخر نسخة منا) .

ارتكز العرض المسرحي (آخر نسخة منا) تأليف علي عبد النبي الزيدي وإخراج الشاب علي صبيح على حقيقة فلسفية واضحة الرؤى عميقة المعنى من إن الحياة التي نعيشها حلم كبير والعالم الذي يحتمل هذه الحياة هو مسرح اكبر تتجلى فيه منعطفات الميتا مسرح بانفعال باتا فيزيقي وانحياز واضح لغاية برزت بقوة بخلق دنيا وحياة أخرى من رحم حياتنا، لا تشبهها عينا لكنها وممكن لنا أن نسميها تمسرح واعي قد خرج من معطف مسرح آخر أكثر واشد وعيا، متخذة أي الغاية من محطات معينة تدعو لاسترجاع الذاكرة الانفعالية والمكوث في خيمتها والتحرر منها بعد ذلك بجعبة مليئة بالأحداث ما زلنا نستنشق أوكسجينها الذي احتمل التلوث والنقاء بثنائية متضادة وخلق ردة فعل اتجاهها تعاكسها في الاتجاه ولا تساويها بل تزيد عنها بالقوة وتخرج عن إطارها التكويني من خلال استدعاء الواقع بشكل متخيل وتواجد الحياة بألوان مغايرة شكلا لا مضمونا مع وضع خارطة طريق لتأصيل الحلول القاطعة بعدم الإرتداد وعودة ما مضى من خلال التجديد والرسوخ وهذه.. هي مقومات رسالة المسرح عموما بنقل الواقع بشكل متخيل مع وخزات نفسية تؤجج التوافقات الحسية للانفتاح على الحلول الناجعة .

قدم لنا علي صبيح بصحبة فريقه التمثيلي والتقني ومن على أديم منتدى المسرح العراقي عرضا مسرحيا احتجاجيا رافضا لكل سلبيات الحياة الأيديولوجية، فقد كان متميزا بالشكل الذي شجعني لان اكتب عنه واستفز قلمي لينزف نقدا حياديا، وهذا التميز أتى نتيجة طبيعية لعدة نقاط سنوردها لاحقا حينما نخوض في غمار حيثيات العرض جملة وتفصيلا.

اختيار منتدى المسرح كخشبة عرض مسرحي ل (آخر نسخة منا) وهو بهذه المساحة والتكوين المعماري الخاص، وكما يعرف الكثير ان منتدى المسرح هو في أصله بيت بغداد مبني على الطراز التركي القديم.. هذا الاختيار لم يأتي لأسباب جغرافية قاهرة فرضها النص وان بدت مجازا هكذا، حيث كان ممكن للعرض إن يكون على خشبة المسرح الوطني وهو بمساحة واسعة شاسعة وسيلاقي نفس النجاح، لكن أتت رؤية المخرج بقصدية فكرية فلسفية جعلت من محدودية مساحة منطقة العرض في المنتدى كبوابة مشرعة لولوج عالم حميمي بين العرض المتخيل الكاسر لكل التكوينات المتحجرة وهي تلف الواقع المتزمت في شكله المعاق والمستسلم بعد ذلك لمفخخات العرض بالتفجير والتنوير، هذا من جهة ومن جهة أخرى نشأت حميمية متوقعة بمنظور خاص بين الممثلين والجمهور، بين الكاتب والمخرج، بين المكان والذاكرة بين الزمن وتقلباته.. لتستقيم تلك الحميمية بمواجهة إيديولوجية أصلها هو التقارب الوجداني بين الجميع في ظل أجواء سكنية تعكس طبيعة الحميمية الداخلية لسيرة المواطن وسط أهله وناسه وكأنه أي المخرج يقول للجمهور وهو يرمي كرته في ملعبهم الفرجوي هذه حياتكم، هؤلاء انتم، فاختاروا من تريدون ان تكونوا نسخة منه بتوأمة فلسفية! لذا كانت نوافذ الحرية متاحة لكم لولوجها والانطلاق منها لتبني حياة أخرى أكثر متعة وجمال.

كذلك أتى تَمَيُّز العرض من كون المخرج ورفاقه وهم بهذا العمر الفني القصير وفي أول ارتقاء جاد كانوا قد امتلكوا الجرأة العظيمة أولا باقتناص نص كبير لكاتب كبير وهو علي عبد النبي الزيدي ثم تلاها بجرأة اكبر  من خلال العرض على مسرح شهد العديد من التجارب المسرحية الفريدة لعمالقة المسرح العراقي إخراجا وتمثيلا كـ (سامي عبد الحميد، عزيز خيون، باسل محمد علي، عواطف نعيم، عوني كرومي، إقبال نعيم، رائد محسن، إنعام البطاط، مازن محمد مصطفى ) وغيرهم الكثير، وثالثا وهي الجرأة الأكبر في تناول موضوع معفي مسكوت عنه سيثير حساسية الكثير وربما رَفْضُ علي صبيح من خلال العرض يواجه برفضٍ اكبر من خلال المتلقي، لكنه فتح صدره مبتسما لرصاصات النقد والرفض، متوقعا ذلك فأعلن عن نفسه بقوة (مصلحا نبيا بثوب فنان مسرحي) لذا تراكمت مسؤوليات كبيرة على عاتق الفريق تمت ترجمتها الى : كيف لعلي صبيح ان يلاقح هذا الوجود الثر للنقاط الثلاث الآنفة الذكر بوجود لا يغيب عنه الجمال بتناسخ وتعاضد مع ما قدم ، مما يجعلنا ووفقا لرأيي القاصر ان نؤكد ان علي صبيح ورفاقه كانوا في الموعد فتواجدوا بألق كبير نحترم فيه أفانينه الثرَّة وهو درس مجاني للكثير بان العمر لا يقف عقبة أمام الإبداع والجمال ان قصر او تقدم.

انطلاقا من أول سُلَّمة نرتقيها في بنية النص والعرض مجتمعين ألا وهي سُلَّمة العنوان (آخرُ نسخةٍ منا) تشكلت هنا مدلولات لغوية متفجرة تفتقت عن رغبة في الصراخ باحتجاج كبير وبمعاني كبيرة من خلال إيقونات صورية من قبل الشخصيتين (واحد ، واحد مكرر) وخاصة حينما نتجاوز أول مشهد لنسمع همسا يرافق الصراخ والاحتجاج مفاده ان ما ترونه الآن من عرض مسرحي لشخصيتين سياميتين هو آخر نسخة منا نحن أبناء هذا الوطن الجريح لأنها اي الشخصيتين لن تتكرر في قابل الأيام باعتبار رجائي نحن وضعناه كأمل نراهن عليه في أنفسكم، أي في أنفس الجمهور عندما ترون بشاعة ما يجري بتوأمة مع مسرح القسوة او مجايلات مسرح العبث بمعناه الفلسفي الإصلاحي من خلال بعض الإجابات الصادمة لأسئلتكم الكثيرة وخلقُ رفضٍ بيئته أنفسكم بمعرفة حقيقة التناقض ونتائجه الخبيثة في طبيعة العلاقة بين الاثنين والتي تسببت في جملة من المتاعب التي عشتموها وتعيشونها الآن.. وتماشيا مع نظريتي أرسطو وافلاطون في التطهير وعدمه، حيث وضعنا الإصبع على الجرح الدامي نعم ستتألمون نعم ستشعرون بالغثيان لكن هذه هي طبيعة المسرح في خلق الدهشة بصدمة عنيفة ستأتي نتائجها الايجابية لاحقا.

اعتلت العنوان مثابة كبيرة احترم فلسفتها لأنها أعطت النتيجة النهائية للعمل سلفا لكن بشرط متابعته حتى آخر صورة تقف عليها عيونكم بمعية قلوبكم ليعقبها الإظلام الأخير ليعلن بعدها ان لا نسخة منا نحن البشر تشبه هذه النسخة لأنها تلاشت وانتهت لاعتبارات رجائية وسيل أمنيات كما أسلفت، واعتبارات واقعية أمنية ثقافية بدت بقوة تسود المشهد الإنساني المحلي، وربما آخر نسخة منا في الحدود الجغرافية الدنيا لهذا العالم وكأن العرض يقول هذه آخر نسخة منا فلا نسخة ستجدونها في الكون تشبه نسختنا نتيجة للظروف التي يعيشها الإنسان العصري في هذه البقعة المسكونة بالخراب.

العرض المسرحي يحاكي الثنائيات العديدة التي يعيشها الإنسان بروابط متعددة مع الآخر وهي الدين والعرق والثقافة والدم والمكان والزمان لتتوسع هذه الثنائيات ليخرج لنا الزيدي بثنائية تنحدر عنها كل الثنائيات الإنسانية بتناسخ توأمي سيامي حيث يتبين أن (واحد) وأخيه (واحد مكرر) قد ولدا سياميين ولن ينفصلا مهما كانت المحاولات لفصلهما ان كانت هذه المحاولات خارجية مصدرها المحيط الاجتماعي والسياسي العام ام داخلية منبعها رغبات الوليدين وهذا ما تؤكده حوارية التوأمين.

واحد مكرر : لم تنجح عمليات فصلنا عن بعض .. ماذا افعل ؟

واحد : كم حاولت أن أفصلك عنّي بسكين

واحد مكرر : ولم تنجح

واحد : كم حاولت أن أخنقك وأتخلص من شخيرك

واحد مكرر : ولم تنجح

واحد : كم تمنيت أن أتنفس بعيدا عنك

 واحد مكرر : ولم تنجح

وكما أسلفت ومن خلال تشظيات الدلالة اللغوية للحوار وبعض إشراقات الميزانسين والسينوغرافيا يتأصل لدينا ان هناك رفضا كبيرا واستياءً عارما لهذه القسمة الظيزى في التجاور والتوأمة لأنها تكشف حقيقة التبعية بدكتاتورية مفرطة وتقييد حركي روحي للطرفين يؤكده إتيان أفعال لا يرغب بها الآخر لأنها لا تمثله ولا تعنيه بشيء، مما يتولد نتيجة لذلك صراع كبير يأخذ إشكالا متعددة تؤكد رفض الكاتب والمخرج والممثلين وكلا الشخصيتين الاعتباريتين لكل ما جرى ويجري على أديم واقعنا المتفشي ألما، وهذا التجاور والتقارب والعيش المشترك لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يتميع فينتهي فيتلاشى، مستحيل!!!! انه قدر محكم لا يمكن الفرار منه وان اجتهد الطرفان في العمل على رفع السيف وإعلان قطع عرى هذا التجاور الذي هو في حقيقته تجاور مفروض أكدته الحتميات الإلهية.

عالج العَليّان، الكاتب والمخرج، موضوعة الثنائية المعروفة في شقيها البديهيين (الخير والشر) بتمظهرات فرجوية تنطلق من مبدأ الإشارة والتعريف وجعل الجمهور يشعر  بالانتماء الى تلك الظواهر الحية والمتحركة والتي لا تبقى في النقطة التي فارقت منها الحياة بل تستمر على التطور في وعي المتفرج وهي إشارات جديرة بالدراسة انطلقت من قضية مهمة هي محط خلاف وجدال لم تنقطع فصولها طيلة حقب مديدة تلت خلق ادم وحواء ذكتها المصالح الآنية الضيقة مع انحدار للوعي وتلاشي لجوهر الضمير .. وهذه الجزئية الجدالية بَرْوَزَها ووضعها الزيدي في خانة الدين! نعم الدين الذي بدلا من ان يكون عامل اجتماع وتآزر وتعاضد استحال نتيجة للأنا المفرطة في نرجسيتها الى وحش ميناتوري كبير يلتهم كل ذواتنا ليعلن عن علامة كبيرة تشكل موروثا سيسيولوجيا أطرافه البقاء للأقوى، النصر لمن يقتل أكثر، الحياة لمن ينفي الحياة عن الآخرين، النصر لمن لا يؤمن بالحب كسبيل وطريق لرضا الله وكسب سعادة الدارين، وهذا ما نراه واضحا مؤكِدا لما مضى بهذه المناجاة لعنصر الشر واحد :-

واحد : ( يرفع يديه بالدعاء ) يا رب .. من يستحق الحياة ؟ أنا أم أخي ؟ فهو لا يصلي لك أبدا، ولا يصوم، ولا يؤمن أن قتل الناس في سبيلك هو طريق الحق.

 واحد : ( مستمر بدعائه ) يا ربي .. اشطب هذا الكائن من جسدي ، فأنا مؤمن بك وهو عاشق لا يهمه سوى كلمات الغرام التي لا أعرف من أين يأتي بها.

الصراحة الواضحة في طرح الأفكار الكاشفة عن غاية العرض واهدافه وهي تنبع من رحم الإسلام، حددت التوجهات الفكرية بمحلية شديدة وكأن بقية الديانات لم تشهد ذلك التناحر والتضاد الفكري والأخلاقي، ربما لان الرغبة التي تعتري فريق العمل في عدم تورية الرفض لقضية يعيشونها بأنفسهم بكل تفاصيلها في عملية مكاشقة للذات، لذا تحتم عليهم ان يتحدثوا بهذه الصراحة المفرطة والانحياز الواضح لقضاياهم، مع مؤاخذتنا على عدم التلقي الإنساني بعرض يتجاوز مؤلفه وحدود بيئته وتفاصيل المكان والزمان وهي نقطة لا تحسب لفريق العمل .. ولو قال احدهم معترضا على ما أقول :- من أي فجوة بنيت حكمك هذا مع ان هناك شيوعا في الطرح وعمومية راكزة ولم نحدد الإسلام كجهة معينة لصراع عقائدي بين الوليدين السياميين.. سنجيب بهذه الأمثلة رفعا للبس والتفسيرات القاصرة.

الوضوء.. حيث لسعتنا حمى الدين الإسلامي عندما بدأ (واحد) بممارسة الوضوء والتكبير بـ (الله اكبر) وهي بادئة تتقدم الصلاة لدى المسلمين وهي أيضا لازمة ترافق التهيؤ من قبل الإرهابيين المتشحين بالإسلام حينما يَجْهِزوا ذبحا على احد ضحاياهم، او حينما يفجروا أنفسهم على الأبرياء في الأسواق والأماكن التي ليس لهم فيها عدو واضح العداء.. وجميع هذه الأفعال أصبحت موروثات ميثولوجية سيسيولوجية تكشف هوية الآخر الذي يمارس كل فعل قبيح.. وان تجاوزنا بأطروحتنا ما تقدم بالقول ان هذه الكلمات وهذه الطقوس ربما تتشارك بها ديانات أخرى، لكن هناك عبارة متعارفة لدى المسلمين (إنا لله وإنا إليه راجعون) وكذلك عبارة (الصلاة خير من النوم) وهذه العبارة الأخيرة فيها تخصيص واضح لطرف معلوم من المسلمين كان الأفضل التسامي عن هكذا إشارات دلالية تعريفية لإدانة طرف على حساب آخر، باعتقادي ان هذه العبارة جعلتنا نعيش حالة واحدة لم تتشظى ولم تكبر وتستطيل بمدلولات أخرى تعطينا الفرصة لتثبيت صور وأراء تدين كل منحرف فكريا وإنسانيا ، حيث مارس الكاتب والمخرج دكتاتورية مقيتة على المتفرج في تحييز الموضوع لإدانة جهة معينة.. مع العلم ان (واحد) موجود في كلا  المعسكرين وبقوة وبالعموم هذه العبارة وغيرها الداخلة في إطار التحييز القهري والقسري لم تأتي بصالح العمل رغم ان العرض مارس وبمشروعية إنسانية وبرغبة ملحة فضح وتعرية منهج جائر ديدنه الإرهاب وتقويض فرص السلام عانت منه كل مكونات الأرض بأسرها ...

سار العرض بخط مستقيم لشيوع سلطة الفكرة الواحدة على شخصيات العمل والتي قوضت من انفعالاتها بطريقة أتت وكأنها روبوت او كومبيوتر مجهز بمعلومات لا يحيد عنها مطلقا.. لذا وجدنا العرض يكشف عن خط درامي اعزل وهو ان (واحد) مؤمن بأن العالم بأسره كافر لأنه لا يسير على خطاه ولا يقوم بما يقوم به من عبادات يراها هي الأفضل والأحسن وهذا تشخيص دقيق لكل نرجسي يرى نفسه فوق الكل وسار وفقا لهذا المنحى حتى نهاية العرض الذي ختم سذاجة واحد بجدوى ما يؤمن به من خلال عمله الانتحاري، أما (واحد مكرر) فهو الرافض لكل معتقدات (واحد) المتطرفة لكنه في نفس الوقت كان مستسلما دون ان يكون له فعل مضاد مناوئ يقف بوجه استهتار (واحد) رغم ان الظروف التي تحيط بهما أتت منصفة عادلة لكليهما.. ليكتفي واحد مكرر بالحجاج ولدغ المعنى بطرف خجول مما ولد لدينا معنى بدلالة ما مَرَّ سابقا ان العرض مجير لإدانة سلوكيات واحد ووصمها بالعار والانحراف وهي هكذا فعلا مع محاباة لواحد مكرر بجعله حالة إنسانية مميزة مما جعلهما يسيران على خط مستقيم واحد دون تغيير ولو قيد أنملة في هواجسهما ورغباتهما وسلوكياتهما.. لكن رغم ذلك وجدت ثمة مثابة هيكلها يشي بإدانة لواحد مكرر فيما يفعله من تصاغر أمام واحد، فضعفه وتخاذله بنى الأنا المتضخمة لدى واحد من خلال تبعية توحي بالظل للشيء الشاخص ومهما كبر الظل فهو لا يعدو انعكاس للشاخص لذا بدت أفعال واحد مكرر تأصيل لفكرة الدكتاتورية والعبودية والأنا النرجسية والأنا الذليلة المتخاذلة مع ملاحظة ان الأحداث يسيرها استكبار واحد بشكل يريده هو لغاية وضع حيثياتها بنفسه وما على واحد مكرر إلا السمع والطاعة وهذه الإدانة هي إدانة تاريخية دينية حتمية ...ومن هذه المحاججات لواحد مع واحد مكرر في تأصيل المعنى:-

واحد: أريد أن أصلي وألقي عليك الحجة أمام الله ..الصلاة يا أخي

واحد مكرر: صلي وما شأني

واحد: لابد ان تصلي

واحد مكرر: لا لن أصلي

واحد: سأغصبك على الصلاة لابد ان تصلي

لدى (واحد) القدرة على القتل لتطبيق هذه الفقرة وهي إلقاء الحجة على واحد مكرر أو أي إنسان آخر ولو تهاون بتطبيقها فهو كافر من أهل النار والنتيجة إنزال القصاص به بنفس راضية .. بالمناسبة هو لا يمارس إلقاء الحجة على غير لصيقه السيامي وذلك لأنه اقرب له ولأنه الأسهل ولأنه الحلقة الأضعف، وفي حقيقة الأمر الفلسفية انه عديم القدرة على إلقاءها على غيره رغم تواجدهم الغير بعيد نزولا عند مثل شعبي عراقي متداول بكثرة(أبي لا يقدر إلا على أمي) مع ملاحظة يجب الالتفات إليها ان العرض بشكله العام قد جعلنا نتعاطف ولأول مرة مع الإرهابي (واحد)ربما بسبب قفشاته الكوميدية التي هي من صنع المخرج او شكل الممثل الجميل والشفاف لعين المتلقي ربما بدا ذلك كاستنساخ لتجربة فلم الإرهابي لعادل إمام او بطل الجريمة والعقاب لديستوفيسكي وان اختلفت النهايات والتوجهات الفكرية ونوع الجريمة ونوع ولون التعاطف، بالإضافة الى ما مر من أسباب للتعاطف هناك سبب مبني على الشفقة على توجهات واحد على اعتبار وجيه انه ضحية لثقافة فرضت عليه نتيجة لظروف ما وتعليم خاص يأخذ (واحدا) بعيدا عن المنطق بعيدا عن المناسب من الأفعال، فتحقق نتيجة لذلك تعليما بمساوئ الإرهاب الفكري والجسدي بشكل ممتع وكما هو معروف هذا خط درامي قاده أفلاطون وبريشت في تناولهما المسرح بكونه صرحا معرفيا تعليميا أساسه المتعة.

كان واحد كثير الاستغفار بطريقة تكشف عن مدى يقينه انه مقصر بحق الله ومدى سوداوية ماضيه الذي جعله يجتهد كثيرا للاستغفار كما في هذا الحوار:-

 واحد : استغفر الله

واحد مكرر : لا يستغفر سوى المذنبين .. وأنت لا تملك سوى الاستغفار

عندما وجد (واحد) حجة (واحد مكرر) أعمق واكبر وأكثر واقعية، رد عليه ردا وكأنه تعلمه من جملة الدروس التي ألقيت عليه في الزوايا المظلمة فأخذها دون يقين كدرس يعتد به لينتفض بعبارة نرجسية فيها علو فارغ:-

واحد : ( يقاطعه ) لأنني رجل مؤمن

ومن هنا يتأكد هذا الغرور المقيت لدى واحد بأنه الأفضل والأعلم والأرقى..وفي سؤال بريء وجهه واحد مكرر لواحد:-

_لماذا تكثر من الصلاة؟

مطلوب_

فلوس_

_لا .. صلاة

شعور بالذنب لماض إجرامي عتيد ربما ينتحل سيرة كل ظالم ومذنب، او هو شعور بالتقصير مرده عقيدة فارغة تافهة، عقيدته المتكبرة المستطيلة تستدعيه ان يكره العالم ليكفر عن شعوره بالدونية والتصاغر أمام الله وبطريقة مبالغة في جلد الذات من خلال عبادات أدائية حركية بعيدة عن الترويض الروحي الذي هو سمة العارفين.. وكل ذلك يدفع (واحد) كي يحمل مسؤولية أخطاءه وعيوبه لـ (واحد مكرر) داعيا إياه لمشاركته بالتكفير عنها بطريقة استفزازية مقيتة.

هناك اطمئنان كبير لـ(واحد مكرر) بان نهايته الى خير فلم يأخذ الأمور على محمل الذنب والتكفير عنه لذا تمتع بالبساطة وضرب من فرح الروح واحتقارها لأحداث الحياة وهي حالة واقعية يعيشها الكثير من الناس بما يسمى البانتغرويلية ومفادها الاستمتاع بكل لذة سليمة دون الكبت الديني لا يناكد نفسه ولا يزعجها معولا على حضور الله في الإنسان عكس واحد الذي اعتلى منصة المناكدة والجدال الفارغ وإيذاء النفس وتعذيب الذات وحمل مشاكل الكون على رأسه ..

ورغم ان واحدا اعتاد على المضي قدما في مسالك البغض وكره كل من حوله الا ان لصيقه لم يعدم النصيحة عنه وبقي يحبه:-

واحد مكرر: اعترف لك باني احبك

واحد: واعترف لك باني أكرهك

واحد مكرر : ( يقاطعه ) الدنيا باردة ........ باردة يا أخي ، والله العظيم ثلج

واحد : وجهنم حاررررررررة ...... حارة يا أخي

واحد مكرر : أأووووووه .. اشتغلت رحمة الله ، لا عليك .. سأدخلها وحدي

واحد : أنا وأنت متلاصقان كما ترى .. كيف تدخلها وحدك ؟

واحد مكرر : متلاصقان حتى هناك ؟ هذه ليست عدالة . ألتصق بك في الدنيا وفي الآخرة؟

تمسك (واحد) بـ(المكرر) دليل على إفلاسه ورغبته الملحة بان يكون معه ليخفف عنه بعض الشيء او يكون سببا للعفو عنه، هناك عدم ثقة بالذات عدم ثقة بما يأتي به من عبادات لإيمانه الداخلي، أي بينه وبين نفسه بأنه ذاهب باتجاه اللاجدوى، لكنه في الوقت نفسه يتمنى العدم في سبيل الخلاص من رفقة واحد مكرر حتى غدا مقطعا بين الأنانية في الوجود والتي تؤهله للقتل وتصفية الآخر وبين الوجل والوحشة من وجود مفرد دون سلطة على الآخر هذه السلطة التي افنى الآخرين من اجلها. .

العُجب أمر مستهجن مرفوض من قبل الله وأنبياءه وخاصة العُجب في العبادات حيث أكد الطب النفسي عظم النتائج الوخيمة لهذا العُجب فضلا عن المحق الإلهي لكل فعل يرافقه وهذا ما تؤكده مناجاة (واحد) مع الله :-

واحد : ( يرفع يديه بالدعاء ) يا رب .. من يستحق الحياة ؟ أنا أم أخي ؟ وانأ أعبدك لا أشرك بك شيئا.

وكأنه اعتراض على الله:- كيف لك ان تجعلنا متساويان في كل شيء ..

وهذا ديدن الكثير ممن يعبد الله على حرث، ومن خلال هذا العُجب تطورت وتضخمت وتمددت الأنا لـدى (واحد) ليعلن لـ(واحد مكرر) انه قد حلم بأنه اصبح إلها وأخيه عبد له لذا يجب عليه ان يظهر الطاعة له باي شيء ولو بخفقة رمش.. لينفجر واحد مكرر لأول مرة وعلى غير عادته في الخضوع والتسليم بوجه واحد وبشكل معاكس لما برزت لديه من صفات السكوت عن الحق والرضا بفعل واحد:-

واحد مكرر : العيش معك يا أخي بجسد واحد هو الكفر والكبت والانصهار.

عاش كل منا في صالة المشاهدة يستشرف المستقبل ويبحث عن الحقيقة، وفي طريق انفعالنا الإيديولوجي وجدنا العديد من الأفكار التي استهوتنا وسكنتنا برسوخ فاعل بما يكفي من قوة بحيث أثرت على منظومة معتقداتنا، ومع ذلك، وبمرور الوقت، انتهينا إلى استبعاد الكثير من الحقائق، لأنها لم تتحمل تساؤلاتنا الداخلية المتشكلة أصلا من حيواتنا وذواتنا ومن انصهارنا بين طيات العرض كنتيجة طبيعية في منظومة الإثارة الذاتية والخارجية، أو لأن ''حقيقة جديدة" متناقضة مع تلك الحقائق التي أوردها العرض، كانت تتنافس بداخلنا في الحيز نفسه، أو ببساطة شديدة لأن تلك الحقائق لم تعد كذلك فالكثير من حقائق الأمس ما عادت تملك أقداما قوية تقف على ارض رجراجة قابلة للتحول والتغير كثيرا في ظل عولمة لها القدرة على الشطب والإلغاء والاستحداث والخلق، وعلى كل حال، فإن تلك المفاهيم التي اعتبرناها مرجعياتنا لم تعد كذلك، ووجدنا أنفسنا فجأة سائرين على غير هدى، لكن القدرة المثالية التي تحلى بها النص والإخراج في الهدم والبناء والعزف على تجليات فلسفية جعلنا ندرك ما نملكه من إمكانات تفسيرية تأويلية تحليلية .. اي ان العرض صنع منا على نحو ما نقادا أجبرنا على المعايشة بصدق مع ما أورده أمامنا من حقائق قابلة للتشكل بصورة حقائق أخرى بمقاربة واضحة مع الميتا مسرح، ورغم تلك التطمينات من قبل العرض في عدم التيه لكننا نبقى غير قادرين على رسم طريق موثوق فيه ينظم منظومتنا الفكرية ومعتقداتنا الأصولية نتيجة للكم الهائل من الحقائق المتضاربة الناتجة في مخيلتنا كجمهور لم يدرب من قبل بقية العروض طيلة عقود من الزمن فالمتفرج يحتاج تدريبا من قبل العرض المسرحي حاله حال الممثلين والكادر الفني بإستدراج المشاهد للتعاون والتفاعل معه بإنبثاق مجال إدراكي بوعي مغاير جديد يزاوج بين النقيضين الحقيقة والواقع من جهة والخيال والواقع من جهة أخرى وخيال آخر سلطته اكبر من الحقيقة ومنها الى بناء هرم من الأحلام يعلو بجدية واضحة وبالتالي صناعة مشاهد يصنع المعجزات بإنتاج حقائق تنظم حياته عندما يستشرف المستقبل.

واحد مكرر : لقد سحقت رأسي بقدمك الكبيرة جدا

واحد : أتمنى ذلك .. ولكنني كنت نائما

واحد مكرر : في الحلم كنت أنت على شكل قدم كبيرة الحجم جدا .. وأنا لم أكن سوى.. ؟؟ نعالك

واحد : وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تعترف بها

واحد مكرر : ولكنك أخي .

واحد : ( يصرخ به ) أسكت ( يتحّول الى قدم كبيرة الحجم ) أسكت أيها النعال .

واحد مكرر : ( يتحّول الى نعال ) قدمك كبيرة وأنا لست سوى نعال صغير لا أتحمل ثقلك سيدي

واحد : ( يسحقه ) عليك أن تتحمل قدم سيدك وتصمت

واحد مكرر : أمرك سيدي القدم

واحد : قدرك أن تكون نعالا  وقدري أن أكو ن قدما  كبيرة

وما مر من حوار هو شيء من الحقيقة التي تحدثنا عنها والتي وقفت بقوة وهي تلغي كما هائلا من الحقائق التي تكونت لدينا فيما مضى مردها تواضع التجربة الانسانية او عدم الخوض والسباحة عميقا في هذا العالم الضاج بالحقائق المتضاربة ، حيث خرج لنا واحد بحقيقة مفادها ان الحياة لا يمكن لها الا ان يكون فيها هو السيد والاخر العبد ولو تغيرت هذه الثوابت قيد انملة فذلك يعني الطوفان والخراب والدمار فهو لا يمكن له ان يتصور نفسه على اقل تقدير بموازاة واحد متكرر يتنفسان نفس الاوكسجين وهذه الجزئية تجعل التعايش وفقا لظروف حادثة جديدة في تساوي الرؤوس وقامتها امرا مستحيلا لذا آثر واحد مكرر ان يبقى وفقا لما يريد واحد على الاقل للحفاظ على مكتسبات العبودية وهي العيش الذليل مع قدر ضئيل من المشاكل والا كانت نهايته الاكيدة لو انه تبنى التغييرات الجديدة في المنظومة الحياتية التي تجمعهما.

حسنا فعل علي صبيح حينما كان يخرج عن نطاق النص ببعض القفشات الكوميدة والتي حافظت بعض الشيء على حياة المولف ولم تعلن موته نهائيا .. ومعالجة علي صبيح بهذه القفشات اتت لاجترار المؤلف لمفهوم واحد لم يحيد عنه ودورانه المستمر حول نقطة أحادية في بث المعنى وأهمها العبودية والتبعية من خلال الأحلام كما في حلم القدم والنعال وحلم الرب والعبد وحتى في المشهد الأخير بالموت الذي طال واحد نتيجة العمل الانتحاري فهو لم يخرج عن هذا المفهوم، وقد يشفع للعرض هذا الاجترار هو لتأصيل المعنى وتأكيده على اعتبار ان العرض وجد اصلا من اجل إدانة هذه الثنائية في التقارب الوجودي بين الاثنين، وما يشفع له كذلك ان الاجترار اتى بإشكال متعددة لم تأخذ طابع النسخ في المعنى، ولو اعتبرنا جدلا  ذلك اجترارا وتقشفا في البناء الصوري نتيجة لتواضع ما في الخلق والإبداع، الا ان المخرج تمكن من الخروج من عنق الزجاجة بما يناسب العرض جماليا من خلال عناصر العرض التي أنعشت الحدث وجعلته يسير بشكل بياني متصاعد أعطى المتفرج متعة كان ينشدها من أول جلوسه على مقاعد النظارة .

بعض صور الإدانة ل(واحد) من قبل العرض أتت بطريقة ساخرة ربما لا توافق الواقع لكنها طرحت بشكل قصدي لتأصيل الفكرة الأساسية باتهام هذه الشخصية المنحرفة عقائديا ونفسيا وأخلاقيا بجملة من الاتهامات التي كانت سببا لسيره المنحرف من خلال أحداث المسرحية وكما في هذه الحوارية:-

واحد : هذه التقارير موقعة ومختومة ونسخ أصلية .. وكلها تشير بأنك عبد آبق

واحد مكرر : آبق ؟ ماذا تعني كلمة آبق ؟

واحد : ليس مهما ماذا تعني ، المهم بأنك آبق

هنا دليل على جهل الاثنين رغم ان القصد هو للمدان الأكبر(واحد) في هذه العملية المسرحية وان كان ليس مقياسا جهل معلومة ما لان يكون جاهلا بغيرها لكنه جهل مبرر لجهل آخر فامتناع واحد عن شرح معنى كلمة آبق يعطي تبريرا للمشاهد ان هناك قصدية من قبل الكاتب لبناء تصور معين باتجاه رفض واحد بكل تفاصيله والذي لم يملك الحجة المناسبة لمواجهة تساؤلات واحد مكرر فجميعها أتت هروبا من الإجابة السليمة الواضحة بلا لف او دوران، وهنا دليل واضح على عدم رسوخ هذه العقائد في داخله بسبب ضعفها من جهة وعدم امتلاك واحد لما يؤهله للدفاع عنها بعلمية وعقلية وشرعية من جهة اخرى.

واحد : اسكت .. كنت شنيعا

هنا إشارة من طرف خفي للكاتب بان واحد مكرر هو شيعي لاعتبار عرفي متخلف ممتد في طيات في التاريخ وقول متداول سيسيولوجيا(ان الشيعة شنيعة) نعم .. تبدو العبارة ساذجة لكنها مؤكدة وواقعية في الموروث الشعبي للطرف الآخر او لمن هم غارقون في أتون الطائفية، وبالتالي ربما تتساقط في أيدينا دلالات واضحة بإدانة واحد وتبرئة واحد مكرر بهذا الشكل الواضح في إحالات لا تستعصي على المشاهد الحصيف.

ما الغاية التي أراد الوصول لها او الهدف الذي نشده الكاتب حينما أعطى من يمثل الإرهاب والشر رقم واحد والطرف الأخر واحد مكرر .. هنا تراكم فلسفي يحتاج التفكيك والفرز، هل يعتقد بان الشر سبق الخير في الوجود بتأويل خلق الشيطان ثم خلق ادم كتكرار لعملية الخلق وبالتالي إسقاط وجاهة الشيطان بواحد مكرر مما ولد لدى الشيطان او واحد هذا الكره والبغض الشديدين  لادم وواحد مكرر .. وتأويل التكرار يشي بأنهما واحد وخاصة في جزئية الشر لكنها أي جزئية الشر أخذت إشكالا مختلفة متباينة في القوة والتأثير،  وربما الشر لدى واحد مكرر مستقبلي سيحدث لا محالة لو توفرت له الظروف المناسبة وهو في اصل وجوده ناشيء من رحم منظومة الشر الاصلية الشيطان او واحد مكرر وكما هو حاصل فعلا في قتل قابيل لاخيه هابيل او ما قامت به بعض الاطراف المحسوبة على واحد مكرر من خلال القتل على الهوية في مناسبات عديدة كانت تبعا محضا لشرور الشيطان وواحد.. وهناك الكثير من المواجهات الفلسفية بين الكاتب والعرض من جهة والمتلقي من جهة اخرى كان ممكن لنا الإشارة إليها لولا الرغبة بعدم الإطالة والإسهاب.

المرأة وحضورها في العرض المسرحي كان مثيرا للجدل الفلسفي خلقه المخرج كتفسير وترجمة لوحي النص رغم عدم وجودها ظاهرا في النص لكنها موجودة بنيويا وهي تقدم لهم الشراب بطاولة نادلة متحركة مع شيوع الأنوثة بمغزى فلسفي، وهذا التقديم يوحي بشيء من الحقيقة على اعتبار أنها مصدر الغواية في إثارة النعرات بين واحد وتوأمه، وربما المرأة هي رمز لشيء مادي لشيء جماد لا حياة فيه كالثروات التي يزخر بها الوطن، والصراع الحاصل بينهما هو للاستئثار بهذه الثروات وكشيء انثربولوجي ميثولوجي معروف وماثل في الذاكرة هو الاستئثار بالسلطة التي تطوع كل هذه الثروات والمنافع الكبرى في الاستعلاء وفرض الوجود على حساب الآخر حيث أكدته الأحلام المتعلقة باستعباد واحد لواحد مكرر ..وكان لهذا الوجود الأنثوي في سجالات الاثنين وقعا لتوسيع مدى الخلاف بينهما وتعظيم الفرقة الوجدانية التي اعطت طابعا مغايرا للصراع الديني الذي تولد بينهما في اول مشهد ظهرا به على ساحة الوجود الفعلي الواقعي او على ساحة الوجود المسرحي مع انطلاق مساحة الضوء الكاشفة للشخصيات. ومما اصل الحقيقة في ان المراة عامل فرقة وتناحر بين الاثنين بدءً من مشيتها الغنجية وجمالية جسدها المتلوي كأفعى فضلا عن تازيم صراعهما بمجرد ظهورها امامهما وهي تحمل ادواتها السحرية في تعقيد المشهد وبث سمها الناقع في جوفها على وجوههما الآخذ بالغليان عند درجاته العليا.

في نهاية المطاف وبعد قيام واحد بتفجير نفسه بحزام ناسف برفقة واحد مكرر لا لشيء الا لنقمته على العالم وعلى من يخالفه هواجسه الغير مبررة علا وارتفع مشعلا بمعنى كبير ان من كان سيره بهذا الشكل المنحرف فلن تعالجه كل ادوية الدنيا وحتى الموت لن يكون له سبيل لتصحيح مساره حيث راح يكرر واحد وهو بين يدي الآخرة بعد موته نفس الاسطوانة المشروخة :_

واحد : أحب أن أذكرك بأنك كنت كافرا في الدنيا

واحد مكرر : ( مرتبكا ) كافر ؟ أأوووووه .. حتى هنا في يوم القيامة أيضا ؟

واحد : حتى هنا يا واحد مكرر

واحد مكرر : وكيف اكتشفت بأنني كافر يا واحد ؟ بالمجهر ، بالمكرسكوب ، بالسونار ،

تضرب بالتخت رمل ؟ كيف ؟

واحد : كافر .. لأنك لا تصلي

واحد مكرر : لا مشكلة عندي مع الله حتى أصلي له

واحد : ( يهذي ) وهكذا اكتشفت بأنك كافر ، أبي وأمي لا يصلونها في أوقاتها .. هما كافران أيضا ، خالي وخالتي وعمي وعمتي لم أرهم يصلون صلاة الصبح .. هم كافرون جارنا القريب لم أره يصلي صلاة الـ ...، وجارنا في آخر الشارع لم أشاهدهم في الجامع يوما .. هم كافرون ..جدتي وجدي ماتا وهما على فراش المرض وكان يفترض بهما أن يم يموتا على سجادة الصلاة لذلك هما كافران ، العالم كله كافر.. أرى ان العالم كله كافر كافر بن كافر بن قحبة بن نعال بن قواد بن..

ما مر هو لحلحلة المعنى وسبر اغوار هذا المعنى الكاشف عن الحقيقة التي تجلت من خلال نص العرض وقد تكون قراءتنا من السوء بما يواطيء ما قاله دريدا بخصوص التفكيكية والذي اصفه في محاولة القبض على المعنى المتشظي كمن يمسك جسما لزجا كالسمكة مثلا فهي لا تستقر بحال من الاحوال في يد ممسكها .. فالقراءة الحادثة انيا سبقتها قراءات اخرى وتتلوها قراءات اكبر وجميعها اساءة قراءة للنص الاصلي لانه هوية الكاتب اناه التي تحدث بها والتي لا تشبه باي حال من الاحوال اناتنا الاخرى لكنها الكينونة الدرامية هي من تحفزنا للقراءة المتواصلة للاشياء ومصدر ما اعني من خلال الاتي...

بما ان المسرح ثورة تشكيلية كبرى ومن صفاتها التأويلية انها تكوين حادث شيء جديد متمرد على شيء سبقه في الوجود لذا يقودنا هذا القول ولإيماننا ان ما نقدمه شيء حداثوي لذا يجب للحداثة إن تَتْرِك للمتلقي حرية إنتاج مدلولات العرض من جديد، وإشراكه في إنتاج الدلالة الغائبة عن العرض، لكن العرض مارس سلطته لتثوير معنى واحد وبخط مستقيم هو ان الطرف الاول ارهابي والطرف الثاني ضحية وكما يعرف الجميع ان العالم يعيش الحداثة شاء ام ابى لانه خلق من رحم التطور وتدرج تكوينيا حتى غدا بهذه الصورة الفكرية المتعاظمة والمتفرج جزء من هذا العالم لذا كان وما يزال احساسه الكبير بانه كائن درامي يعتاش على إعادة التشكيل بتغييرات داخلية وخارجية مادية ومعنوية منطلقة من ان كل شيء تغور في اعماقه قنبلة موقوتة اسمها الثورة فهو عاشق للدراما للحركة للغليان للافكار المتجددة المتعددة لكنه أي المتلقي احجم عن هذا الفعل عندما عجزت الصورة المعروضة امامه في بعض مفاصل العمل عن تفجير ما بداخله كوظيفة استشراقية لتدوير التغييرات المتشكلة والحادثة لديه وفقا لاستقراءه السابق فقد وجد بونا شاسعا بين ما يؤمن به من جماليات درامية وبين فواصل خبت اضواءها كنصر درامي يشده بقوة للمتابعة نتيجة الركود الفكري في الخلق والابداع. 

والان نخطو بقراءتنا نحو عناصر العرض العامة والتي هي في جميع الاحوال تمثل هوية المخرج الفكرية وطبيعة رؤاه الفنية وذلك من خلال تسليط الضوء على بعض الجوانب الفنية ومدى فاعليتها في اكساب العرض جماليته الخاصة التي تتحول لدى المتفرج لاحقا الى متعة وهي الغاية والهدف الاول من المسرح.

الايقاع

في رأيي الخاص ان ايقاع العرض المسرحي هو انفعال خارج عن نطاق الماديات فهو احساس روحي وشعور داخلي يتولد نتيجة لتفاعل مادي تشترك في نشاطه التركيبي وسائل وعناصر العرض عموما فهو من الطاقات المتولدة والتي مكانها الروح اتت هذه الطاقة نتيجة للمادة السمعمرئية وكلما كانت الوسائل والعناصر المسرحية من الجمال المتفجر كلما كانت هذه الطاقة يسيرة الدرب في ان تلامس الروح وتجد لها منفذا فيها لذا عرفنا وترسخ لدينا منذ اول سلمة في عالم المسرح ان الايقاع صناعة روحية لها القدرة على إضفاء الحيوية والتدفق على النص المسرحى، وعلى العرض المسرحى عموما، وهو أي الايقاع يتمثل لديَّ عاملا لترابط عناصر النص أو العرض المسرحى مع كشف هويته الجمالية لدى المتفرج .. عموما الايقاع يحمل صفتين مترادفتين مهمتين كسبب لجمال ونتيجة اخرى بصورة اعمق لجمال آخر لا يخرج عن هويته الاولى في النشأة والخلق.

في العرض المسرحي آخر نسخة منا عانى العرض المسرحي من الايقاع المتراخي والذي احتكره البطء احيانا وفي بعض المثابات، ربما كان ذلك امرا مقصودا للايحاء بالجو العام للقضية التي من اجلها اجتمع الجميع في هذا السرح وهذا البطأ اتى رغم الشد والتوتر والرغبة بالمتابعة مع استحصال المتعة بشكل عام وكذلك تواجد الايقاع بصورة اخرى ايقاع زمني غير الايقاع الذي نعنيه مسرحيا ايقاع ايقظ الكثير من الموروثات بصحبة الذاكرة.. ومرد ذلك التراخي في الايقاع نتيجة تكرار الصور المتشكلة والناشئة سمعيا وبصريا، فلم نرى صورا جديدة على مستوى الشخصيات وتطورها والحدث وتقلباته والزمن وقفزاته والمكان وايحاءاته والتي جميعها يجب ان تنفعل كيمياويا وفيزيائيا مع بقية عناصر العرض الاخرى الواقعة في حدود وظيفة الميزانسين وهو يكشف لنا حقيقة الجمال لدى السينوغرافيا، وهذا التراخي لم يعكس مدى الصراع الناشيء بين واحد وتوأمه، حيث تولد لدى المتفرج التوقع بما سيحدث او وقوفه على مشهد واحد لم يتطور كثيرا ، وكذلك انزياح المباغتة وافعال الدهشة بعيدا مما يعطي بعض الانطباع بالكسل لان الايقاع كما يفهم من وظيفته في العرض هو الحيوية والاشراق حيث لاحظنا كمن يرى سقيما بدينا لا يقوى على خدمة نفسه. لكن ما شفع للعرض هو الثيمة العامة للعرض وبعض عناصره الاخرى كالاضاءة والديكور والبيئة العامة للعرض مع التأكيد كي لا نغمط حق الكادر على تواجد بعض الهمة الايقاعية والتي صارعت من اجل بروزها امام هنات التراخي والاجترار. ومن خلال عتبة الايقاع التي هي الصورة الاجمالية والمحتوى الرئيسي لكل عناصر العرض سنلج عرصة العرض المسرحي آخر نسخة منا وسنأتي عليها تباعا .

الزمن

من خلال العرض المسرحي برز زمن فلسفي جاور الزمن الحقيقي والزمن المسرحي اتضحت فعاليته الاجتماعية - بالإضافة إلى الجمالية بجلاء من خلال مفصليات النص كموروثات عشناها لانه زمن منفعل متحرك نشط يجمع كل ازمنتنا الحاضرة والماضية والمستشرفة للمستقبل.. اما الزمن البصري او الزمن المسرحي وان كان محدودا بحدود الاربعين دقيقة الا انه كان ملخصا لتراكمات نفسية غيرها الزمن المفتوح الممتد وهو يشمل كافة التواريخ القديمة والحديثة وفقا لما يترتب من فكر ناشيء من خلال سلوك واحد وتراخي سلوك واحد مكرر وجدناه ماثلا في اذهاننا وكأن العرض يقول وفقا للعنوان :لقد مرت نسخ كثيرة منا على مدى زمن طويل منذ اول يوم لوجوده كمعيار للحياة في تقدمها وتطورها وحان الان لنختم باخر نسخة منا وهي النهائية ولن تروها بعد ذلك في حياتكم بالتعويل على متغيرات مجتمعية وحكومية ودولية نراهن عليها في حرق كل النسخ القديمة والوعد بعدم تناسلها مستقبلا... مع ملاحظة ان المكان والجو العام لم ياخذا امتداد الزمن بطرق متوازية مصاحبة بل انحصر في فجوة ضيقة كانت مهمة لتاكيد هوية ما لزمن معين، عناها الكاتب والمخرج بقصدية مسرحية حيث انهما لم يريدا ان يكون الزمن بحس انتروبي قاتل في عدم طرق هذه الجزئية وتركها كشيء مبهم في ابجديات الفكر المنحرف والشاذ عن حقيقة الانسان في دفن الاشياء دون حراك لتخلد للارض وتتفسخ وينعدم وجودها لدى الانسان والذي اتى وجوده بمسار مواز للزمن الذاهب بعيدا بسرعة قطار لا يقف عند المحطات الا للتزود بالوقود ومواصلة الجري مع ملاحظة ان لحظة التزود بالوقود هي فرصة لحمل بقية المسافرين الذين يؤمنون بان لهم في قطار الزمن مقعد مخصص لهم اجباري النزعة بحتمية قاهرة في الجلوس عليه ومواصلة الرحلة مع الاخرين وان عدموا  معرفتهم  او الاحساس به، وهذا ما يؤكد وظيفة المسرح في التثوير والتنوير وخلق عالم خيالي بحياة اخرى. وفي حدود بعض الافرازات اللفظية للنص كان الزمن معطلا عند محطة معينة وحديثة لا زلنا نعيش فصولها محطة لم نتجاوزها كثيرا فهي تعيش بيننا على مستويين مستوى الذاكرة الجمعية ومستوى الواقع الآني واللحظي التي نستيقظ الصبح كل يوم على لسعاتها الحارقة والمثيرة لاسترداد الزمن بتضاد مزاجي كحادثة مكررة وذكرى تطيب بعض الحروق العميقة لكن كما قلت انفا ان الفكر العام لما ترتب عن مواقف واحد يختبيء تحت جبة زمن ازلي سرمدي. خاتمة العرض لم تقطع دابر الزمن في جريه الحثيث نحو النهاية المفتوحة في ظل الحدث وحبكته بل جعلته خالدا عند هذه النقطة التي من اجلها كتب النص وتم العرض حيث بدا مفتوحا بزاوية 180 درجة ومما يؤكد هذا الراي هو حوارية واحد وهو في احضان الاخرة في لحظة التهيء للثواب والعقاب...

واحد : ( يهذي ) وهكذا اكتشفت بأنك كافر(اي شقيقه السيامي) ، لانك لا تصلي ...أبي وأمي لا يصلونها في أوقاتها .. هما كافران أيضا ، خالي وخالتي وعمي وعمتي لم أرهم يصلون صلاة الصبح .. هم كافرون جارنا القريب لم أره يصلي صلاة الـ ...، وجارنا في آخر الشارع لم أشاهدهم في الجامع يوما .. هم كافرون ..جدتي وجدي ماتا وهما على فراش المرض وكان يفترض بهما أن يموتا على سجادة الصلاة لذلك هما كافران ، العالم كله كافر.. أرى ان العالم كله كافر كافر بن كافر بن قحبة بن نعال بن قواد بن

المكان

من خلال التجارب العالمية لكبار المخرجين تبرز للسطح وبجلاء قضية مهمة تتلخص في اختيار المسرح، اي فضاء العرض المسرحي ومن اي نوع هو وبأي حجم ومساحة والذي ممكن للعرض من خلاله ان يحقق النجاح المرجو وفقا للصدق في الكشف عن طبيعة البيئة في النص او في ذاكرة المخرج مع مراعاة العوامل النفسية الحادثة لدى الجميع بدءً من الكاتب وانتهاءً بالجمهور .. وكما يعرف الجميع ان مسرح العلبة الايطالية اصبح مسرحا شكلانيا قوض الرؤى المسرحية وبعض الجوانب الفنية الحسية المتبادلة مع الجمهور وخاصة في المسارح الكبيرة ذات الكراسي العديدة نتيجة لمحدودية الصورة المختزنة في عين المشاهد لذا كانت هناك بعض الثورات التي تميع الشكل في خدمة المعنى بعمارة مسرحية موائمة لما سيطرح بتأصيل العلاقة الفرجوية وارهاصات التلقي .. يقول عميد المسرح سامي عبد الحميد في احد لقاءته الصحفية لا يمكن ان اتصور المسرح اكثر من ستين كرسيا بل اقل.. لان التماهي في خلق الذروة المتقابلة بين المتفرج والعرض هي تلك الحميمية والقرب الروحي والنفسي الذي يؤجج الفعل الدرامي لخلق الصور الماثلة في الذاكرة اي ممارسة الممثل عملية نبش للذاكرة نتيجة هذا التلاقي والتصادم المباشر حد الجلوس في احضان المتفرج..ومن هذه المسارح المهمة التي تشكلت على غرار اجواءها المكانية والنفسية ثورات مسرحية كبيرة بتجارب ثرة وناجحة تخدم التلقي (منتدى المسرح العراقي)التي عمقت الحقيقة العولمية الحادثة في يومنا هذا ومضمونها ان العالم قرية صغيرة بل هي غرفة ذات ابعاد صغيرة تجمع كل مخلوقات الله في مدى زمني يحجمه المخرج بطريقته الخاصة في المعالجة وضخ الصور التي تلخص الحياة بنوع يقترب من الواقع وبصدق واضح .. وهذا ما لمسناه من خلال مضمون العرض الذي توارى خلف المكان الذي بدا موحيا اننا نعيش في اجواء خانقة وكأننا في قبو او قبر وكان الاثنين يعيشان الاهمال التاريخي والاجتماعي وذلك  بالاعتماد على الملفوظ المستتر الذي يبطنه الحوار ومن خلال عواصف الجدال المغيرة للقناعات بين وليدين سياميين يعيشان متلاصقين في غرفة واحدة وربما كان المكان صندوقا خشبيا حبس دميتين فيه بتكميم للافواه او هي دمية واحدة تتخذ اشكالا مختلفة تميل للكذب في السرد، جمهورها الذات الواحدة للدمية نفسها كما في الدارج من القول (يضحك على روحه) ولتقريب صورة التقارب بين الاثنين كان ممكنا للمخرج ان يكتفي من الشخصيتين ككائن منظور للعملية المسرحية برمتها بوجهيهما فقط وهما في ترابط سيامي ..وهذا الاستقراء يمثل مدى عجزهما اي واحد وواحد مكرر عن اتيان فعل ولو في حدوده الدنيا لمغادرة هذا التحجيم الكبير الذي مارسه المخرج عليهما .. وهي دراسة موفقة للمخرج لطبيعة ومضمون المكان في رؤى الكاتب او طبيعة التفكير المنغلق مكانيا لدى المتفرج الذي وجد نفسه بالتاكيد في قلب الحدث وفي قلب واحد وواحد مكرر ليزاوج بين مضمون النص وبين توجهات العصر وتحييز المكان لخدمة الفكرة الرئيسية.. لذا بعد كل ما قيل ابارك لعلي صبيح هذه القراءة المتميزة في اختيار مكان العرض فضلا عن تفكيره الرائع في الاقتصاد بكل شيء وطأته الاضاءة امامنا لتاصيل الفكرة لدينا وحصر القضية في مساحات ضيقة وربما اراد علي صبيح بهذا التحجيم بالانغلاق عن كل شيء لاعتبار فلسفي مفاده ان صراعهما ضيق المعنى وربما لا يعني احدا بالمرة صراع وتقارب ثنائي حد ان يراهما الرائي واحدا.. ومن هذه الانفعالات الاقتصادية التي هي نتاج طبيعي للسيامية بين الاثنين: الحركة ضمن حدود المكان الجغرافي او بعبارة ادق ضمن السجن التاريخي والديني الذي حبسا فيه انفسهما وان كان من المفروض على المخرج ان يراعي قضية الرمزية بكبح جماحها في تعكير الصورة الدرامية بتحجيم جماليات الحركة والانتقال لما لهذا الامر من تعطيل عجلة الايقاع والذي سنناقشه في خانة الايقاع منفردة  .. فالتشكيل الحركي والاقتصاد به امر ورد في العرض لغاية محترمة لكي تكون الدلالات واضحة ودقيقة لدى المتلقي وكي لا ترتسم الفوضى في مفاصل الصورة وتشويه معالمها.. كذلك الاقتصاد في الاضاءة والديكور والازياء وفوق كل ذلك الاقتصاد في الصورة والحدث وهو ما جعل العرض يسير بخانة واحدة وبخط مستقيم اخمد الكثير من التوهج.

العناصر الشمية

عطفا على جزئية المكان ومراعاة الحميمية من قبل المخرج في اذكاء الذاكرة الجمعية .. تم التاشير من قبلنا على موضوع مهم يلبي احتياجات هكذا حميمية لتكتمل الصورة لدى المتفرج الذي اتى الجميع من اجل خدمته فكريا وروحيا وينحصر هذا الموضوع بجزئية مهمة هي العناصر الشمية كان من المفروض كفعل شعوري داعم لثيمة العمل ولقيمة وطبيعة المكان ان تكون القاعة مفعمة برائحة البخور او رائحة القرفة او رائحة الشاي وحبذا لو وضع على طرف محيط كادر ومستطيل الاضاءة كحصر للمشهد ابريق شاي يغلي او صوبة من نوع علاء الدين القديمة او كل ماله سبيل لتاجيج الذاكرة الجمعية الحميمية بين الانسان واخيه الانسان فالعنصر الشمي لا يقل كثافة للحظور والتاصيل عن بقية العناصر الكلاسيكية للعرض المسرحي وكل ذلك هو لجر المشاهد وان ابى لمنطقة الثيمة المهمة للعرض كشكل عام.  

الميزانسين والسينوغرافيا

اهتم المسرحيون الكبار على عمومياتهم ومرجعياتهم الفكرية والفلسفية بخاصية مهمة في انتاج تكوينات العرض المسرحي الا وهي الميزانسين والذي يعني وفقا لما اعتقد به من جمال مسرحي انه نظام ميكانيكي دقيق  يوظف النص بترتيب مفصليات السينوغرافيا وفقا لمباديء تراعي عين المتلقي التي يشوبها ادق الشوائب حينما تعتري الصورة فوضى من نوع ما بعملية سمعىبصرية متوازنة ومن خلال اخر نسخة منا خلق علي صبيح ميزانسين بآلية محايثة للتشكيل الفكري باستنطاق ايقونات السينوغراقيا الدرامية التي انتظمت عندها عناصر العرض بقيم جمالية مثلتها الدقة والبساطة بتفجير معان ورؤى عبر تشكيلات مختلفة تكشف عن الحالات الشعورية المتصارعة لدى الشخصيتين من خلال التقابل والتضاد بين الاثنين حاول المخرج بروزتها لهدم الواقع السيامي بطريقة الوجل والحذر الشديد من الاقتراب من ديناميت على وشك الانفجار ومرد هذا الوجل هو انحلال الفكر الى موروثاته وبالتالي خلق اسئلة يصعب الاجابة عنها .. لكن بالمجمل وجدنا ومن خلال دقة الميزانسين صحة وجمالية اجراءات السينوغرافيا التي عضدت العرض بجوانبه الفلسفية والفرجوية.

التمثيل

كون الممثل احد عناصر السينوغرافيا والتشكيل الحركي فهو جزء مهم من ابجديات الميزانسين ونجاح الممثل يكمن في المخرج من خلال كيفية توظيف المكان لخدمته وطبيعة وجوده الهندسي داخل مربعات المنطقة الجغرافية المحددة بالبقعة الضوئية لا طبيعة المكان كجغرافيا مسرح كامل الابعاد. وبما ان الممثل كائن منظور يجب ان تصل جميع افعاله الحركية واللفظية والحسية بشكل واضح ودقيق للمتلقي الفرجوي .. حيث شاهدنا نتيجة لفرض الطبيعة الحركية المقتصدة للممثلين احتاج الممثل احيانا للثبات أو السكون، غير أن هذا الثبات أو السكون حتى وان كانا موضعيين فهما يحتاجان إلى إيماءة أو إشارة أو حركة تدل على ما هو ملفوظ في داخل فضاء القلب او محجوز في علبة الذهن لأن الأفعال بطبيعتها تحتاج اتصالًا مباشرًا أو غير مباشر بين الشخوص الذين يكونون في قلب الحدث وهذا ما وجدنا عليه الممثلين فقد كانا  بدرجة عالية من التماهي مع طبيعة وظروف المشهد حيث كانا على درجة عالية من التركيز مما يجعلنا نتفائل بنجاحهم هذا كتجربة مسرحية مهمة اولى في المسرح العراقي .. كما ان الممثل في اداءه لابد ان يختلف من مسرح لاخر لاعتبارات نفسية تفرضها فضاءات العرض والطبيعة المفترضة لحقيقة الشخصيات وبما ان منتدى المسرح حميمي التلقي لابد ان يكون الاداء الحركي وطبيعة الالقاء من السلاسة والهدوء وعدم الغرابة الى درجة انك تجلس متحدثا مع صديق او حبيب او احد الاقارب ومن الدرجة الاولى لتواجه الجمهور بالطريقة التي توحي بانك تسرد عليهم حكاية خاصة مهمة لها القدرة على تغيير القناعات ، أي ان يكون الاداء على اقل تقدير قريبا من السينما دون مد نهايات الكلمات كما هي العادة في اداء اسلافهم في الستينيات والسبعينيات حيث وجدنا الممثلين في اقصى حالات الاسترخاء المطلوب كحالة مغايرة في الاداء التمثيلي المسرحي .. وحبا بهذين الممثلين نصيحتي لهما ان لا يكونا موزعين بين الانتروبيا والتطور فهما يملكان الرغبة في ان يكونا حداثويان متجردان من جبة الماضين وفي نفس الوقت لا يملكان ادوات التطور التي تجعلهما كائنين اخرين اكثر اقناعا وذلك لانهيار المد السينمائي لديهما احيانا والاتجاه باداءهما الى الاسلوب الكلاسيكي الجاف المتكلف. كما لاحظت عدم مطابقة اللفظ مع الحركة، والايماء واللمحة والحركة مع الموسيقى .. كما ان الوجوه لم تتضح عليها الريئكشنات والانفعالات المناسبة للحدث حيث كانت وجوههم باردة جدا وهذا الامر هو من عطل بعض من عجلات الايقاع التي ننشدها في نجاح العرض.تتعدد الدلالات بتعدد النبر الصوتية وكي لا يشت تفسير وتاويل الدلالة لدى المتلقي بالاتجاه الخاطي يجب على الممثل ان تكون نبرة صوته وفقا لواقعية الحالة كي تصل الفكرة بدقة غير مشوهة وفقا لنظم الدلالة اللغوية لكن الممثلان لم يتعاملا مع هذه الجزئية بتفنن في بعض المواقف .. لكننا نرى فيهما مشروع مهم لممثل جيد لو كثفا من مشاهداتهما المركزة لممثلين اخرين ذوي خبرة وحضور عال.

الإضاءة

 بما ان الإضاءة فلسفة جمالية، وإيقاع لوني ينظم الحدث والظروف المحيطة مع صناعة اللوحة العامة للمشهد وذلك للوظائف العديدة والدلالات المعرفية المرسلة من خلال الاختلاف في الشدة والتباين البصري لذا وفقا لذلك يجب ان تراعى جزئية الاضاءة بشكل محترف والا الخراب والخسران والفشل يكون نصيب العمل وضياع الجهود المذولة للجميع.. حقيقة في هذا العمل وجدنا الفلسفة اللونية حاضرة لدى المصمم من خلال نجاح العمل في خلق الجو الدرامي بشفرات لونية راعت كثيرا طبيعة الاجواء والظرف العام وذلك من خلال اللون ودرجة الإنارة او كميتها وتوزيع البقع على الخشبة وهى بهذا أي الاضاءة كانت عاملا مهما في تحقيق النجاح المرجو من خلال تحقيق الرؤية الكاملة للعناصر الثابتة والمتحركة على الخشبة رغم الالوان ذات المد الموجي المتواضع حيث تأكدت الاشكال بدرجة رؤية واضحة من خلال تكوين فني متميز مازج بين الالوان وعكس الحالة النفسية العامة للحدث ولما يعتمل دواخل الشخصيتين .ز لكن وبما ان الحلو لا يكتمل ابدا وجب ان نعرج على بعض الملاحظات المهمة في تكوينات الاضاءة .. في مشهد السرير والنوم عليه وقوفا اختار المصمم اللون الاحمر فوق راس واحد مكرر بكتافة وكمية اكبر من واحد الذي بدا خابيا، وبما ان اللون الاحمر من الالوان الدافئة والتي تبعث على الايحاء بالغضب والكره والحقد وهي اشارات لا تناسب مكرر فهي من اختصاص واحد لانه هو من يحمل هذه الصفات، ولكن المصمم قد يعترض علينا بان الاختيار للون الاحمر هو كلون متوهج عام واستخدم بهذه الكيفية للاشارة ان الحياة لدى واحد مكرر متوهجة لانه بانتوغرويلي محب للحياة لا يناكد نفسه لذا بدا اللون الاحمر فوق متوهجا وخابيا لدى واحد صاحب الفكر المتشدد المتشنج دائما الذي يعشق الظلام والليل والذي ينشط فيه لاعتبارات نفسية تؤكدها الاية القرآنية ومن شر غاسق اذا وقب .. الاضاءة المسرحية كما قلنا تحمل شفرات ورسائل قد تكون غامضة تحمل تأويلات كثيرة ومن هنا يتأكد نجاحها حينما تتعد التأويلات الفلسفية وهذا العمل رغم بساطة اضاءته الا انه اثار التوهج لدى وعينا المخيال في ترتيب الصور الحادثة على خشبة المسرح ..فالاضاءة الزرقاء الممتدة في مقدمة المسرح عرضا بدت وكانها اشارة للطريق وثمة تساؤل يبرز للسطح وفقا لهذه العلاقة المتباينة الى اين نحن سائرون لان  هناك مجهول ولدته ارهاصات العلاقة الغير متكافئة شعوريا وشكليا بين الاثنين كما انها قد تعني الموروث العقائدي في وجود نهر من الخمر يتجول في الجنة كعروق الاوردة في جسم الانسان والذي يرافق ظهوره هو الفتاة الجميلة التي تقدم لهم ما لذ وطاب او قد يكون في تأويل فنطازي ما دام وجوده يرافق وجود الفتاة يجب ان يتخذ كمكب لنفايات الاثنين وطرحها فيه على اعتبار رفض من كان سببا في تناحرهم وتضادهم .. وقد يريد المصمم من خلال اللون الازرق الايحاء بسيطرة قيمية ضوئية من خلال اللون الازرق الذي يمتاز بأكثر حساسية لإعطاء الإحساس برتابة الحياة وموت الوقت بافتعال الصراع المفتقد لادواته الفاعلة فيما بين الاثنين. الضوء في المسرح يوحي بالاستدلال على الزمان والمكان حيث لاحظنا اقتصار الاضاءة على زمن معين ثابت لم يتغير الا وهو الليل مما يعطي الانطباع قليلا بتواجد حلم ما في ذهنية احدهما او الايحاء بطبيعة ما يبيت في النفوس من قبل واحد وهو يعيش الكره والبغض للجميع وربما اراد بالاقتصار على زمن الليل ان الحياة متوقفة لدى الاثنين حياة ميتة بتعبير فنطازي لتأكيد العنوان واعتبار هذه النسحة من الماضي نحن من اعادها بقصدية لتكون بين ايديكم بعض الوصايا مع تزويدكم بالامل في نهايتها.

للإضاءة جماليات لا تحصى من خلال إستخدامها للون وتمازجه والشكل الهندسى للبقعة الضوئية وتفاعلها مع شكل آخر، والتقنيات الحديثة التي تغلبت على إمكانات المسرح المحدودة، كما أنها تقوم بهذه المهمة من خلال التأكيد على جماليات أخرى كالحركة و التكوينات البصرية الأخرى لذلك وجدنا الاضاءة هنا بشكل عام تتمتع بشيء من الحرفية في استنهاض كل تلك الوظائف والمعاني. لكن تفاجئنا في جنبة من جنبات العرض حيث نعرف وكما هو معلوم ان مكونات الصورة يحي ان تراعي عند تصميمها ايصال المعنى السايكلوجي للمتفرج لكننا لم نرى ذلك حاضرا في الكشف عن طبيعة جزئية مهمة وهي الكوميديا والتراجيديا فالعمل كان مزاوجا للكوميديا والتراجيديا والمفروض ان تعكس الاضاءة بعض الايحاء والعزف على العامل السيكلوجي في تغيير اللون وكثافة البقعة في سبيل تمكين المتفرح على التمييز بين طبيعة الملفوظات والتعابير الحركية للممثل وفهم المعنى المراد مع توجيه بتلازم معرفي بهذا الخصوص .ز وقد نجد التبرير لذلك ان العمل برمته هو عملية احتجاج كبرى على الواقع الاجتماعي وكذلك المسرحي فهناك رغبة بالثورة على كل كلاسيكيات الماضي بدءا من العلاقة بين واحد وواحد مكرر على ارض الواقع وانتهاءا بعلاقة المتفرج مع العرض عموما . رسم مصمم الاضاءة الصراع باساليب فنية عالية من خلال حركتها وكثافتها ولونها ونوعها وزاويتها لذا لا توجد مواقع ميتة على الخشبة فالجميع يتواجد لوظيفة همة الجميع يتكلم بلغة بليغة .. وما يميز الاضاءة برفقة الديكور والطبيعة الهندسية للمثل انها اتت رشيقة بمعادلة ضوئية كاشفة للمعاني .

الموسيقى والمؤثرات الصوتية

المؤثرات الصوتية لم تكن حاضرة ولم تستطع التعبير عن الحلم والواقع بشكل مقنع حيث تم التغافل عنها بشيء من التسامح.. ولو ان الموسيقى المستخدمة كانت لآلة شرقية تلائم اجواء المكان وبيئته الخاصة كآلة العود مثلا لكان افضل واكثر دعما للايقاع العام للعرض .. فالموسيقى الغربية المستخدمة لم تخدم الايقاع والحركة بشكل عام .. كما انها عانت من التعارض بين هدوئها وطبيعة واحد كبركان انسان متفجر وهو يعيش التضاد مع العالم وتوامه السيامي..

الازياء

كانت ملابس الممثلين من الازياء العامة والمتداولة والبسيطة في حياة الجميع وهي القاسم المشترك للاردية المستخدمة في يومنا الحاضر ..حيث كانت عبارة عن قميص وبنطلون .. وهو اجراء واقعي مهم قام به المخرج للوصول لحميمية خاصة مع الجمهور وهي من ملابس الظهور اليومي العادي أي ان القصة من واقعنا المعاصراو هي قريبة زمنا لنا .. كما ان اللون والنوع للازياء لم يختلفا بين الاثنين فقد ظهرا بشكل واحد لا يتبين احدهما عن الاخر وهي اشارة الى ازدواجية الفعل وتبادل الادوار، اليوم شاهدنا واحد وهو يقسو على واحد مكرر وغدا نجد العكس . وفي المجمل كان التوفيق حليف جزئية الازياء لتوافقها مع الخط العام للعرض والتوجهات الفكرية بتاويلات واشارات مهمة ترسخ الواقع بصورة مخيالة منتجة للمعنى.

الديكور

كل شيء على المسرح له دلالة متمركزة داخل بنية الدلالة الكلية للعمل المسرحي بجميع مكوناته لا يشذ عنها ولا يحيد قيد انملة والا كان تغريدا خارج السرب مما يسيء بقوة لعين المتفرج وسمعه واحساسه.. والمتفرج هنا هو الملك الذي لا يعصى ابدا والذي يتعاضد جميع من كان حاضرا على اديم الخشبة وخارجها على اسعاده وكسب رضاه، وهذا الامر نراه متحققا في التجارب المسرحية الحديثة المقتصدة في تاثيث الخشبة فقد تطور شكل العرض المسرحي بجمالية متفردة من خلال تحويل ايقونات الديكورات الواقعية الجامدة إلى ديكورات تحمل علامات ودلالات أعمق بتعويضها بأفكار أخرى تدل على معنى اوسع وباحجام اصغر وابلغ تحتويها البقعة او كادر عين المتفرج، لكنها اعمق فعلا في احساس المتفرج واكثر صدقا في تحويل انظاره لهدف وغاية وثيمة العرض.وعطفا على ما سبق، كان هناك في احد المشاهد سريرا في حالة وقوف أي ان مسانده الاربعة متكئة على الحائط، لكنه كان شاهدا على احلام واحد وتوأمه مكرر مما يؤكد انه وضع بهذه الكيفية بقصدية علاماتية باشارات وشفرات متعددة وفلسفة متحركة كي يعطي الانطباع بان الاحداث تجري في ساعة نوم الاثنين وهنا مغايرة وتضاد مع الشكل السائد وهنا يتحقق لدينا ما ذهبنا اليه في ان المسرح ثورة على الجمود والنمطية لتحقيق المتعة وكما تعرفون ان العلامة لها القدرة على التحول والاتحاد بعلامات اخرى قد تكون حادثة ليست مبيتة سلفا لدى المخرج او المؤلف ومن هنا يبرز تاويل المتلقي لينتج هو الاخر علامات ربما بعيدة جدا عن اصل العلامة لكنها وليدة هذا الحراك الفكري للعرض المنتج للعلامات القابلة للتاويل، ومن جملة هذه العلامات اننا نتيجة لهذا التغيير الكبير في طبيعة الحياة وسلوكيات الفرد وبالتالي المجتمع كحالة عامة اعترتها الفوضى اننا اصبحنا ننام واقفين وربما نتحد بعلامة جامعة لنا كاشارة لما مر به المواطن وهو نزيل السجون كان كثيرا ما يجعلونه في قلق مستمر بالنوم وقوفا، وكذلك قد يكون تأويل هذا الشكل بالقول ان الخوف والوجل الذي يعتري الاثنين انهما في حذر دائم من الاخر لذا كان سريرهما عموديا ونومهما لا ياخذ شكل الاضطجاع وبالتالي هي صور ممتلئة بالانسجام تدعو المتفرج على إعادة تشكيل رؤاه بوعي كبير. وفي حقيقة الامر هذا التشكيل الفني الجمالي بصناعة الديكور خلق ايقاعا خاصا وهو واقع لا ينكر وجوده في ظل التقدم العلمي الذي خدم الممثل داخل الاحجام في عدم تشتيت فكره وتركيزه وجهده البصري ،وهي بالتالي طريقة فذة تجاوزوا بها الديكورات الضخمة والتزويق الذي اتعب الحاسة البصرية للمتلقي فضلا عن الممثلين في كثير من العروض المسرحية. كما ان السلاسة في تحريك الديكورات اصبحت عملية جمالية ايقاعية متفردة وليست كما في السابق مجرد ظهور واختفاء للديكور وبطريقة فوضوية، وهذا الامر ينبع من قضية عرفانية مهمة مبدأها اسقاط الاضافات من خلال المسرح وهي من وظائف الميزانسين لتحقيق الجمالية الروحانية القائلة اسقاط الاضافات من الجمال. الا ان هذا الاقتصاد الممنهج في الديكور اضر بعض الاحيان بايقاع العرض نوعا ما من خلال تكرار المشاهد بنفس الصورة مما منع خلق المتعة المتوخاة من اسقاط الاضافات .. نعم تعدد الديكور في المشهد الواحد مرفوض وخاصة بالاحجام الكبيرة المرهقة للمثل والمتفرج لكن هذا لا يعني ان يتكرر المشهد بنفس الديكور وكأن الزمن والمكان لديك متوقف وانت تدعي الحداثة. والتطور في كل شيء. في النهاية وفيما يخص الديكور فعلي صبيح كان يبحث دائماُ عن خصوصية الأشكال المسرحية ومحاولة كسرها لخلق الشكل المتناسق بإسقاط النمطية والخروج على التصاميم المسبقة بخلط الأنواع الجمالية وتداخلها كحديقة غناء بصورة لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

المتفرج

كان للعرض المسرحي قابلية على خلق متفرج مغاير بوعي باتافيزيقي خالق للمعنى اعتماداً على العلامات (الرموز والإشارات والدلالات) الحادثة امامه محولا عالم الواقع المسرحي الى عالم الواقع الخارجي ومن ثم إلى عالم الاحتمال مع خوض غمار جدلية ميزان المعطيات وطريقة فك شفراتها.. وبالتالي انتاج عملية قيصرية لدى مكنون المتفرج في تثبيت جدوى المسرح كمتعة وعلم وتطهير.

الخاتمة

ابارك للكاتب علي عبدالنبي الزيدي على جرأته وشجاعته لطرقه باب هكذا موضوع جدلي اخذ منا الكثير روحيا وجسديا لانصاف الاطراف المتصارعة في خبايا النص.. كما اشد على قلمه وهو يعالج الجزئيات بافكار كلية لها القدرة على الثبات امام تحولات النص والعرض لدى الجمهور..كما ابارك للمخرج الشاب علي صبيح نجاحه الطيب في اخر نسخة منا وادعوه للمشاهدة المستمرة للسينما العالمية مع تكثيف قراءة النصوص للوقوف على تجارب الاخرين لانها مهمة في تنوير الخيال واثراء التجربة  واكتشاف المناطق المظلمة من النفس. كما ابارك لبقية الكادر نجاحهم وعلو كعب تجربتهم الفذه .

قراءة نقدية لنص مسرحية صورة سيلفي/ منصور عمايرة

مجلة الفنون المسرحية

قراءة نقدية  لنص مسرحية صورة سيلفي/ منصور عمايرة

 مسرحية" صورة سيلفي" تأليف محمد محمد أحمد مستجاب. تتألف من سبعة مشاهد. 
شخصيات المسرحية: عصام شخصية إنسانية/ طفل. شخصيات مادية/ عرائس دمى.
المسرحية للفئة العمرية من عمر 6- 12 سنة، وهي ملائمة للفئة العمرية، وهي مسرحية توعوية، والنص توفر على جملة من المضامين القيمية، والموضوع يتعلق بالحث على التعلم، والاهتمام ببناء الشخصية، والنص المسرحي مدرسي.    
الموضوع/ الحكاية: تبدأ المسرحية بالإشارة إلى غرفة عصام، والتي تحوي العديد من الألعاب، وهي كرة القدم، دبدبوب، الدراجة، الكتاب. يتمحور موضوع المسرحية حول رؤية الألعاب والمعارف القديمة والجديدة. والأحداث تبين عن حالة القلق والاضطراب، التي أصابت الشخصيات بسبب الهاتف أو بسبب عصام الذي أحضر الهاتف، وعندئذ يخيم على الألعاب القديمة الحزن، وتبدأ تفكر بكيفية الخلاص من الهاتف. وبمرور الوقت، يستطيع الهاتف أن يبين للآخرين بأنه ليس سببا بما يجعلهم قلقين حول مستقبل عصام، ويقرر أن يفعل شيئا، ليرجع عصام إلى جادة الصواب، وجادة الصواب الاستفادة من تقنية الهاتف الذكي من دون إهمال الواجبات والمسؤوليات الأخرى، فينضم الهاتف إلى الأصدقاء كصديق يفكر بمستقبل عصام، وتنتهي المسرحية بصورة سيلفي تجمع الجميع، ويعود عصام إلى الاهتمام بدروسه ومستقبله. 
الموضوع / ماهية المسرحية : مسرحية تعليمية، تنبه الصغار إلى ما ينفعهم، وهنا الإشارة إلى العلم والمعرفة، والاقتصاد باستخدام التقنيات الحديثة، والتي تمثلت في النص بالهاتف الذكي، ليكون وسيلة مفيدة، وليس أداة سلبية، تؤثر على مستقبل الطفل، إذ تقلل من مستواه التعليمي، وتبعده عن الاجتماع بالآخرين، كرؤية اجتماعية ضرورية لبناء المجتمع السليم. ويكثر في النص المسرحي، الوعظ والإرشاد والتقرير. 
والمسرحية مدرسية تعليمية منهجية، وتبدأ عندما يتحدث النص عن قلعة صلاح الدين، ومكان تواجدها. 
الكتاب: كان هناك ولد اسمه سعيد.. يعيش في مكان بعيد.. وكان لدى سعيد طائرة ورقية.. مزينة بكل الألوان البهية.. خيوطها طويلة، طويلة.. وكان سعيد كلما شعر بأنه غير سعيد.. يصعد على سطح بيتهم.. ويقوم بقذف الطائرة الورقية في الهواء.. ويترك لها الخيط حتى ترتفع إلى قلب السماء.. ثم تسحبه الطائرة إلى مكان بعيد، بعيد، يتعرف فيه على كل جديد..
دبدوب: وأين ذهب سعيد هذه المرة؟
الكتاب: لقد أوصلته الطائرة إلى مكان يسمى القلعة ..
الكرة: قلعة إيه.. ؟ هل هي قلعة صلاح الدين بالقاهرة أم قلعة قايباي بالإسكندرية..؟
الكتاب: كلا، لقد ذهبت الطائرة به إلى قلعة صلاح الدين بسيناء..
الدراجة: سيناء؟
الكتاب: نعم يا أصدقائي.. قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون بسيناء ..وهي ليست في البر وليست على جبلٍ.. بل هي في جزيزة وسط البحر..وكانت تحمي مصر من ناحية الشرق.." سرد الحكاية يمثل درسا تعليميا منهجيا، وتبدو الغاية توجيه الصغار إلى التراث الوطني المكاني كتاريخ.  
والمسرحية منهجية مدرسية كما في قول موبي: يجب أن تعلموا أنني لست لعبة..أنا هاتف ذكي أنقل الكلام بين البشر.. ولي العديد من الاستخدامات والمزايا الكثيرة.
ومثل قول موبي: كلا، كلا.. ( وكأنه يبكي) إنني مظلوم في كل هذا.. مظلوم.. إنني جهاز صنعت من أجل تسهيل حياة البشر التي تتطور بسرعة كبيرة.. صنعت من أجل القيام باتصال هام أو الاطمئنان على مريض أو صديق.. صنعت من أجل إرسال رسالة مهمة أو إنقاذ أحد في مكان ما.. كما يمكن لي الاتصال بالإنترنت ومنه يتم إنجاز الكثير من الأعمال والاتفاقات بين البشر.. وبي آلة حاسبة كي تساعد في القيام بالعمليات الحسابية المعقدة.. وبي أيضا كاميرا لالتقاط الصور في المناسبات المهمة والسعيدة التي تمر على حياة البشر.. نعم بي بعض الألعاب التي يستمتع بها الإنسان في وقت فراغه.. ولكن ليس هذا الهدف من صنعي.. كما أنني لا أقوم بمزاحمتكم في هدفكم وهو الترفيه وتقوية عضلات الجسد أو حتى نقله سريعًا في زحام الشارع.. أو الاستمتاع بالقراءة.. الحديث هنا حالة تعليمية منهجية مدرسية.
وعظ وإرشاد وتقرير، كما في قول الكتاب: نأمل أن كل ذلك يتغير.. فقد اقترب العام الدراسي الجديد.. ويجب أن ينتبه عصام إلى دروسه ومذاكرته.. "
ومثل قول كرة القدم: يجب تدميرك.. يجب تدميرك بعد أن أفسدت صديقنا.." يفترض بالمسرح أن ينأى عن الوعظ، ويفترض به أن يجعل الشخصيات تمثل الأحداث وتشارك فيها، بعيدا عن التقريرية، لأن المتلقي لديه رؤية فكرية ومعرفية، ليتخذ موقفا ما مما يقرأ، وهذا ما يعني الإيمان بقدرات المتلقي. 
وأمثلة أخرى على الوعظ: " موبي: كلا.. كلا.. يبدو أنه يوجد سوء فهم كبير.. فها أنتم تشتكون مني وتريدون تحطيمي.. ووالد عصام ووالدته يشتكون أيضًا منه.. بسبب تضييع وقته في اللعب عليّ وعدم مشاركته في الحياة معهم.. 
ومثل قول الكتاب: انظروا يا أصدقائي.. انظروا درجات سيئة في جميع المواد وبالطبع هذه هي النتيجة المتوقعة.. 
وكما يقول عصام: قدر الله ولطف يا ألعابي العزيزة.. وأعتذر لكم جميعًا.. أعتذر بشدة عما حدث.. وأعتذر عن كل القلق الذي سببته لكم ولوالدي ولأصدقائي في النادي والمدرسة.. إن موبي ليس السبب يا ألعابي..أنا الذي لم أفهم منذ البداية كيف أستخدمه.. وأن استخدامي السيئ له هو السبب فيما حدث.. " مدرسية وعظية، وقد أشير إلى هذا الكلام عندما تحدث موبي عن سوء الاستخدام، وهنا تنتهي المسرحية بالوعظ، ولكنها كهدف تعد رؤية جيدة. 
عصام: كلا يا ألعابي .. لقد تعلمت الدرس.. ومتقبل أي عقاب ليّ.." هذا الدرس يفترض أن يكون بالحوار والتفكير، وليس بالتقرير. 
الدراجة: ويجب أن تعرف أن الإهمال الذي تسببت فيه هو المشكلة.." الرجوع إلى الوعظ؛ لتكون المسرحية مدرسية منهجية. 
الدراجة: هل تستطيع تلك الألعاب التي بداخلك أن تنقله في زحام الشارع سريعًا مثلما أفعل أنا؟"  فائدة الدراجة تعليم ومنهجية. 
كرة القدم: هل يستطيع بتلك الألعاب أن يراوغ في المبارايات ويحرز الأهداف ويحقق الفوز الجميل؟" فائدة كرة القدم تعليم ومنهجية. 
الكتاب: هل بك معلومات مفيدة أو حكايات مشوقة مثلي؟" فائدة الكتاب تعليم ومنهجية.
مضامين المسرحية: الموضوع الرئيس في النص المسرحي، يتمحور حول النهل من العلم والمعرفة وبناء الجسم السليم، واستخدام التقنيات الحديثة بما يفيد الإنسان. 
كرة القدم: وأنا أصبح جسدي ضئيلًا وخاليًا من الهواء بسبب الركنة.. بعد أن كنت كرة أحب أن أقفز هنا وهناك ويحب عصام أن يسدد بي الأهداف..
الدراجة: وأنا لم يعد يركبني عصام .. ويذهب بي إلى النادي أو المدرسة لممارسة تمارين السباحة.. انظر إلى إطاراتي الخاوية من الهواء..إن أجسادنا تخشبت بسبب عدم التحرك واللعب.. ولم يعد يصيبنا من عصام إلا الإهمال حتى يتم إلقاؤنا في القمامة.. 
الكتاب: أما أنا فصفحاتي لم تفتح ولم يعد يهتم بما داخلي من حكايات مشوقة ومعلومات مفيدة.." الابتعاد عن الألعاب، والابتعاد عن القراءة والكتاب من سلبيات المجتمع، والذي يلهث وراء التقنيات. وهي رؤية اجتماعية جيدة. 
والنص يشير إلى التعارف، فعلى لسان الكتاب: التعارف ليس كلامًا فارغًا.. فبما أننا سنعيش في غرفة واحدة.. يجب أن نتعارف.. 
الدراجة : كما يجب أن نتعاون في الكثير من الأشياء.. 
ومثل قول الكتاب: "وهل يوجد في الألعاب شيء قديم وحديث.. نحن جميعنا نعمل لإسعاد وتنمية مهارات صديقنا عصام.." وهنا إشارة جيدة إلى أهمية اللعب والمعرفة، وهذه قيم إيجابية تنمي رؤية الطفل بالانتماء إلى المجتمع. 
ومن الرؤية الاجتماعية، إذ لا يجوز التخلي عن الأصدقاء كما يقول الكتاب: "يبدو أن صديقنا عصام أكتفي بالموبايل موبي وتركنا.."
والمشهد يرسم صورة حول الشخصيات المسرحية :( الألعاب في هم وحزن، يركن كل منهم في مكان، مع مؤثر موسيقي مناسب على الخيبة والوحدة التى هم فيها)  تبدو في المقولة رؤية اجتماعية ترفض الخيبة والوحدة. 
ومن الرؤية الاجتماعية والتربوية في النص: " موبي: إنني كل يوم أفكر وأبحث عن حل للخروج من هذا العذاب .. بالإضافة - وهذا هو المهم- إلى شكوى والديه منه وقلقهما عليه.. بعد أن أصبح لا يفعل شيئًا غير اللعب بي .. ولم يعد عصام كما كان طفلًا مطيعًا وتلميذا نجيبًا ورياضيًّا ماهرًا.." هنا تأكيد على سوء الاستخدام، وهي رؤية وعظية، وتشير الفقرة إلى جملة من القيم المحببة، والابتعاد عن أي سوء. 
ومن الرؤية الاجتماعية التي تبدو سلبية كما في المشهد: ( حلم، في دائرة على إيقاع موسيقي قلق، والمسرح فوضى من الأضواء الخلابة والتي تتحرك بقلق وفزع، كل من الكتاب والدراجة والكرة ودبدوب يقفون في المنتصف وقد تحولت مجموعة من الموبايلات ترتدي أقنعة وحوش تريد الانقضاض عليهم، وهم لا حول لهم ولا قوة، مع صوت أغنية تدل على ذلك) الفقرة تشير لسطوة الهاتف الذكي على الإنسان المعاصر، وهذا يؤدي إلى إهمال المعارف القديمة. 
ومثل قول موبي: "وهناك تم عمل اللازم لعصام من إسعافات وأشعة على جسده.. والحمد لله أنه لم يصب إلا بشرخ بسيط في ساقه.. وقد قام الدكتور بعمل جبيرة من الجبس على قدمه.. والتي تلزمه بالراحة التامة لمدة أسبوع على الأقل.."  لا يجوز أن نسبب الأذى للآخر، والألعاب القديمة قد تسبب الأذى أيضا، والنص يشتغل على الصدمة، ولكن من الأفضل محاورة عصام كاشتغال في بناء الحوار المسرحي. 
ومن الرؤى الاجتماعية/ المحبة: ( الجميع يحتضنه في حب)
ومثل: "هذه روح السلام التى نبحث عنها في غرفتنا.. " وهي إشارة جيدة لإحلال السلام بدل العنف.
ومثل قول موبي: "كم أنا سعيد أني أعيش بينكما.. وفي ظل هذا الحب والتعاون والسلام بينكما.. " هذه رؤية تؤكد أهمية الهاتف الذكي، وهو ضرورة عصرية.
وصورة السيلفي في النهاية جيدة، وهي ترسم كأغنية تكرارية، تؤكد المحبة في المجتمع. 
المجموعة: صورة سيلفي .. صورة سيلفي..
فيها الفرحة..
فيها اللمة..
فيها الكل موجود..  
المضمون/ التراث: يتضمن النص التراث، ونشير إلى لعبة الأطفال "كيلو بامية". وهي إشارة لطيفة إلى التوافق، واللعب يعني الفرح أيضا. ويعدد النص جملة من الألعاب التراثية للصغار، والأمر يبدو توجيه الطفل إلى التراث، وهي رؤية جيدة، ولكن الأفضل الاشتغال على التراث الأدائي والحكائي. 
وفي النص حكايات أخرى تراثية مثل: حكاية أمنا الغولة.. و حكاية نقار الخشب ..
ومن الأشياء التي يحكيها النص، حكاية سعيد والطائرة الورقية، والتي تصل إلى قلعة صلاح الدين بسيناء، وفي هذا تشويق الصغار للحكاية الأصلية، وهي مدار النص، وهذه الحكاية تمثل التراث المكاني التاريخي. 
***
بناء المشهد: وفي بناء المشهد الحواري للشخصية، يفترض أن يكون النص دقيقا بما يقول من كلمات من دون زيادة، إذ تذكر الشخصية في النص كدور، وعندما توصف تكرر، ومثال ذلك: الكتاب: ( الكتاب يقف ويشرد لحظات) أشعر بأن هذه هي الحيلة التى قال عليها موبي.. 
المجموعة: ( المجموعة تلتف حوله ) وما هي.. ؟ 
وأيضا كما في المثال، الدراجة: ( الدراجة وهي تتثاءب ) أكمل يا كتاب.. أكمل حكاية قلعة صلاح وسعيد.... (  الدراجة تغط في النوم). 
الكتاب: ( الكتاب وهو يبتسم ) ذهبتم في النوم سريعًا هكذا يا أصدقائي.. غدًا أكمل لكم الحكاية .. تصبحون على خير.. 
المجموعة: ( الجميع بفرحة ) صورة سيلفي .. صورة سيلفي.."  
تكرار الشخصية خلل في بناء النص، يتكرر ذكر الكتاب والمجموعة، وتكرر الدراجة ثلاث مرات في مشهد حواري واحد. ولكن في الحوار ذاته، وعندما يحين دور الكتاب، يرسم المشهد الحواري كما يلي: " الكتاب: ( وهو يهدئ من قلقهم) دعونا نجلس ننتظر.. وكما يقولون الغائب حجته معاه.." 
لذا، نجد اضطرابا في رسم المشهد الحواري، ويفصل مرة وصف الشخصية عنها، ويقوم مرة ثانية بتكرار الشخصية في الوصف، ومرة ثالثة يبنى المشهد بشكل جيد، وعلينا أن ندرك أن المتلقي واع لما يقرأه!
 ومن البناء الجيد: ( الغرفة شبه مظلمة، والألعاب جالسون في حالة من الحزن، ويبدو عليهم الاكتئاب) المشهد ملائم للحالة النفسية للألعاب بناء على قرار عصام.
وكذلك: (غرفة عصام، تبدو شبة كئيبة وشبة مظلمة) متوائم المشهد مع الحالة النفسية للألعاب.
رسم المشهد وهو يعبر عن الحالة النفسية جيد، ويتماهى مع أحداث المسرحية. ونشير إلى النغم/ الموسيقى في النص كتذوق فني، ويتماهى مع الحالة النفسية للشخصيات، ويعبر عن الحدث والشخصية والسرد الحكائي: ( يقف الكتاب في منتصف الغرفة فاتحًا ذراعيه، يقلب في أوراقه، وتتحرك الألعاب بصيحات فرحة في طريقهم للجلوس، على أرضيه الغرفة، وقاعة العرض تظلم، تنبعث أنغام موسيقا شعبية بآلة الربابة ويبدأ الكتاب في الحكي). 
ومثل: ( موبي يتحدث بصوت دال على المكر، وتنبعث موسيقا تبعث على الترقب والرهبة) موبي: ممممم، ما الحيلة التى سأدبرها له؟.. يجب أن ألقنه درسًا لا ينساه.."
ومثل: ( حلم، في دائرة على إيقاع موسيقي قلق، والمسرح فوضى من الأضواء الخلابة والتي تتحرك بقلق وفزع، كل من الكتاب والدراجة والكرة ودبدوب يقفون في المنتصف وقد تحولت مجموعة من الموبايلات ترتدي أقنعة وحوش تريد الانقضاض عليهم، وهم لا حول لهم ولا قوة، مع صوت أغنية تدل على ذلك) هذه الرؤية التي ترسم المشهد، تؤكد حالة الفزع والخوف من التقنية الجديدة، والتي حلت فجأة. 
وبناء المشهد في مسرحية صورة سيلفي اندماجي، بمعنى أن السلبية تتلاشى، وهي تنسجب لصالح الإيجابية، فالتقنية ليست حجر عثرة في بناء الإنسان والمجتمع، بل وسيلة حضارية، لتكون صديقة لنا.
***
اللغة: نجد في النص المسرحي، أخطاء لغوية في بناء الجملة واللفظ والتعبير، " يدخل كل من الدراجة والكرة مسرعين وهم يضحكان ويتخابطون بأداء حركي مبهج وسريع" 
"ووالد عصام ووالدته يشتكون أيضًا منه.. " 
"فالتف حوله الألعاب وهم يساعدونه على الجلوس" 
الكرة: قلعة إيه.. ؟ " أيه " اللغة العامية، وبما أن النص للطفل العربي، ينصح الابتعاد عن اللهجة العامية المحلية. 
" لقد قلت لك أنك لن تسطيع أن تسبقنا .. 
لا يسمح لي بهذا الكلام التافهة. 
كلمة مجيىء. 
وكما يقالون الغائب حجته معاه. 
كي يأتي أحد لخذه من العيادة. 
شعر بخطأه.
موبي: كم أنا سعيد أني أعيش بينكما.. وفي ظل هذا الحب والتعاون والسلام بينكما.. " 
ومن ذلك: " هل هي قلعة صلاح الدين بالقاهرة أم قلعة قايباي بالإسكندرية..؟" 
استخدام كلمات غير عربية بحروف عربية مثل: موبايل. 
كلمة الملعون: هذا نص مدرسي طفلي، قد تستبدل بكلمة ملائمة بعيدا عن الشتيمة.
كلمة ثورة: أليس مصطلح ثورة فوق مستوى الصغار؟ ثم إن الحديث في النص لا يتطلب استخدام مثل هذه الكلمة، والعبارة في النص المسرحي، يفترض أن تؤدي معناها بما يتلاءم مع مستوى المقال والمقام، وهنا المقال للطفل، والمقام يعبر عن اضطراب ورفض. 
"وها هي النتيجة.. لم يعد يوسف يذاكر دروسه.. فجاءت درجاته ضعيفة في الاختبار الشهري.." 
عجزا أمه وأبوه. 
الحشو في الكلام: " موبي: هل تعلمون يا أصدقائي أن عصام وهو يسير في الشارع لا يشعر بما حوله.. منذ أن يخرج من البيت وأثناء ذهابه للمدرسة أو النادي.. دائمًا ينظر إلى شاشتي ويلعب الألعاب.. وفي المدرسة أيضًا، يمسك بي من أسفل مقعده بالفصل ويظل يلعب ولا يركز في أي شيء أثناء الحصة..حتى وهو عائد للبيت.. لا يحترس من أي حفرة في الشارع ويتصادم مع الناس وقد يسبه البعض ولكنه لا يسمع حتى سبابهم.. وذات مرة ظلت السيارات تطلق أبواقها وهو لا يسمع أثناء عبوره الشارع بسبب السماعات التي يضعها في أذنيه.. وذات يوم (يضحك موبي) خبط في عمود الإنارة وأصيب في رأسه.. وعندما سأله والده عن سبب الخبطة.. تعلل بأنه كان يلعب مباراة كرة قدم في فناء المدرسة أثناء الفسحة وقد أصيب فيها.." هذه الفقرة كلام غير مجد وفائض. وعلامات الترقيم تصبح مهمة، لتعطي تعبيرا جماليا إيقاعيا في النص، وتعلم الطفل كيفية استخدامها.
وشبيه هذه الفقرة فقرة أخرى، يقولها موبي:( يتحدث بوهن) كان عصام يسير وهو يلعب إحدى الألعاب علي كما يفعل كل يوم أثناء عودته من المدرسة.. وهكذا يصبح في عالم آخر.. ولا يشعر بشيء حوله.. فانتهزت الفرصة. وكل ما قمت به أنني زدت من حماس اللعب بالألعاب التى بي..وكانت هناك حفرة كبيرة يضعون فيها مواسير للمياه. فلم ينتبه للحفرة الكبيرة ولا لموقع العمل وسقط على الفور.. ولأن الأمر كان شديدًا عليه حيث أفقده وعيه.. وحقيبة كتبه المدرسية سقطت منه في عمق كبير ولم يستطع أحد الوصول إليها.. وللصراحة فقد قام العمال بإنقاذه سريعًا من تلك الحفرة العميقة.. وقد وجدوني بجواره ولكني كنت مغلقًا.. لذا لم يستطع الرد علي والديه عندما اتصلا به.. كي يأتي أحد لخذه من العيادة التى ذهبنا بها.. حيث قام أحد المهندسين بالموقع بنقل عصام سريعا لعيادة أحد أقاربه ولم ينتظر مجيء سيارة الإسعاف." 
فقرة مكررة، ويستطيع النص أن يستغني عن الفقرة السابقة، ويذكر هذه الفقرة التي تبين عن الحدث، ويبدو أن النص يصرّ على الابتعاد عن الحوار المباشر مع عصام للإقناع، وهناك وسائل كثيرة لذلك، كتذكيره بكل ما كان عليه قبل امتلاك الهاتف، ليجعله يفكر بطريقة سليمة. 
***
الأحداث: يدور الحدث في النص المسرحي حول كائن غريب، يظهر فجأة في غرفة عصام، ليجعل أصدقاء عصام القدامى يتوجسون خيفة وقلقا من هذا الكائن، والكائن الغريب، أو الشخصية المسرحية الجديدة تتمثل بالهاتف. وكان الأصدقاء القدامى في عيش هني كما يقال، وعندما حل الهاتف أصبحوا يفكرون بكيفية الخلاص من هذا الغريب، وقد علقوا به كل المثالب، التي أدت إلى تراجع مستوى عصام التعليمي، وقد أصبح كثير التشبث بالهاتف، لتنتهي المسرحية بعدما يصبح الهاتف صديقا للشخصيات الأخرى، ولكنه قبل ذلك يتسبب بسقوط عصام في حفرة، فيتأذى عصام من هذا السقوط المتعمد. 
التشويق : يبدو في حالة الاندهاش، وطرح الاسئلة على الموبايل موبي. 
" موبي: أصدقائي الأعزاء .. غدًا سوف تعلمون ما هي حيلتي.." تلك الحيلة التي ستوقع بعصام، ومن تلك الصدمة يرجع إلى أصدقائه، ولم  يتخل عنهم.  
ونجد التشويق عندما يدب الفزع في الشخصيات، وهي ترى كائنا غريبا في غرفة عصام، ( يستيقظ الكتاب، ويطل في دهشة على الموبايل ويفرك عينيه وكأنه يحلم)
الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم.. هل أنا أحلم.. من أنت..؟
(الموبايل موبي يقف وينظر له ولا يرد) ( الكتاب يوقظ كل من الدراجة والكرة في قلق) 
الكتاب: يا أصدقائي .. يا دراجة.. يا كرة.. استيقظا.. 
( تستيقظ كل من الكرة والدراجة  على صوت الكتاب المقلق، ويبدو عليهما الفزع وهما يشاهدان الموبايل موبي، بينما دبدوب ما يزال نائمًا)
الكرة: ما هذا يا صديقنا الكتاب..؟
الكتاب: لا أعرف..؟
الدراجة: هل نحن نحلم؟
الكتاب: كلا، نحن مستيقظون وها هي شمس الصباح تدخل من الشرفة..
( الكرة وهي توقظ دبدوب) استيقظ يا دبدوب.. استيقظ..
دبدوب: هل تم إعداد الطعام.. أين الطعام؟ أين الطعام؟  
الكرة: انظر، انظر..
دبدوب: ما هذا..؟ 
( تنهض جميع الألعاب وهي تلتف حول الموبايل موبي الذي يقف بثبات، بينما هم في حيرة وفزع)
الكتاب: من أنت..؟
( الموبايل موبي لا يرد عليهم وهم في دهشتهم) 
الدراجة: يبدو أنه كائن فضائي لا يعرف لغتنا..
هذا المشهد الحواري، يجعل المتلقي في حالة ترقب ماذا سيكون بعدئذ؟ 
ومرة أخرى، يرتسم التشويق على الشخصيات، كحالة قلق بسبب اختفاء عصام، فالألعاب (تتحرك في الغرفة مجيئًا وذهاباً ويبدو عليهم التوتر الشديد)
الكرة: لم يعد عصام حتى الآن إلى البيت..
الكتاب: لقد سمعت صوت أمه تبكي بشدة وتقول أنه تائه..
الدراجة: ووالده يبحث عنه في كل مكان باقسام الشرطة والمستشفيات..
دبدوب: وأين الفالح موبي؟
الكتاب: يتصلون به ولا يجيب عليهم..
الكرة: إنهم يخشون أن يكون قد أصابه مكروه..
الكتاب: ( الكتاب يقف ويشرد لحظات) أشعر بأن هذه هي الحيلة التى قال عليها موبي..
المجموعة: ( المجموعة تلتف حوله ) وما هي.. ؟
الكتاب: للأسف هو لم يخبرني بشيء.. ولكن هكذا أشعر..
الكرة: أتمني أن تأتي العواقب سليمة..
الكتاب: دعونا نجلس ننتظر.. وكما يقولون الغائب حجته معاه..
الأحداث/ أفق التوقع: ويتمثل انتظار أفق التوقع بالحوار الذي يدور بين الكتاب والدراجة: ( الدراجة وهي تتثاءب ) أكمل يا كتاب.. أكمل حكاية قلعة صلاح وسعيد...
الكتاب: ذهبتم في النوم سريعًا هكذا يا أصدقائي.. غدًا أكمل لكم الحكاية .. تصبحون على خير.. " فالمتلقي سينتظر إكمال الحكاية يوم غد، وفي الغد تحل خيبة أفق التوقع، عندما يشير النص للحديث عن قلعة صلاح الدين في سيناء، كما يبدو في دور دبدوب: أكمل لنا حكاية سعيد وطائرته الورقية بقلعة صلاح الدين بسيناء .. فربما يكون قد عثر على مطبخ القلعة..
الكتاب: يبدو أن طائرة سعيد سقطت في مكان لم أعرفه من قبل.." عندئذ تأخذ أحداث المسرحية منحنى آخر، يمثل خيبة توقع المتلقي، لترجع المسرحية إلى الحديث عن الهاتف والتقنية الذكية، وهو الحدث المسرحي الأهم، وهو مدار الحديث في النص المسرحي. 
***
الشخصيات: وفي رسم الأحداث، بقيت شخصيات الدمى تؤدي أدوارها منذ بداية النص حتى نهايته، ولكننا لا نرى دورا مميزا في الحوار ورسم الأحداث لشخصية عصام الإنسانية. كل الشخصيات في المسرحية رئيسة، وكان دور شخصية الطفل محدودا، ومن المهم أن يكون لشخصية الطفل دور رئيس، ليشارك في رسم الأحداث المسرحية. وكل ما قاله عصام في حواره المسرحي، لم يتعد مئة وخمسين كلمة من مجموع النص، والذي تجاوز خمسة آلاف كلمة. 
ولكن تبدو الشخصيات نامية، إذ يتغير موقفها فيما بعد، عندما تتعرف ماهية الهاتف، ولذا، تقبل الألعاب القديمة بصداقة الهاتف. 
وبما يعني اشتغال الشخصية برسم الحدث، يقول دبدوب: نحن نكرهك يا موبي.. نكرهك، ويجب أن يتم تخريبك كي يعود عصام إلى أسرته وأصدقائه وإلينا نحن أيضًا.." إن شخصية عصام مهمة في المسرحية، ويفضل أن تفكر وتتخيل وتشارك برسم الأحداث، وبشكل أفضل عمّا بدت عليه.  
ونشير إلى ما يتعلق بتعيين شخصية كرة القدم، فعند الإشارة إلى الشخصيات في بداية النص، تستخدم تحت تعيين " كرة القدم "، وتستخدم بتعيين آخر، وخاصة في المشهدين الرابع والسادس، فيذكر مرة " الكرة " ومرة أخرى " كرة القدم". ومثال ذلك في المشهد الرابع، الكرة: انظر إليه وهو لا يستطيع الحركة.." 
كرة القدم: ماذا يا دراجة..؟ هل يوجد شيء ما؟ 
ويتكرر هذا التعيين، والذي يحتاج إلى الانتباه. 
الشخصيات والحوار: إن الحوار في النص المسرحي متسلسل، وكل شخصية تحفظ دورها كمسرح مدرسي، فالمعلومات جاهزة، لتلقن للمتلقي. وفي النص المسرحي حوار جيد، كالحوار بين الدراجة ودبدوب على سبيل المثال: هل هي أحسن منا؟
دبدوب: هل هي مفيدة مثلنا؟ 
الحوار الذي يقوم على طرح الأسئلة حوار جيد، وهو يبين عن اشتغال التفكير والتخييل، وهو مطلب ضروري في مسرح الطفل.  


الجمعة، 5 يناير 2018

قراءة نقدية لنص مسرحية "صفر: واحد " / منصور عمايرة

قراءة نقدية لنص مسرحية "دارين تبحث عن وطن " / منصور عمايرة

قراءة نقدية لنص مسرحية جحا ديجيتال / منصور عمايرة

مجلة الفنون المسرحية

قراءة نقدية لنص  مسرحية جحا ديجيتال /  منصور عمايرة

تتشكل مسرحية" جحا ديجيتال "لكـــــنـزة مباركي من فصل واحد، يتضمن ثمانية مشاهد المسرحية كتبت للفئة العمرية من عمر 6-12سنة، وهي ملائمة للفئة العمرية. 
وشخصيات المسرحية خرافية تراثية حكائية مثل جحا، وهي شخصية رئيسة في المسرحية، والشخصية الرئيسة الأخرى أندرويد،  وهي شخصية تقنية تتشكل في التقنيات الهاتفية الذكية، وهناك شخصيات آدمية بدور محدود تمثلت بالطفلين فصيح ونبيه، والأب والأم، وفي النص شخصيات أخرى حيوانية وتقنية. 
الموضوع/ الحكاية: مسرحية علمية تتحدث عن تقنية الهواتف الذكية، والتقنيات الحديثة، والتي استطاعت أن تسيطر على عقول الناس، وأصبح تأثيرها كبيرا على الأطفال. فينبري جحا غاضبا من وجود التقنية الحديثة، وهو يحس بالمرارة، لأن دوره يتلاشى في المجتمع، ويقرر أن يتعاون مع فايروس مدمر، ليدمر التقنية الحديثة، وفي النهاية، يعدل جحا عن رؤيته التدميرية، بعدما يقتنع برؤية حماره، الذي يطلب إليه أن يتعاون مع أنظمة التقنيات الحديثة، ويكون ضمن عملها ورؤيتها، ويتخلى جحا عن مدمر، الذي هدفه إلحاق الأذى بالآخرين، و( يقف جحـــا وحماره وأنــدرويـــد والعـــم جـــوجـــل منتصرين يحيون الجمهور ).    
أهمية الموضوع: الموضوع يدور حول أهمية أنظمة التشغيل التقنية الحديثة مثل أندرويد وجوجل، والتي تنظر إلى المستقبل كما يقول الأندرويد وهو يخاطب جحا " كل شيء على ما يرام، عد من حيث أتيت، إلى زمنك الذي عشته بما توفر لك من حيلة وفكر يناسب وقتك.. الآن صارت الأمور إلى غيرك من الناس الذين طوروا أساليب عيشهم وطرائق تسليتهم وسلكوا سبلا جديدة للإبداع والتفكير.. فلا تخف." 
ومن أهمية الموضوع التصالح بين القديم والجديد، وباستطاعة التطبيقات التقنية الجديدة أن تستوعب الرؤى القديمة، وتوظفها كرؤى معرفية في العصر التقني. وعليه، فرؤية النص جيدة من خلال الجمع بين القديم " جحا " والجديد " الأندرويد/ جوجل "، وكلاهما يحتاج الآخر. والموضوع تقني عصري، يشغل الناس، ويتأثر به الكبير والصغير، ويقدم خدمات كبيرة للإنسان في كل المجالات. 
المسرحية مدرسية تعليمية منهجية، وذلك كما يفعل الأندرويد بوصف جحا: طبعا، فأنت شخصية مثيرة للجدل يا جحا.. نوادرك انطلقت عند العرب والأتراك والفرس والهنود وغيرهم.. لقد حللت بكل مكان وبجميع الثقافات يا رجل.." يوضح الأندرويد شخصية جحا التراثية. 
ومثل قول الأندرويد: " المشكلة ليست فيما أقدمه أنا وبقية أنظمة التشغيل التقنية من مضامين مختلفة في تطبيقاتنا الكثيرة، ولكن في اختيارات الأطفال.. هؤلاء الأطفال يا جحا هم أبناء أجيال كونتها أنت بحكاياتك. فتوجه بكلامك ولومك لآبائهم الذين علمتهم الحكمة كما تقول وحثهم على أن يوجهوا أبناءهم التوجيه الصائب نحو انتقاء أفضل برامجنا وليستخدموا تطبيقاتنا الاستخدام العقلاني حيث يجمعون بين الترفيه والتعليم معا. قطار التكنولوجيا ماضٍ في سكته، ولا يمكنه أن ينحرف عن مساره لأن شخصا ركبه خطأ.. على كل راكب أن يحسن اختيار وجهته المقصودة." والرؤية المدرسية المنهجية تتمثل بتقديم النصح والإرشاد.   
ومثل قول حمار جحا: " للأسف يا صاحبي بل تفوق عليك ذلك الذي تسميه كائنا أخضر، وانتزع منك آلاف الإعجابات والتعليقات المشيدة به وبمزايا تطبيقاته.. إنهم أجيال الأندرويد يا جحا.. هذا الذي دوخ منافسيه وتربع على عرش أنظمة تشغيل الهواتف الذكية حول العالم بفضل ما يقدمه لمستخدميه كبارا وصغارا من تطبيقات يتكيفون معها بكل خفة وسلاسة.. إنه عالم المتعة المطلوبة اليوم فهل يمكنك توفير ما يوفره أندرويد بدعم من شركة العم جوجل بنكاتك ونوادرك يا صاحبي جحا؟" هي رؤية منهجية علمية حول ما تقدمه تقنية الأندرويد. 
ومثل قول حمار جحا: "أمر مدمر سهل إذا اقتنعت أنت بالتحالف مع أندرويد..يا جحا إن أندرويد يوفر خيارات كثيرة لمستخدمي أجهزة الأندرويد المختلفة.. ويمكنك أن تدخل تطبيقات جحا للأندرويد وتضمن انتشارا واسعا وتستفيد من الابتكارات المتجددة في عالم الهواتف الذكية التي يقبل عليها الاطفال مثل الكبار أو ربما اكثر منهم، إن العم جوجل لا يتوانى لحظة عن تطوير نظام أندرويد ومهما ادعى الفيروس مدمر وغيره من الفيروسات وكذا المنافسين لأندرويد بأن جوجل فقد السيطرة على أندرويد بسبب انتشاره الكبير إلا أنه سيبقى النظام الذي لا يهزم.. هيا هيا يا جحا دعنا نستفيد من هذه التقنية ونستخدمها لصالحنا ولصالح الأطفال الذين جئت من زماننا البعيد مفكرا فيهم وفي مستقبلهم." لكل عصر رؤيته الفكرية والمنهجية، والتي ترسم حياة البشر وتطبعه، والآن يبدو عصر التقنيات، ولذا، فالدعوة تبين عن الرؤية المدرسية كوعظ وإرشاد. 
ومثل الحوار الذي يدور بين فصيح ونبيه، وهما طفلان، فالحوار يبين عن مثالب التقنية الحديثة، والتي تسبب بانغماس الطفل فيها: فصيح: هاه .. ضربة الصاروخ وكوكتيل المولوتوف هيا هيا هيااااا .. سنصعقهم هيااااا.
نبيه: العب وأنت صامت يا فصيح، دعني أركز في لعبتي، ثم إنني مللت من لعبة " الأخوة في السلاح" فالعب صامتا ولا تذكرني بها.
فصيح: وماذا تلعب انت الآن يا نبيه ؟
نبيــــــــه : لعبة سبيدر مااااااااااان .. لعبتي الممتعة التي لا أملُّ منها أبدا.
فصيـــــح : الأخوة في السلاح أفضل منها بكثير.. متعة القتال والحرب وزرع الألغام ورمي قذائف الهاون .. أرجوك لا تقارن هذه اللعبة الرائعة بذلك الرجل العنكبوت الممل.. انا لا أحبه.
نبيــــــــه : أعتقد أنك الطفل الوحيد الذي لا يحب سبيدر مان في هذا العالم.. ذوقك فاسد يا أخي.. كم أنا حزين لأجلك " يتصنع الحزن بملامح وجهه" هاهاهاهاهاها.
فاشارة العب وأنت صامت، ربما تبين عن تفتت المجتمع، ونحن صرنا نرى حلول التقنيات في حياة الفرد، وبات الإنسان منعزلا. وهذا ما تبينه الأم عندما تقول لزوجها: فوضاي؟؟ تقول فوضاي؟؟ و أنا أحاول إسكاتهما .. الحق عليّ أنا لأنني اتحمل كل يوم ولديك اللذين افسدتهما بما تحمّله لهما من ألعاب أفسدتهما وأفسدت أخلاقهما. حتى أنهما لم يعودا يحبان الاستماع إلى كلامي و نصحي.. البيت تحول إلى صراخ وصراخ وصراخ.. ترفع صوتها أكثر.. صراااااااااااخ.. كلنا نصرخ في هذا البيت ولا أحد يستمع إلى الآخر وهذا كله بسببك انت والآن تقول فوضاي؟؟؟؟." 
المسرحية مدرسية/ الخطاب التقريري : " جحا: يجب أن أخلصكم من هذا الوهم الذي يقيدكم وسأعود من جديد ولتقل أيها الصغير أن جحا مات بعدها. سترون كيف أنسيكم هذا الأندرويد الجاثم على تفكيركم." الخطابية المباشرة كإلزام فعلي، تقلل من أهمية المتلقي ووعيه، ولذا يفترض أن يترك للمتلقي تفهمه للموقف، ومن دون إجبار أو وجوب، وتتمثل الخطابية التقريرية بـ " يجب ". 
ونجد الطرح التقريري في قول جحا: ( ينظر إلى المتفرجين من الأطفال محاولا إضحاكهم ) هذا مدمن فيسبوك.. انظروا كيف نسي نفسه لأنه لا يفارق الفيسبوك ليل نهار.. هههه هههههههه .. هل تريدون أن تصبحوا مثله؟؟؟"  خطاب السخرية يحمل الرؤية التقريرية، وكأنه يقول للأطفال : لا تكونوا مثله. 
ومثل قول جحا : بل ضاعوا وانتهى الأمر." خطاب تقريري، إذ يصبح جحا كالشرطي يراقب الناس، ولكنه لا يثق بهم، ليتجنبوا الخطأ، ولذا، فهو الناصح والواعظ. 
وما نحمله على التقرير عندما يشك جحا بمعرفة الأطفال، وربما بمستقبلهم أيضا: " لا يمكنني أن أركن للطمأنينة هكذا وأنا أرى الأطفال مقبلين بهوس كبير على ما تحمله إليهم التكنولوجيا من جديد لا يبحرون فيه بفنية و ذكاء.. إنهم يغرقون يا أندرويد وأنت تقول لي ألّا أخاف؟؟"  وهنا نشير إلى جملة " لا يبحرون فيه بفنية و ذكاء" إن  رؤية جحا تتجاوز النقد إلى زعزعة ثقة الإنسان بقدراته، ونحن نشير إلى الإنسان العربي على سبيل المثال. 
ومن التقرير والموعظة قول جحا : "الأطفال لا يحتاجون ما تسمم به عقولهم من ألعاب عنيفة تنمي فيهم نزعة الشر والعنف، هم يحتاجون عالما مليئا بالحكم والعبر الهادفة والألعاب المسلية والمثقفة في آن واحد.. ماذا بعد المتعة التي تقدمها لهم؟ لا شيء سوى الكثير من العنف والدمار." وعندما نشير إلى الاشتغال على النص، بمعنى أن تتكشف الشخصية المفاهيم والرؤى من خلال تجربتها، وهذا النص موجه للطفل، وكلما قام الطفل بدوره في المسرح، يصبح المسرح أكثر جمالية بعيدا عن التلقين.    
ومثل قول جحا: أجل.. يمكن أن أمنحكم نوادري المليئة بالحكم والعبر لنطور بها تطبيقات مسلية ومفيدة للأطفال.. ما رأيك؟" مسرحية إرشادية مدرسية، وهذه الرؤية، تبين عن إمكانية توظيف التقنيات العصرية بما يتعلق بالماضي. 
الموضوع/ المضامين: تضمنت المسرحية الرؤية العلمية حول التقنيات العصرية، وإن الإنسان لا يستطيع أن يستغني عنها، لأنها تخدمه وتمثل مصالحه ورؤيته المستقبلية، وتعود بالفائدة على المجتمع، فالتقنية مهمة وضرورية في حياة الإنسان المعاصر، كما يقول حمار جحا: " هيا هيا يا جحا دعنا نستفيد من هذه التقنية ونستخدمها لصالحنا ولصالح الأطفال الذين جئت من زماننا البعيد مفكرا فيهم وفي مستقبلهم." 
وهناك رؤية اجتماعية تضمنها النص، إذ يقول حمار جحا: " الحل سهل و الحيلة في ترك الحيل.. اسمع مني ولو مرة واحدة، ودعك من ذلك الفيروس الذي يسعى فقط للتخريب والتدمير.. أنا لا أثق فيه، فكما سيخرب تطبيقات اندرويد ويهدد خصوصية المستخدمين للأجهزة التي يخترقها كذلك سيفعل معك إن منحته فرصة تثبيت نظامك الذي تسعى لإحلاله محل نظام الأندرويد.. أتعتقد أن هذا المدمر سيرأف بك ويتخلى عن مهمته التخريبية التي تمثل نشاطه الدائم وسبب وجوده؟" إن الإشارة إلى مفهوم التخريب تصور رؤية اجتماعية مرفوضة، ويقوم بها الشرير، والنص أشار إلى " المدمر "، وهو الذي يسعى إلى الإفساد والتشويه. 
ومن الرؤى الاجتماعية السلبية، إذ تسبب التقنيات الحديثة العنف كما في قول الأم وهي تتحدث عن ابنيها: تعلمهما التعامل مع الواقع بالعنف؟  والأم تنظر إلى جحا كحالة واقعية حينما تخاطب ابينها: جحا !!! نعم هذا هو الذي سيربيكم ويعلمكم كيف تتعاملون مع الواقع.. وليس مروجو الحروب الذين يشجعكما والدكما على متابعتهم."
 ومن الرؤى الاجتماعية الجيدة، التوافق والاجتماع، ليدحر الشر، ويبدو في المشهد الأخير بعدما يتغلب الجميع على مدمر: (ويقف جحـــا وحماره وأنــدرويـــد والعـــم جـــوجـــل منتصرين يحيون الجمهور ).
***
بناء المشهد: المشهد الأول يبين عن مدى حضور التقنية الحديثة، ومنذ بدايات السنين الأولى للطفولة، والمشهد يؤكد حالة الفزع من هذه التقنية، والتي حلت في كل مكان: ( يقتحم جحا الخشبة ومعه الأقزام السبعة يؤدون رقصة تعبيرية فكرتها تدور حول تحرير الأطفال من إدمان ألعاب النت وذلك بأن يلبس جحا مئزر طبيب ويعلق سماعة ويطوف بين الأطفال الجالسين في أسرَّة داخل مستشفى وفي أيديهم لعب و رضاعات بشكل هواتف ذكية .. والأقزام السبعة يؤدون رقصات استعراضية بمآزر تمريض على أنغام مزيج من موسيقى مأخوذة من ريبرتوار رنات الهواتف المحمولة) هذه الرؤية تكشف حالة الصراع بين القديم والجديد، جحا القديم يجد نفسه خارج إطار الاهتمام، لتحل محلة أنظمة تقنية جديدة، ولذا ستتوافق رؤيته هذه مع القرار الذي اتخذه، وبالتعاون مع الفيروس المدمر، ويكشف المشهد الثاني عن حالة اتفاق سري بين جحا ومدمر "  يضاء الركح تدريجيا.. إلى يمين الخشبة باب فوقه لافتة مكتوب عليها " متجر جوجل بلاي "، يدخل جحا ويحاول استكشاف المكان، يلتفت يمينا وشمالا كمن يبحث عن شخص.. يدخل من يسار المسرح الفيروس "مــدمــر" .. يلتقي جــحــا ومــدمــر و يقفان عند زاوية من الخشبة.. تخفت الإضاءة شيئا فشيئا وتركز عليهما دائرة ضوء معا وهما يتهامسان.." فبناء المشهد يوضح اضطراب جحا بسبب الأنظمة التقنية الحديثة، ولذا يعتقد أن عليه أن يقاوم هذه الأنظمة ويدمرها.  
ومن بناء المشهد، الذي يبين عن فزع جحا من تقنية الأندرويد ( يضاء المسرح على رصيف يعبره مارة كثر جميعهم يمشون وفي أيديهم هواتف ذكية ورؤوسهم مطأطأة يتصفحون هواتفهم.. يمشي جــحـــا وسطهم مشدوها.. يضرب كفا بكف وكله أسف وحيرة.. يلتفت يمينا فيجد طفلا في التاسعة من العمر يجلس على كرسي على الرصيف و يلعب بهاتفه باهتمام كبير.. يقترب جــحـــا من الطفل ويجلس إلى جانبه.. يرقبه وهو يلعب بهاتفه فيما لا ينتبه الطفل إليه). هذه الرؤية ترفض الحالة التي تسيطر على الأطفال، والنص المسرحي لا يفتأ يكرر هذه الرؤية، ليؤكد ما يعانيه جحا، وهي تؤكد رغبة جحا وإصراره على إلحاق الأذى بالتقنية الحديثة، ليعود إلى دائرة الاهتمام، إذ يقول: " أنا من صار غير معروفٍ ويكاد يُنْسَى.. فقد أكل الدهر عليَّ وشرب وترحَّم" . وقبل ذلك المشهد الذي يكشف عن فزع الأطفال وخوفهم من جحا الذي يقترب من الأطفال (ويود محادثتهم.. يظنونه مجنونا فينتفضون فزعا وخوفا ويفرون جميعا.." وهي إشارة إلى رفض القديم، أو الثقافة القديمة، والتي أصبحت نشازا بنظر الأطفال. 
ومن بناء المشهد، الذي يتوافق مع الرؤية الأخيرة للمسرحية، والذي يشير إلى انقلاب جحا وعدوله عن رؤيته القديمة: ( يلتفت الجميع فيجدون مدمر مع رفاقه الفيروسات يحاولون تسلق التطبيقات المنتشرة في المتجر.. يسرع جحا باتجاه مدمر لعرقلته بينما يتجه العم جوجل نحو مكتب موضوع إلى جانب الخشبة به كمبيوتر كبير للقيام بتحديث برنامج حماية يتصدى للفيروس مدمر وأصدقائه. ويدور في المتجر صراع ومبارزات بين جــحـــا وأنــدرويـــد والعــم جــوجــل وحمار جحــــا ضد مــدمـــر ورفاقه.. ينهزم مــدمـــر ورفاقه.. ويقف جحـــا وحماره وأنــدرويـــد والعـــم جـــوجـــل منتصرين يحيون الجمهور ). فالنص المسرحي ينتهي بنهاية سعيدة تصالحية، ويقرّ الجميع بمقاومة الشر.  
بناء المشهد/ الموسيقى: في المشهد الأول، نجد الموسيقى تعبر عمّا تعانية شخصية جحا من الألعاب، وهي تتوافق مع رؤية الحدث " نسمع دقات قلب متسارعة ثم تنبعث موسيقى مختلطة بأنين امرأة في غرفة ولادة ثم صرخة وليد جديد.." 
ومن الموسيقى التي تمثل بناء المشهد، والذي كان يدور حول الألعاب التقنية التي يفتن بها الصغار: ( يركض الطفلان مسرعين إلى خارج المسرح وهما يضحكان والأم وراءهما.. تنبعث بصوت منخفض أغنية قدريندايزر ).
وبناء المشهد منقسم إلى السلبي والإيجابي، فهناك رؤيتان تتصارعان لإثبات الأفضلية، لتكون الأفضلية باستخدام التقنية الجديدة كبنية معرفية، وباتت ضرورة في العصر الآن. 
***
اللغة: نجد كلمات في النص المسرحي غير عربية، ورسمت بحروف عربية مثل: ديجيتال، جام ، ريبرتوار، وروبوتات، تكنولوجيا... 
اللفظ: في النص ألفاظ قد لا تتناسب مع مستوى الطفل مثل: مهووس، مدمن. فمثل هذه الألفاظ، ارتبطت بالحالة النفسية والمرضية لأناس يدركون معانيها تماما، والنص يستخدم هذه الألفاظ، وكأن النص موجه إلى الكبار. ونحن نتحدث عن مسرح مدرسي تعليمي، فمثل هذه الألفاظ قد يكون لها تأثير على الطفل، فينظر الطفل إليها بأنها شيء عادي. والألفاظ التي ذكرت توحي باللامبالاة، فأين سيكون الطفل من هذه الألفاظ؟ 
كلمات ربما تمثل حشوا ولا تخدم النص، مثل قول الأندرويد وهو يخاطب جحا:  " ( منفجرا بالضحك) توقفه ؟؟ لا يا رجل.. لا تقل كلاما لست واثقا منه، لم أسمع أبدا أنك متسرع في إطلاق كلام غير موزون يا جحا، فهل فعلت بك الرحلة الطويلة فعلها وجعلتك تهذي كالمجنون؟؟ " مجنون! هل لهذه الكلمة حضور؟ لأن الهذيان يبين عن الرؤية غير المعقولة، والهذيان لا يرتبط بالجنون أصلا، فالنائم يهذي، والمريض يهذي، والمتعب يهذي... ما أريد قوله، قد تتوقف العبارة على كلمة تعطيها معنى أدق وأجمل من أي زيادة تأتي بعدها، والتوقف على كلمة تهذي، تجعل الطفل يفكر بمعنى الكلمة ومفهومها، ونحن نكتب للطفل، ليتعلم ويفكر ويبحث.
توظيف العبارة الأفضل، وبما أن النص للطفل، يجدر بنا أن نقدم ما يتماشى مع إدراكه المعرفي، وما نريد أن يصل إليه بلغة واضحة، تبتعد عن لغة مخاطبة الكبار، مثل: " يبدو أنك جننت وانتهى الأمر، ونصيحتي لك أن تذهب إما إلى مصحة عقلية وإما إلى زمنك الماضي وبلدك البعييييد، ولتتركنا نواصل حياتنا من دونك يا جحا. " نجد العبارات موجهة إلى الكبار، ونحن نؤكد أن نص الطفل، سيقرأه الطفل، ثم إن مستوى لغة الطفل يتفهمها الكبير، ولكنها تخدم الطفل بصورة أفضل. 
وفي رد جحا على الأندرويد، تذكر في النص ألفاظ موجهة للكبار " يالك من متطاول بائس، سأنتقم منك أيها المعتوه.. ؟" تبدو الألفاظ قاسية مثل: المعتوه، الانتقام، وعندئذ يصبح الخطاب للكبار، ونحن نريد تهذيب قاموس الطفل. 
وقد نجد ألفاظا زائدة في النص، وفي هذا المشهد ( يترك نبيــــــــه هاتفه على الأريكة ويركض وراء أخيه فصيــح محاولا الامساك به، بينما يهرب فصيــح في الغرفة محاولا الافلات من أخيه الغاضب.. يصدران جلبة وضجيجا.. وفجأة يدخل والداهما مسرعين.. ) نجد كلمة مسرعين؟ كأن النص غفل عنها، فجاءت لا مكان لها في العبارة. 
اللغة/ الحشو: نجد في النص استخدام كلمات غير عربية، ويوضح معناها  بلغة عربية جميلة، مثل : "ريلاكس.. ريلاكس مان" خذ نفسا عميقا و اهدأ، فأكيد أنك مجهد من الرحلة الطويلة التي قادتك إليَّ." ولكن اللغة العربية أجمل، وهي في صلب موضوع النص المكتوب باللغة العربية، ولذا فجملة " خذ نفسا عميقا و اهدأ" تعطي التعبير إشباعا للمعنى، وفي إطار الفهم الواضح، وتبعد الطفل العربي عن استخدام كلمات غير عربية، لأن استخدام كلمات غير عربية تصبح قاموسا تعلق بلسان الطفل، ولذا يبقى أثرها مستمرا، وعليه، فإن "ريلاكس" تعد حشوا ولفظا غريبا، ويشوه جمالية اللغة العربية. 
اللغة/ علامات الترقيم: في النص نجد الفقرة الطويلة من دون الاهتمام بعلامات الترقيم، ونذكر أن اللغة العربية جميلة، وعلامات الترقيم تكشف عن جمالها، فهي توضح مواطن السكوت والتوقف والتواصل، فتصبح إيقاعا. ومثل ذلك " يقتحم جحا الخشبة ومعه الأقزام السبعة يؤدون رقصة تعبيرية فكرتها تدور حول تحرير الأطفال من إدمان ألعاب النت وذلك بأن يلبس جحا مئزر طبيب ويعلق سماعة ويطوف بين الأطفال الجالسين في أسرَّة داخل مستشفى وفي أيديهم لعب و رضاعات بشكل هواتف ذكية " إن قراءة مثل هذه الفقرة، تجعل المتلقي يعاني من ضيق، ويفقد النص جماليته، وهذا النص موجه للأطفال، بمعنى أنه متاح لتلقيه من قبل الطفل. 
ومثل قول جحا: "بالتأكيد أعجبتني والمهم هو أن تكون فعالة وقادرة على الصمود إن تم اكتشافها من طرف العم جوجل .
ومثل: "العمل يجب أن ينصبَّ في المرحلة الأولى على اختراق جميع أجهزة أندرويد ثم نقوم بتحطيم كل تطبيقاته ومن ثم سنعمل على  إحلال نظام جديد اسمه جحا ديجيتال أقدم من خلاله كل ما أريد للمستخدمين الذين سيفقدون الثقة في أندرويد الذي لا يحمي خصوصياتهم ولا يقوم بغير تحديث واحد خلال السنة.
ومثل: الحديث عن الأقزام السبعة: ... والهدف من تواجدهم كونهم يسعون مع جحا لانقاذ الاطفال من سحر التكنولوجيا وسيطرة العاب الاندرويد عليهم لاسترجاع حبهم واهتمامهم" هذه الفقرة تتعب القارئ، وعلامات الترقيم ليست تجميلية، بل تمنح النص جمالا لغويا إيقاعيا، واللغة العربية جميلة. 
***
الأحداث: أحداث المسرحية تشير إلى رؤيتين مختلفيتن، أحدهما يمثلها جحا وهي رؤية معرفية قديمة، والأخرى يمثلها الأندرويد، وهي أنظمة تطبيقات وبرامج تقنية حديثة، ولها حضور كبير في المجتمع، وينحصر حضور جحا، ولذا يقرر تدمير الأندرويد بالتعاون مع الفيروس/ مدمر. ويلتقي جحا بحماره، ويدور بينهما حِوار عن التقنية الحديثة، ويقتنع بفكرة الحمار، ويتحول إلى مقاومة المدمر، لتنتهي المسرحية بالانتصار على الشر، والأحداث بينت الرؤية المدرسية التعليمية في النص المسرحي.
الأحداث / التشويق: لا يخلو النص من التشويق، فالحوار الذي يدور بين جحا والمدمر، يجعل المتلقي يترقب الأحداث القادمة: 
جــحــــــــا : هل فهمت ما يجب عليك فعله يا مدمر؟
مــــدمــــــر: طبعا، طبعا.. لا تقلق يا جحا، سأدمر جميع التطبيقات التي تم استحداثها وحتى القديمة، سأفرغ كل الهواتف من تطبيقات أندرويد ولكن قل لي هل أعجبتك التطبيقات الخبيثة التي سأزرعها مكان التطبيقات الأصلية؟ ( يضحك بخبث).
جــحــــــــا : بالتأكيد أعجبتني والمهم هو أن تكون فعالة وقادرة على الصمود إن تم اكتشافها من طرف العم جوجل .
مــــدمــــــر: لن أنسى ما حل بأخي الفيروس المفكك الذي نال منه العم جوجل منذ شهر، لقد توخيت احتياطي بشدة ولن تتكرر الهزيمة، ثم إن ما زودتني به من حيل يا جحا سيعمق من فعالية مهمتي.. اطمئن.
ويبدو التشويق عبر الحوار الذي يدور بين جحا وحماره، ليتعاون مع الأندرويد وجوجل، ويبتعد عن المدمر، وينتهي الحوار بقول جحا: معك حق يا حماري العزيز.. أنت فعلا حمار جحا الذكي.. دعنا نسرع لنلحق بمدمر قبل أن يدمر خطتنا وطموحنا.
ومن التشويق في نص جحا ديجيتال، نجد في المشهد الأول حالة جذب ومتعة في النص، وقد تمثل ذلك من خلال الرقص التعبيري للأقزام السبعة بمرافقة جحا. (يقتحم جحا الخشبة ومعه الأقزام السبعة يؤدون رقصة تعبيرية فكرتها تدور حول تحرير الأطفال من إدمان ألعاب النت وذلك بأن يلبس جحا مئزر طبيب ويعلق سماعة ويطوف بين الأطفال الجالسين في أسرَّة داخل مستشفى وفي أيديهم لعب و رضاعات بشكل هواتف ذكية  .. والأقزام السبعة يؤدون رقصات استعراضية بمآزر تمريض على أنغام مزيج من موسيقى مأخوذة من ريبرتوار رنات الهواتف المحمولة). المتعة جزئية مهمة في مسرح الطفل، وهدفها خلق حالة تواؤم واندماج بتلقي النص المسرحي.
ومن التشويق في النص، الحوار الذي يدور بين جحا وحماره: تتحدث عنه وكأنك مقتنع به وبما يقدمه، هل انت معي أم معه؟ هل أنت حمار جحا أم حمار أندرويد ؟
الحــمــــــار : أنا حمار الفيسبوك هاهاهاهاهاها ." والإضحاك، حالة جذب وتشويق في مسرح الطفل، وله دور مهم بفهم الطفل لما يجري أمامه، وهي حالة ليست اعتباطية أو فضلة. 
***
الشخصيات: الشخصيات مثلت أدوارها في النص المسرحي، وكانت تمثل ثلاث رؤى، فالمدمر يمثل الشر، والأندرويد يمثل التقنية الحديثة التي تخدم المجتمع، وجحا يمثل الرؤية المعرفية القديمة، ولكنه يقبل بالاندماج في التقنية الحديثة. وهناك شخصيات تحتاج لاشتغال أفضل، ونشير بذلك إلى الأقزام السبعة، إذ يتقرر دورها في النص بدور هزيل في بداية النص، وهو عبارة عن رقصة تعبيرية على أنغام الموسيقى " يقتحم جحا الخشبة ومعه الأقزام السبعة يؤدون رقصة تعبيرية فكرتها تدور حول تحرير الأطفال من إدمان ألعاب النت"
والنهاية كانت تحتاج إلى مثل هذه الرقصة، لأن النص انتهى بالسعادة والوئام، وهذا الفرح يتطلب حضور الأقزام السبعة، لأن حضورها يتماهي في النص وهو يصل إلى نهايته، ثم إن هذه الشخصية لا يمكن أن تكون في النص كشخصية عرضية، كأننا نلتقيها صدفة، وأحضرت الشخصية في النص، لتصبغ النص برؤية جمالية حركية، وهذا جميل لو اكتملت الرؤية بالحضور الأخير أيضا، ولا  يكتفى بدورهم الاستعراضي في البداية، ألا يفترض أن تختم المسرحية بهذا الدور؟ وفي المشهد الأخير، سيكون حضور الأقزام السبعة أكثر إسعادا للطفل، ويتواءم دورهم مع النهاية السعيدة، وهذه الإشارة تدخل في إطار التوظيف الأفضل في المسرح. 
الشخصيات الرئيسة نامية، ونشير إلى شخصية جحا وأندرويد، إذ نجد جحا يغير موقفه من التدمير، ويقبل أندرويد بقبول حالة جحا التراثية، وإدراجها في رؤيته البرامجية. 
الشخصيات/ التحول في بنية الشخصية: ويبدو ذلك واضحا عندما يقتنع جحا بما قاله حماره، وعندئذ يقرر موقفا آخر، وهو سيمنع المدمر من تخريب الأنظمة التقنية: "توقف يا مدمر.. توقف عن تنفيذ مخطط تدمير التطبيقات، لست بحاجة لذلك أدعوك لأن تتراجع عن تنفيذ هذه المهمة... لن تنفذ أو تدمر شيئا.. أنا آمرك بالتوقف حالا.. أعط رفاقك اشارة بالتوقف الآن... فعلا أنت مخادع ولا يؤتمن لك جانب.. كيف وثقت بك للحظة، وفكرت في أنك ستكون حليفي.. فعلا لا يمكن للأشرار أن يكونوا سوى أشرارا مع الجميع.. لكني تفطنت لك الآن والفضل يرجع لحماري الذي اكتسب عني الذكاء و الفطنة.. و سأوقفك عن أعمالك التخريبية أيها المدمر الشرير.
مــــدمــــــر: أجل وأنت شريكي في هذه العملية هل نسيت؟
جحا: أجل كنت شريكك.. ثم تراجعت وجئت مسرعا مع حماري لكي نمنعك.. لم أسمح لك بأن تتسلل إلى أجهزة المستخدمين وفيهم أطفال كثيرون وتراقب معلوماتهم ومعلومات ونشاطات أهلهم ببرنامجك التجسسي يا مدمر."
دور شخصية الطفل في المسرحية: النص المسرحي – جحا ديجيتال - نص للطفل، إلا أن دور الطفل في النص كان محدودا، والنص يدور حول ما يقع على الطفل، ولكن الذي يقوم بالدور هم الكبار، في النص "فصيح ونبيه"، وهما طفلان، وكل ما يقوله الطفلان، لم يزد كثيرا على مئتي كلمة من أصل النص المسرحي، الذي تجاوز أربعة آلاف كلمة. ولذا، فإن النص المسرحي يغيّب شخصية الطفل، ودور الطفل في النص قصير. 

المشاركة في المواقع الأجتماعية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption