أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

المشاركة على المواقع الأجتماعية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2017

النساء في مسرح شكسبير

مجلة الفنون المسرحية

النساء في مسرح شكسبير

سامي عبد الحميد - المدى 



وأنا بصدد ترجمة كتاب بعنوان (النساء في مسرح شكسبير) للكاتبة (جوديث كووك ) تعرفت على التحليل العميق ومن الأوجه المختلفة للشخصيات النسائية في جميع مسرحيات شكسبير من الملكات والأميرات والزوجات والتابعات وغيرهن ، ورحت أقارن بما نقوم نحن حين نتصدى لأنتاج إحدى تلك المسرحيات وكيف نحلل شخصياتها على وفق أبعادها المختلفة العضوية والاجتماعية والنفسية والتاريخية وكيف تقتضب وتوجز ونجتزأ من باب الاستسهال والاستعجال . 
في كتابها المشار إليه أعلاه تبدأ المؤلفة أولاً بتعريف القارئ بالمصادر التي اعتمدها شكسبير عند تأليفه مسرحياته وبالأخص التاريخية منها ، وفي الفصول الأربعة عشر تتعرض للممثلات الأقدم والأحدث اللواتي مثلن أدوار النساء في مسرحيات شكسبير وتورد أقوال النقاد حول أدائهن وحول صفات الشخصيات . 
استعرضت مؤلفة الكتاب ما نشر عن بطلات مسرح شكسبير تاريخياً فكتبت (انا جيمس) كتابا بعنوان (خصائص نساء شكسبير الأخلاقية) وقد صنفت تلك الكاتبة النسوة على الوجه التالي : نساء ذكيات مثل (بورشيا) و(روزا لند) و(أيزابيلا) و(سيليا) ونساء عاطفيات خياليات (جوليت) و(هيلينا) و(أوفيليا) ونساء ودودات (هرميون) و(دزدمونة) و(كونستانس) .
من الصعب وضع تصنيف تراتبي ولكن المؤلفة (كووك) صنفت نساء شكسبير كالتالي : النسوة التاريخيات والرومانيات والبريطانيات ، مثل (بورشيا) و(كاربولينا) و(ملكات انكلترا) ، النساء الأرضيات مثل (المحظية كويكلي) والشابات التراجيديات مثل (روزالند) و(فيولا) والصريحات مثل (كيت) و(بياتريس). من الممثلات الانكليزيات القديمات اللواتي مثلن أدوار نسوية شكسبيرية كانت (ألين تيري) و(سارة سيدونز) ومن الممثلات الحديثات كل من (جانيت سوزمان) و(بيغي اشكروفت) و(جودي ديبج) و(باربارا جينورد) و(فينيسا ريدغريف) و(غليندا جاكسون) وكلهن أعطين آراءهن بالادوار التي مثلنها.ورغم أن أدوار النساء في زمن شكسبير كان يمثلها الفتيان ، حيث لم يكن مسموح للنساء أن يصعدن على خشبة المسرح أنذاك ، إلا أن شكسبير اسبغ على نسائه كل الصفات الأنثوية مثل الجمال والرقة والعناد والبراءة وغيرها ، وهكذا كان شكسبير متنوعاً في اختياراته ، متنوعاً ليس بالصفات وحسب بل في الإعمار وفي التوجهات وفي العلاقات مع الرجال وفي المصائر . كل ذلك ثم شرحه في الفصل الأول من الكتاب . 
وفي الفصل الثاني تطرقت المؤلفة إلى النساء اللواتي أحببن رجلاً مثل (جوليا) و(روزالند) و(فيولا) وفي الفصل الثالث تطرقت إلى فطنة البعض منهن امثال (أدريانا) و(كاترينا) و(روزالين) و(بياتريس) . وفي الفصل الرابع تعرضت إلى النسوة اللواتي تظاهرن بانهن قانونيات مثل (بورشيا) في (تاجر البندقية) . في الفصل الخامس تكشف المؤلفة عن فضائل الشابات العديدة ، وهكذا تفصل في الفصول الأخرى إلى أن تصل إلى الفصل التاسع حيث المصير المظلم لعدد من بطلات شكسبير مثل (جوليت) و(أوفيليا) و(دزرمونة) و(كورديليا) وكلهن ينتهين إلى الموت ظلماً وبدون وجه حق وتختم المؤلفة (كووك) كتابها بمناقشة دور الشريرة (ليدي ماكبت) التي حرضت زوجها لقتل الملك لكي يجلس هو على العرش ، ومناقشة دور (كليوباترا) وصفاتها السيئة والحسنة وأسباب حبها للقائد الروماني (انطوني) وصراعها مع نفسها بين حبها لوطنها وحبها للاجنبي المحتل .ولأن المسرح العراقي قد شهد عدداً من عروض لمسرحيات شكسبير اخرجها مخرجون من الرواد ومن الجدد ، ونذكر على وجه الخصوص (تاجر البندقية) و(يوليوس قيصر) و(هاملت) و(ماكبث) و(انطوني وكليوباترا) و(حلم ليلة منتصف صيف) و(الملك لير) وحالياً يتم انتاج (ريجارد الثالث) وعليه أذكّر من يتصدى لأخراج إحدى مسرحيات شكسبير أن لا يستسهل الأمر وان لا يسيء إلى نصوصه العظيمة بالحذف والاجتزاء والتحريف ، بل عليهم أن يدرسوا تلك النصوص بتمعن وأن يحللوا معانيها الظاهرية والخفية وعلاقاتها مع الشخصيات الأخرى وأهدافها وأفعالها الرئيسية والثانوية وبالتالي التأكيد على ثيماتها من وجهة نظر شكسبير نفسها وفق وجهة نظر المخرج الجديد.

الأربعاء، 20 ديسمبر 2017

متى يصبح المسرح ضرورة حياتية عندنا؟!

مجلة الفنون المسرحية

متى يصبح المسرح ضرورة حياتية عندنا؟!

المدى الثقافي 

في الدول المتقدمة أصبح المسرح ضرورة من ضروريات الحياة وحاجة يطلبها المواطنون في حياتهم اليومية ففي المراكز المسرحية في تلك الدول هناك العشرات من دور المسارح يتقاطر إليها الجمهور ويتزاحمون لمشاهدة هذه المسرحية أو تلك ومن شتى الأنواع – الدراما الحديثة والتراجيديا القديمة والكوميديا والمسرحيات الموسيقية . ونادراً ما تجد أبواب مسرح معين مغلقة لفترة معينة بل هناك عروض مسرحية مستمرة على مدار السنة وهناك أكثـر من عرض واحد في اليوم في بعض المسارح – عرض الماتينية وعرض السواريه.



وهناك العديد من المواطنين من يشتري تذاكر الدخول إلى المسرح لمشاهدة عرض معين بوقت يسبق موعد العرض بأيام . المسارح التجارية تعتمد العروض الطويلة الأمد لمسرحية معينة قد تدوم سنوات ، ومسارح الدولة تعتمد نظام (الربوتوار) الخزين المسرحي حيث تتنوع عروضها في مواعيد معينة فمن يفوته مشاهدة هذا العرض ينتظر لأيام كي تسنح له الفرصة لمشاهدته عند الاعادة . 
المسارح التجارية تدر على أصحابها مبالغ خرافية أحياناً مما يشجعهم على استمرارهم في انتاج مسرحيات تجتذب أوسع الجماهير ، ومسارح الدولة – فرق المسرح الوطني تحظى بدعم مالي من الدولة لأن مواردها المالية لا تكفي لتغطية كلف الانتاج وأجور العاملين ، وبالاضافة إلى مسارح الدولة والمسارح التجارية هناك الفرق المسرحية الخاصة وهناك فرق المسرح التجريبي التي تقدم عروضاً مسرحية تستهوي فئة معينة من المواطنين تحاول أن تستقطب جمهوراً أوسع . وكونت تلك المسارح ذائقة فنية متطورة لدى فئات كبيرة من المواطنين حيث يبدأ تطوير مثل تلك الذائقة بواسطة مسرح الاطفال والمسرح المدرسي ومسرح الجامعات. 
اعتمدت ضرورة وجود الفن المسرحي في هذا البلد أو ذاك على محاور عديدة هي كالاتي:
أولاً: محور الضرورة الدينية: حيث نشأ المسرح أصلاً من الطقوس الدينية في بلاد الأغريق، نشأ أيضاً من الاحتفالات الشعبية التي ترتبط هي الأخرى بالمعتقد الديني وبقى تأثير الممارسة الطقسية ملازماً للفن المسرحي حتى بعد أن تحوّل إلى نشاط مدني ، حتى أن العديد من المنظّرين لهذا الفن يؤكدون على أن ممارسة الطقس شرط من شروط الفن المسرحي وراحت بعض الأمم تعمل على إحياء العناصر الطقسية الدينية وإعادة تقديمها بأشكال مختلفة ومنها إحياء المسرحيات الدينية التي تبنتها الكنيسة في القرون الوسطى – الاسرار والمعجزات والاخلاقية وهناك من قام بتحديث تلك المسرحيات كما فعل المخرج الالماني المشهور (ماكس راينهارت) في مسرحيته (المعجزة) التي قدمها أوائل القرن العشرين، وهناك أمثلة اخرى على أحياء المسرح الديني في اوروبا، واصبحت (التشابيه) تلك الشعائر الدينية التي تقام خلال الأيام العشر الاولى من عاشوراء والتي تقدم فيها أحداث من معركة الطف . واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وعدد من صحبه، نموذجاً اسلامياً للمسرح الديني حيث تقام تلك الشعائر سنوياً في عدد من مدن العراق وبالأخص في كربلاء المقدسة وتضم (التشابيه) جميع عناصر العرض المسرحي ابتداءً من النص إلى التمثيل والاخراج والى الأزياء والمناظر والملحقات، وهكذا اصبح المسرح من الضرورات الدينية.
ثانياً: محور الضرورة الاجتماعية الدنيوية: فما أن تحولت الطقوس الدينية إلى ممارسة دنيوية حتى تبنتها المجتمعات ابتداءً من مجتمع أثينا (خمسمائة سنة قبل الميلاد) ، وأحست المجتمعات المتطورة بأن المسرح ظاهرة فنية تجمع أفراد المجتمع وتوحدهم في مشاهدة العرض المسرحي وتفرقهم ذائقة كل فرد وتلقيه الخاص المعتمدة على المحاكاة التي هي إحدى ركائز الفن المسرحي وهي غريزة من غرائز الإنسان وهكذا كتبت نصوص مسرحية مستقلة عن النصوص الشفاهية للطقوس الدينية وإن اعتمد البعض منها على مضامين وأشكال تلك الطقوس ، وشيدت بنايات خاصة للعروض المسرحية بعد أن كانت العروض الطقسية تقام في الأماكن العامة. وتحوّلت مضامين المسرحيات من الغيبيات ومن الأساطير والملاحم تلك التي كانت تعبيراً عن أفكار ومعتقدات أفراد المجتمع وتقاليده إلى أحداث وشخوص قريبة مما هو موجود في واقع المجتمع وما فيه من مشاكل وصراعات بين الأفراد أو بين الأفراد والمجموعات أو بين الافراد والقوى العليا، وهكذا نزل العمل المسرحي من الأعالي إلى الأرض والى الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض بل وحتى إلى أعماقه ودواخل نفسه وإلى (لاوعيه) وإلى (الهو) و(الأنا) و(الأنا الأعلى) .
وكان لا بد من تظهر نظريات تتعرض للظاهرة المسرحية كونها ظاهرة تخص المجتمع وافراده وكان (ارسطو) أول من نظر للتراجيديا وللكوميديا في كتابه (فن الشعر) متخذاً من مبدأ المحاكاة منطلقاً لتنظيراته وراح كتّاب المسرحية في زمنه وفيما بعد يرجعون اليه عند ممارستهم تأليف المسرحيات، ثم بعد ذلك ظهرت نظريات معاكسة لطروحات أرسطو ، وطبقاً لحاجات المجتمع وطبيعة تكوينه ظهرت أسانيد مختلفة من كتابة المسرحية تنوعت من الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية والرمزية إلى التعبيرية والسوريالية والملحمية واللامعقول وكانت تلك الانواع ومازالت تعكس ما في المجتمع من أزمات ومن طموحات نحو تغيير المجتمع إلى ما هو أفضل. 
واذا كانت بعض المسرحيات قد يكشف تأثيرات البيئة والوراثة على أفراد المجتمع فان تلك التأثيرات قد لعبت دورها في تشكيل اسلوب كتابة المسرحية ، كما أثرت انجازات العلوم الانسانية والعلوم الصرفة في اسلوب كتابة المسرحية وعرضها على خشبة المسرح كعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والفيزياء والكيمياء والرياضيات اضافة إلى الفنون التشكيلية والعمارة وفنون الموسيقى والرقص وكلها ظواهر اجتماعية. 
ثالثاً: محور الضرورة التعليمية: نعم المسرح يُعلم ويقدم المعرفة في حقولها المختلفة إلى جمهوره ، ويعلم المسرح ويطور مهارات العاملين فيه، يعلمهم التعاون فيما بينهم ويعلمهم الالتزام ويعلمهم القيم النبيلة ويعلمهم التضحية بالذات لصالح المجموع ومصالح الانتاج ومستواه الفني والفكري . المسرح يوفر لجمهوره دروساً في الأدب وفي التاريخ والجغرافيا وفي مختلف العلوم والفنون وذلك عبر ما تحتويه المسرحيات من مضامين وأحداث وشخوص وأزمات وصراعات وتحولات وأكثر من هذا وذاك ، منذ استخدام العمل المسرحي كوسيلة ايضاح في تدريس المواد الدراسية على اختلاف أنواعها كما افتتحت معظم الجامعات والكليات في العالم اقساماً لتدريس الفن المسرحي نظرياً وعملياً بل وراحت تعد برامج للعروض المسرحية يعدها وينتجها اعضاء الهيئة التدريسية وطلبة الاختصاصات المسرحية المتنوعة ، بل إن عدداً من الدول أدخلت في مناهج التدريس في المدارس الابتدائية والمتوسطة والاعدادية مادة الفن المسرحي بينما عمدت دول أخرى الى انشاء مسارح خاصة للاطفال تقدم مسرحيات مختلفة يبدعها الصغار وتوجه إلى الصغار واخرى يبدعها الكبار لتوجه إلى الصغار وغرضها التعليم . 
رابعاً- محور الضرورة التوجيهية – اضافة إلى وظيفة المسرح التعليمية هناك وظيفة اخرى يقدمها المسرح إلى جمهوره هي التوعية والتوجيه وذلك عن طريق النقد ، نقد كل ما هو سلبي ومتخلف في المجتمع وتركيباته وما هو معيب في سلوك الأفراد وبالتالي الدعوة إلى تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتنافس على ما هو أفضل وليس أدل على ذلك من مسرح (بريخت) الملحمي الذي يحوّل المألوف إلى لا مألوف وبالعكس لغرض النقد والدعوة الى التغيير وتوعية الجمهور بما هو سلبي ومتخلف وتحريض المشاهد على ما هو ايجابي ومتقدم . . نعم كان النقد هو الهاجس الأول لكتاب المسرحية منذ البداية والامثلة كثيرة ومنها المسرحيات الساتيرية الاغريقية ومسرحيات ارستوفان وموليير الكوميدية ومسرحيات إبسن وهوبتمان الواقعية والمسرحية التعبيرية التي تنقد الحرب ومآسيها ومسرحيات بريخت الملحمية بل وحتى مسرحيات اللامعقول العبثية والتي تنقد واقع الانسان في المجتمع الرأسمالي والفوارق الطبقية.
خامساً- محور الضرورة الترفيهية : يحتاج المواطن في أي بلد من البلدان الى وسائل وأمكنة للترفيه والترويج والتخلص من اعباء العمل اليومي ، وليس هناك أفضل من المسرح مكاناً لذلك . ما يعرضه المسرح من صور سمعية ومرئية وحركية سواء كانت مبهجة مسِرة أم كانت كئيبة محزنة فهي تبعث المتعة في نفس هذا المتفرج أو ذاك وتعمل على تهذيب ذائقته الجمالية فقد يطرب لإلقاء الممثل أو لغنائه او قد تجذبه أشكال وألوان الأزياء ، أو أشكال وكتل وألوان وملابس المناظر المسرحية ، وقد تحركه حركات الممثلين أو رقصاتهم أو حركة المناظر المسرحية أو حركة الاضاءة المسرحية، وقد يضحك هذا المتفرج او ذاك لموقف او لشخصية تثير الضحك، وقد يتعاطف هذا المتفرج أو ذاك مع معاناة بطل المسرحية وكل ذلك يدعو إلى التفريج عن كربة او إبعاد التوتر النفسي والابتعاد عن هموم البيت ومشاكل العمل لساعة أو ساعتين وهو يتفرج على الصور المسرحية المتلاحقة وما فيها من شخصيات يمثلها ممثلون بلحمهم ودمهم ولهذا السبب لم يتعرض الفن المسرحي للازاحة عندما ظهر فن السينما أو عندما ظهرت العروض الفنية على شاشة التلفزيون وقد تنقل على الشاشة الفضية ما تفعله الصورة المسرحي ولكن هذا اللقاء بين الممثل والمتفرج هو الذي جعل المسرح باقياً حياً متطوراً ، ولعبت جماليات الفن المسرحي دورها في تسلية المتفرج ومتعته . 
سادساً- محور الضرورة السياحية: اتخذت بعض الدول المتقدمة مسرحياً من الفن المسرحي وسيلة لجذب السواح المحليين والاجانب، فهناك سواح يحبون المسرح يتقصدون زيارة باريس لمشاهدة مسرحيات موليير في مسرح (الكوميدي فرانسيز) ، وهناك سواح يريدون التعرف على المسرح الشكسبيري واسلوب الاداء فيه فيزورون مدينة (ستراتفورد ابون ايفن) لمشاهدة احدى مسرحياته. وهناك سواح يهتمون بالفن المسرحي ويريدون مشاهدة مسرحية (الاميرة توراندوت) التي اخرجها المخرج الروسي (فاختانغوف) وتعرض حتى اليوم في أحد مسارح موسكو وكما أخرجها ذلك المبدع الكبير ولا بد أن أذكر بانني في يوم من الايام قدمت مقترحاً إلى وزارة الثقافة العراقية أن تتبنى مشروع تقديم (ملحمة كلكامش) مسرحياً سنوياً في أحد مسارح بغداد أو غيرها أو حتى في أطلال بابل، وان تتبنى مشروع تقديم مسرحيات مقتبسة عن حكايات ألف ليلة وليلة يؤلفها او يعدها مؤلفون مختلفون ويخرجها مخرجون مختلفون وذلك في قاعة (القشلة) عند شارع المتنبي وفي ذلك جذب للسواح الاجانب لاسيما وان موطن الملحمة الخالدة هو العراق وان بغداد يطلق عليها الاجانب مدينة ألف ليلة وليلة.

الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

"هيئة" الأمل المرتجى!

مجلة الفنون المسرحية

المستقبلية وهوّة الحداثة وخيبة الواقع التاريخي

مجلة الفنون المسرحية

المستقبلية وهوّة الحداثة وخيبة الواقع التاريخي

د. عماد هادي الخفاجي - المدى 

 لم يكن إطلاق وعد الحداثة الطوبائي نزوة معرفية أو مغامرة فلسفية بقدر ما كان لحظة تاريخية بادراك العوز والافتقار إلى واقع مستقبلي يتجاوز عالم الطاعون وإرث القرون الوسطى المميت, فما جاء في خطاب (فرانسيس بيكون) الانكليزي بإخضاع العالم للعقل وأصداء ذلك الخطاب المنعكس في فرنسا بتقديم الذات العاقلة إلى مقام القداسة والسمو معياراً للوجود الذي طرحه الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر إذن أنا موجود).

تلك الأصداء التي زلزلت مملكة القرون الوسطى وفتحت النوافذ إلى عصر الإنسان المفكر الموجِد الخالق في عصر التنوير لتشكل لحظة تاريخية هي لحظة الضرورة القصوى لتصور عالم الإنسان المستقبلي فكانت المحاولات الأولى لبرمجة المجتمعات والمدن عبر تكنولوجيا المدينة ماكينة عملاقة للعيش بالتصميم الهندسي والنسب العلمية للشوارع والأحياء والحارات والمؤسسات والتي معها تم هندسة سلوك المجتمعات وإخضاعها لقوانين الأتمتة غير إن معطيات ذلك المشروع الحداثي لم تكن نواتج سهلة متحققة بما افترضه الخطاب الطوبائي بالحداثة فقد عانى طوال قرون من التخبط ما بين المشاريع الإنسانية للرومانسية والواقعية العلمية التي بقت تدور في حيز فهم التجربة الإنسانية والسيطرة عليها لخلق العالم الإنساني الأمثل ثم الارتداد الكبير في مشروع الرمزية التصوفي الغيبي ثم مشروع التعبيرية بخطاب الفجيعة الإنساني وتكريسه لموقف صدمي اتجه هو الآخر اتجاهاً أخلاقياً وإنسانيا بينما جاءت التكعيبية بمشروعها كبداية لتصحيح مسار المشروع الحداثي لخلق عالم المستقبل ومغادرة التراث الإنساني المميت بتكريسها مبدأ العقل والنسبية والتعدد اللانهائي للمنظورات بما أخرج الفكرة عن إطار الواحدية الذي مثل طابع التفكير الإنساني كل تلك المشاريع كانت هي محاولة في تجسير الهوة الميتافيزيقية ما بين الإنسان وعالمه والتي بقيت مشاريع قاصرة وعاجزة عن التحقق ان لم تكن مستحيلة فانفصال الإنسان عن عالمه هو قدر وجودي ولا يمكن انسنة العالم بانتفاء دور المغايرة في صراع الوجود الخلاق لذا جاءت بيانات (مارنيتي) المبشرة بالمستقبل وحتمية واقع القوى والقدرة كقيم خلق وإبداع خارج معيار الثنائيات الأخلاقية التي أسس لها الإنسان وركن إليها في تدعيم مفهوماته وتقييس نشاطه البشري في عالمه فالمستقبلية تطرح زمنها ليس ماضياً رومانسياً ولا انا واقعياً ولا زمناً سرّانياً رمزياً ولكن تطرح زمن المستقبل القادم كمشروع في طور التحقق والتشكل حيث تتسيد القوانين وقيم الفعل لأجل الفعل والدافعية لتوافر القدرة والقوة الخلاقة الموجِدة كحقيقة مطلقة وبذلك تُجسر تلك الهوة ما بين الإنسان وعالمه ليس بأنسنة العالم ولكن بطرح مفهوم الآلة الكونية الهائلة التي يمتد فيها الإنسان المستقبلي ويندمج فيها ويتشكل من مادتها ويكون مركز حدوسها الكونية فلا يعود ذلك الكائن بشريا إنسانيا ولكن كائنا كلي القدرة تام الملكات متصلا بكلية العالم ومتحققا فيه خارج عوامل الضعف الإنسانية والبايلوجيا البشرية وبهذا المنظور سيشهد المستقبل العالم بوصفه آلة من الكمال تحتوي الإنسان مندمجا فيها خارج إنسانيته قويا قادرا مكتف بذاته محققا لإرادته فينحل الفن الإنساني المترع بعناصر الضعف البشري والمتصل بتراث الطفولة البدائية بالجنس البشري حيث تمركزت في المتاحف والمكتبات والتي لا بد من إغراقها وهدمها وإحراقها وقد دعت المستقبلية لينخلق واقع الإنسان الكائن الكوني المستقبلي والشعر الذي سينحل وسيصبح صوت الماكينة أجمل شعر والذي هو فيض التكنولوجيا الذي تسبغه على العالم الماكينة وخلق قيم جمالية لا إنسانية عمادها القدرة والقوة والاندفاع والتعدد والتزامن التي سترسم في ذلك الواقع المستقبلي أجمل ماكينة كونية حدثت وامتدت في العالم.

الجمعة، 8 ديسمبر 2017

إضاءات في نظرية الدراما

مجلة الفنون المسرحية

إضاءات في نظرية الدراما

 طالب كريم حسن - دائرة الشؤون الثقافية 

تعد نظرية الدراما من الفنون التعبيرية الأولى التي كشفت عن توق الانسان الى المعرفة، وقد جسدت تساؤلاته الوجودية في متون محاكاتها ، إذ تمثل حقيقة وجود الانسان وجدلية الوجودية القائمة على أن الصراع متن الدراما الرئيس، وما الحياة الانسانية إلاعبارة عن صراعات متعددة الاسباب، ومن الصراع نتجت المعرفة، وعند تأمل واقع الحياة بشكل مجرد نجد أن كل ما أنتج الفكر الانساني هو عبارة عن أدراك لماهية صراعاته الروحية والمادية، فالدراما هي الادراك الاول للوجود الذي يحقق صداه الاول في الاسطورة، وما الاسطورة إلا تعبيراً عن شكل الصراع الميتافيزيقي، فكان صورة تعبيرية شفاهية مثلت المدرك العام لسؤال الانسان الأول عن أثر الصراع في حياته، ومن هذا المنطلق في قراءة الدراما جاءت فكرة كتاب (إضاءات في نظرية الدراما) لمؤلفيه( د.سافرة ناجي.. وحمد حماد )والذي  جاء في مقدمته. أن أثر الصراع في حياة الانسان كان أحد الاسباب التي أدت الى أن يقييم طقوسه الدينية، ومن جدلية الدراما نتج الدين، وهذا موقف معرفي تحول بالفكر البدائي الاول الى أن يصيغ لهُ رموز تمثل صراعه الميتافيزيقي. ومن الواحد الى الكثير التي أدت الى أنشاء بنى أجتماعية قوامها الفرد ثم العائلة فالقبيلة الى أن توسعت القبائل في دول وأمبراطوريات، وخاصة الانسان الى تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع أستلزم وسائل عديدة وفكر يحدد ويوصف هذه العلاقة.

وعن مجمل أشكالية هذا أخترع وسيطاً للتفاهم، يمكن أن يكون فضاء تواصل ووسيلة من وسائل التفاهم التي أنتجها الفكر الانساني في صورة رموز اللغة على مستوى الصوت أو العلاقة الدرامية بصيغ متنوعة مما ولد نوع من التداخل الفكري في نصوصها، وأذا أخذت الدراما من الاسطورة موضوعاً، لأن الدراما في مولدها الفكري هي السا بقة ولكن مدلولها الحركي المشهدي هي اللا حقة لان فنون المشاهدة الدرامية بحاجة الى بنى معرفية متقدمة من شأنها أن تستوعب الشكل الفني الحي لارسالية الدراما وفنونها، سيما وأن كل التأكيدات والبحوث الفلسفية وآراء المنظرين تؤكد أن المحا كات غريزة أنسانية كامنة في وعي ولا وعي الانسان، هذا المتن التعبيري الذي يواكب ويستجيب الى الفكر، ليكون فضاءاً إبتكارياً للإنسان المعاصر. ولانها تحاكي ماهية الوجود حددها الكثير بأنها تتسم بالتقليد لهذه الماهية، وهذا الالتباس المفاهيمي حاولنا في دراستنا أن نضيئة، وعلى ضوء هذا لم نعيد شرح تفاصيل العناصر المشكلة لإجراءات الدراما في التراجيديا والكوميديا، وأنما قد تم أضائتها من خلال جدليتها المعرفية بوصفها سؤال الانسان الأول/ سؤال الوجود، وتفصيلاً لفكرة الدراسة أشتغلنا على الفكري المعرفي بوصفها دالة الوجود الحضاري للفكر الانساني والشكل له، لهذا حددنا بالعناوين التي ضمتها متن هذه الدراسة، ونعتقد أن هذه الدراسة ستفيد الباحثين والدارسين والمهتمين بفنون الدراما، وكلنا وعي وأدراك أن المعرفة دائرة مفتوحة في السؤال المغاير لمحولات ما أنتج الفكر الانساني، وهذا ما يؤكد عليه قانون الدراما بأنها ذات سيا قات متحولة من أجل إعادة صياغة معنى آخر لهذا الوجود.

وفي استهلال أول تحت عنوان (الدراما سؤل الوجود)  تعد الدراما من الفنون العقلية- الحسية التي تستبطن سؤالاً إشكالياً حول ماهية الوجود الإنساني وحركية تفاعله معه وتعاطيه وماينتج عن هذا التعاطي من موقف جديد.. ولان الانسان والوجود عبارة عن ثنائيات متضادة تحقق وجودها من خلال الصراع بين هذه المتضادات، سيما وأن كل محمولات الوجود هي صورتي ظاهره وباطنه، ولكل من هذه الصورة دوال مفاهيمية يحققها الاستنتاج الذهني لها، ليشكل بذلك موقفاً جديداً، وعلى ضوء هذه التناقضات تحقق الدراما دالتها في أنها مستقرء هذا الوجود من خلال ثنائية التضاد بين العقل والحس وعلى ضوء هذا تعرف الدراما.. وفي باب الفصل الاول الموسوم (محاولة التوفيق بين المتضادات الوجودية لأنتاج موقف جديد) نقرأ: تعد الدراما وعي الإنسان الاول بالوجود، ولكي يعبر الانسان درامياً عن وعيه فهو بحاجة الى أن يبحث عن صياغة معينة أو أطار تعبيري يمكنه من أن يبلور أفكاره عبر أداة التعبير المختارة. وفي الباب نفسه: أن مفهوم الدراما قا ئم على خلق المدركات الواعية بالوجود. بوصفها فن إعادة تركيب مستمر بتجربتنا.. وأنها عملية جدل للاتصال الانساني.

إذ تعيد تنظيم أجراء الوجود الملموس واللا ملموس في صيغ أخرى، وبما أن الدراما معرفة مؤجلة لخلق الصور الذهنية على مستوى النص.. إذ تسعى لتؤسس الى تحقيق معنى اخر مجرد، ففنون الدراما هي إستجابة لكل ماهو أشكالي وفظيع، أنها تعلم الانسان عدم التوقف أو العودة الى الوراء أو الانكماش.. فالدراما تجاوز للواقع بما هو موجود...الدراما والميتافيزيقي.. عنوان محبث .جاء فيه:ان محمولات الدراما الفكرية تنطلق من محاكاتها للحضور المادي للإنسان وجدلية علاقة الغيبية مع الطبيعة ذات المعطيات الماورائية ‘وتشترك كل من الدراما والميتافيزيقيا في انهم فضاءات انشائية معرفية تحاول أن تعبر عن الوجود،أوتجد دالة تشير له معبرة عنه بشكل ما وفضاء المقارنة بين الدراما والمتافيزيقيا في أنهما من(الآن)المتفاعل مادياً في التعاطي مع الوجود،ويعرَّف المذهب الميتافيزيقي على انه((اتجاه أدبي وفلسفي يبحث في ظواهر العالم بطريقة عقلية وليست حدسية صوفية ويمزج العقل بالعاطفة ويبتدع اساليب أدبية تجمع  بين المختلف والمؤتلف من الاخيلة الفكرية والظواهر الطبيعية ))كما جاء في هذا الباب .الطروحات المتافيزيقية تكتنز جدلية الدراما الفكرية من خلال الواقع  والمشا بهة معه رمزيا إلا انها ايضاً تعارضه في سؤال ماهوي لما بعد الوجود ، لذلك فأن الدراما هي فعل السؤال الدائم عن كل ماهو كامن خلف ماأظهر لنا الضوء من اشكال ،وبمعنى آخران كل مايظهر مع اكتشافه فانه يستتر شيئا آخرغير منظور ،لهذا في كل مرة تقدم الدراما قراءتها له بشكل تعبيري جديد فمرة من خلال الاسطورة وثانية من خلال الشعر واخرى من خلال الملحمة،فهي تقدم توازناً من خلال الذاتي والمحسوس والمادي والموضوعي في صياغة جمالية لاكتشاف الوجود ،لذلك فأن قراءة عقلية حسية لتغيير ظواهر الوجود بتعدد اشكالها،.ومن خلال ما تقدم يمكن القول بأن الدراما هي القراءة الكلية الجدلية الفكرية لظاهرة الوجود الانساني بكل مايظهر ويحتجب عن العقل الانساني،فهي فضاء ادرك العالم (المثل\الميتافيز يقيا)،تعمل على ادراك عالم المثل من خلال العالم المحسوس ،التي يظهرها الخيال القادر على صياغة ما تفترض الدراما ان يكون عليه العالم من حوله ،ومن هنا يمكن القول ان علاقة الدراما بالميتافيزيقيا هي البحث عن اسرار الوجود وسؤالها الاستفزازي له مدركات حسية .وفي (الدراما والاسطورة)نقرأ:تعد الدراما تجسيدا للصراع الدائر في الحياة ،في محاولة للكشف عن جوهر هذا الصراع ،اي انها ليست مجرد تصوير للصراع،لكونها تضفي عليه ادراكها وفهمها لقوانينه ،فتقدمه بحلّة جديدة من خلال الرؤية والمعالجات التي تطرحها للحياة في صورة درامية واعية .كما جاء في الكتاب:هل ان الاسطورة الحديثة تتوازى مع الاسطورة القديمة؟-ان الاسطورة لاتشكل بؤرة لنصها الجديد من كونه يعتمد على الابتكار والخلق،فهي تنشأ من اعماق الذات الانسانية المعاصرة لتنسجم مع مشكلاتها وقلقها المعاصر،ومع هذا فأن الاسطورة القديمة والحديثة يتوازيان مع كونهما يمثلان صورة من الخلق الألهي،ومن هنا نستخلص بأن الاسطرة الدرامية هي سلوك اجرائي فني يختص بالبناء وآليات التشكيل الداخلي للنص،من غير ابتكار قيمة معيارية لمثله الجديد،إذ ترسم رؤيتها عبر اسطورتها الجديدة.وقد استشهد المؤلف بمعادلة (الأسطورة+دراما=اسطرة)ومن ذلك نستخلص بأن الدراماهي الفكر المؤسطر لقيم المثال ،ولهذا تعد الاسطرة هي الاجراءات التقنية التي يجريها الكاتب في تشكيل البنى الداخلية للنص الدرامي ،أي ان الاسطرة هي كل ما يقدمه المبدع في شكل تعبيري عن الواقع الانساني.وعليه نجد ان الدراما واجراءها الاولي الراسخ في الاسطورة هي الشكل الاول الذي ظهرت به الدراما المتوافقة مع فكر الانسان البدائي آنذاك .وفي باب (الدراما والرمز)ان محاكات الدراما الاسطورية تتخذ  من الرمز مدخلاً لايجاد معادلات موضوعية لحركية الوجود.لذلك نجد الدراما توظف أو تستعير تعابير رمزية لتمثل مفاهيم  لانكون قادرين على تحديدها أوادراكها تمام الادراك .وفي (الدراما والشعر)يتداخل نسقي الدراما والشعر على أعتبار ان الشعر شكل من اشكال المحاكات التي لهما نظامهما المتداخل درامياً لذلك فأن العلاقة بين مفهوم الدراما لمدركات الواقع الانساني والشعر ،أوغنائية الوجدان الذاتي هي علاقةحركية متداخلة في البوح ،إذ كلاهما يجمع بين المنطق الخاص للبوح الفردي وبين المنطق العام للبوح الجماعي مادامت الدراما تمثل فضاء هذه الحركة بانساقها المتداخلة جمالياً،لهذا يعد الشعر عند(ارسطو)هو "فن المحاكات:ان الشاعر محاك مثله مثل المصور أو أي محاك آخر"، مايؤكد على عمق التداخل بين الدراما والشعر،ولاسيما كلاهما يكشف عن حاجات الانسان  ويناقشها جماليا، لذلك تعد الدراما هي"ذلك النوع الفني الذي يمثل التركيب النهائي للشعر عموما".وفي(الدراما والفلسفة)كتبوا:تعد الفلسفة هي السؤال الذي يبغي الحقيقة وادراكها،وعلاقة الدراما بالفلسفة هي علاقة تحقق المجرد عند زجه في فضاء التجريب الجمالي ،  وهذا يشير الى ان الدراما هي فضاء فحص التساؤلات الكونية   لان"الفلسفة تنتج نظاماً مترابطاً من المفاهيم التجريدية تدعي تفسير العالم،والدراما تقدم نظامها المترابط لمفاهيم الفلسفةالمجردة في حدها الجمالي وتوظيفها في خلق نظام انساني ذو نظام تراتبي،وبناء على هذانجد ان تعاطي الدراما مع الفلسفة هو أحد التقنيات الفكريةالتي كشفت عن الوجود وصراعه الفكري في ماهية الكون والاشياء ،وعليه فان الدراما والفلسفة هما حدي الوجود.وتناول الكتاب عدة محاور مثل :الدراما واللذة الجمالية،والدراما والقدر،والدراما والملحمة،وفي هذا المحور:تنفرد الدراما عن الملحمة في انها تكشف عن الشخصية ،سيما الملحمة تشرح كل شي للمتلقي وتغلق عليه دائرة البحث أو التوقع لما يمكن ان يحدث لمستقبل قص الحدث،والابرز في ذلك ان المشكلة العامة هي التي تتحكم في الملحمة،بينما الشخصية في الدراما هي من يمنح المشكلة قيمتها،ولاسيما فيالدراما الحديثة.كما جاء في الكتاب محاور:الدراما والشكل،والدراما وقانون التراجيديا، وقانون الكوميديا الدرامي، وثنائية التضاد،والدراما وقانون الحبكة،وايقاع الفعل الدرامي،والدراما ومفهوم البطل التراجيدي،والدراما وتقنية الاكتشاف والتحول،والدراما والزمن والمكان،والعقدة والفعل،والدراما ومفهوم التما ثل،والدراما ومفهوم السرد،وفيه:الوجود عبارة عن سرد متواصل وحكاية انسانية طويلة،وما الافعال الانسانية إلاشكل من اشكال الحكاية حتى وان تعددت انساقها الثقافية ،لذلك يعني السرد بصوت عال ،وبما ان الدراما تمتاز بخصوصية زج جميع الاجناس الفنية الاخرى في خطابها ،فعندما تستعير اللغة لتقديم الفعل الدرامي عن طريق الشخصيات فهي تمارس عملية السرد ولكن بتقنية التقديم لا العرض.اما محاور الكتاب الاخرى:الدراما ومفهوم التطهير،والدراما والاسلوب،ومنه الاسلوب الدرامي له قيمة اسلوبية خاصة به تحددها طبيعة الموضوع المحاكى وهذا نجده حاضراًفي الفنون المجاورة للدراما،إلا ان الاسلوب الدرامي هو الانحراف بالكا مل عن الواقع بغض النظر عن الشكل الذي يظهر فيه،فهو يكتنز الانحراف متناًجمالياً.وفي محور الكتاب الاخير الدراما والمجتمع  ،نجد ان هناك تخصصاًفي المتن الداخلي لهذه النصوص،وعليه نجد ان علاقة المجتمع بالدراما الآن تغيرت من منظور الخصوصية البحتة شكلاً ومضموناً،ليكون محاكاتها موضوعاً انسانيا عاماًبالدال العام وشيوع المدلول..ومن خاتمة الكتاب نختزل :الدراما متن تعبيري ذات مسارات فكرية تبحث عن حقية الوجود عبر نسقاها الاجرائي الرئسيين التراجيديا والكوميديا.وما الفلسفة واسئلتها عن الحقيقة إلا أنثيالاًعن الدراما،سيما وان الدراما تؤكد على فاعل ومحرك الوجود (الانسان)بما يمتلك من قدرة تخيلية على صنع الرمز، فان المثل وصورتها(الافلاطونية)ما هي إلا من صناعة هذا الفاعل،فحقيقة المثال هو الانسان ،ولتحقيق ذلك فانها تؤكد على قانون تقديم الفعل لاسرده،لان الاول ينتج فكر والثاني يكمم الفكر،لذلك قانون الدراما انتاج المدلولات اللامتناه ،لهذا نؤكد ان الدراما هي الفن التعبيري الاول وما الاسطورة والغنائية والملحمية إلاموقف جمالي من مواقف الدراما من الوجود،وكما تأكد ذلك في ان الدراما قانون متحول دائماً لكل عصر جديد فأن الاسطورة هي تعبيردرامي عن الوجود ومحدداته الفكرية  آنذاك ،وكما في باقي فنون التعبير..


السبت، 2 ديسمبر 2017

صورة اليهودي في الأدب العربي مسرحية " الاغتصاب "لسعد الله ونوس نموذجا

مجلة الفنون المسرحية
الصورة لمسرحية "الأغتصاب " لسعد الله ونوس عرضت في الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت 

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

ما المقصود بالمسرح الرقمي؟

مجلة الفنون المسرحية


ما المقصود بالمسرح الرقمي؟


عماد هادي الخفاجي - المدى 


من المقلق والمريب معرفياً مجانية المصطلح الذي يتم تداوله دون استيلاده من مخاض معرفي عميق ليعكس واقع وعي مجتهد ولكأن مجانية المصطلح في الاختلاق والاستخدام أشبه بدبكة مجانية, ومن تلك المصطلحات المقلقة والتي غالبا ما تؤطر بسفسطة لغوية وبدون تحديد إجرائي مصطلح (المسرح الرقمي).

وهو من الخطورة والاختلال بمكان يدفعنا للكتابة في محاولة تحديد تعريف إجرائي جامع مانع يوقف فوضى التداول العشوائي له لذا سنخوض في تحديدنا الإجرائي لوضع جملة فرضيات لمناقشة إثبات أو نفي لتلك الفرضيات فنبدأ بتساؤل ما المسرح؟ وما هي العلاقة المسرحية؟ نجيب إن المسرح هو حفل جامع واحتفال بالجسد وهو جدل فكري, جدل ما بين واقع الافتراض القائم على الاحتمال الفني وشبكة الثقافة القرائية والتجارب الجمالية للمتلقي, إن ما على المسرح هو مفارقة في صورتها الأكثر حدة فما على المسرح من المستحيل ان يكون حقيقة وبنفس الوقت بأنه افتراض قائم على الاحتمال وبنفس الوقت ما على المسرح هو ما يتعلق بالإنسان محورا صراعيا في العالم بطموحه, ورؤاه, وهمومه, وأمانيه, ومخاوفه, ما على المسرح يتعلق بالإنسان حتما دون غيره وحيث إن الإنسان هو معيار كل شيء وهو جوهر حقيقة الحياة المعيشة فما على المسرح هو حقيقة بجوهرها وتلك المفارقة هي التي تجعل من المشاركة بالاحتفال المسرحي أو حفلة المسرح متعة سامية ولذة روحية فائقة عندما يتنافذ الإنسان ما بين فروض الاحتمال وحقائق الواقع والوجود فتمتلئ الذات الإنسانية بالكِبر الجمالي وهو أن تكون للحظات أسمى من واقعها.
وهو ما يسلمنا إلى التساؤل الثاني حول جوهر العلاقة المسرحية وطبيعتها الفاعلة والتي نجتهد في إضاءة ملامحها الرئيسة بأنها مراوحة ما بين عدم التصديق بأن ما على الخشبة حقيقة واقعة وما بين تعليق عدم التصديق والإيمان للحظات بواقعية ما على المسرح حيث إن ذلك المركب الجدلي ما بين عدم التصديق وبين الإيمان والتصديق ينتهي والى مركب أعلى هو التخييل بوصفه تعاقدا جماليا ما بين الخشبة والمتفرج قائما على دعوة – فلنتخيل- وهو افتراض ومتابعة لتحقق ذلك الافتراض تجريبيا بغية استحصال المعطى المعرفي ليكون المسرح معرفة ممتعة وجزءا من نشاط التحليل العقلي من خلال التركيب الجمالي.
إن هذين التصورين في تحديد ماهية النشاط المسرحي تفرز قيماً مفهومية راسخة هي الإنسان الكائن المادي العضوي البشري بحضوره وما يتعلق به جوهر الممارسة الإبداعية في المسرح وحينما يتم استخدام مصطلح (المصطلح الرقمي ) بمثل هذه الضبابية والعشوائية في محاولة لاستيلاد واستنسال مصطلحات متعسفة يكون الأمر أشبه بتفكيك ألواح السفينة وإحراقها في عرض البحر في محاولة لخلق شعلة مضيئة من اجل التعرف إلى جهة المكان وإلتماس الطريق بالسفينة التي لن يبقى منها شيء مع فعل الاحتراق ذاك.
ما أريد قوله هو كيف يكون المسرح رقميا؟ وما المقصود بأن ينعت بالرقمي؟ نحن نعرف بأن الرقمية نظام رياضياتي قائم على الاحتمال الرياضي الذي ينتهي مثل متتالية عددية تنتهي بالتحديد بعينه وهو ما يتناقض مبدئيا مع المسرح الذي يقوم على الاحتمال الفني والذي ينتهي إلى متسلسة لا نهائية من الاحتمالات وليس إلى قيمة رياضية بعينها وهو ما يسقط طابع الإبداع عن أي نشاط رقمي يحل بديلا عن النشاط المسرحي الفني الإنساني هذا من جانب ومن جانب آخر إن الإنسان هو محور ذلك الفرض الجمالي بحضوريته الفيزيقية والفكرية فمن يقف على خشبة المسرح هو (هاملت أمير الدنمارك) بفيزيقيته وروحه وبذات الوقت هو (سير لورانس اوليفيه) الممثل بشخصيته وروحه ليتزاحمان معا ويتناوبان بالظهور والاختباء أشبه بلعبة طفولية للاختفاء والظهور, بينما لو فرضنا جدلا المسرح الرقمي والممثل الرقمي ممكن, هذا سيكون مرتبطا بالمعادلة الصفرية للثنائية الرقمية (0,1) التي تؤدي إلى حضور كلي لهاملت وغياب الإنسان المؤدي بما يفرزه من قيم إنسانية مصدرها روحه الواقعية الحية المبدعة فيبقى حاضرا على الخشبة بكل بؤس القطيعة كائن غريب بعيد لا واقعي لا طبيعي لا أنساني هو كائن فرانكشتايني غير بشري اسمه (هاملت), فالبعد الإنساني للشخصية المسرحية مصدره الفاعل البشري الإنساني للمؤدي, فلا تستطيع القدرات التخييلية للمتلقي التفاعل معه واحتواءه جماليا فيبقى مثل ظاهرة موجودة بقوة حضورها الآني مثل البرق, الرعد, الزلزال,خسوف القمر,كسوف الشمس بحيث لا نستطيع النظر لهذه الظواهر بنظرة مؤنسنة أو أن نتعاطف معها جماليا أو أن تنعطف الذات الجمالية للمتلقي عليها وأن تحقق موضوعاته فيها..
لذا مما تقدم نستطيع أن نتوصل إلى تحديد إجرائي بضوء الإطار الجمالي للفن ومفهوم الإطار الإنساني للإبداع بأن (المسرح الرقمي) هو ليس مسرحا رقميا بمعنى الخلق بالمعادلة الصفرية ولكنه المسرح الذي يعتمد على معطيات التقنية الرقمية في بناء وسائط معالجته الفنية للإضاءة والمنظر والمؤثرات الصوتية بما يثري رؤية الإخراج جماليا وفنيا وبذلك يمكن تسميته (مسرح التقنيات الرقمية) تجنباً للخلط بالمفهوم وإلتماساً للتحديد المفهومي الأدق.

د.عقيل مهدي والحداثة في مسرح السيرة

مجلة الفنون المسرحية

د.عقيل مهدي والحداثة في مسرح السيرة 


 محسن النصار


أعتمد د.عقيل مهدي أرساء تجربة جديدة للمسرح العراقي والعربي من خلال أفق سعته المعرفية والفكرية والفلسفية والجمالية ,فكانت رؤى جديدة لمسرح السيرة , تعتمد الحداثة ملهما لها في أطار سينغرافيا عرض متكاملة في كافة نواحي العرض المسرحي وقد حاول الأهتمام بالتراث وصياغته برؤية جديدة منسجمة مع مسرح السيرة وتناول في مسرحياته شخصيات مسرحية وفكرية وثقافية وأدبية فكانت عروض رائعة كمسرحيات بدر شاكر السياب , يوسف العاني يغني , جواد سليم , حقي الشبلي , علي الوردي , وتندرج هذه المسرحيات ضمن اعمال السيرة الذاتية وحاول أن تتفاعل مسرحياته مع الوقائع التاريخية على اسس جمالية جديدة تحاكي الواقع متأثرة بالحداثة والتجريب المسرحي ومسرح السيرة الحدثوي عند د. عقيل مهدي يهتم بجميع العناصر التي يقوم الفن المسرحي من نص وشعر وموسيقى وازياء وديكور وماكياج وأضاءة وفضاء مسرحي وسائر المؤثرات التقنية بحيث يكون العرض المسرحي فيه صفات تؤكد بان تراثنا وأعلامنا ممكن ان نستقي منهم الوجه المشرق والضروري ونوصله بالحاضر , بحيث يكون كقيمة فنية ورمزية وتعبيرية مؤثرة وعنصر ديناميكي يتلاقى مع متطلبات الحياة المعاصرة فالأصالة هنا هي عنصر داعم للحداثة التي يؤكد عليها د.عقيل مهدي والتي تستوعب جماليات العرض المسرحي من تأليف وأخراج وتمثيل وموسيقى وغناء وشعر وأزياء واكسسوارات واضاءة وماكياج وسينغرافيا , ويستعين في تجسيد مسرحياته بكادر من الأساتذة والطلاب في كلية الفنون الجميلة بغداد ممن لديهم موهبة خصبة , وهم الواعين ثقافيا صاحبي الخبرات العملية والنظرية والمتسلحين بثقافتهم المسرحية فيقوم د.عقيل مهدي بتطويرها كونه يمتلك العملية الأبداعية والعطائية التي لانهاية لها ,وأنه يحاول أن يبقي التواصل مع الجمهور المسرحي مستمرا بشكل تلقائي بحيث يكون عنصر المواجهة بين الجمهور مستمرا لأن الجمهور هو أحد العناصر الضروية والمهمة في مسرح السيرة الذي يستطيع أن يفعل فعله بوجوده , فهو الذي يجعل المسرح كائنا حيا ودائم الحياة , فهو العنصر الأساسي الذي أبقى عالم المسرح قائما رغم ظهور عالم الأتصالات من أنترنيت وفضاءيات , وقد حاول د.عقيل مهدي بالمزاوجة بين الماضي والحاضر , وبين المحسوس من جهة والأيهامي الأيحائي من جهة أخرى , وأتقان العنصر الواقعي والوهمي للوصول بالعرض المسرحي الى استفزاز الخيال والوجدان , والتخفيف عن الهموم بحيث ينقل الحياة الواقعية المملة الى حياة السعادة والخيال ودغدغة الحلم والطموح , فالمسرح فضاء مسرحي يثير خيال وفكر المشاهد ويجعله يحلق بفضائه الغير محدود بحيث يتخيل ويتصور واقعا فنيا وجماليا جديدا يحمل فيه د.عقيل مهدي تصوره الأسلوبي والمضموني للأبداع الذي يطمح للوصول أليه و فهو يلجا في عملية البناء الدرامي الى الحالة الأبداعية التي ينطلق فيها العرض المسرحي وفق فلسفة جمالية مستوحاة مواضيعها من سيرة شخصيات لهم تأثيرهم الكبير في الحياة الثقافية والأجتماعية , وتكون مركبة وأحيانا تكون بسيطة وسردية سلسة , وكثيرا ما يطمح الى توصيلها الى أسمى درجات البساطة بالرغم من كينونتها الداخلية المكثفة والمركبة وكل ذلك يتعلق بموضوع العرض المسرحي الذي يكون فيه صراعا بين ا لأنسان وبئته , وصراعه الدائم مع همومه الأجتماعية والسياسية وسعية الدؤوب نحو العدالة ومحاولته تغليب الخير على الشر نحو درجات ذوقية أرقى ويشكل هذا الهدف بحد ذاته مغزى لأعمال د. عقيل مهدي ويعتبره أكثر تأثيرا , فعندما يقوم بـتأليف المسرحية وأخراجها ينطلق من كونها نصا مسرحيا قابلا للعرض ومواكبا لتطورات العصر برؤية حدثوية , ومن هنا يأخذ بالحسبان عناصر الأداء المسرحي الملائمة للنص الذي سيصبح عرضا مسرحيا لمؤلفا ومخرجا قريبا من نبض الحياة ولدية خبرة في التمثيل والأخراج ولديه تجارب عملية وعلمية وجمالية في الفن المسرحي في جميع مكوناته .

الجمعة، 17 نوفمبر 2017

" الإرث "تأليف الكاتب الليبي : أ. منصور أبوشناف قراءة لتجربة ليبية عصرية

الخميس، 16 نوفمبر 2017

المهاجرون في الدراما.. ودراما المهاجرين

مجلة الفنون المسرحية
  


المهاجرون في الدراما.. ودراما المهاجرين


رياض عصمت - الحرة 

احتلت قضية الهجرة مساحة مهمة في تاريخ الدراما العالمية. طرحت شخصيات المهاجرين نماذج مثيرة للجدل، ومواضيع إشكالية جديدة، بل غريبة أحياناً على مفاهيم المجتمعات الغربية التقليدية، ذلك لأنهم قدموا من بيئات تتمتع بتقاليد وأعراف مغايرة. بالتالي، طرح اللاجئون في المسرح والسينما أسئلة غير مطروقة من قبل، من بينها مدى تقبل المجتمع لوجودهم رغم اختلافهم عنه، وقدرة المهاجرين على التأقلم مع ذلك المجتمع الذي لجأوا إليه.

نذكر بين أشهر أعمال المسرح عن الهجرة مسرحية آرثر ميلر "منظر من الجسر" (1956)، التي أنتجت عديداً من المرات منذ أخرجها بيتر بروك في لندن بنصها الذي نعرفه. ومن أفضل عروضها التي شاهدت في حياتي عرض "مسرح بيركلي الريبرتواري" عام 1988، ثم عرض "مسرح غودمان" في شيكاغو عام 2017 من إخراج الهولندي آيفو فان هوفه بعد نجاح إخراجه له في لندن. تدور أحداث "منظر من الجسر" في نيويورك في حقبة الخمسينيات، وتتمحور حول علاقة عشق غير مباح به من مهاجر إيطالي لقريبة زوجته الصبية اليتيمة التي تعيش تحت سقف بيته، وكيف تؤدي به الغيرة عليها من حب مهاجر إيطالي شاب وصل إلى نيويورك بصورة غير شرعية للوشاية به لترحله السلطات الأميركية المختصة، مما يجعل المهاجر المخضرم هدفاً للانتقام على خيانته تلك بطعنة سكين من إيطالي آخر حسبما تملي التقاليد. كان المخرج إيليا كازان يرغب في مقاربة الموضوع نفسه في سيناريو اسمه "الخطاف"، لولا أن ميلر سبقه بمسرحيته هذه، فاتجه بدلاً من ذلك لإخراج فيلمه "على الميناء"، الذي تدور أحداثه في بيئة المهاجرين أيضاً. في الواقع، كان إيليا كازان نفسه مهاجراً انتقل من تركيا إلى اليونان، ومن ثم إلى نيويورك، ملاحقاً "الحلم الأميركي" لشباب العالم في عصره، ألا وهو الهجرة إلى أرض الأمل مهما واجهوا من مصاعب وبذلوا من تضحيات. هنا، نصل إلى فيلم إيليا كازان الأهم عن الهجرة، والذي نادراً ما يعرض أو يسلط الضوء عليه الآن، وهو فيلمه "أميركا.. أميركا" (1963)، بالرغم من تصريح مخرجه إيليا كازان أنه الفيلم المفضل بين أعماله قاطبة، بالرغم كونه مبدع أفلام مشهورة مثل "عربة ترام اسمها الرغبة" و"على الميناء" و"شرقي عدن" و"اتفاقية جنتلمان" و"فيفا زاباتا" و"وجه في الزحام". يبقى فيلم "أمريكا.. أمريكا" فيلماً مغموراً تجارياً بالمقارنة مع روائع كازان، خاصة لأن قضية اللاجئين ضخمت وهوِّل من شأنها وأضحت قضية مثيرة للجدل. كتب كازان سيناريو فيلمه بنفسه وأخرجه بشعفٍ شديد، لأنه يروي قصة مشابهة لقصة هجرته هو نفسه إلى أميركا. يهاجر بطل الفيلم الشاب "سترافوس" من تركيا، ذات المجتمع الإسلامي المتشدد آنذاك تجاه الأقلية المسيحية، إلى اليونان بحثاً عن فرصة عمل لائقة لا تتاح له إلا بالاقتران من صبية ثرية، ومن ثم يبذل المستحيل كي يهاجر إلى أميركا. يتابع الفيلم تجربة بطله الشاب عبر تلك الرحلة غير المشروعة على متن سفينة ضخمة، وإصراره على الوصول إلى أرض الأحلام، إلى أن يبصر عن كثب تمثال الحرية. اختار كازان أن يصور فيلمه بالأسود والأبيض في عصر هيمنت فيه الأفلام الملونة، وذلك ليضفي على الأحداث والمواقع مصداقية تاريخية مقنعة. رشح فيلم "أمريكا.. أمريكا" لأربع جوائز أوسكار، منها جوائز أفضل فيلم وأفضل إخراج وسيناريو، لكنه نال واحدة منها فقط هي جائزة الديكور والإدارة الفنية! أما لمسابقة جوائز "غولدن غلوب"، فرشح لعدد أكبر من الجوائز، حاز كازان بينها جائزة أفضل إخراج، كما حاز ممثل دور البطولة اليوناني الشاب ستاثيس غياليلس جائزة التمثيل وجائزة أفضل ممثل واعد، فضلاً عن عدة جوائز أخرى مستحقة بجدارة. استعان كازان بطاقم أثير لديه، ضم مدير التصوير هاكسل ويكسلر، والمونتير ديدي آلن، والمؤلف الموسيقي اليوناني مانوس هاتزِداكيس.

موضوع الهجرة مثير بلا شك، بحيث أن المخرج المصري الكبير يوسف شاهين كرس له أكثر من فيلم خلال حياته الفنية الحافلة، ومنها "اسكندرية.. نيويورك"، الذي يروي فيه أيضاً بصورة غير مباشرة ملامح من سيرته الذاتية، وقبله أفلامه الأخرى "حدوتة مصرية" و"اسكندرية ليه" و"اسكندرية كمان وكمان". كذلك أخرج شاهين فيلمه التاريخي ذي الإسقاطات الملتبسة "المهاجر"، والذي خلق جدلاً سياسياً واسعاً بسبب مفهوم "الأرض لمن يزرعها"، الذي عالجه أيضاً المسرحي برتولد برشت في مسرحيته "دائرة الطباشير القوقازية"، وهو مفهوم اشتراكي الطابع ظاهراً، لكنه يخفي مفهوماً خطيراً مفاده عدم وجود مانع أخلاقي من تعرض أرض الغير للغزو والاحتلال طالما أن الغازي يملك إمكانيات أفضل من سكانها الأصليين لاستصلاحها!

قي كل العصور، لا شك أن للهجرة أسبابها، وأهمها الفقر والحاجة، فالإنسان بطبيعته طموح لتحسين أحواله المعيشية، ناهيك عن رغبته في الهرب من التمييز الناجم عن تعصب ديني أو عرقي تجاه الاثنيات قليلة العدد. لم تتوقف الهجرة عند العرب يوماً، فالسوريون واللبنانيون اتجهوا غالباً إلى بلدان أمريكا الجنوبية، مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي، وأشادوا فيها أعمالاً ناجحة ومستشفيات، بينما استقر بعضهم في الولايات المتحدة، من جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي إلى حليم بركات، كما اتجه مهاجرون آخرون إلى أوستراليا وكندا وبعض الدول الاسكندنافية والأوربية. في القرن الحادي والعشرين، صار للهجرة دافع آخر لم يكن يخطر على بال، ألا وهو البحث عن الأمن والسلامة بعد أن أضحوا مشردين بلا بيوت تؤويهم. في نهاية عرض "هاملت" البريطاني في لندن قبل عامين، تقدم النجم بنيدكت كامبرباتش عند تحية الختام إلى مقدمة المسرح، أسكت جمهورالمتفرجين بإشارة من ذراعيه، وووجه نداءاً بليغاً أوضح فيه أن أولئك المهاجرين السوريين الذين يخاطرون بحياتهم وحياة زوجاتهم وأطفالهم بركوب أمواج البحر الهائجة على متن قوارب الموت إنما يهربون من خطر أفظع، ألا وهو الموت تحت قصف مدفعي أو جوي عشوائي. لذا، فإنهم يستحقون من الناس في الغرب الرحمة والتعاطف الإنساني، وأن ينالوا ملاذاً آمناً.

بالتأكيد، لا يوجد مانع قانوني أو أخلاقي يحول دون التحقق من خلفية المهاجرين، ومن كونهم لا يشكلون خطراً على المجتمعات التي يسعون للهجرة إليها، وأنهم لن يقترفوا جرائم في المستقبل تستوجب منعهم من اللجوء أسوة ببقية مواطني العالم. لا بد من التذكير بأن الأمن والأمان قضية حيوية مهمة حتى بالنسبة للمهاجرين أنفسهم ممن لجؤوا واستقروا في بلدان غير بلدانهم، جاهدين للتأقلم فيها بغض النظر عن جنسياتهم أو دياناتهم، أعراقهم أو أعرافهم. لكن يجب أيضاً الأخذ بعين الاعتبار أن دافع الهجرة في عصرنا لم يعد طموحاً إلى فرص عمل وثراء في أرض الأحلام، بل أصبح حاجة إنسانية لم يكن ملايين البشر سيقدمون على المغامرة بها إلى بلاد الغربة النائية التي لا يتقنون لغتها، ولا يألفون عاداتها وتقاليدها الاجتماعية ولا يملكون فرص عمل تناسب كفاءاتهم فيها لولا تعرضهم إلى خطر الموت أو الاعتقال. بالتأكيد، هرب عديد من اللاجئين من الاختيار المرعب بين أن يصبح واحدهم قتيلاً أو قاتلاً في حرب عبثية كل ضحاياها مواطنو بلدٍ واحد عاشوا بين ربوعه قروناً عديدة بوئام وسلام. لو دققنا بموضوعية وحياد، لوجدنا أن جرائم القتل الجماعي الرهيبة التي ارتكبت مؤخراً في لاس فيغاس ونيويورك، وفي قرية بالقرب من سان أنطونيو، قام بها أشخاص بيض مختلو العقل، دافعم الحقد أو الإحباط. إن ضمان الأمن والتصدي للإرهاب مسألة في غاية الأهمية، إنما لا علاقة لها بحظر لون بشرة أو جنسية معينة أو دين أو طائفة. لذلك، فإن توجس الغرب المبالغ فيه من كون بعض المهاجرين يخفون أغراضاً مشبوهة تتعلق بالإرهاب إنما هو هاجس مسبق يسيء فهمهم كبشرٍ هاربين من شبح الإرهاب.



الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

جهود المديوني البحثية في تاريخ المسرح العربي

مجلة الفنون المسرحية

جهود المديوني البحثية في تاريخ المسرح العربي

بشار عليوي - المدى 

لعلَ واحدةً من أبرز أسباب عدم تطور الدرس النقدي والبحثي خصوصاً في المادة العلمية المُتعلقة بتأريخ المسرح العالمي والعربي داخل المعاهد والأكاديميات المسرحية العربية , هوَ غياب التحديث في ماهية المادة العلمية المُعطاة من قبل الأُستاذ , فضلاً عن عدم توجيه الطلبة نحو تبني المنهج الاستقرائي في التعاطي مع المادة المسرحية التاريخية , وثمةَ قِلّة قليلة من الأساتذة العرب ممن هُم نُقاد وباحثون مسرحيون يُعدون في الطليعة على مُستوى البحث والتنقيب في تاريخ المسرح العربي , قد أخذوا على عاتقهم تبني منهج التحقيق والاستقراء في إعادة قراءة تاريخ مسرحنا العربي بعيداً عن القوالب الجاهزة في التدريس والمعلومات التي تجتر نفسها , وخُصوصاً مع طلبتهم الذين أجدهم على درجة عالية من الحظوة حينما تهيأ لتدريسهم هؤلاء القِلَّة القليلة ومنهم الباحث والناقد المسرحي التونسي أ.د.محمد المديوني صاحب كتاب(حلقة موءودة في تاريخ المسرح العربي_دراسة وتحقيق) الذي صدر عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة ضمن سلسلة دراسات بالرقم/27 لعام 2016 , موضوع هذهِ المقالة.
ففي هذا السياق يُمكن القول أن هذا الكتاب الذي بدأ أُولى حلقات التُشِكُلّ حينما كان أحد حلقات الدرس الأكاديمي , هوَ إضافة معرفية هامة للمسرح العربي وتأريخهُ الذي على ما يبدو أنهُ بحاجة الى مُراجعة واسعة , إذ يؤكد د.المديوني على أن جهود كُلاً من د.محمد يوسف نجم من خلال كتابهِ (المسرحية في الأدب العربي الحديث) ويعقوب لاندو من خلال كتابهِ(تاريخ المسرح العربي) ترجمة : د.يوسف نور عوض قد تم اعتبارهما المرجع الثبت في تحديد تاريخ بدايات المسرح العربي بعد الاتفاق من قبل جميع الدراسين المُتصدين للكتابة عن هذا المسرح وذلكَ لمصداقية كِلا الباحثَين والهالة الاكاديمية التي أحاطت لهما وبأعمالهما , لكن كُلاهما لم يتطرقا بالتفصيل الى مقال نقدي عربي هام هو (فن التمثيل) للاديب اللبناني"نجيب حبيقة"والمنشور في مجلة المشرق اللبنانية عام 1899 في 6 حلقات متسلسلة اذ تكمن أهمية هذا المقال وفقاً للمديوني في وجود تجاهل وتقصير شديد من قبل جميع الباحثين في تاريخ المسرح العربي وفي مقدمتهم د. نجم لاندو تجاه هذا المقال على شكل تمويه معرفي من قبلهما عندما أتيا على ذكرهِ مما يستوجب وجود إشكال على مُجمل جهودهما البحثية , فضلاً عن القيمة العلمية الرصينة للمقال نفسهِ وهذا تمثل في استيعابهِ العالي لعدد من الأسس النظرية المتعلقة بانشائية الفن المسرحي بالتقارب مع جهود النقاد والباحثين الاوروبيين المعاصرين بالاضافة الى خروج المقال عن النهج الغالب في كتابات النخبة العربية الداعية لاستنبات المسرح في الأرض العربية وفي مقدمة تلكَ الكتابات خطبة مارون النقاش التي سبقت تقديمهِ لأول عرض مسرحي عربي في بيروت بوصفها منهاج عمل للمُمارسة المسرحية في البلاد العربية وإمكانية استنباتها , وهُنا تكمن أهمية الجهود البحثية للباحث د.المديوني عبرَ كتابهِ هذا الذي نشر نص المقال كاملاً وبصورتهِ الأولى كي يكون في مُتناول الجميع ومُرفقاً معها الهوامش التحقيقية الخاصة بكُل جُزء منها ومحاكاة متن المقال مع السياقات اللغوية والنقدية على حدٍ سواء , وبالتالي تم تخصيص الكتاب لدراسة وتحقيق مقال نقدي عربي على درجة عالية من الأهمية بحلقاتهِ الست وما يُمكن أن يُمهد لهُ متن تلكَ الحلقات من الوقوف على أهمية المسرح وآليات الأشتغال فيهِ من قبل العرب فضلاً عن إلمام"حبيقة"بأهم التنظيرات الاوروبية الخاصة بالمسرح وعلى تمثلهُ لأهم المقولات التي حددها شُراح كتاب"فن الشعر"لأرسطو , لذا فأن المؤلف د.المديوني يؤكد فيما يخص مقال"فن التمثيل"وكاتبهِ نجيب حبيقة , على (ندرة ذكرهما في كُتب المعنيين بالتـاريخ للمسرح العربي عامة والمسرح الشامي منهُ بشكل خاص.... لقد تجاهلهُ الباحثون في مجالات المُصطلح المسرحي في اللغة العربية تجاهلاً تاماً سواءً منهم الذين خصوا هذا المجال بأبحاث أكاديمية في الجامعات العربية والأوروبية) وبالتالي فإننا إزاء أننا ريادة ثانية للمسرح العربي تلي ريادة مارون النقاش المُتفق عليها، حينما توفرت في هذا المقال كل سمات الريادة رغم مظاهر جهل مؤرخي المسرح العربي بهذا النص ورغم تجاهل عددٍ ممن استفادوا منه استفادة مباشرة وصريحة وهوَ ما يستعرضهُ كتاب د.المديوني الذي يقع في 237 صفحة من القطع المتوسط , بوصفهِ مثالاً حياً لجهودهِ البحثية الرصينة في سبر أغوار تاريخ المسرح العربي , جديرُ بالذكر أن د.محمد المديوني هوَ أستاذ في التعليم العالي في جامعة تونس و يُدرس في المعهد العالي للفن المسرحي الذي الذي أشرفَ على تأسيسه وإدارته لسنوات عديدة ود.المديوني معروف بمكانته العلمية وبحوثه وكتاباته النقدية وإشرافه الإداري فهوَ أستاذ ومحاضر في المعهد العالمي للغات والحضارات الشرقية بباريس (INALCO).ورئيس ومؤسس لمهرجان تونس الدولي للفيلم الروائي القصير وأستاذ أول بمدرسة ترشيح المعلمين بتونس عملَ ملحق بوزارة الشئون الثقافية التونسية كُلفَ بإدارة الدراسات في المعهد العالمي للتنشيط الثقافي , ومساهم في إنجاز برنامج التكوين والتكوين المستمر، الموجهة للطلبة وللإدارات المشرفة على المؤسسات الثقافية بتونس , وعضو في مجلس إدارة مؤسسة المسرح الوطني التونسي , وهوَ مدير الدورة التاسعة للمهرجان الدولي لأيام قرطاج المسرحية وعضو الهيئة المديرة لهُ ورئيس شرفي للجامعة التونسية لنوادي السينما وعضواً فيها وعضو الهيئة المديرة لأيام قرطاج السينمائية , لهُ العديد من الإصدارات النقدية المسرحية (الاشكاليات النقدية في المسرح) و (المسرح في تونس) و(اشكاليات تأصيل المسرح العربي)... وغيرها.

الجمعة، 10 نوفمبر 2017

الفضاء العمومي ومسرح الشارع

مجلة الفنون المسرحية

الفضاء العمومي ومسرح الشارع


عبيد لبروزيين - مجلة الفنون المسرحية 


يرتبط مسرح الشارع بالفضاء العمومي، هذا الفضاء الذي أصبح مفهوما فلسفيا في المدرسة النقدية الألمانية مع أحد رواد الجيل الثاني، يورجين هابرمارس، هو مكان متاح لجميع المواطنين، وحاضنة للرأي العام، يشكل وحدة السياسة والأخلاق عند كانط. غير أن الإلمام به، يستوجب تتبع التطورات التي طرأت عليه عبر التاريخ، حيث كان قبل الثورة الفرنسية يتشكل من رجال البلاط والسلطة والكنيسة في النظام الفيودالي، بيد أن الثورة الفرنسية، أفرزت تحولات اجتماعية عميقة، فتحول الفضاء العمومي إلى حاضن للنخبة البرجوازية، أو الأنتلجنسيا، ومنذ ذلك الحين، أصبح مكانا تناقش فيه السياسة و"مسرحا" للأدب والفرجة.
عندما أصبح الفضاء العمومي على هذه الشاكلة، استغلته البروليتاريا والطبقات الشعبية، لإقامة عروض فرجوية مقابل المسرح البرجوازي، وأقصد التراجيديا والكوميديا في القاعة الإيطالية، وتم بذلك الإعلان عن بداية مسرح يقام في الساحات العمومية، والمقاهي، وأمام المسارح، والشوارع بأسلوب بسيط.
وقد شهدت فرنسا أولى العروض في شارع البولفار الذي كان "في القرن التاسع عشر اسما لبولفار في فرنسا، اشتهر بإيواء الجريمة (وقد دمر سنة 1862) عرف أيضا في هذا المجال بولفار سان مارتان وبولفار دوتومبل اللذان كانا "مسرحا" لمشاهدة تمثيلية هازجة وغامضة وبهلوانيات" باتريس بافيس، ص: 547
مسرح الشارع بهذا المعنى، مسرح يعرض في الأماكن العمومية، تقوم به عادة الفرق الجوالة، وهو يعتمد عناصر سينوغرافية بسيطة قابلة للحمل والاستعمال، وقد كان قبل سنة 1900م يشمل عروض الميم والبانتوميم وعروض السيرك. غير أنه بعد هذا التاريخ، ستضاف إليه أبعاد أدبية ودرامية، خصوصا بعد أن كتب نصوصه ثلة من الأسماء البارزة في ساحة الأدب، فظهرت عروض مسرحية في الشارع مثل "جون من القمر Jean de la lune  " سنة 1931م لمرسيل أشارد، و la petit hutte  سنة 1947م لأندريه روزين. وبعد هذه التجارب الناجحة، إنضاف إلى هؤلاء الكتاب جملة من المؤلفين من أمثال مرسيل بانيول وجون أنوي، ليأخذ هذا النوع من المسرح نوعا من المشروعية، خصوصا بعد أن ذكر في المعاجم المسرحية والفرجوية.
وعلى العموم، يمكن رصد اتجاه مسرح الشارع الدرامي مع ساشا كوتري سنة 1911م بعرضه un beau mariage  قبل أن ينضاف إليه ألفريد صفوار 1883-1934 وموريس داني 1859-1945 وبول جغاردي 1885-1983.
مسرح الشارع إذا، مسرح يقوم على تنظيم عروض مسرحية في الفضاءات العمومية، بأدوات بسيطة، وهو ينقسم إلى قسمين: مسرح الشارع الشعبي (حركات بهلوانية، سيرك، ميم، بانتوميم)، ومسرح الشارع الدرامي، وهو الذي تكون فيه النصوص الدرامية، ويراعي شروط العملية المسرحية. وعنه يقول باتريس بافيس "هذا النمط من التقليد المسرحي تأسس سنة 1907، وأفضل مثل أنه تطور بتأثير مضاد للكتابة "الثقيلة" القائمة على التخلي عن الموظفين الفنيين والتقنيين، وتعدد الديكورات وغناها، والأهمية الفائقة للجمهور في الصالة الإيطالية والخشبة المركزية أو مسرح الجماهير" باتريس بافيس ص: 547.
وبناء على ما سبق، نؤكد على ارتباط مسرح الشارع بالفضاء العمومي، باعتباره مفهوما فلسفيا، عرف تحولات جذرية عبر التاريخ بسبب التغيرات السوسيوثقافية، وأصبح فضاء متاحا لكل المواطنين، وخصوصا ما سماه كارل ماركس بالطبقة التحتية، وفي خضمه ستنطلق الإرهاصات الأولى لمسرح يبحث عن جمهوره خارج القاعة الإيطالية بإمكانيات بسيطة وتطلعات تعبيرية أكبر. 

الخميس، 9 نوفمبر 2017

نحو مسرح بديل – العيادة المسرحية انموذجاً

مجلة الفنون المسرحية

نحو مسرح بديل – العيادة المسرحية انموذجاً 

 د.جبار خماط حسن


تعددت مناهج الفن المسرحي ، بقصد الوصول إلى التأثير والتفاعل مع الجمهور، الذي ينتظر عنصر الدهشة اساساً التفاعل وديمومة تواصله مع العرض المسرح، منهم الطريق الإيهامي واللايهامي، ومنهم إتخذ تفعيلا تجريبا في معالجة الموضوعات الراهنة، كل هذه المعالجات تقدم المنتوج المسرحي الجاهز، وما على المتلقي سوى استقبال ذلك المنتوج بالقبول أو الرفض بحسب جودة المنتوج جمالياً وبنائياً، هذه العلاقة البندولية، غير المستقرة، مع حاجات الجمهور الفكرية والنفسية والاجتماعية، كان وراء التفكير في منهج بديل ، يتبنى مسرحيا عياديا ، يصنعه الناس البسطاء في كل مكان.
اذا تغيرت العلاقة من مسرح نخبوي جاهز ياتيه الجمهور  إلى مسرح يذهب إلى الناس ، يصنعوه بأدوات التلقائية والبساطة ؛ لأنهم أبناء الهنا والان ، لا تعقيد في العرض المسرحي ولا تسطيح ، بل أمر بين أمرين ، مسرح حميمي ، يقدمه ممثل حميمي يتفاعل مع الجمهور على نحو تلقائي ويسير وعميق .
ولهذا أنطلقت العيادة المسرحية ، من استبصار التاريخ المسرحي بتجاربه المسرحية ، التي كانت تميل إلى تنقية المكونات النفسية والاجتماعية الجمهور ، من خلال ما يشعر أو تمر به الشخصيات المسرحية ، وبالتالي اصبحت العلاقة افقية ما بين مرسل/ الممثل ومستقبل/ المتلقي ، من دون إعادة تكوين أو تدوير تلك العلاقة النمطية  ما بين العرض والجمهور .
تسعى العيادة  المسرحية إلى ، تدوير المتراكم المسرحي من مهارات الناس الذين لا يعرفون المسرح ولم بتواصلوا مع عرض مسرحي! ، تذهب العيادة الى الناس وتعيد بناء ذواتهم من جديد ، بوساطة ابتكار المستقبل ، الذي يؤدي بالمشارك في العيادة المسرحية ، إلى بناء الثقة لدى الناس واكتشاف قدراتهم الذاتية الإبداعية ، كانت غائبة عنه ،تاتي العيادة لاكتشاف وتطوير تلك القدرات في عرض مسرحي يقدمه المشاركون في العيادة الذي يشترط فيهم ان يكونوا غير محترفين أو هواة .
تهدف العيادة إلى التخفيف من آلام الناس واحباطاتهم ، بسبب الظروف الصعبة والحروب التي تركت في نفوسهم  جفافا في التواصل مع الاخر وفقدان اتجاه بوصلة وجودهم مع المستقبل ، ولهذا يمكن عد العيادة المسرحية ، منهج ادائي يرمم المشكلات ويعالجها بالتمثيل المسرحي ، الذي يمتلك القدرة على الإتيان بالمستقبل بوساطة الابتكار  الذي نشترك فيه جميعنا بنسب متفاوتة ، الأمر الذي يسمح بتطوير قدرات المشاركين الذهنية مثل التخيل والتركيز والاسترخاء ، والقدرات الصوتية والجسمانية ، التي يمر بها المشارك، شرط ان تكون فاعلة وقادرة على الإمساك به داخل الجرعة التدريبية ، ولهذا تميل العيادة إلى تقديم وجبة التمارين التي تعتمد اللعب والتلقائية  ، سبيلا للتواصل والتأثير بالمشاركين  .
ولان  العيادة  تدعو الى معالجة هموم الإنسان البسطاء ومشاكل المجتمع الذي يعاني  هيمنة الحروب وأثرها في هزات البنية المجتمعية والقيمية ، نجد ان  الهيئة العربية للمسرح   أولت اهتمالا ملحوظا وتواصلت  مع العيادة ، و نثمن سعيها الكريم  لمشاركة العيادة  المسرحية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي.  وجاءت الدعوة الكريمة من مهرجان القاهرة ، للمشاركة في فعالياته المميزة ، ضمن مجال الورش المسرحية ، إذ قدمت ورشة العيادة المسرحية في قاعة صلاح عبد الصبور ، ضمن مسرح الطليعة ، التي تفاعل معها المشاركين بزخم عال.
تفاعل المشاركون مع أهداف العيادة وتمارينها اليومية ، إذ توزعت العيادة عبر ثلاثة أيام من عمر المهرجان ، وما ميز اللقاء استدامة العيادة في مشاريع مستقبلية ، إذ توزع المشاركون على خمس مجموعات ، لكل منها موضوع حيوي في الحياة المصرية.
وتعتمد العيادة المسرحية العلاج بالمستقبل ، وحسب علمي فان أغلب الطرق العلاجية، التي تأخذ من المسرح طريقا للعلاج ، تعتمد العودة إلى ماضي الحالة المرضية ، التي تقوم عليها السايكودراما  التي أطلقها الطبيب النمساوي( ( جاكوب مورينو )) سنة 1921، والذي يقوم باستعادة خبرة المريض السابقة ، بقصد حلها ، وبوجود ممثلين محترفين ، لكن وجد مورينو ، من خلال الملاحظة؛ أن حالة المريض لم تتحسن ، بل تتفاقم بسبب استعادة العقدة من دون حلها ، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الحالة المرضية لديهم..

في رايي ان المسرح بشكل عام ، طاقة علاجية فكرية وشعورية ،تتفاوت درجاتها حسب المعالجة المسرحية التي يعتمدها المخرج المسرحي  ، وبالتالي  حين تاملت تلك الطريقة ، وجدت أن صناعة الثقة مفقودة لدى المشاركين ، وغياب المستقبل لديهم والذي يحقق طاقة إيجابية ، وهنا جاءت العيادة كمنهج  مسرحي ، يتواصل ويتفاعل مع الناس في كل مكان ، بهدف تعزيز مهاراتهم الاولية ، وإنتاج سلوكيات جديدة لديهم قابلة للاندماج والعودة مرة أخرى إلى الحاضنة الاجتماعية، مثلما حصل لدى السجناء والمدمنين ومصابي السلاح الكيمياوي الذين تواصلت معهم العيادة المسرحية ، في مشاريع مسرحية ، اثنى عليها أغلب المتابعين للشأن المسرحي.

للعيادة  ثلاثة أسس :
– الأول علاجي ، يفترض تحويل السلبي إلى إيجابي / الأساس الثاني هو المهارة ؛ تعلم مهارات الأداء التمثيلي ؛ الذي يتسم بالبساطة والتلقائية / الأساس الثالث تواصلي ؛ إيجاد بيئة تواصلية ما بين مجموعة العيادة المسرحية، من ممثلين يقدمون شخصيات من تيار الحياة..
وهنا تتحقق فرضية المسرح البديل الذي يصنعه الناس البسطاء أو المنسيين في كل مكان بعيدا عن المسارح التقليدية ذات الطابع الرسمي . ولهذا أجد في العيادة المسرحية تاصيلا علميا وفنياً، يتمثل في إنتاج بيئة ثقافية جديدة ، يصنعها المسرح في عيادته ، من خلال مشاركين  يصنعون حياة مبتكرة ، من خلال إعادة بناء واقعهم السلبي، وانتاج نسق حياتي جديد يؤمنون به ، بالتالي هذا التحول هو تأصيل علمي وعلاجي ، لا يعتمد الطرق العلاجية التقليدية ، من أرسطو ومرورا بديدرو وانتهاءا بجاكوب مورينو ، الذي أطلق مصطلح السايكودراما ، لعلاج المرضى في المصحات النفسية  .
لقد مرت العيادة المسرحية ، بثلاثة مشاريع ، الأول كان في سجن الأحداث ، تعاملت مع فرضية حل مشكلات السجناء الأحداث وكيفية معالجتها وتحويلهم من السلبي إلى الإيجابي؛  التي تعيد خارطة طريق حياتهم نحو الاندماج الاجتماعي  ، التي يفقده أغلب السجناء ؛ وإذ تواصلت معهم العيادة ، تغيرت أمزجتهم وافكارهم ، لأنهم دخلوا بيئة الإبداع، واكتشفوا قدرات إدائية جديدة ، كانت مفقودة لديهم. والغريب أن مساحة الارتجال لديهم واسعة ، واقتراحات الشخصيات التي قاموا بتمثيلها كلها إيجابية؛ لأنهم يشعر ون ان هذه الشخصيات التي قاموا بتمثيلها هي بديل موضوعي ، يعوض اضطراب شخصياتهم والظروف المحيطة بها ، والتي دفعتهم للجريمة ، لقد وجدوا ذاتهم الضائعة داخل العيادة .
ومثل ما حصل في سجن الأحداث ، حدث مع متعاطي الكحول والمخدرات ، هؤلاء المدمنين دخلوا العيادة المسرحية ، تدربوا على مهارات مسرحية ، وتدريبات صوتية وجسمانية مكثفة ، واتخذوا طريق التحدي ، بقصد التخلص من الإدمان ، لقد مثلوا شخصيات إيجابية. بالتكرار اليومي داخل العيادة المسرحية ، تحولت إلى مخزن الذاكرة طويلة الأمد ، وهذا يعني إيمانهم بسلوك جديد ، يعتمد بنية قيمية تتقاطع مع الإدمان الكحولي والدوائي، الأمر الذي دفعهم إلى ترك الإدمان وسط دهشة الأطباء في مستشفى ابن رشد التدريبي للطب النفسي ، والذي كان مكان تقديم العرض المسرحي “يوميات مواطن منسي” تأليف وتمثيل مجموعة من المدمنين .
اما التجربة الثالثة ، فكانت مع مصابي السلاح الكيمياوي ، هؤلاء الذين يشعروا بالعزلة والاحباط وصعوبات في التنفس ، دخلوا العيادة ، تدربوا  وابدعوا نصا مسرحيا ، مثلوه باتقان في قاعة مديرية صحة حلبجة ، ومن لا يعرف حلبجة ، هي مدينة تعرضت للقصف الكيماوي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.



العيادة المسرحية ومقاربات الفلسفة

مجلة الفنون المسرحية


العيادة المسرحية ومقاربات الفلسفة 

د. جبار خماط حسن

يعرف (( ارسطو )) مفكر دولة المدينة ، مزاج المواطن اليوناني ، وحبه للديمقراطية ، فانتبه إلى ، أن الفن أقرب إلى تلك الروح الايجابية التي تجمع المواطنين ، فانتج لنا كتاباً يعد مفتاحاً للمواطن الصالح ، الذي يعمل الفن الدرامي على تطهيره من نوازع الاخطاء الماساوية ، التي قد تمزق النسبج المجتمعي ، بسبب اخطاء بعض الافراد . إن الدراما تصنع حياة ايجابية من بين الصراعات السلبية التي تعمل في داخلها ؛ ولذلك لا مكان للشفقة والخوف على مصائر الناس التي تعمل على تهديم روح المواطنة في المدينة . لقد اوجد لنا ارسطو في كتابه فن الشعر ، بعداً علاجياً منهجياً ، يصنعه النظام ويسعى اليه بالفعاليات الاجتماعية ، ومنها فن المسرح، لانه طاقة ايجابية يحتاجها الشعب . ويمكن القول ان ارسطو حين وضغ تعريفه الشهير للتراجيديا ، بانها محاكاة لفعل نبيل ، فانه بهذه الكلمات قد لخص منظورا ارسطو واقلاطون على حد سواء ، اذ نجد ارسطو يقول كل شي نافع هو جميل ، وهذا يتطور في درجته ، وصولا للافعال الاخلاقية ، التي تكون نافعة قي تدعيم النسبج المجتمعي ، وبالتالي ينبغي ان تكون نبيلة براي افلاطون الذي راى ، أن ما نراه في حياتنا اليومية ، قابل للاندثار والفساد ، ما عدا تلك الأفعال التي في جوهرها ، نصيب من الحق الاخلاقي الذي يتفاعل معه الناس وتحترمه ، ولهذا نقول ان الفعل البيل لدى ار سطو ، حاصل جمع الخير السقراطي النافع اجتماعيا ، بالحق الافلاطوني الاخلاقي ، الذي لا يصل اليه الا من امتلك القدرة على تجاوز المحدود ، والدخول في نوع من التميز الانساني ، ولهذا ، قال ارسطو أن متطقة الدراما ، ما ينبغي ان يكون ، وهنا يكون راي ارسطو متمحوراً حول خطاب الدراما في افق المستقبل الذي يتماشى مع الدهشة واللامالوف . يمكن القول ان أرسطو اقترب من البعد العلاجي الذي تسعى اليه العيادة المسرحية، التي تسعى ألى فعل تكوبيي يقترحة المعالج ، يكون قابل للتداول مع تنوع الزمان والمكان . إن العيادة المسرحية تمثل مقترحا علاجياً لهموم الناس والوطن ، اثبت نجاحه بالتجربة ، وبرهن على ارادة الانسان وقدرتها على صنع مستقبل جديد ، يغادر الماضي ، ويؤسس من حاضر التجربة العلاجية ، مستقبلا قابل للتداول بين الناس ، يمثل المجتمع العراقي بطبقاته ومكوناتة ، طاقة العيادة المحركة التي تبني بالابتكار والقدرة على صناعة مستقبل جديد ، تصنعه العيادة المسرحية . لقد اوجد لنا الفيلسوف (( شوبنهاور )) تفسيرا للوجود والانسان ضمن مفهوم العالم إرادة ، اذا مثلما هناك ارادة قاسية وعمياء تخلق الفوضى في العالم ، من حروب ومجاعات وتهجير ، ثمة إرادة الانسان ، التي تعيد التناغم الموجود في الذات والمحيط . لذلك حين نواجه الحياة الاجتماعية بالبحث والتحليل ، نجد انها تعيش ثلاثة معوقات ، فكرية وسلوكية وتواصلية ،العيادة المسرحية مقترح علاجي لها ، قابل للتطبيق ، يهدف إلى إنتاج عروض مسرحية لها; القدرة على التداول والتفاعل; مع الجمهور باختلاف المكان والزمان ، ولهذا نجد فكرة العيادة المسرحية ، تقوم على معادلة الذهاب الى الجمهور في الاماكن التي تعاني ازمات ، يراد حلها ، بطرق تتكفل بعلاجها والتخفيف منها قدر المستطاع ، مثل السجناء والمدمنين ومصابي السلاح الكيمياوي ، وغيرها من الحال; التي ستذهب اليها العيادة ، وإذ نُسال ، من هم الممثلون ؟ وكيف يمثلون ؟ واين يمثلون ؟ الجواب ، هم اولئك المنسيين والذين يعيشون على هامش الحياة ، يعانون قسوة الظروف التي حولتهم الى بشر – بنظر الاخرين – لا يمكن الاتصال بهم ، بل واجب عزلهم مثل السجناء والمدمنين !! العيادة تتجاوز هذه النظرة النمطية ، وتعيد الثقة بهم ، وتتواصل معهم ، وتحولهم الى مبدعين ! كل هذا يحققه فن التمثيل ، الذي يتطلب مهارات وقدرات صوتية وجسدية ، فضلا عن الخيال والتركيز والاسترخاء ، واكتشفت العيادة المسرحية ، في تجربة السجناء والمدمنين ، ان المشاركين يؤمنون بالتمثيل ويتفاعلون معه ، لانهم يكتشفون انفسهم من جديد ، وهذا يتطلب منهم الارادة على صنع خبرة مستقبلية ، يقومون بتاليفها ، وهذا يعني ، تحفيز قدرة الابتكار لديهم ، بمعنى يصنعون بخيالهم وتصوراتهم عجينة المستقبل المسرحية ، يؤلفون نصاً من واقع حياة الناس وليس حياتهم ، يقدمون خبرة جديدة للناس من خلال عرض مسرحي ، يقومون يتمثيل شخصياته المسرحية ، وهنا يتحول المشارك في العيادة المسرحية ؛ الى قائد رأي مسرحي ، وقد يسال احدهم ، ماهو النص الذي يمثله المشارك في العيادة المسرحية ؛ هل يكون جاهزا ، أم مكتوبا سابقا ؟ قطعا لا ، النص يكتب بطريقة جماعية ، السجناء كتبوا نصا ، والمدمنون كتبوا ايضا ؛ كذلك مصابي السلاح الكيمياوي ، كتبوا نصأً مسرحياً ، تفاعل معه الجمهور ، حين مثلوا في مسرحية ” أنا موجود ” في قاعة مديرية صحة حلبجة ، لانهم لأول مرة يروا اخوانهم واصدقائهم من المصابين ، يمثلون بمهارة ، ويقترحون حلولا لبعض المشكلات التي يعانون منها . ان الفيلسوف الالماني (( هيغل )) أشار الى عودة الذات بعد ضياعها ، في زخم وتراكم الاحباطات بسبب اكراهات الواقع المازوم ، لان الانسان له القدرة على ابتكار واقع جديد ، من خلال جدلية الاضداد بين الوعي و الوجود ، انه محاولة اكتشاف الذات في حالة جديدة ، يتفاعل معها الجمهور ، وكانها خبرة جمالية تحدث في الهنا والان ، تحقق تواصلا فاعلاً مع الجمهور .
تسعى العيادة الى ايجاد الممثل الحميمي في مختبرها العلاجي ، يمتلك التعبير اليسير ،الذي يتفاعل معه الجمهور ، الممثل في العيادة المسرحية هو الموجود في كل مكان ، يأخذ بصدق جرعة التدريب ، وينتمي الى مستقبل ، يصنعه علاجيا ، يبدا من الذات وينتهي بالاخر ، يؤدي بتلقائية وانتماء للحياة في تيارها المتنوع ، نجدها لدى المشارك في العيادة المسرحية ، لينتج عرضاً مسرحياً ، لا تعقيد فيه ولا مبالغة مفتعلة ، بل مزج عضوي بين صدق الاداء ، وتواصل الجمهور معه . لان العيادة لها فرضيات تحدد مسار اشتغالها مع المستفيد ، والتي تتمثل بالاتي : 1- لا تتكلم من دون معرفة ، ولا تكون لديك معرفة من دون فهم . 2- التعبير طاقة لدى الجمبع ، نتقنها بالايمان والمثابرة . 3- الجسد ثقيل ، يكون مرنا حين تكون الطاقة الايجابية عالية . ان للعيادة المسرحية عناصر اساسية ، تتحرك بوساطتها نحو التفعيل الجمالي المشترك الذي يستقبله المستقيدون منها ، باطار المعرفة والشعور والاداء الجديد في حياتهم ، ويمكن حصر العناصر المكونة للعيادة المسرحية بالاتي : 1- المعالج المسرحي : وهومدرب مسرحي في العيادة المسرحية ، ويشترط فيه قدرته على التاليف والاخراج والتمثيل ، حتى يكون مقنعا ومؤثرا في تواصله مع المشاركين في العيادة المسرحية . 2- المستفيد : هو المشارك في العيادة المسرحية من الحالات التي تسعى العيادة المسرحية الى علاجها . 3- الجرعة المسرحية : هي مجموعة من التدريبات الصوتية والحركية وقدرات ابتكار النص المسرحي ، فضلا عن التمثيل المسرحي . 4- الممكنات الموقفية : تشمل مفردات البيئة التي تجري فيها التدريبات ، وامكانية استثمارها في العرض المسرحي الذي يكون في نفس مكان التمثيل . وهنا يمكن إثارة استفهام يختص يالمسرح العلاحي، هل يكون ضرورياً في وقت الازمات والحروب ؟ المسرح العلاجي له طرقه وادواته ، منذ ارسطو في مفهوم التطهير وتقنياته في التخلص من الاثار السلبية التي تمر بها الشخصية الدرامية ، كذلك قدم لنا المفكر ديدرو ، مفهومه عن التطهير العقلي الذي يسمح لنا بالمراقبة والمتابعة العقلية لما يجري من الاحداث على خشبة المسرح . ثم جاء الطبيب جاكوب مورينو في فينا ، وقدم لنا ( السايكودراما ) التي طبقها في مصح للامراض النفسية ، اذ قام بمحاولة معالجة بعض الامراض النفسية ، مثل القلق والمخاوف المرضية ، وبعض حالات الكابة ، اذا يحاول ان يمثل حالة المريض واسترجاعها امامه ، من قبل بعض الممثلين المحترفين ، ومساعدة بعض المرضى ، لكنه وجد ان استرجاع حالة المريض التي تمثل ماضي مخزون في ذاكرة المريض ، تؤدي الى تعزيز حالته المرضية.ولذلك تجد العيادة المسرحية ان تمركز المسرح العلاجي حول ماضي الخبرة المرلمة من دون تحويلها الى خبرة جمالية جديدة ، قد لا تحقق العلاج الجمالي الذي تسعى اليه العيادة المسرحية، بل ينبغي فتح نوافذ فكرية وجمالية للمشتركين ، حتى تتم تلك النقلة الابداعية من السلبي الى الإيجابي، وهنا تتحق فرضية المسرح في تعزيز الثقة المجتمعية وبناء التواصل الايجابي بين مكونات المجتمع.

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

جمالية الفن التصويري الابتكاري في المسرح التعبيري الراقص

مجلة الفنون المسرحية

جمالية الفن التصويري الابتكاري في المسرح التعبيري الراقص

ضحى عبدالرؤوف المل  - المدى 

استثار الرقص والضوءعبرالمادة وتفاعلات الظل بين الجسد وماورائيته العدسة التصويرية الفنية ل" لودفيك فلوران" ludovic florent) )ودفعه نحو رغبة الاستكشاف الاختطافي لتصويرغبار الضوء في الظل بعمق فني مع الرقص والإيقاع الحركي للمادة ومؤثراتها القوية في التناغم مع الجسد الراقص أمام عدسة تلتقط الصدى الضوئي، بتضخيم لأجزاء حبات الرمل او الدقيق ، ليعزز جمال الجسد من خلال الرقص مع الغبار في ازدواجية يحاكي من خلالها جمالية الفن التصويري الابتكاري على المسرح التعبيري الراقص. فهل تشكل التربة المسرحية قوة الاداء التصويري بعدسة تبحث عن الابتكار؟ 
تبلغ جدلية التصوير الفوتوغرافية ذروتها عندما نتحدث عن التصوير الفني الذي يجعل من الصورة قيمة تخطيطية مسبقة لبلورة الأفكار التي تنتج عنها بشكل راقص أو مسرحي أو درامي أو حتى تلك التي يستخرج منها ما تستحقه من ابتكار خلّاق يؤدي وظيفة جمالية تلتصق بالفلسفة والادب، والدراما والمسرح وحتى السياسة. ان غريزة الضوء تثير الحس الذوقي الفني عند الفوتوغرافي فيتأمل حركة الظل التي تنتج الشعور بأهمية الرسم بالعدسة، وما ينتج عنها لكن بالتأكيد تصبح طريقة التلاعب باخراج الصورة هي فن أيضاً لا يقل أهمية عن التقاطها . إلا أن الطابع الشخصي للبصيرة والإدراك والملكة الفنية هي التي تبرز قوة هذا الفن وضعفه عندما تخرج مهنة التصوير من الوظيفية الى الفنية والخلق الابداعي والاستيلاء على كينونة الرؤية من خلال العين وخاصيتها الحساسة المنسجمة مع العدسة كوسيلة للتعبير، وفقا لدرجات الدقة الابتكارية في التقاط الهدف وبتفاوت بين المفاهيم . اذ يبلغ الترتيب الفوتوغرافي جدلية في تصنيفه والحصول على رتبة مقترحة من الفنانين انفسهم وخاصة من الذين يشتغلون على الصورة الحركية على مسرح أو سينما او حتى في الدراما . 
انثروبولوجيا فوتوغرافية تختصر التكوين الضوئي عبر الحركة ، وغموض التلاشى الفراغي المحفز، لإعادة إحياء الجماد بتنوع يحتفظ بصور الكائنات التي تتناغم مع حركة الجسد والألفة القابضة على لحظة حيوية من الحياة الغامضة، لكائنات يتفاعل معها الإنسان باحترافية ينتج عنها معرفة مصحوبة بتطوير تقني سلبي ايجابي، وبتوازن متناقض رياضياً في ظل المتغيرات الحالية في العالم حيث اتخذت الصورة عدة مسارات كالصورة الفوتوغرافية في الأزياء وفي اللقاءات السياسية وفي الريبورتاج، والوثائقي والتصوير الابداعي للمسرح الراقص الذي نحن بصدده في هذا المقال، وأيضاً عبر الفيديو كليب أوالسرعة البصرية المتفطعة والمتشكلة من عدة مفاهيم تصويرية تصل لحد الهوس، والربط الفلسفي أو الماورائي. كما في اسلوب الفنان "لودفيك فلوران" والتمثيل الحركي أو الراقص المؤدي الى استخراج صدى الجسد، وكأن للجسد المادي صداه التفاعلي مع الظل والضوء والمادة غير المرئية بالعين المجردة، التي ينتج عنها عدة تفاعلات لكل منها لوحة بصرية مستقلة تشكل إبداعاً في رؤيتها وأبعادها الثنائية والثلاثية على خشبة المسرح إن شاء التعبير. لأنها تلتقط مع الرقص والتأليف الفوتوغرافي. 
تتدفق الأحاسيس الضوئية لاستجلاب البصر ودفعه نحو اكتشاف ماهية اختلاط المادة مع حيثيات الحركة وتشكلها المادي حين تمتزج مع العناصر الحسية والضوئية. اذ تلتقط عدسة الفنان "لودفيك فلوران" جزءاً من الصورة غير المكتملة ، فهي تتضح كجزء من ثانية استطاع تشكيلها الضوء، وأبهرت الحس الفني عند الفنان الذي استطاع خلق حركة ضوئية يرسم من خلالها الصور الفوتوغرفية بفن انثروبولوجي يعتمد على الجسد، والهالة المادية للضوء التي تتخطى بأشكالها التقاء الحركة بحركة أخرى. لاستخراج الصدى البصري الذي ينتج عن ذلك، وهو تحليل كيميائي تنتزعه العدسة من لحظة تكوين هي اختفاء الواقع بين فيزيائية الجسد وكيميائية الحركة الابتكارية في الصورة الفوتوغرافية. 
تكشف عدسة" لودفيك فلوران" عن هالات غير مرئية تتناغم مع الجسد بقوة المادة للأشياء من حولنا ، وروحانيتها التي تشارك جزئيات الحركة العابرة في مجالات مغنطسية تحيط بالجسد. فتشكل تناغمات راقصة يبسطها بغبار الرمل أو أي مادة حساسة للضوء. بكيميائية لها تحوّلاتها ومتغيراتها الحركية التي تسمح للجسد بالتقاطها ايضا ، كأنه يبحث عن الروح المحركة للمادة والضوء الذي يغمرها. لمنحها الحيوية المخفية القادرة على إبراز ظهور الاشكال المختلفة الناتجة عن دوران حبيبات الغبار التي استفزت عدسة لودفيك ودفعته الى هذا الخلق الابداعي، وسلطته الفنية في رسم اللوحات أو الصور الفنية الجدلية إن شاء التعبير. 
يتضمن التصوير الفني الفوتوغرافي قوة درامية راقصة ايحائية مسرحية تساعد على التأثير البصري حين يراها المشاهد بشكل مستقل بعد انتهاء العرض. ليدرك قوة الحركة التي لم تلتقطها العين المجردة، واستطاعت العدسة الضوئية التقاطها بأقل من جزء في الثانية، ورسمت ما يذهل الحس لاكتشاف انعكاس قيم فنية كثيرة تعتمد على الفيزياء والكيمياء والرياضيات، والاتصال الرومانسي في مساحة تتميز بقوة نقاطها وتباعد عناصرها، وايضا سينوغرافيتها المصممة تصميما وفق الابعاد المدروسة بدقة من قبل الفوتوغرافي وحساباته مع الضوء والظل والعدسة، وقوة الانكماش والانفلات .فهل سنشهد فلسفة للصورة الفنية ونقاطها المحورية في التنافس المسرحي أو الدرامي أو التكوين الحركي التمثيلي أو الرقص التعبيري الحديث القائم على معجزة الجسد في إبراز قوة الوجود وما ورائياته أيضاً؟

الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017

محمد مرسي على مسرح شكسبير

مجلة الفنون المسرحية

محمد مرسي على مسرح شكسبير

احمد عمر - عربي 21


هل يمكن تحويل مأسوات شكسبير الدامية إلى عروض كوميدية مضحكة؟

يقال في مدارس المسرح وفن الدراما؛ إن الموت يجعل الكوميديا تراجيديا. يضرب بو علي ياسين المثل في شرح أحد أنواع الضحك الشهيرة، وهي سقوط الرجل الوقور في عرض الطريق، فنضحك جميعاً، ويرى بعضهم في التفسير أننا نضحك بسبب طفرة المشهد، ولشعورنا بالنجاة من الحادث، الضحك هو انتصار. يقول بو علي ياسين: إن الرجل لو سقط وانكسر، أو جُرح، لفزعنا إلى نجدته وطلب الإسعاف له، فالدم يعطل الطرافة، وهو نذير شؤم. الكوميديا والتراجيديا جاران، بينهما برزخ لا يبغيان، لكن يمكن تحطيم الجدار، وقد يؤخذ الجار بالجار، وكان عزيز نسين ماهراً في تحطيم هذا الجدار، وهو الذي قال في تشخيص كتابته الساخرة: حولتُ دموعي إلى ضحكات على وجوه العالم.

 لكن الدموع غير الدم.. في التراجيديا دماء، وهي غالباً ما تعطل بهجة الكوميديا، وحتى تنجو التراجيديا سباحةً في بحر الدم إلى ساحل الكوميديا، علينا أن نقنع الناس بأنّ الدماء التي نزفت من الملك أو من الشعب ما هي إلا مياه مصبوغة باللون الأحمر، أو أن القتلى إرهابيون، أو أن الشعب المقتول هم حاضنة لهم أو دروع بشرية، فقد أفتت إسرائيل بالتخلص من الدروع البشرية، وتأست بها دول عربية. يمكن التخلص من خمسين درعاً بشرياً في سبيل التخلص من إرهابي واحد. قد تتحول التراجيديا إلى كوميديا إذا قلنا بعد المذبحة "خلصت"، فهذا يرسل البشرى، ويَعِد بنهاية التراجيديا، أن نقنع الشعب بأن البلد بألف خير، ونعرض المسلسلات الكوميدية، ومسابقات الجمال، وأن يتحول المفتي إلى مهرج، وإذا تحول المفتي إلى مهرج في مذبحة فهذا يجعل المأساة ملهاة.

 ثمت أمثله كثيرة على الضحك في الجنازات المصرية، وفي المقابر، خذ فلم "الكيف"أو فلم "مقابر مفروشة للإيجار"، خذ فلم "جنة الشياطين" مثلاً، وهو فلم لم أستطرفه، وشعرت بغربة شديدة فيه، لسبب بسيط، هو أن قصة الفلم هي للبرازيلي جورجي أمادو، وهي قصة غير مصرية، ومخالفة للدين الإسلامي والتقاليد العربية، ومن المفارقات أن محمود حميدة ضحى ببعض أسنانه في سبيل إقناعنا بالفلم، ولو ضحى بفكيه ما هو ببالغ غايته.

التراجيديا الشكسبيرية ليست جنازة شخص من عامة الشعب، غالباً هي جنازة ملك، أو جنازة أمّة، أو هي حدث ينتهي بنهاية حزينة مأساوية. وحتى نقلب المأساة إلى ملهاة، ما علينا إلا أن نمضي إلى خصوم المقتول، وسنجد السعادة بالنهاية المأساوية، وقد نجدهم يوزعون السكاكر والفطائر في الضاحية. لقد كانت نهاية صدام حسين مأساوية، وقد سعد بها خصومه واشتفوا منه، وخلّدوه من غير أن يقصدوا. كانت نهاية مأساوية، لكنها سعيدة لخاتمة طاغية غسل بها بعضاً من طغيانه.

لوحة ليوناردو دافنشي، الموناليزا، ذات الابتسامة الحزينة، أكثر لوحة عالمية تعرضت إلى دغدغة أصابع الكوميديا، ورياح الضحك، ويسبقها تمثال الحرية في واشنطن، ويمكن ذكر بعض وضعيات مقترحة لتمثال الحرية التي رسمها رسامو الكرتون، أو توهموها.. خذ مثلاً: تمثال الحرية يرفع إصبعاً وسطى لزائري أمريكا، أو يرفع إشارة رابعة، أو يحمل قنبلة نووية.. لكننا نتحدث عن الدراما، الآن لنعمد إلى مشهد شهير من مسرحية يوليوس قيصر الشهيرة، مثالاً:

عبد الفتاح بروتوس، وحمدين صباحي، والبرادعي - وتأتأته عنصر كوميدي - قابلة للاستثمار المسرحي والتهريج، يتأمرون على يوليوس عيسى العياض، فيقتلونه قتلاً معنوياً حسدا من عند أنفسهم، وقد استثمر السيسي إعلام الحكومة في تدمير الرجل، فنكل به تنكيلا، وكانوا جميعاً ينفذون مؤامرة قذرة - واعذرونا على الصفة المبتذلة في الإعلام - ويأتمرون بإيعاز من الغرب، ممثلة بالحسناء السندريلا آشتون، موفدة الاتحاد الأوروبي، إلى برّاد مرسي، للاطمئنان على طعامه وميرته. وزيارة برّاد مرسي في السجن مشهد كوميدي، يؤكد علو حضارة الغرب، وقيم الثورة الفرنسية، والجبنة الفرنسية، وكان الغرب قد اطمأن على الشعب السوري، بعد أن أتلف سلاحه الكيماوي بصفقة عرضها بوتين، وضمن أنه سيموت تحت البراميل.

المهم: يُطعنُ يوليوس العياض بخمس وثلاثين طعنة، ثم يأتي عبد الفتاح بلوتوس، ويطعنه الطعنة السادسة والثلاثين، في الظهر طبعاً، فيلتفت يوليوس مرسي وقد بوغت، ويقول: حتى أنت يا حاج عبد الفتاح، ألم نصلِ سوياً جماعة؟ وكان عبد الفتاح بروتوس قد ظهرت له زبيبة من سجود السهو.

 المشهد مأساوي ودموي،  وكان مرسي أول رئيس منتخب منذ سبعة آلاف سنة، وفي زيارته إلى ألمانيا كان ينظر في ساعته، فسخر منه الإعلام  المصري، ثم رأينا عبد الفتاح بروتوس يزور إيطاليا، فرأينا رئيس الوزراء الإيطالي يعبث بهاتفه، والشاويش السيسي يهذي ويخطب. انتخب مرسي بالرغم من كل الدعوة المضادة.  وكان نوح فيلدمان، أستاذ القانون في هارفارد، قد  قال: الديمقراطية تعني أن الإسلام سيعود. رأينا هذا في كل التجارب الديمقراطية العربية، في مصر وفلسطين.

 سنضحك، وعبد الفتاح يقول، وهو يطعن مرسي بعد أن تمر جملته، على سلسلة من الفلاتر: فلتر الأمانة، فلتر الصدق، فلتر الإخلاص، ويقول: في ستين داهية.. جلد تخين.

 وقد يجد المصريون جملاً أكثر طرافة، فهم معلمو الخليقة في فن الكوميديا، ثم يحولون جلد يوليوس العياض إلى سجادة يمشي عليها السيسي إلى قصر الشعب بسيارته.

 الغرب يحب المسرح، كما يحب المسلمون المسجد.  المسرح معبدهم، وهو الآن يخرج مسرحيات تراجيدية في سوريا ومصر، ويرسل لنا بعض الأطعمة الفاسدة، وبعض الكوندومات الواقية للتكاثر، وواقيات البعوض، ويمنح الجوائز لمثقفين منتخبين بالفلاتر الثلاثة. وقد بات المسرح السعودي التراجيدي مضحكاً أيضاً.. خذ مشهد إخراج ولي العهد السعودي موبايلين من جيبه، كما يفعل السحرة في السيرك. ربما يُستحدث باب جديد في أبواب نوبل، مثل باب: جائزة نوبل لتحويل الإسلام إلى دين "دايت"، ويقال إننا سنرى قريباً إلى جانب صحيح البخاري ومسلم، صحيح ابن سلمان.

كشف مرسي عن طموحه: الخبز، السلاح، العلم، قال: بنات مصر هن بناتي. الخليجي كان متعوداً على لعب دور الخواجة السائح في مصر، وقد ضمنه بعد الانقلاب، فبات الجرسون هو الرئيس المصري، ويقدم هذه المرة، بدلاً من الشاي والشيشة والراقصة، جزراً مثل تيران وصنافير.. وسيناء.. وصلحه.

تعال نقترح أن عبد الفتاح برتوس يلعب شخصية أخرى، هي شخصية أنطونيو، ويخطب في الجموع المصرية، وقد فعل:

 في المسرحية، أنطونيو خطيب بارع، استطاع قلب المشهد لصالح الشرعية. ليكن أنطونيو هو عصام سلطان، تخيل معي أن هذه الشخصية الكبيرة في السجن، وفي السجن مسرحيات ترهيب وتخويف وتعطيش، أو لنتخيل أن الكتاتني هو أنطونيو، أو أن عميد البياطرة العرب، محمد بديع، صاحب قولة سلميتنا أقوى من الرصاص، هو أنطونيو..

تخيلوا أن يخرج مرسي من السجن، ويروي ما حدث.

 تعالوا نتخيل أن السيسي يلعب أكثر من دور في المسرحية: هو نبي، وفيلسوف، ومشير، وبلياتشو، فيخطب بفلاتره الثلاثة، وينشد فيقول: أنا متحوجش.. فيغير المشهد برمته وهو يتحدث عن الإرهاب المحتمل، ويدعو الشعب إلى دفع الفكة، والدول المجاورة إلى دفع أتاوة الرز. سيكون خطاب أنطونيو في المسرحية مقاطعاً من خطبه العظيمة التي غيّرت وجه مصر، فبات القفا هو الوجه، والوجه هو القفا، وآه يا قفا.

 في سوريا، الضحك صعب، المأساة أكبر من تحويلها إلى كوميديا. أنا أظن، مثل أكثر الناس، أن مصر هي قلب العالم الإسلامي، والغرب يخرج مسرحيتها.

 تعالوا نموت ضاحكين.

المشاركة في المواقع الأجتماعية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption