أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

المشاركة على المواقع الأجتماعية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 18 يونيو 2018

الــمـــسـرح الاستهلاكي

مجلة الفنون المسرحية

الــمـــسـرح الاستهلاكي

نجيب طــلال

قـَول الــقــــول:                    
مـبدئـيا؛ لـيس هـناك فـن بدون قـضية، والمـسرح باعـتباره أبو الفـنون؛ بالمعنى الإبيسـي للكـلمة؛ فـهـو الأقــدرعـلى طـرح القـضايا ذات الـطابع الإشكالي المنغرس أو المنبعث من البنـية المجتمعيـة؛ ولاسيمـا أنـه الأقـرب؛ إبداعـيـة للتفاعـل بين الجسدي والفـكـري والروحي؛ بغـية اكـتشاف معـنى الـوجود ومـا في الـوجود؛ مـن مـوجـود، مـما يسـاهـم رأسيا تـغيير نظـرة الإنسان للـكـون وللإنسان؛ وأفقيـا في طباعه وسلوكاته وتطبعه في محيط وجوده.
ومـن ثمـة فـهو سلاح حضـاري؛ حـاد الزوايا في استنهاض الفـكر وانتعـاشة الروح وصياغـة ثقـافة سـليمة وفـعالــة ؛ تدفـع بالمـكون الثقافي الـذي أساسه الإنسان؛ تجـاه الرقي والسـمو؛ لكن المسـرح[العربي]تبـدلت معـطياته السامية التي من أجـلها انوجَـد؛ وأمسى ضمـن ثقافة الاستهلاك؛ متـحولا إلى [ سلـعة ] خاضعا لشروط الإنتـاج والتـرويج؛ وهـذا لا ينفي بأن المسـرح الاستهلاكي ( أو) التجاري لـمْ يكـُن حـاضرا في الثقافة العـربية ! ولكنـه كان يعـيش نـوعا من الحصار الجماهـيري؛ وفي نـفـس الآن كـان مـدانا  ومـرفوضا ؛ من طرف العـديد من القـوى الثقافـية/ الإبـداعـية؛ بحكم  طروحاته المـبتذلـة والترفـيهية الفجـة وكـذا سطحيتها الـهادفة لتبليـد الفـكر والأحاسيس؛ وترسيخ مفهوم – الكاتتريس- بمنظور يذكي المهادنـة والاستسلامية ؛ تجاه كل ما هو سلبي ؛ وضد أحقية إنسانية الإنسان في العيش والعـدالـة الاجتماعية  إلا: أن مـضامـين انتشار إيديولوجية ثقافـة الاستهـلاك والمؤسسات الثقافـية والسياسية؛ التي تبنى عـليـها في قـــلب مركزها في العالم الأول والأماكن الأخـرى؛ حيث تبنـتها الأقـليات القليلة المنتفـعة؛ إلى بقـية أنحاء العـالم، هـو تغـيير اجتماعي عـلى قـدر حقـيقي من الأهـميـة العالمـية (1) بـداهة التغيير يفـرض نـفـسه؛ بحكـم حـركية المجتمع وما يحيط بـه مـن تحولات  طـبقا للسيرورة التاريخـية؛ ولكن ليس من أجـل أقـلية ضـد الأغلبية؛ لكـن منظور العولمة يسيـر في الاتجاه المـعاكس؛ وذلك بـغية تقـليص قـدرات الشعـوب؛ في الـحراك المضاد وايجابية في الحراك الاستهلاكي؛ بحيث يلاحظ الآن التسابق اليومي نحـوَ مـحلات[ الهـومبورغـر/ الماكرو تجاري] من أجل[الأكل/ التسوق] فحتى الأسـر ذات الدخل المتدني أو التي تعيش في هـوامش الـمدن أوالأرياف؛ أوالـذين هاجروا من القـرى والمداشر؛ ولـم يـتـكيفـوا بعْـد بمظاهر المدينة والـمدَنـيَّة، تتسابق وتتلفـظ ب [shopping]  بـدل[ التـسوق] أو [ الاقتناء] فمن وجـهة نظري: مـن حقها؛ وتلك قناعات ذاتية كاختيارات؛ ولكن الأمـر يترك نـوعا من الارتجاجات النفـسـية؛ التي تـؤدي للجـنوح والانحراف؛ ومـا الشذوذ والجرائم المحيرة للعقل التي طفت في عـدة دول عـربية؛ مـاهي إلا مـؤشر نفـسي ومدى علائقه بالاستهلاك ؛ الذي يـعد إيديولوجية العولمـة إضـافة لانتزاع سـيادة الدولة في الضبط والاحتراز حول السلع والبشـروتدفـق المعلومات والأفكار؛ وطبيعي  جــدا أن الدولة [ العربية] ستتراجع وتتقـلص قـدرتها لاعـتبارات داخلية أهمها؛ عـدم تجـدد شرايين الأنظمة والتناوب والحسم في إشكالية التنمية؛ وخاصة الاقـتصادية والفـكرية ,أما العامل الخارجي فـهو الأقـوى وخاصة في التـدفق الهائل في مجال المعلومات والإعـلام؛ التي اخترقت الحـدود؛ وساهـمت في تغيير الجغرافية السياسية؛ وكـذا الـتوظيف العملي للتـكنولوجيا والتحكم في الأقـمار الاصطناعـية؛ وبالتالي ف [الخوصصة] استراتيجية  لتجاوز نظام الدولة والشعب وتـقـليـص أدوارهـما؛ وهاته المعطيات سائرة في التطبيق؛ مما تم تهميش المجال الثقافي الفاعــل في كيان الأمـة؛ وانحصرالفـعـل الثقافي والإبداعي؛ في الزاوية الترويجية/السياحية [فـلكرة الثقافة] وتشريع بوابة الشراكات  الأوربية والمؤسسات الدولية غـير حكوميـة؛ وهـذا الانفـتاح من طبيعته أن يغـير أساليب الإنتاج ؛ ليظل تابعا للعرض والطلب وبالتالي : إن قـفـز المجتمعات العـربية إلى الاستهلاكية من دون أن يرافق هذا القفز تحولات داخلية فــيها ضاعــف النتائج السلبية لهذه الأنماط, مما حول النتاجات الفـنية والإبداعية ؛ إلى مواد وسلع واستهلاك..‏ هـذا هو الانهيار الكبير الذي نشهده ونشاهده ونعيشـه؛ على مستوى الفـن, وهـذا التراجع الرهـيب لكل ما هـو خارج النمط الاستهلاكي؛ مما تحول المجال – المسرحي- بكل تنويعاته وتفريعاته؛ إلى سلعة استهلاكية إعلامية, وتخلّي عـن موقعه في مواجهة الواقع وتجاوزه ، كيف يمكن له ذلك ولقد أضحـى : سلعة مرتبطة بمختلف التعابير المتخلفة والمتراجعة, فبدل أن يتجاوز المنحى الاستهلاكي الذي جرف ما يسمى وسائل الاتصال توقف عـندها فأصبح المسرح الاستهلاكي الذي يستغل مآسي الناس وقـضاياهـم وهـمومهم وتناقضاتهم والواقع لأهـداف تجارية بحتة (2) فهاته الـوضعيـــــة فـرضت إقـحام الشركات؛ لعـرض منتوجاتها التجارية؛ بشكل مباشر؛ وذلك بحـكم أن العـديد مـن الـفـرق التي كانت شعلة في العـطاء الإبداعي/ الفكـري/تحولت إلى شبه  مقاولات؛ أو مقاولات تتحـكم فيها المقايضات سواء بين المـنتجـين والمستشهرين والممثلين والأطراف المساهـمة في العرض[المسرحي] وبالتالي تمـيع المجال المسرحي؛ وأمسى سوقا للمضاربات
والصراعات؛ من هـنا افـتقـد الوجه الأسمى للمسرح؛ جماليا وفكريا وسياسيا: كأنما لم يبق من المسرح السياسي العربي أثر يذكر, هـذا الانطباع تكرس سواء عبرالمهرجانات أو العروض المنفردة في (مهرجان القاهرة التجريبي وقرطاج والمهرجات الخليجية وعمان) كأنما تراجع المسرح السياسي أدي إلى حد كبير إلى تراجع المسرح ككل كما لو أنهما توأمان وكأنما الجمهور بابتعاده عـن الحالة المسرحـية كان يسجل ارتباطاً بالسياسي(3) فـطبيعة الجـدل تـفـرض هـاته الصـورة القـاتمة عـن نـوع من الفعـل المسرحي الراقي والفعال في البنية المجتمعية؛ وبالتالي فالعولمـة فـي بعـدهـا العام  هـجمـة وحـرب ثـقافـية؛ مفـادها تهـجين العـالم الـعربي؛ وتجـريده من خصـوصيته؛ عـلى أسـاس فـرض وترسيخ مـفاهـيم ثقـافـية و سلوكات وتقـاليد[ الآخـر] عـبر آلـيات ثـقافـية؛ تمارس الغـزو والفـتك؛ لتشويه الهـوية ثـم القـضـاء عـليها؛ وذلك مـن خلال تـمرير مصطلحات وتقـديم النماذج؛ ولـنا الآن (مثال) في [الـجـنـدر    »sexe » ( ليعـوض مصطلح[ التفـريق بين الذكـر والأنثى] وذلك لشـرعـنة  الشـذوذ الجـنسي؛ وبالتالي فـمدخل القـطب  الـثقافي لـن يتم إلا عـن طريق القطب السياسي ؛ ولاسيما أن الـوضع السياسي العـربي، أمسى متهلهلا وسلبيا سواء في قـضاياه المحـلية أو القـومية  أو الدولية؛ ولم يـعـد يسيطر إلا عـلى ما أراده [ الآخـر] أن تتم السيطرة عـليه؛ 
ونلاحظ  عـبر الخـريطة العـربية؛ ليست هنـالك [معارضة/ احتجـاج] حول أخطار أوسـلبـيـات الـعولمة؛ ;عـلى البنـي المجتمعـية[عـربيا] كما هـو الـشأن في الـحراك المـدني والسياسي في /أوربا/ أمريكا/ شرق آسيـا/ ومـن البدهي؛ أن يسهـل التأثيـر؛ وإن كان المنطق يقـتضي؛ بأنـه لا يمكـن لأي مـجتمع أن يعـيش بدون سلطة؛ التي هـي شرط تماسك الجماعة؛ سلطة ليست بالمفـهوم القـمعي والاستبدادي؛ والتي تبدأ منذ التنشئة الاجـتماعـية (الوالدين) مرورا بالتعلـيم الأولي والرسمي ؛؛؛ إلى غــير ذلك؛ لكـن في سياق التحـولات؛ أمست السلطة متراخـية أو بالأحـرى مـغـلوبة عـلى أمـرها؛ مـما يـقـع/ وقـع انفلات ؛ أحـدث فـجوات أعـمـق تهـدد القـيم والتـصورات؛ التي أدت باستـفحال [الجـنس] كـقـيمـة استـهلاكـية في بـعـدهـا السلبي والإبتذالي :
صفــوة القــول:
وعـليه؛ فـنحـن أمـام مـخطط أعـد لـه سلـفا ومنـذ عـقـود؛ مـن لـدن جهابذة الاخـتراق والاستراتيجيات  منـطلـقـيـن مـن أرضيـة فـكرية بـعـيدة المـدى؛ ومـا أطـروحة المعـرفة والتواصل التي تـلوح فــي فضائنا وخطاباتنا؛ ماهي إلا غـطاء لـمفـهوم العولمة ذات البـعد الهـيمني؛ التي يعـبرعـنها [ صموئيل هـنـتجـتون] صراع الحضارات ؛ والتي هـي فـي الـواقع صـراع قـيم؛ نظـرا أن الحـضارة مـلك إنساني؛ ولكن أطـروحة الصراع وجـه لخلق نـوع مـن الانفـتـاح الفـكري والسلوكي  نحـو الآخر؛ مـما يـفرض عـدم الانغلاق على الـذات؛ مـن أجل نبـد التـعـصب الفـكري والثـقافي؛ الذي يهدف ضمنيا إلغـاء الآخـر؛ وفـعلا؛ مـا وقـع ويـقع من حـروب واستعمار للعَـديد من الدول العـربية / الإسلامية؛ فأوضح نموذج [العراق] ومخـطط التـهويـد لبيـت الـمقـدس الذي يعتـبر الروح الـحية والنابضـة للحضارة الإسلامية / العربـية؛ وفي السـياق ذاته فالـقـوى[العربية] المناهـضة؛ لكل مـا يحاك حولنا؛ بكل أسف شديد تتخبط في صراعاتها الداخلية؛ والبعض يبحـث عـن تخريجات لإثبات انوجاده ؛ عــبـر مسالك محتشمة؛ وبعض البعض انهـارت معـنويته؛ إثـر الحصار والقـمع الممنهـج؛ مـما تهـلهل ـ الإبداع ـ الـمتميـز وَ الفاعـل في النسيج الاجــتماعي ؛ بحـكم أنه كان يلازم ويتغذى ويتقـاطع وخطاب اليسار أو المعارضة لكل خطاب أو ممارسة مهادنة واستسلامية ؛ وبالتالي انـجـرف وراء [ ثقافة الاستهلاك]

الإحـــالات :
1) من الحداثة إلى العـولمة؛ تأليف ج تيمونز روبيرتس  أيمي هايت ترجمة سمر الشيشكلي /عالم المعرفة عـدد310/ ديـسـمبر/2004 ـــ ص 247
2) المجتمع العربي بحاجة إلى مراجعة نقـدية ذاتية / حوار مع بول شاؤول في الملحق الثقافي لجريدة الثورة أجـراه ايفـلـين الأحـمد في 8 /02/2005
3) نــفــس الحـــوار مـع بـول شــاؤول
      

السبت، 16 يونيو 2018

الخطايا العشر مسلسل باحداث وشخصيات وافكار وحبكة ممسرحة

مجلة الفنون المسرحية

 الخطايا العشر مسلسل  باحداث وشخصيات وافكار  وحبكة ممسرحة

وضاء الحمداني 

نساء المسلسل نساء متنمرات ورجال المسلسل رجال ضعاف الشخصية والنفوس . المشهد الاول المسرحي عرس بثينة ووقوف اختها سارة مع امها بجنب البنت بثينة  التي  تخسر الكل بكلامها الجارح مع الكل , الا ان المشهد المثير للانتباه تكاتف الاختان والام
ورفض اللقاء مع الاب يذكرنا بمشهد مسرحية تشيخوف الاخوات الثلاث ومشهد مسرحيةبريشت الام شجاعة حيث الام وكاترينا ,  الان نحلل الشخصيات .
سعاد : امرأة متنمرة خائنة ترفض واقعها لكنها في النهاية تظهر شخصية طيبة القلب .
طيبة : امرأة اسمى على مسمى طيبة حنونة تربي  ابناءها بشرف .
سارة : اول ما تظهر متنمرة وهي مطلقة لكنها في الحقيقة طيبة وعطوفة وحنونة من الداخل 
رغم اصابتها بالسكر .
نورية : صديقة سارة وحبيبة اخيها عبد الله وهي امرأة كاذبة تبحث عن المصلحة في علاقاتها .هناء : امرأة متنمرة يظهر في فعلها الخبث وخصوصا مع عائلة طيبة وابناءها وهي امرأة خالية من المشاعر والعاطفة .
ليلي : امرأة متنمرة عديمة الشخصية غير متحكمة في افعالها تتحكم فيها هناء كلعبة تذكرنا بشخصية نورا في بيت الدمية تارة تكون لعبة وتارة ترفض واقعها فتصفق الباب وتترك زوجها.
منعم : الاب شخصية ضعيفة ينقاد وراء زوجته الاولى هناء ويكون بين يديها كطينة صلصال
تشكله هناء كيف تشاء .
ابراهيم : الابن الاكبر لطيبة شخص معتدل بارد متوازن في طبعه من الخارج لكنه عاطفي
حنون جدا من الداخل .
عبد الله : الابن الاصغر شخص متهور غير متوازن متعلم لكنه يعاشر الجهلاء فيتطبع بأطباع
الجهل والمقامرة في السباقات والحياة لكنه عاطفي تجاه امه واخواته ماعدا اخوه .
د.سلمان : شخصية ضعيفة لكنها متعلمة مثقفة تقنع جميع الناس الا اهله واقاربه يظهر خلاف مايبطن يصدق مايقال له دون ان يتحرى كامل الحقيقة من كل ابعادها المطلوبة .
عبسي : شخص معتدل متوازن عاطفي صديق مخلص وفي للاب منعم .
توفيق : اخو اماني زوجة سلمان شخص ضعيف الشخصية يتخلى عن اخته في اصعب المواقف 
واتفه الاسباب .
شخصية السفير اب سعاد : شخصية قوية رغم اعاقته بالجلوس على كرسي متحرك لكنه شخص قوي حكيم معتدل متوازن وعاطفي على كل اقاربه .
زيد : شخصية خائنة يحاول تبسيط الامور والافعال وان كانت غير مقبولة معجب بنفسه
واطلاقه الحكم التي تتماشى مع مصلحته والموقف الذي بتعرض له .
كريم : صديق ابراهيم شخص قوي متوازن عاطفي صديق مخلص وفي لصديقه محب لزوجته.
يوسف : زوج بثينة رجل ضعيف الشخصية لا يقدر ان يحكم زوجته وان يكون اسرة بضعفه
ولقوة شخصية زوجته بثينة . 
ان المسلسل باشخاصه واحداثه وافكاره وحبكته تحس بانها مسرحية اقرب للواقع وان الاحداث بشخوصها بانها شخصيات حية تعيش بيننا تمشي وتأكل وتتحرك بيننا فاظهر الممثلون براعة
فائقة في الواقعية في التمثيل والصدق في الاداء , وفي النهاية اود ان اضيف على شخصية 
عبد الله يذكرنا بمسرح العبث حينما حرق منزل ابوه الذي يرتكز هذا المسرح على العناصر الثلاث الانتحار القتل الاخطاء المؤلمة ويرى بان جميع البشر اعداءه وهم مستحقين للموت وان
السعادة لا تتحقق الا بالموت ما عدا اهله القريبين عليه فقط  كما يرى مسرح العبث ورائده كامو , ونقطة اخرى تصارع النساء حول زيد وابراهيم يذكرنا بمسرحية الاقوى لستريندبيرج
السويدي , المرأة المتنمرة امرأة صعبة الانقياد والترويض والتحكم  يتحكم فيها عوامل البيئة والواقع والاصدقاء والمجتمع .

الأربعاء، 13 يونيو 2018

المسرح والفلسفة وحدود الأداء

مجلة الفنون المسرحية


 المسرح والفلسفة  وحدود الأداء


ترجمة أحمد عبد الفتاح - جريدة مسرحنا 


    لقد كان مقدرا للفلسفة، وهي العلم الذي يهتم بالحقيقة والوجود وأسس المعرفة، أن تمقت المسرح، الذي يرتكز على الكذب والتظاهر والعوالم الزائفة. فلم تكن الهجمات الفلسفية على المسرح، لأنها صاحبت تاريخ الفلسفة منذ أفلاطون، متكررة فقط، بل كانت غير مفاجئة. وفي الوقت نفسه، دافع عن المسرح كثيرون من بينهم الكثير من كتاب المسرح من خلال ابتكار صورة ساخرة للفلاسفة فجسدوهم كحمقى ومشعوذين على خشبة المسرح، وهو التقليد الذي بدأ مع أرستوفانيس في مسرحية «السحب Clouds». وبالطبع يمكن اعتبار أفلاطون وأرستوفانيس ممثلين لعدم الثقة المتبادلة بين المسرح والفلسفة، عدم الثقة التي تم تعديلها من خلال التاريخ القياسي لكلا المجالين.
ولا بد من تحدي التعارض الموروث بين الفلسفة والمسرح، ويمكن أن يبدأ هذا التحدي من نشأته، بالإشارة إلى أن التعارض بين أفلاطون وأرستوفانيس يوجد في الواقع في داخل مجال المسرح، بين نوعي الدراما: حوار أفلاطون الفلسفي والكوميديا القديمة عند أرستوفانيس. وكلاهما ازدحم بالشخصيات المبتكرة التي تتكلم وتتفاعل في مختلف الظروف، وفي كل من الفرق بين الحجة المجردة والفعل التصويري scenic action المحسوس بشدة والموزع ببراعة. والشكل الدرامي الشائع المختار بواسطة هذين المؤلفين، ولو لم يكن مماثلا، فيمكن تناوله كنقطة انطلاق لاستنباط مغزى الدراما والمسرح بالنسبة لتاريخ الفلسفة – وبشكل معكوس، مغزى الفلسفة بالنسبة لتاريخ المسرح – الذي تم حجبه بواسطة الانقسام الظاهري بين المجالين. إذ يُنظر إلى الفلسفات المسرحية والمسرحيات الفلسفية باعتبارها ظواهر هامشية، عندما تُفهم على الإطلاق. ورغم ذلك، يؤكدون أنفسهم في تاريخ كلا المجالين مع بعض التكرار.
ويعد فريدريش نيتشه الفيلسوف الذي لم يبتكر فلسفة مسرحية فقط، بل تمكن أيضا من تقديم مجموعة من الأتباع، وهو تقليد كامل في الفلسفة المسرحية – وهو أمر نادر في تاريخ الفلسفة. فلم تدم عنايته بالفلسفة المسرحية وولعه بالمسرح طويلا، بداية من التراجيديا اليونانية وحتى فاجنر، رغم أن هذا الولع يمكن اعتباره أول مؤشر لمغزى المسرح في فكر نيتشة. والأقرب إلى جوهر أعماله هو اعتماده علي الشخصيات الخيالية والأقنعة مثل ديونيسيوس وزاردشت، ولكن أيضا نظريته الوهمية في القوى، التي تقوم علي مفهوم إجمالي للنزعة المسرحية. وعندما يتكلم نيتشة عن الأقنعة والأداء المسرحي والتجسيد فإنه يؤكد دائما أننا لا نفهم هذه النزعة المسرحية باعتبارها تشكيل ثانوي، وكأنه كانت هناك عوامل اكتسبت أقنعة لكي تخفي وجوهها الحقيقية. فلا توجد مقومات ثابتة وراء الفعل المسرحي، ولا يوجد ممثل بلا قناع وراء الشخصية، فقد أصبحت النزعة المسرحية هي الشرط الأساسي للحقيقة. والمسرحانية هنا في خدمة برنامج جوهري وتأسيسي مضاد: الجوهر والأرضية الصلبة – سواء كانت لغة متحولة أو مبادئ أخلاقية أو معرفة – المنتزع من تحت أقدام الفلسفة التأسيسية وازاحته لخشبة المسرح. والصادق مع مجمل المسرحانية، وهي مراحل علي طول الطريق.
فالنزعة التأسيسية المضادة أو الجوهرية المضادة هي التراث الذي يمنحه نيتشه لمختلف ورثته، بما في ذلك دراسة (جيل ديليوز (Giles Deleuze «التكرار والاختلاف Repitation and Difference»، وأيضا بيتر سلوتريك Peter Sloterdijk الذي يلقبه باسم «المفكر علي خشبة المسرح» في كتابه الذي يحمل نفس العنوان. ورغم ذلك، لم تٌستمد كل الفلسفة المسرحية في القرن العشرين من نيتشه مباشرة. فمثلا، حول والتر بنيامين دراسته للدراما التراجيدية الألمانية إلى تمرين فلسفي، واستخدم عدد من المنظرين، من بينهم فيليب لاكو - لابارث Philippe Lacoue - Labarthe وجان فرنسوا ليوتار Jean - Francois Lyotard، المفاهيم المسرحية في نظرياتهم أيضا. وبمجرد أن نلتفت إلى دور المسرحانية في فلسفة القرن التاسع عشر والقرن العشرين، نلاحظ رغم ذلك أن الفلسفة قبل نيتشة، بداية من هيجل مرورا بكيركيجارد وصولا إلى ماركس، تعتمد علي المجازات والمفاهيم المسرحية. وبعد قرون من الخصومة الواضحة، والتي تم التعبير عنها فيما يسمى التحيز المسرحي المضاد، يبدو أن المسرح والنظرية قد عادا مرة أخرى إلى أصلهما اليوناني المشترك وهو الفكر والفرجة.
وقد كان تلاقي المسرح والنظرية محسوسا في القرن العشرين في عدد من فروع العلم المختلفة. فدراسات في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، مثل دراسة ريتشارد سانيت Richard Sannitt «سقوط الشخصية العامة the fall of the public man «تعامل مع المسرح باعتباره مثالا مفضلا لتكوين مجال العمل العام، بينما يستخدم ايرفنج جوفمان Erving Goffman في دراسة «تحليل الإطار» ما يسميه «الإطار المسرحي» كوسيلة لتنظير تنظيم الخبرة. علاوة علي ذلك، يجلب فيكتور تيرنر Victor Turner النماذج المسرحية إلى الانثروبولوجيا، أو بحسب الكيفية التي تنظر بها، يجلب الأنثروبولوجيا إلى دراسات المسرح.
ورغم ذلك، فان مجال الدراسة الذي يمثل عودة النظرية المسرحية واعتمدت عليه المجالات المسرحية الأخرى هو دراسات الأداء. فعلي الرغم من أن دراسات الأداء قد فصلت نفسها عن مفهوم المسرح، فمن الممكن أن يٌري الأداء باعتباره صيغة امتداد المسرحانية إلى مجالات أخرى. ولهذا السبب، سوف استخدمه لإثارة سؤال حدود المسرح في النظرية، وحدود مفهوم المسرحانية (أو الأداء) وهو ينظم
امتداد هذا المجال الشاب لمزيد من المجالات. ولعل كينيث بوركKenneth Burk هو الكاتب الذي يستدعي هذا الاستفسار والذي تتجاوز اهتماماته كل سلسلة دراسات الأداء بداية من المسرح الطقسي والأنثروبولوجيا وصولا إلى فلسفة اللغة وعلم الاجتماع، والذي يتم تناوله باعتباره أحد أسلاف دراسات الأداء. ولذلك، اقترح من خلال قراءة بورك التدقيق في مؤثرات المسرح داخل النظرية وهي تٌطبق علي سؤال حدود دراسات الأداء.
النزعة الدرامية عند كينيث بورك
يذكر العلم الناتج عن السرديات والأساطير التأسيسية المستوحاة دراسات الأداء في أعمال كينيث بورك، دون أن يكون قادرا علي تحديد مكانه في تشكيل المجال. فمثلا تناقش دراسة مارفن كارلسون «الأداء: مقدمة نقدية «إسهامات بورك في ثلاثة مجالات مركزية في نشأة دراسات الأداء: الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، وأداء اللغة. ويشير مؤسسو دراسات الأداء في جامعة نيويورك، وهما فيكتور تيرنر وريتشارد شيشنر، إلى بورك بشكل متكرر. وأود أن اقترح أن مركزية بورك في دراسات الأداء تكمن في حقيقة أكنه أكثر من مجرد شخص طور الشكل في الفلسفة المسرحية وأعطاها اسمها: النزعة الدرامية Dramatism. واقترح أن نقرأ بورك علي أمل فهم أفضل للشروط التنظيمية والفلسفية التي أنشئت دراسات الأداء، لأنه من خلال التوصل إلى اتفاق مع ظهور النظرية المسرحية وفلسفتها نستطيع أن نفهم الفروض الفلسفية لهذا المجال.
تصف النزعة الدرامية عند بورك التوسع التدريجي في المسرحانية التي تبدأ بالاهتمام بالتراجيديا اليونانية، وتستمر مع نظرية مسرحية للغة وعلم اجتماع التفاعل الإنساني، وتتبلور في استخدام المسرحانية كمعيار نحكم به علي تاريخ الفلسفة نفسه. وتكرست الدراسة الأولي – وهي في شكل كتاب - إلى ما سماه بروك فيما بعد النزعة الدرامية، وهي «فلسفة الشكل الأدبي The philosophy of the literary form» (1941). وفي هذه الدراسة، وأثناء فصل «قراءة الشعر» يقاطع بورك نفسه لكي يلاحظ أن «المنظور العام الذي يتضافر مع منهج تحليلنا يمكن أن يتميز باختصار بأنه نظرية في الدراما «. ونظرية الدراما هذه ليست موجهة نحو تحليل مختلف الأشكال الدرامية أو مسرحيات العصور المختلفة، بل هي نظرية في نشأة الدراما. ويواصل بورك كلامه قائلا «نقترح تناول الدراما الطقسية باعتبارها الشكل الأصيل والمحور، مع كل صور الفعل الإنساني الأخرى التي تعٌامل كمتحدث يشع من هذا المحور «. ويصدق علي هذا الاهتمام بالأصول، الإشارات إلى ظهور الدراما اليونانية من أغنية الماعز التي امتدت إلى أشكال أخري من الطقوس، وهو اهتمام مدفوع بتأثير كتاب جيمس فرايزر «الغصن الذهبي The Golden Bough، (وقد التقط شيشنر فيما بعد هذا الخيط وقدم استجابته لفرايزر وللمسرح الطقسي). ورغم ذلك يدافع بورك عن طقوس الإخصاب ورقصات المطر باعتبار أنها كامنة في البنية الزراعية الفعالة. حتى القبيلة التي تعتمد علي الخرافات يجب أن يكون لديها عدة طرق ملائمة لتحديد العقبات والفرص الحقيقية في العالم، والا لن تستطيع أن تحافظ علي نفسها. ويقول بورك ذلك وكأنه عالم أنثروبولوجي مهتم بالصورة الوظيفية للطقس والمسرح الطقسي.
ورغم ذلك، يتضح بشكل متزايد أن بورك أقل اهتماما بطقوس قبائل بعينها من المخطط المستمد من علماء الأنثروبولوجيا الأوائل، مثل فرايزر، إذ يٌفترض أن تسمح له أنماط السلوك البشري العامة والطقوس في النهاية أن يحلل كل صور الفعل الإنساني. ولعل أحد نماذجه المفضلة هو الأضحية Scapegoat، التي تربط اهتمامه بالتراجيديا اليونانية بالتاريخ (قطع رؤوس الملوك) ويربطها بسوسيولوجيا مختلف الأنساق العقابية. ولن نندهش أن نسمع أن بورك في النهاية لم يهتم بالاعتراضات التي أثيرت ضد الملائمة التاريخية لنظريته في الطقس والمسرح الطقسي، لأن ما كان يسعي ورائه هو تحديد المتغيرات – مفردة أو مجموعة من الأحداثيات، تستخدم بشكل أفضل من أجل تكامل الظواهر المدروسة بواسطة العلوم الاجتماعية. ولذلك يتجرد بورك شيئا فشيئا من موضوعات التحليل الفورية، وهو الأصل الطقسي للتراجيديا اليونانية، وينتقل إلى نظرية عامة لا تنتهي فقط بضم كل التفاعلات الإنسانية ولكن أيضا دراسة الطبيعة أيضا. إذ يقول «الخطوط العريضة لوضعنا يمكن أن تكون مدونة كالتالي:(1) لدينا الدراما والمشهد الدرامي. والدراما تتجسد أمام خلفية. (2) وصف المشهد هو دور العلوم الفيزيقية، ووصف الدراما هو دور العلوم الاجتماعية. وفي مسار هذا التوسع المتطرف في «المحور الدرامي «يذكر بورك أولا في الهامش ما سماه فيما بعد خماسية الكاتب الدرامي، وهو المخطط المسرحي القابل للتطبيق العام.
وبالنسبة لمفكر تخطيطي مثل بورك، فان النقلة من أصل التراجيديا اليونانية إلى كل مجالات الفعل الإنساني ثم إلى العلوم الطبيعية تحتاج عددا من الخطوات الوسيطة. ويتحقق هذا التوسيط بتصنيف الفعل الرمزي الذي يتنبأ ويمضي إلى ما وراء نظرية أوستن في أفعال الكلام Speech acts التي دخلت إلى مفردات دراسات الأداء في الثمانينات. إذ تٌفهم نظرية اللغة باعتبارها فعلا رمزيا بالمقارنة إلى ما يسميه بورك الدلالي المثالي the semantic ideal. والدلالي المثالي هو صياغة أوستن لفعل الكلام الاستفزازي Constative speech act، ومحاولة استخدام اللغة كوسيلة تنظيمية للحقيقة. إذ يرى بورك أن هذه المثالية الدلالية التي قدمت بوضوح بواسطة فيلسوف حلقة فيينا رودولف كرناب Rudolf Carnap الذي سعي إلى اختزال اللغة إلى مجموعة من الجمل البديهية الأولية يمكن أن تٌستنتج منها بالمنطق. ويناقش بورك هذه المثالية لكي يوضح عنفها المعياري. ومن خلال توقعه لنقد أدورنو وهوركهايمر للمنطق الوسائلي، وهجوم فوكوه علي عقلانية التنوير، يوضح بورك أن الدلالي المثالي يمكن أن يستخدم للسيطرة علي البشر بطريقة مماثلة لترخيص السيارة، بسجل محفوظ في المركز الرئيس، ومثل معايير بيرتيليون Bertillon للمجرمين المشهورين. وبالطبع يشير بورك إلى زنزانة بينتام الدائرية كمثال لأنواع التأديب والعقاب الذي يمارسه الفهم الوضعي والتصنيفي للغة.
ولمعارضة الدلالي المثالي الذي يجعل من اللغة وسيلة للتوظيف مثل سجلات الشرطة، يقترح بورك نظرية في الفعل الرمزي تنطلق من أفعال الجسم البشري، حتى عندما يتعلق الأمر بتحليل القصائد. وفيما يبدو علي الأرجح أنها عبارته المشهورة، يقول بورك إن «الفعل الرمزي هو رقص التوجه... وفي هذا التكلف في القصيدة، قد يصبح الجسم في النهاية منغمسا. فتأكيد بورك علي النطق، ورغبته في ربط فعل الكلام بالجسم ككل، هو التصحيح للدلالي المثالي الذي حاول أن يعزل اللغة عن مشهد النطق وموقفه. وقد سبق أن قدم كل من أوستن وفيتجنشتاين أساسا مماثلا، بتأكيدهما أن اللغة تكون ذات اعتبار في لحظة التجسيد التي سماها أوستن الأدائية Performativity. ورغم ذلك، في حين يتوقف أوستن عند تصنيف مختلف مواقف النطق، ينقل بورك نظرية اللغة إلى مجال الشعر والفن عموما. ولعل اهتمامه بفهم أفضل للشعر الذي يعمل في كل فعل كلام ولكن فعل الكلام الذي يضعه في مقدمة أفعال الكلام الخاصة التي تسمى الشعر. فما معنى تأمل قصيدة في إطار رقص التوجه؟.
وهنا يقترب بورك من التقاليد التي تهتم بالربط بين الجسم واللغة علي الأخص، وتحديدا نظرية الإيماءة theory of gesture. فالإيماءة هي التصنيف الذي يربط تعبير الجسم بتعبير اللغة، وبذلك يعد بملء الفراغ الذي تركته نظريات اللغة التي تقوم علي الدلالي المثالي. فمثلا، يشير بورك إلى الناقد الأدبي ر.ب.بلاكمور R.P. Blackmur الذي استخدم مصطلح الإيماءة في قراءة الشعر. لخشيته أن تتحول الإيماءة إلى مصطلح مجازي، ينتقل بورك في النهاية إلى نظرية ريتشارد بياجيت في اللغة الإيمائية التي تقدم فهما حرفيا للغة الإيمائية باعتبارها تقوم علي اختيار مجموعة من الوحدات الصوتية. ويشارك كل من باجيت وبلاكمور في تقاليد طويلة لتنظير الأصل الإيمائي للغة (عند كودلاك وفيكو وهيردر ووربرتون ورسو) والتي كانت تستخدم غالبا بواسطة كتاب الحداثة لصياغة نقدهم للمجرد واللغة غير الإيمائية (بيكيت وجويس وهوفمنستال ومالارميه). والأهم، رغم ذلك، هو حقيقة أن تصنيف الإيماءة يربط اللغة والأدب بمجال المسرح، حيث كانت تستخدم بشكل موسع بواسطة منظري وممارسي المسرح، بداية من فاجنر ومايرهولد وصولا إلى بريخت وارتو. ولذلك يدفع بورك تحليل أفعال الكلام بدقة في التوجه الذي حاول أن يتجنبه أوستن لأنه اعتبره طفيلي وشاذ، وهو تحديدا المسرح والمسرحانية.
ولكن كيف تستخدم نظرية الفعل الإيمائي الرمزي لفهم كل أشكال التفاعل الإنساني؟. يبدأ بورك بشيء مماثل لتعريف ريتشارد شيشنر للأداء بأنه «السلوك الذي يمارس مرتين «. فلكي كل حركة تصبح إيماءة فيجب أن تكون تمثيلية Representative. وهذا يعني أنها يجب أن تتكرر. فمثلا عندما يضع شخص يده علي الطاولة تعد هذه حركة فريدة، وهي فعل حقيقي، ومع ذلك سمعت رساما تعجب من هذه اللحظة «هكذا... هو وضعك المميز. إذ يصبح الفعل الفريد إيماءة وملمح توجه، إذا كان يٌرى باعتباره جزء من سلسلة تكرارات. فالإيماءة أو التوجه تؤسس كذلك صلة بين مختلف أشكال الفعل الرمزي، بداية من الإيماءات التكرارية في الحياة العادية وصولا إلى نماذج الصور وتداعي المعاني المتكررة في القصائد.والخطوة الحاسة الأخيرة في امتداد المسرحانية إلى التصنيف الفلسفي حدثت بعد ذلك بعدة سنوات، ففي دراسته «قواعد الدوافع A Grammer of Motives» (1945)، يطور بورك منهجا لقراءة كل تاريخ الفلسفة في إطار مسرحي. ويمكننا أن نتناول هذا النص باعتباره بلورة لتحوله المسرحي، لأن كل تاريخ الفلسفة نفسه يٌري بأثر رجعي من خلال عدسات مسرحية. ومما لا شك فيه أن بورك يقدم ما أشار إليه، وهو تحديدا الخماسية الدرامية dramatist pentad التي تتكون من خمسة مصطلحات أو تصنيفات بداية من الممثل عند أرسطو، والواسطة والفعل والهدف والمشهد. تقدم أربعة من هذه المصطلحات – الممثل والطاقة والفعل والهدف - مختلف المنظورات علي الحدث (الفعل)، والتصنيف الدرامي الأولي، بينما يصف المصطلح الخامس – وهو المشهد – المكان أو المجال الذي يقع فيه الحدث. ورغم ذلك يبدو أن التخطيط الدرامي يتهيأ تجاه تحليل الدراما – يمكن أن نستخدمه كما فعل أرسطو، لكي يقول إن الحدث الدرامي أهم من العامل (أو الشخصية) – فليس مقصودا أن نحلل فعلا الدراما، التي لا يزال بورك يستشهد بها كثيرا، بل بالأحرى ما يمكن أن يسمى التاريخ المسرحي للفلسفة. ويكتب بورك مستعيرا ببراعة من الرياضة: «في هذا الفصل لن يكون هدفي فقط أن ألخص وأكتب عن فلسفات الماضي. فأنا أحاول بالأحرى أن أوضح كيف أن مصطلحات أساسية بعينها يمكن أن تستخدم «لتسمية المسرحيات» في أي فلسفة وكل فلسفة. وربما لا يوجد تعريف أفضل للتحول المسرحي من افتراض أن الفلسفات المختلفة هي ذاتها تقوم علي فهم مختلف للمسرحانية، التي تجد تحت كل نسق فلسفي مسرحية.
وبمجرد أن يتم تثبيت المسرحانية في قلب الفلسفة، يصنف بورك كل فيلسوف يستحق الذكر ويحلله – أفلاطون، وأرسطو، وهوبز، وسبينوزا، وبيركلي، وهيوم، وليبينتس، وكانت، وهيجل، وماركس، وجيمس سانتيانا، وقد تطول القائمة – والذي يتميز بأي مصطلح من المصطلحات الدرامية الخمسة. فهؤلاء الفلاسفة الذين تصدروا المشهد هم فلاسفة ماديين، والذين ركزوا علي العامل (الشخصية) فلاسفة مثاليين، والذين ركزوا علي القوة هم فلاسفة عمليين، والذين استثمروا في الهدف هم فلاسفة صوفيون، والذين اهتموا بالفعل هم فلاسفة واقعيون. وبهذه الطريقة يتم استنتاج الركيزة المسرحية لأي فكرة فلسفية وتترجم إلى الخماسي. فمثلا، تصبح فكرة الذات في المثالية العامل المسرحي، بينما تصبح الشروط المادية في الماركسية المشهد. ويمكن أن يستخدم هذا التمرين في الترجمة أيضا لابراز التناقض داخل نسق فلسفي بعينه. وفي قراءة للبيان الرسمي الشيوعي، مثلا، يوضح بورك أن هناك توتر بين تفضيل الشروط المادية، بمعنى المشهد، والأمل في الفعل الثوري الذي سوف ينقل المشهد. ولذلك لا تؤسس المصطلحات الدرامية الخمسة الإطار الذي يتضح فيه تاريخ الفلسفة فقط، بل أيضا يتوظف باعتباره تصنيفات تحليلية تبرز التناقضات والمناطق العمياء في كل فلسفة.
المسرح والجدل(الديلكتيك):
لأن نزعة بورك الدرامية توظف كنوع من الفلسفة الشارحة metaphilosophy، وهي نسق لتحليل تاريخ الأنساق الفلسفية، فلا بد أن نسأل من أين استمدت هذه الفلسفة نفسها. ويجيب بورك مباشرة بقوله: «العلاقة بين الدراما والجدل(الديلكتيك) واضحة، فقد كٌتبت جدليات أفلاطون بشكل ملائم بأسلوب الدراما الطقسية. ورغم ذلك، لم يكن المصدر الرئيس لما وراء تاريخ الفلسفة عند بورك هو نزعة أفلاطون الجدلية، بل جدليات هيجل. فما ورثه بورك من هيجل هو فهم التاريخ باعتباره عملية درامية. إذ تبدأ فلسفة التاريخ عند هيجل بالتأكيد علي أن تاريخ العالم يحدث وكأنه في المسرح وينتهي بتأمل تاريخ الروح في مختلف تمثيلاتها المسرحية (schauspiele). فتاريخ العالم يتوافق مع المسرح، وأن المراحل المختلفة في تاريخ العالم هي التغيرات الكبيرة في الشاهد والشخصيات. وفي سياق مماثل، يكتب بورك قائلا: «بمساواة الدرامي بالجدلي، نملك تلقائيا أيضا منظورنا لتحليل التاريخ، والذي هو عملية درامية أيضا تتعلق بالتعارض الجدلي «. وهنا نقترب من أحد الروابط الأساسية بين الفلسفة والمسرح، وتحديدا صلة القرابة بين الجدلية والدراما. فكلاهما يصران علي تعدد الأصوات، ويثق كلاهما أن هذه التعددية سوف تولد التحول والتغير: دراما التاريخ هي التحول الذي ينبع من مواجهة المواقف غير القابلة للاختزال. وبمساعدة بورك، نستطيع أن نفهم أن رؤية هيجل للفلسفة التي تتجاوز الفلسفة اليونانية تعني أن فلسفته الجدلية ليست إلا تجريدا عاما للمسرح الحواري. ومن خلال قراءة تاريخ الفلسفة بشكل درامي، أو باستخدام مصطلحه «درامي» يعيد الفلسفة الجدلية إلى المسرح التي كانت مستمدة منها أصلا.
علي الرغم من أن بورك يربط الفلسفة بالمسرح، فان أعماله تقدم تقلبا مميزا بين اهتمام بالمسرح وميل لاستنتاج مفهوم فلسفي من المسرح. فلا يبدو أن هناك دمج سهل للمسرح والنظرية، حتى بالنسبة لفلاسفة المسرح هؤلاء. وبشكل أو بآخر، يستمد كل منظري التحول المسرحي مجازاتهم وتشبيهاتهم الرئيسية من المسرح الفعلي. استمد هيجل مجازاته من التراجيديا اليونانية، واستمدها نيتشه من ريتشارد فاجنر، واستمدها بنيامين من الباروك، واستمدها ديليوز من ارتو. ورغم ذلك، عاجلا أم آجلا، فإنهم يتحولون جميعا بعيدا عن المسرح باعتباره موضوع الاستفسار الأولي. فلم يكن عمل نيتشه المبكر حول نشأة التراجيديا نصا في مجال تاريخ المسرح، بل نصا فلسفيا تصادف أن يأخذ شكل التاريخ الإسقاطي والتأملي لتاريخ التراجيديا. وقد تأكد هذه الرؤية في حقيقة أن نيتشه انقلب علي فاجنر فيما بعد وضد المسرح أيضا، رافضا لفاجنر باستخدام مفردات مسرحية مضادة. وبالمثل كان لدراسة والتر بنيامين للمسرح في عصر الباروك هدفها النهائي في المقدمة الفلسفية الطويلة لهذا العمل، التي اقتبست من هذه الدراسة مفردات الحداثة المسرحية. علاوة علي ذلك لم يكن ديليوز يهتم كثيرا بالمسرح كمفهوم تأملي للمسرح الذي وجده في كتابات ارتو النظرية والتصريحات، والتي كانت هي نفسها في حالة تعارض مع كل الممارسة المسرحية الموجودة بالفعل.
ويبدي بورك رغم ذلك مزيدا من الاهتمام بالمسرح أكثر من هؤلاء الفلاسفة المسرحيين، ويقتبس بهوس متكرر من تاريخ الأدب الدرامي، بما في ذلك الدراما اليونانية وشكسبير وابسن. وعلي الرغم من هذه المعرفة العميقة والاهتمام بالدراما والمسرح، لم تقدم نصوص بورك نفسها كدراسات في النقد المسرحي والدرامي. إذ يفهم بورك هذا التفاعل، الذي يربط الفلسفة بالمسرح، والذي يفصلهما في نفس الوقت: «كل فلسفة من ناحية أو أخرى هي خطوة بعيدا عن الدراما. ورغم ذلك، لكي نفهم بنيته، يجب أن نتذكر دائما أنها، علي نفس المنوال خطوة بعيدا عن الدراما «. ويمكننا أن ندفع هذه الحركة المزدوجة من التجاذب والتنافر إلى أبعد من ذلك. فكلما اقتربت الفلسفة من المسرح، كان لا بد لها أن تبعد نفسها عنه لحمايتها من أن تصبح لا شيء إلا شكلا مختلفا للمسرح.
ويمكننا في هذه المرحلة أن نفهم أن استخدام نيتشه للمسرح لا يصف تحولا للفلسفة عن التحيز ضد المسرح إلى حب مكتشف حديثا له. فما يسمى تحيز أفلاطون المضاد للمسرح وتحول نيتشه تجاه المسرح هما استجابتان مختلفتان للمصاهرة المستمرة بين المسرح والنظرية التي كانت جزء من الفلسفة منذ بداية المسرحيات الفلسفية لأفلاطون. ولم تصف أعمال نيتشه تحولا كبيرا للفلسفة تجاه المسرح كموضوع للدراسة – منذ كتاب فن الشعر لأرسطو – بل كصيغة ومنهج لممارسة الفلسفة. ويمكننا بالطبع أن نجد لحظات الانجذاب إلى المسرح في النزعة الفلسفية للمسرحانية المضادة philosophical antitheatricalism، مثلما يمكن أن نجد لحظات لنقد المسرح في تحول نيتشة المسرحي. فلا يوجد فيلسوف كان فكره مرتبطا بالإشارات إلى المسرحيات والبديهيات المسرحية المجردة أكثر من بورك، ولذلك لا أحد من الذين لاحظوا بدقة أكثر إيماءة الجاذبية والنتافر بين الفلسفة والمسرح.
ويبدو أن التوتر بين المسرح كموضوع للدراسة وكنموذج تنظيري، ونقد المسرح الذي يصاحب تاريخ الفلسفة المسرحية، يفسر علاقة التشابه المستمرة بين دراسات الأداء ودراسات المسرح. وعلى الرغم من التحليلات التي أقيمت باسم دراسات الأداء استمرت في اهتمامها في الكثير من أشكال المسرح – المسرح غير التقليدي والمسرح الطقسي – فقد فصلت دراسات الأداء نفسها عن المسرح باعتباره موضوع تحليلها الأساسي أو المركزي. ويمكننا رغم ذلك أن نقول إن مصطلح الأداء قد صيغ لتعريف المجال الجديد بأنه شيء يرتبط بالمسرح ويستبعد منه في نفس الوقت. وهذا التقارب والتباعد الآني له نتائج مهمة، وهو تحديدا أن دراسات الأداء لن تستطيع أن تعرّف نفسها من خلال موضوع دراستها. ورغم ذلك، فان ما يعٌرف دراسات الأداء هو مصطلح ومنهج التحليل الذي يقوم علي مفهوم السلوك الممارس مرتين، المستمد في النهاية من التمثيل رغم أنه ليس مقصورا علي هذا المفهوم. إذ يميل وصف دراسات الأداء في اتجاه نموذج إضافي، لأن دراسات الأداء تشارك في موضوعات تحليلها مع كل تلك المجالات التي يقال إنها ترتبط بها: علم الاجتماع والأنثروبولوجيا واللسانيات والدراسات الأدبية والفلسفة، وحتى الاقتصاد والتكنولوجيا. فما يقدم هوية دراسات الأداء في هذا المجال المتنازع عليه لموضوعات التحليل هو بالضبط ما يسميه بورك النزعة الدرامية: إحساس بالإمكانيات الطموحة ومسرحانية أساسية لكل شيء. فكيف يمكن أن نبدأ في تأمل مثل هذه الحدود التي لا تعتمد علي تعيين حدود موضوعات الدراسة بل تعتمد علي افتراضات الأداء نفسه؟.
وفي البحث عن هذا التحديد الوظيفي، نستطيع أن نعود مرة أخرى إلى أعمال بورك، لأنه في ثنايا نظريته في النزعة الدرامية يميز حدود ما يسميه النزعة الدرامية، وما يمكن أن يمتد، رغم ذلك، لكي يضم الأداء أيضا. ولأن الوحدة الأساسية في تحليله هي الحدث، ولأن الوحدة الأساسية في الحدث هي الجسم البشري في حالة حركة هادفة، فان النزعة الدرامية هي تخطيط يعتمد علي العامل البشري، والطاقة الإنسانية والفعل البشري والهدف البشري. وهذا بالطبع ما يجب أن نتوقعه من المنهج الفلسفي المستمد من المسرح، والذي هو شكل فني يعتمد علي المؤدي البشري الحي. ونتيجة هذا الشكل من الفلسفة المسرحية هو التطور المستمر للشخصيات أو النماذج داخل فلسفة، وهو ميل إلى التشخيص personification. ويمكن أن نفهم هذا الميل التشخيصي حرفيا، لأنه عند تقديم أفكار كثير من الفلاسفة الجدليين أو الدراميين يعتمد بقوة علي النماذج أو الشخصيات الخيالية أو التاريخية ومن بينهم أفلاطون وسقراط ونابليون منوجهة نظر هيجل وزرادشت من وجهة نظر نيتشه. فعندما تعتمد الفلسفة علي التشخيص، فان الخطر الذي يتربص في الخلفية هو المجاز والشخصية (المتكلم البديل)، وتشخيص الكينونات المجردة. فهل يجب أن نفهم سقراط باعتباره صورة لمعلم لأفلاطون أو باعتباره تشخيص للفلسفة؟. وهل زرادشت نيتشه هو نموذج للإنسان الأعلي أم منفصل عنه (أم شخصية غيرملموسة منسوبة إلى نيتشه)؟.
وأجادل بأن الاعتماد علي التشخيص يؤسس حدودا للفلسفة المسرحية. وأحد طرق قياس هذا الحد هو النظر إلى تاريخ المسرح نفسه. ففي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، جاء اعتماد المسرح علي الممثلين البشر والتشخيص في إطار زيادة الفحص الدقيق. وقد حاول عدد كبير من منظري وممارسي الطليعة والطليعة المبكرة، بداية من ادوارد جوردون كريج وفيسفولد مييرهولد وصولا إلى أوسكار شليمر وتادويش كانتور أن لا يشخصوا المسرح لكي يتخلصوا من اعتماده علي النموذج البشري. وتعلم الممثلون أن يقلدوا العرائس والأشياء والآلات عندما لا يتم استبدلهم تماما بالجمادات. وتاريخ عدم التشخيص هذا في تاريخ المسرح ترك الفلسفة المسرحية كما هي. إذ يقدم نيتشه وبنيامين وديليوز ولاكان صياغات للتحول المسرحي التي تشك في البشري والشخصي والمشخص. وفي نفس الوقت، واجهت صعوبات كبيرة. حتى عندما تم استبعاد الممثلين من المسرح واستبدلوا بالأشياء، كان يعاد تشخيص هذه الأشياء من خلال فهمها لبدائل للبشر الذين ظلوا متعلقين بهم. بالإضافة إلى ذلك، مثلما أن التمرد ضد التشخيص في المسرح هو مشروع يعاني من التعقيدات، فكذلك الحال مع محاولة التخلص من الميل إلى التشخيص من الفلسفة الدرامية. فقد كانت النزعة الدرامية عند بورك راسخة في مشكلة التشخيص وعدم التشخيص هذه. والأهم أن بورك لاحظ أن مشكلة التشخيص ارتبطت بشكل حميم بمنهجه المسرحي أو الدرامي نفسه. ففي حين يرتبط أربعة من مصطلحاته، وهم تحديدا، الفعل والحدث والطاقة والهدف، بالعنصر البشري وكذلك الميل التتشخيصي للنزعة الدرامية، فان المصطلح الخامس، وهو المشهد يتجاوز التشخيص. إذ يمكن أن يٌرى باعتباره نوع من الحد الداخلي للتشخيص الذي يبدو أنه جزء لا غنى عنه من المسرح والفلسفة المسرحية. ورغم ذلك، فان مشكلة الحد الداخلي هي أنه لا يمثل غير الشخصي الا باعتباره حدا للشخصي: فهو لا يمكن أن يسمي غير الشخصي إلا في إطار الأساس أو المشهد الذي تتجلي فيه الدراما الذاتية لأفعال البشر، والأحداث والطاقات. ولذلك يقدم بورك الاكتشاف المذهل التالي: «لذلك لدينا نوعين من المشاهد: أحدهما يسمي وظيفة داخل الخماسي، والثاني يسمى وظيفة خارج الخماسي، لأن مصطلح شديد العمومية مثل النزعة الدرامية يستدعي اللا درامي non - dramatist باعتباره نقيضه السياقي الوحيد. وحقيقة أن أحد هذين الاستخدامين يسمو بالآخر يمكن إخفائها بحقيقة أننا من خلال استطاعتنا أن نشير إما إلى جميعهم بنفس كلمة مشهد «. إذ يقود تأمل حدود تشخيص الخماسي بورك إلى مصطلح يتحدد من خلال وقوعه خارج النزعة الدرامية تماما، وهو تحديدا «اللا درامي». والشيء الممتع والمزعج في ما يتعلق بتحديد مفهوم اللا درامي، رغم ذلك، هو أنه لا يوجد فقط خارج حدود النزعة الدرامية، بل أنه في نفس الوقت جزء من النزعة الدرامية. ونتيجة هذا الحد المزدوج، ويدرك ذلك بورك بوضوح، هو لاشيء أقل من انهيار النزعة الدرامية: «في حالة الخماسي الذي قدمناه، فبعد أن أكدنا، علي سبيل المثال، علي الحاجة إلى توظيف كل المصطلحات الخمسة في مفردات دائرية الدوافع، لخصنا موقفنا بأنه درامي – وعندئذ اكتشفنا فجأة أن مصطلحنا قد انهار في عنوان جديد وأن له نقيض لادرامي باعتباره أساسه المنطقي. «
ويمكن أن تظل النزعة الدرامية نسقا أنيقا مغلق ذاتيا لأن اللا درامي قد دخل من خلال حصان طروادة المزدوج المشهد. فقد يظهر المشهد خارج الخماسي بأنه مشهد ثاني فحسب، ولكن هذا التناظر مضلل، المشهد من خارج الخماسي لا يشبه المشهد من داخله، مع أنه السياق أو النظير التي يتيح للمشهد من داخل الخماسي أن يظهر بما هو كذلك (كمشهد). واعتماد المشهد هذا علي شيء لم يعد يسمى ببساطة مشهد يقاطع العمل الأنيق للنزعة الدرامية لأنه يحمل حدودها إلى داخل قلبها.
ويستنتج بورك خلاصة من الانهيار الذي أجبرعلي ملاحظته في خماسيته الدرامية: الدرامي نفس يجب أن يكون هو نفسه له أساس في اللادرامي..ولذلك هناك نقطة يتحدد فيها منظور الكاتب الدرامي في إطار نقيضه السياقي، إذ يجب أن يمحو ذاته في فعل النطق نفسه.
وفي نهاية نزعته الدرامية يعلن بورك كذلك نوعا من الطمأنة الذاتية للنزعة الدرامية، من خلال ما يسميه «ذوبان الدراما dissolution of drama. وهذا الذوبان لا يعني أن خماسيته الدرامية خاطئة، فهي تعني فقط أنه من خلال التعامل معها ,لا يستطيع تجاهل أن الخماسي هو عملية انهيار، وأنه يجب أن يمحو ذاته في لحظة النطق”.
يمكن أن يٌفهم النقد الذاتي باعتباره ذريعة تعي النزعة الدرامية حدوده، ولا سيما ميلها إلى تجسيد غير المجسد، وهو ما سماه بورك في مناسبات متفاوتة تفعيل المشهد agentification of the scene. لأن اللا شخصي منفصل جذريا عن الانقسام بين الممثل والمشهد، فهو يقع خارج المسرح وخارج الخماسي. وبالطبع يعتمد الخماسي علي هذا اللا شخصي الذي يوجد بعيدا. وهذا المشهد الذي لا يرتبط بأي مشهد هو حد النزعة الدرامية ويدعونا بورك إلى ألا ننسى هذا الحد، حتى لو كان هذا يعني أننا يجب أن نكون دائما داخل عملية محو النزعة الدرامية. وطبقا لهذا الخط الفكري، لن تكون النزعة الدرامية محدودة بالمعنى المكاني، وكأنما كان هناك مجال واحد يمكن تطبيقه تماما عليها ومجال ثان يجب أن تبقي بعيدة عنه. فحدود الدرامية بالأحرى هي حدود منهجية ووظيفية، ونتيجة لذلك، لا يمكن أن تطبق الدرامية بشكل مريح علي أي شيء، ولا حتى المسرح. لذلك تحتاج الممارسة الأمينة للنزعة الدرامية فعل دائم من المقاطعة والتحديد الذاتي.
ويمكن أن نخلص إلى بعض النتائج من نقد بورك الذاتي القوي. إذ لا يتنبأ هنا بعدة ملامح في دراسات الأداء ويؤسس علاقة بين الفلسفة المسرحية ودراسات الأداء. بل انه يحدد لنا حتمية تأمل حدود النزعة الدرامية، التي يمكن أن نتناولها كنقطة انطلاق لتأمل حدود الأداء. وقد بدأ عدد من العلماء العمل في هذا الاتجاه. ومن بينهم جانيل رينيه Janelle Renelt وجوزيف روشJoseph Roach في كتابهما «النظرية النقدية والأداء Critical Theory and Performance» 1992، وجوديث باتلر Judith Butler في كتابها «الأجسام هي المهمة: حول الحدود المنطقية للجنسBodies that matter: the discursive limits of sex» 1993، وكتاب (بيجي فيلان Peggy Phelan) «غير الملحوظ: سياسات الأداءThe unmarked: the politics of performance «1993، وكتاب فيليب أوسلاندر Philip Auslander «الحيوية: الأداء في عالم وسائطي Liveness: performance in a mediatized world» 1999، وكتاب جون ماكينزي Jon Mckenie» أن تؤدي أو شيء آخر: من النظام إلى الأداء Perform or else: from discipline to performance» 2001. وبمختلف الوسائل، تمثل هذه النصوص روحا جديدة في النقاش المنهجي، وتأخذ علي عاتقها النصوص الكلاسيكية في هذا المجال وتحتاج أطر تنظيرية جديدة.
وهي الروح التي أثير بها سؤال حدود الأداء. فإذا تناولنا ريادة بورك، وفكرنا أن حدود الأداء لا يمكن أن تتضمن بالضرورة علي تحديدا لأهداف التحليل التي يجب أن تطبق عليها حدود الأداء نفسها. إنها تتضمن بالأحرى نقدا بالمعنى المنسوب إلى كانت، وهو تأمل حدود مفهوم الأداء (أو المسرحانية) نفسه. فمن أجل هذا المشروع، يمكن أن نحتاج أن نطور مصطلحا مضادا للأداء، مصطلحا يلعب دور المصطلح الثاني، الخارجي بشكل متطرف، ومفهوم المشهد في تأملات بورك. فما هو مشهد الأداء، وما هو مشهد ذلك المشهد، الذي يساعد تفاعل المشهد والأداء بدون أن يكون منه؟. ما الذي يمكن أن تشبهه دراسات الأداء والذي يمكن أن يمحو ذاته في لحظة نطقه والذي من شأنه أن يرسم اللا أدائي المتطرف في قلب الأداء؟
 - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - 
 مارتن بوشنر Martin Puchner: يعمل أستاذا للأدب الإنجليزي والأدب المقارن بحامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية. ومن أبرز أعماله: “رهاب خشبة المسرح: الحداثة والمسرحانية المضادة والدراما Stage Fright: modernism، antitheatricality and drama”.
 وهذه الدراسة من كتاب “فلسفة الأداء المسرحي: التقاطع بين المسرح والأداء والفلسفة” الذي صدر عن جامعة ميتشجان عام 2009. وهي تقع في الفصل الثاني (الصفحات41 - 54).
 تأليف : مارتن بوشنر

الأربعاء، 6 يونيو 2018

المسرح بوصفه وسيلةً لتأمل حيوات الناس

مجلة الفنون المسرحية

المسرح بوصفه وسيلةً لتأمل حيوات الناس


 عادل العامل - المدى 


يمكن للمسرح أن يكوّن مفاهيم متماسكة وحقيقية للناس. فهو يستطيع أن يستخدم جمهوره فكرياً وعاطفياً، أن يجعله حساساً إزاء القضايا، والفِكَر، والحالات البشرية المصورة، ويُحدث صلةً شخصيةً مع الأحداث والشخصيات التي على خشبة المسرح. وقد يمضي المسرح المستند على الجماعة خطوةً أبعد؛ فحين تكون المسرحية ذات علاقة على نحو مباشر بحيوات أفراد الجمهور وانشغالاتهم، تبدأ هناك عمليةٌ يمكنها أن تؤدي إلى فهمٍ وتغييرٍ أعمق، حيث يتعرف أفراد الجمهور على الشخصيات ومعضلاتها ويتماهون مع الأشخاص الموصوفين. ولأنهم يستطيعون أن يتفرجوا أكثر مما يعيشوا التجربة، فإنهم يجسدون المشكلات أيضاً، وبعملهم هذا يبدأون بأن يكونوا قادرين على التفكير نقدياً بشأن الحلول الممكنة أو الأفعال البديلة وبذلك يمتلكون القدرة على التغيير. 
وأنا هنا أتفحص الحاجة إلى التغيير الاجتماعي إضافةً إلى تأثير المسرح على المجتمع. وسوف أستكشف استخدامات المسرح كوسيلة للتغيير، إلى جنب التركيز على مسرح أوغستو بول إذ أن طرقه قد استُخدمت كأداة للتغيير. وهو القائل، " إن المسرح شكل من أشكال المعرفة؛ وينبغي ويمكن أن يكون أيضاً وسيلة لتحويل المجتمع. وبإمكان المسرح أن يساعدنا على بناء مستقبلنا، وليس انتظاره فقط." 
أحد أكثر التعريفات إيجازاً للتغيير الاجتماعي أنه " التعديل المهم للتركيبة الاجتماعية والنماذج الثقافية عبر الزمن." وهذه التركيبة الاجتماعية مكونة من "شبكة متواصلة من العلاقات الاجتماعية." وقد صار فيها التفاعل بين الناس أو الجماعات حافلاً بالتكرار. ويمكن للتغيرات الناتجة أن تؤثر في كل شيء، من السكان إلى الاقتصاد، حيث أن التصنيع والمعايير والقيَم الثقافية المتحولة عوامل قوية أيضاً للتغيير الاجتماعي. وبكلمات أخرى فإن التغيير الاجتماعي هو تحوّل في الثقافة والبنية الاجتماعية على مر الزمن. 
وهناك أسباب متنوعة للتغيير الاجتماعي. أحدها الثقافة التي هي نظام يفقد ويكتسب عناصر على نحوٍ ثابتٍ. كما أن القيَم، والمعتقدات، والإيديولوجيات قد شكّلت بالتأكيد اتجاهات التغيير الاجتماعي في العالم الحديث، مثل القومية، والرأسمالية، وغيرهما.
ويمكن للتغيير أن يقع من خلال تأثير عوامل بيئية كالمجاعة.
وتقوم التحولات العالمية في النفع الاقتصادي أو السياسي، كالعولمة، التي هي أحد العوامل الأساسية في مجتمعنا الحديث بالتأثير في الاقتصاد العالمي، والبنى السياسية، والثقافة، إلخ. كما يمكن أن يحصل التغيير من حركة اجتماعية ينظم فيها الناس معاً لسبب أو دافع مشترك.
وتُعد وسائل الإعلام الجماهيرية عاملاً حيوياً في تسريع التغيير الاجتماعي. فهي تسمح بالانتشار السريع للأفكار، جاعلةً هذا يتجلى بوضوح في مختلف نواحي البيت الخاصة والاسترخائية، حيث يكون الجمهور في أكثر حالاته تقبلاً لما يصل إليه. 
وهكذا فإن التغيير الاجتماعي يحدث لعدة أسباب تعني أن هناك على الدوام مطلباً للتغيير، سواء كان ذلك عن طريق أفراد أو من خلال قوى أكبر تؤدي بالجماعة البشرية في بعض الأحوال إلى تغيير شامل. ويعتبر المسرح وسيلةً لتأمل حيوات الناس وإعادة خلق ذلك ببصيرة أعمق، ويمكن أن يكون أداةً لفهم مشكلات المجتمع الحقيقية والمساهمة في إيجاد حلٍّ لها في إطار محاولته من أجل التغيير.


الاثنين، 4 يونيو 2018

الهوية الضائعة ..المسرح العربي بين الكلاسيكية والحداثة

مجلة الفنون المسرحية
عرض 'العاديات' تأليف وإخراج خليل نصيرات (الأردن)

الهوية الضائعة ..المسرح العربي بين الكلاسيكية والحداثة

هشام زين الدين - الجديد 

يقول يوسف إدريس في مقدمة الطبعة الثامنة لمسرحية “الفرافير” 1988: وأنت تقرأ هذه المقدمة التي كتبتها لن تحس بالاستغراب لكثير ممّا جاء فيها وكأنها أراء سبق أن قرأتها أو سمعت بها، لكنها لم تكن كذلك عام 1964، كانت شيئا جديدا تماما على المسرح العربي كله وكان مجرد المناداة بها عملا جريئا يستحق من الكاتب قطع رقبته، والآن يبدو كل شيء عاديا وليس بالمستغرب، ذلك أن هذا الرأي كان جريئا وسرعان ما أخذ ينتشر.
منذ انطلاقته الأولى على يد الرائد المسرحي اللبناني مارون النقاش، وخلال أكثر من قرن ونصف القرن من وجوده، انشغل المسرح العربي نظريا وعمليا بالبحث عن هويته الخاصة، المتميّزة عن غيره من مسارح الأمم. بدأت عملية البحث هذه من خلال تظهير بعض العناصر الفرجوية والاحتفالية من تاريخ الشعوب العربية الأدبي أو القصصي أو الديني أو غيره، فاستخرجت أو استلهمت العناصر التي تحتمل التوليف وإعادة التركيب والمسرحة على وجه الخصوص، أو تلك التي يمكن إلباسها اللباس المسرحي في الشكل بالحد الأدنى.

وكانت قد بدأت عملية البحث هذه منذ المسرحية الثانية للرائد مارون النقاش “أبوالحسن المغفّل أو هارون الرشيد” التي استلهم موضوعها وأحداثها من حكاية بعنوان “النائم واليقظان” التي وردت في كتاب ألف ليلة وليلة حيث برّر النقاش سبب اختياره لها بقوله إنها “أحب من مسرحيته الأولى أي ‘البخيل’ عند قومه وعشيرته”.

خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين لم تنقطع المحاولات التي اتخذت أشكالا متعدّدة غلب عليها الطابع الأدبي الشكلاني، والتي لم تتمكن من الغوص في جوهر الهوية المسرحية ومكوناتها الدرامية المطلوبة، فبقيت مجرّد إرهاصات غير مكتملة، تم الاعتراف لها بشرف المحاولة ولم تحصد نصر الإنجاز.

في النصف الثاني من القرن العشرين شهدت حركة البحث هذه زحمة مبادرات أفرزت تحولا نوعيا كبيرا، لجهة ظهور مجموعة من المقترحات المسرحية المشغولة أدائيا وبصريا، والمدعمة بمراجع نظرية حول مسألة الهوية. تميّزت هذه المقترحات عن سابقاتها باعتمادها عناصر درامية محتملة في عملية المسرحة كأساس يبنى عليه الشكل الجديد المقترح. نستعرض سريعا أهم هذه المحاولات التي اقتربت من الصيغة المسرحية بنسب متفاوتة في ما بينها، بغض النظر عن مدى اقترابها أو ابتعادها عن تحقيق الهدف المنشود، أي الهوية المسرحية.

في هذا السياق جاءت صرخة يوسف إدريس تحت عنوان “نحو مسرح مصري” عام 1964، حيث استند إلى أسس استلهمها من مسرح السامر المصري بهدف خلق مسرح عربي أصيل، وقد شكلت هذه الصرخة تعبيرا صادقا عن الروح الطامحة للانعتاق من التبعية للغرب ثقافيا، ثم تبعتها دعوة توفيق الحكيم في “قالبنا المسرحي” عام 1966 إلى مسرح الفرجة. وفي سوريا أطلق سعدالله ونوس مقترحه في “بيانات لمسرح عربي جديد” حيث دعا إلى مسرح التسييس، ولا ننس دعوات عبدالكريم برشيد إلى المسرح الاحتفالي، والفريد فرج إلى مسرح السيرة والحكايات، وروجيه عساف إلى مسرح الحكواتي وعلي الراعي إلى المسرح الارتجالي وغيرها من الدعوات محدودة الأثر.

وعلى الرغم من الأهمية التجريبية والبحثية والجمالية لهذه الطروحات والمقترحات التي استفادت منها الحركة المسرحية العربية دون أدنى شك، كونها شكّلت محفزا ومحركا للإبداع والخلق الذاتي بعيدا عن الاقتباس والنقل على صعد الإخراج والتمثيل والكتابة والعلاقة مع الجمهور، إلا أنها في المحصلة النهائية انتهت إلى فشل في تحقيق الهدف الكبير الذي وجدت لأجله، ولم تتمكن أي منها من خرق الإطار العام للنشاط المسرحي العربي الذي استمرّ محكوما، ولا يزال، بالقوانين والشروط التي اصطلح على تسميتها بالـ”غربية” للمسرح، وهنا لا بد من محاولة استكشاف موضوعية للأسباب التي أدت إلى هذا الفشل.

يقول الشاعر أدونيس في معرض تحليله للأسباب الكامنة وراء الفشل في الوصول إلى خلق هوية عربية للمسرح “إن مفهوم المسرح ومقوماته في تناقض واضح مع الثقافة الدينية للمجتمع العربي لأن المسرح قائم على الصراع، بينما الثقافة الدينية في المجتمعات العربية تتسم بالبنية الخالية من الصراع، لأنها تقوم على الإيمان المطلق الذي لا يفسح في المجال للتساؤل، وكيف يمكن أن يزدهر المسرح في ثقافة لا يكون الإنسان في مركزها؟ فالإنسان في المسرح هو مركز الكون لكن الله هو مركز الكون في الثقافة الدينية للإنسان العربي. واللغة العربية هي لغة بيان وفصاحة أو لغة وحي وإنشاء وتمجيد، بينما اللغة المسرحية هي لغة التوتر والتناقض والقلق والصراع، وهي “لغة الحركة” بحسب أدونيس.

يلتقي هذا التحليل مع آراء مجموعة كبيرة من الباحثين والمنظرين في فن المسرح وفي المسألة الثقافية بشكل عام، ومن الطبيعي أن يكون لهذه الأسباب حجم تأثير لا يستهان به، تضاف إليها أسباب جوهرية تتعلّق بمكونات الهوية العربية السياسية والتاريخية والثقافية والاقتصادية التي تعاني من حالة تشرذم وضبابية ولم يتم التوافق على توصيفها حتى يومنا هذا، لذلك نجد أن البحث عن هوية للمسرح العربي في غير محله وفي غير زمانه كونه ينطلق من أساس وهمي غير موجود في الواقع- أي الهوية العربية- إلا في أحلام الشعوب التي يملك كل منها هويته الخاصة بكل ما تعنيه كلمة هوية من أبعاد قومية وثقافية وعرقية واجتماعية. وأستعير هنا رأي الناقد المسرحي المغربي عبدالرحمن بن زيدان حيث يقول “إن المسرح العربي مسارح، والكتابة فيه وحوله كتابات، وأسلوب الإخراج أساليب، ولغة المسرح لغات وعلامات ودلالات، لأن مشارب الثقافة المسرحية العربية متنوعة المصادر، متباينة المنطلقات”.

التباين في المنطلقات والتنوّع في المصادر يدلان بوضوح على عدم وجود أساس موضوعي لهوية عربية جامعة ومتينة يمكن أن يقوم عليها البنيان المسرحي العربي، فاللغة الفصحى الجامعة التي لا يتكلمها أي مواطن عربي بعفوية، تقابلها لهجات عربية متنوعة يصعب فهمها من غير أهلها في الغالب، والرغبة أو الحلم بالوحدة عند معظم الشعوب العربية يقابلهما على أرض الواقع السياسي تباعد وتنافر وخصومة تصل إلى حدود العداء أحيانا، والتناقض الاقتصادي الهائل بين دول فاحشة الثراء وأخرى غارقة في فقر مدقع، ودول قطعت أشواطا في التحرر الاجتماعي وأخرى لا تزال تتخبط في وحول الجهل والتخلف. كل ذلك يدعونا إلى التفكّر والنظر في مرآة الحقيقة والتساؤل: عن أي هوية قومية نتكلم؟ وتاليا عن أي هوية مسرحية عربية نبحث؟

وهنا لا بد من الاعتراف وبجرأة، أننا وبالرغم من كل محاولات التأصيل التي شهدناها في البلدان العربية، ومع الاعتراف المتكرر بأهميتها التجريبية، كنّا ندور في فلك منجزات المسرح الغربي الذي حاولنا التمّيز عنه. فالنصوص والمدارس والنظريات والتجارب المسرحية التي تعلم منها المسرحيون العرب في معظمها غربية – أوروبية، والمعاهد والجامعات التي أعدت وأسهمت في تكوين غالبية الكادر المسرحي العربي هي غربية – أوروبية، حتى ريبرتوار العروض المسرحية على خشبات المسارح العربية كان يستند في معظمه إلى نصوص غربية – أوروبية. وفي هذا السياق يقول المسرحي السوري فرحان بلبل إن “المسرح العربي ومنذ ولادته كان يركض لاهثا وراء المسرح الغربي، وكتُب النقد الأدبي العربي مليئة بكيفية تعلّم العرب لفن المسرح ونقلهم لا لقواعده فحسب بل ولمختلف مدارسه واتجاهاته وكثيرا ما كانت المدرسة المسرحية الغربية تعيش عند العرب بعد أن تنتهي موجتها وتأثيرها في الغرب”. بمعنى آخر لقد استخدم المسرح العربي الأدوات والمراجع والمعارف والخبرات الغربية – الأوروبية في بحثه عن هويته الخاصة لكي يثبت تميّزه عن هذا الغرب، وفي هذه المعادلة التباس وعشوائية كبيران.

إن إقرارنا بصعوبة الوصول إلى الهوية المسرحية العربية الواحدة التي تجمع ضمن إطارها الحركات المسرحية العربية، يفتح باب النقاش للإجابة على سؤال: أي مسرح نريد اليوم في زمن العولمة؟ لندخل من خلاله إلى دور المسرح وجدواه بالنسبة للإنسان العربي المعاصر، آخذين بعين الاعتبار تطور هذا الفن عالميا، وانتقاله عبر مراحل تاريخية من الكلاسيكية والرومانسية إلى الواقعية وتردداتها غير الواقعية وصولا إلى الحداثة وما بعد الحداثة، أين نحن من حركة التطور هذه؟ وهل مسرحنا الراهن يعكس تطلعاتنا الاجتماعية والفكرية والجمالية والفنية والتعبيرية؟ واستطرادا، هل ينعكس فقدان الهوية المسرحية الخاصة بنا على مستوى مواكبتنا لمراحل تطور المسرح العالمي؟

للإجابة على هذه التساؤلات لا بد من تحديد موقع المسرح العربي اليوم على سلم حركة تطور المسرح العالمي، فهل نحن مواكبون لهذه الحركة أم متخلفون عنها؟ هل دخلنا في مرحلتي الحداثة وما بعدها فعلا أم لا نزال غارقين في الكلاسيكية والرومانسية والواقعية التي أصبحت من الماضي؟ والجواب المستند إلى الواقع هو جواب مركب، أي نعم ولا في نفس الوقت.

يلاحظ المتابع للمهرجانات والعروض المسرحية العربية اختلافا كبيرا في نوعية العروض وانتماءاتها الفنية والجمالية ومدى مواكبتها لمستجدات التطور المسرحي عالميا، ما يؤشر على حالة من التخبط وانعدام الوضوح في الرؤية عند المسرحيين العرب، ففيما يجهد بعضهم في البحث عن آفاق جديدة في التعبير مستخدما الأساليب الحديثة خارج القيود الكلاسيكية السائدة، نجد البعض الآخر غارقا في التقليد محافظا على صيغ مسرحية تخطاها الزمن. والمثير للدهشة أن هذين النموذجين يتعايشان جنبا إلى جنب في نفس المجتمع والمدينة والمسرح أحيانا. وهنا قد يقول قائل إن هذا التنوع يشكل حالة من الغنى الثقافي، وإن حرية التعبير تكفل لأي مسرحي تقديم رؤيته الخاصة للجمهور حتى ولو كانت تقليدية وفي هذا جزء من الحقيقة، لكننا من زاوية نظر مخالفة لهذا الرأي نقول إن وظيفة المسرح ودوره الاجتماعي والفني والثقافي والجمالي في حياة المجتمعات، ووظيفة الفن عموما، تفرض على المسرحيين التطلع إلى الأمام وفتح آفاق معرفية وفكرية وتعبيرية جديدة غالبا ما تقوم على تكسير الأنماط والثوابت السائدة التي تعيق تطور هذه المجتمعات. ومن هنا كان دور المسرح طليعيا في كل الأزمنة والأمكنة، خصوصا في زمننا الحاضر المحكوم بالعولمة التي فتحت حدود التواصل والتفاعل بين الشعوب والأمم على مصراعيها، ولم يعد بمقدور أي طرف الانغلاق على نفسه ودفن رأسه في الرمال والتخلف عن مواكبة العصر في شتى الميادين.

إن صيرورة التاريخ والتطور لا ترحم المتخلفين عن اللحاق بها، والمسرح العربي ومنذ تأسيسه كان في مقدمة الفنون التي انقلبت على التقليد ودخلت في محاولات التحديث، وفي هذا السياق يقول الناقد اللبناني بول شاؤول “المسرح عندنا هو أول الحداثة، والمفارقة اللافتة في الظاهرة المسرحية المبكرة (والمقصود هنا ظاهرة مارون النقاش) تكمن في أن المسرح كان من الإشارات التجديدية الأولى قبل الشعر والرواية والفن التشكيلي، علما بأن المسرح كنوع مستقل بلا تراث عندنا والأنواع الأخرى تكاد تكون راسخة في التراث العربي”. إنها حقيقة تاريخية لا يجوز إهمالها بل يجب البناء عليها لتأكيد الدور الطليعي للمسرح في حياتنا، وذلك من خلال مواكبة تطورات الحداثة في المسرح وتعميم ثقافتها ونشر معارفها وتقنياتها، والدخول في تجارب ما بعد الحداثة من دون تردد، وتحفيز الأجيال المسرحية الجديدة في الجامعات وفي الفرق المسرحية المحترفة والهاوية على الخوض في تجارب مسرحية حديثة والخروج من التقليد ومن المعالجات الدرامية الكلاسيكية التي يمكن أن تبقى كخيار جمالي يستخدمه المسرحي عند الضرورة وكجزء من العملية الإبداعية. فالكلاسيكية كمادة نصية أو كعنصر جمالي قد تكون مطلوبة لا بل ضرورية أحيانا، لكن المهم كيف نقدمها لجمهور اليوم، والمؤكد أننا لا يمكننا تقديمها بأسلوب أو معالجة كلاسيكيين، وأستذكر في هذا السياق مسرحية “هاملت” التي قدمها المخرج الكبير انغمار برغمان في موسكو في نهاية الثمانينات والتي أحدثت صدمة “حداثية” إن صح التعبير في نفوس وعقول الجمهور الروسي الذي لم يكن قد تخطى الحصرية الستانسلافسكية الواقعية بعد، وذلك عندما تشقّق جدار كبير في خلفية المسرح ودخل منه هاملت ورفاقه في بداية المسرحية بلباس مغنّي “الروك أند رول” يحمل كل منهم راديو كاسيت على كتفه وموسيقى الروك العصرية تصدح منه.

في الخلاصة لكل جيل مسرحي همومه وتطلعاته ورؤياه التي تعبر عن زمنه والتي تختلف عما سبقه من أجيال، وعندما تعيد الأجيال الجديدة إنتاج الأفكار الإنسانية ذاتها بالأساليب والمعالجات نفسها تتوقف حركة التطور والارتقاء، إنها دعوة إلى الخروج من الثوابت الكلاسيكية ومن الواقعية ومن المدارس الجامدة في المسرح العربي والانطلاق نحو الفضاء الواسع في التعبير ومواكبة المنجزات المسرحية المتجددة والمتغيرة باستمرار من دون أي تردد أو خوف، إنها دعوة إلى ممارسة الدور الحقيقي الطليعي للمسرح في حياتنا، وإلى تغيير السائد من أجل تطويره، لكي يكون مسرحنا انعكاسا لصورتنا الحقيقية كما نريدها نحن وليس كما يريدها لنا الآخر كائنا من كان.

الأربعاء، 23 مايو 2018

الواقع والعبث في العرض المسرحي "دراما"

الثلاثاء، 22 مايو 2018

مسرحية فلانه خطاب الانوثة المعوم والمضمر المحايث

مجلة الفنون المسرحية

                        مسرحية فلانه … خطاب الانوثة المعوم        

                                           والمضمر المحايث             

 د.يوسف رشيد                  



تأليف _ هوشنك وزيري

اخراج _حاتم عوده

مكان العرض _ منتدى المسرح / بغداد



من فضاء تداولي للموروث عن (السلطة الذكورية) ورواشحها الاجتماعية التي ظلت دهراً تحكم العلاقات الانسانية بقيمها ومبادئها وتحتفي بحضور (الذكر) على حساب (الانثى )وتمجد ذلك الفارس الذي ينجب ذكراً. اجتهد كل من مؤلف ومخرج مسرحية (فلانه) في التقاط حدود وابعاد لسنن متوقعه  في تلقي هذا الموضوع وفي هذه المرحلة من حياتنا بالذات, جاعلين من المحنة فضاءاً ل(الذكر) نفسه مثلما هي محنة ( الانثى ) وواضعين المرأة امام (الذكر) بأزمته (السايكودراميه) التي تمثلت بحياة معطلة ومغرقة بابعاد هذا العجز وتردداته وانعكاساته في مجتمع العرض , كبؤرة ثانويةً ارتقت بمضمراتها وحدودها لترفع يافطات احتجاج امام هذا العالم الذكوري المستبد وعبر التصدي بالنموذج المجاور لاشكالية الانطفاء الفحولي والوقائع الاخرى المترتبة عليه.

يندرج الخطاب الجمالي في مسرحية (فلانه) بخطاب ( سوسيو ثقافي) مستبطن اي ان ثمة تخارجات فكرية بين انساقه وتشكلاتها وبين فاعلية اليومي في الحياة , وهي مابين الغياب القصدي احيانا ,وما بين الحضور الخجل ,في ظبط دلالي لم يعطي نفسه في الوهلة الاولى الى فضاءات التاويل اذ بقي في حدود وظاهرية الازمة الانسانية التي تستدعي استجلاء بواطنها بالتحليل المتاني لوقائع مترامية الابعاد .

فالعتبة الاولى للنص كما تشير الدراسات هي العنوان : لذا فأن (فلانه) تدلنا على (اللاسم محدد) او مشخصن لتدور حوله الاحداث ,وهكذا فأنها جميع الشخوص معومة , و(فلانه)هي كل انثى , هذا يعني ان التعويم كان غاية بذاته وقد عمقته الصورة الاولى لدليل العرض  , احذيه واقدام نسائية مبهمه لا اجساد لها ولا شخوص تعرف لهم اسماء, فهذا التعويم ينطبق على جميع الشخوص ومجريات العرض ومفرداته التي عمد اليها المخرج, فالمكان معوم يلفه الدخان واللاهوية واضحه ,ومساقط ضوء ثابتة, رسمت بتعالقها مع الدخان لوحات سريالية كأنها ذاكرة مشوشة ,او صورة لحياة مبهمة ومعومة هي الاخرى , حيث اكد المخرج حضورها بأن حاول ان يؤنسنها  في شخوص افتراضية, تعامل معها خلال العرض الذي وصفه المخرج في كلمته (فلانه … انها عذابات اناثنا في عالمنا الذكوري بامتياز ) بقصدية التـأكيد على عمومية الازمة النسوية وقهرها الازلي بما لا يمكن الا ان يكون سببا لمنجز ينتمي الى الانساق الثقافية القابلة للمعالجة جماليا وفكريا , فكان قوام ذلك , الايغال في تعميق فكرة العمومي اللامحدد ,وفي تعميق ثنائيات التضاد في مقابل ..( ذكر _ انثى) وتعارضاتها (رجولة _ نكوص) في مقابل ( انوثه _ خذلان ) (رقة انثى _ قهر واستلاب ) … وكلها تفضي الى الخذلان وغياب الامل ليعبر عنه وبتشتيت العلاقة بين الموجودات  , وتوظيف مفردات هي الاخرى معومه في (اللامكان) (طبل _ سجادات صلاة) صلوات تتشطى قبلتها في تعددية اتجاهتها _ وشخوص لا علاقة لا احد بأحد حتى في توجهاتهم .(مايكروفونات) وكل يبث وجعه الداخلي بصوت الداخل كفعل اشهاري قصدي, اذ وضع المخرج مفرداته وتعامل معها بقصدية واعية من شأنها ان تثير شهية المتلقي في السياحة عبر محمولات هذا الخطاب الجمالي وبالتالي اعادة رصفها انتاجيا ,بمعنى ربما مغاير, ولكنه اكيد ينسجم مع معطيات لفرضية مجاورة او مغايرة تتشكل من خلالها (سنن) اخرى توظف ذات المعطيات هي (سنن المضمر )

فبرغم جريان العرض بألاتجاه (السايكودرامي) في محنة (الانثى) المحاصرة بين اضطهاد القيود الاجتماعية والاعراف الضاغطة وامتهانها ,لانها غير ولادة للذكر, وبين محنة (الذكر) ,وعجزه الجنسي وما تركه فيه من اثار نفسية وعدوانية جراء ما واجهه من حروب وضغوط يومية وفقر وعوامل بايولوجية اخرى , فكان هناك ثمة هوامش تغذي وتتغذى على المعطيات الدلالية التي افضى اليها العرض بحيث تشكلت في نسق تستشعره رغم انه مضمر, الا انه ظل بأعتباره نسقا ثقافيا مرجئاً , تبدو تمثلاته في ملامح حياتنا اليومية وما يمر به الانسان في مجتمعاتنا اليوم من نكوص وغياب للامل والانكسار والخذلان ,في ظل تبادل الادوار والعتمة التي تلف افق حياتنا  , وربما هذا النسق لم يكن هامشا وحسب, انما هو مركز مرجأ يظل عالقا في ذاكرة المتلقي منتظراً ما ستؤول اليه الاحداث باعتبار ان كل هامش هو مركز مؤجل ويصبح مركزا اذا ما اتيحت له الظروف المواتية .

فاحداث العرض تمسكت بالحدود الملمحية لمسرح محرض ,وظل من دونما تصريح, اذ ظل هلاميا متوجسا في التصدي بحدود العلاقة بين الانوثة المقهورة والعالم الذكوري المخذول وهو في اسوء صور ( الذكر ) بانهياره وتخليه عن بطولاته السالفة , وهذه الطبقة من العرض هي ايضاً  تدعو للتاويل, ولا ادعي ان هذه المشكلة لا تستحق ان تاخذ الصدارة في المستوى القرائي الاول ,ولكن رغم وقوعها في طبقات العرض الظاهرة الا انها لا تنطوي على البعد الدلالي الاعمق في اللاوعي الجمعي لقربها من سطح الواقع على حد (كاسيرر), في حين تنبئ البنية العميقة للعرض بعمق مستبطن يكمن فيها هو ذلك الذي يتجلى للقراءة التاويلية عن الهم الانساني الجمعي, اذا ما تم الحفر في طبقات هذا الخطاب  نصاً وعرضاً, ليفصح عن محمولات اكثر عمقا مما ظهر في النسق المشار اليه وضوحا والذي اذا ما حاولنا ارجاءه مؤقتا لرشحت في افق التوقع فكرة عمومية مجاورةً بكامل انضباطها الدلالي ويمكن للمؤول ان يشم رائحة اضمارها , فالخذلان وغياب الامل الذي تمر به حياتنا, هو ذلك العقم الاكبر والتراجع الذي اصاب فحولة الاقدام على التغيير والارتقاء بالحياة مع ما يواجهه الانسان من ضغوطات اجتماعية وسياسية واشكال الاستلاب والعقم السياسي الذي يظغط بتضاعيفه على انسانية الانسان ويجردها من قدراتها التوليدية,  كما النهاية التى  ختم بها العرض احداثه ,اذ  رغم كل الادعية والصلوات ,والسعي الحثيث لم تسعفه لا غيبيات , ولا حتى اعمال السحره , انه الموت والاضمحلال على قيد الوجود.

مقاربة العرض

جاء فتح الستار في بداية العرض بمثابة كشف عن هذا العالم السري المضمر والمغيب بدخان الهواجس وسياط الوجع النفسي الذي تمخضت عنه تلك الهمهمات التي تريد ان تتشكل في عبارة هي الواقع, عبر توظيف (المايكورفونات) كفعل قصدي في مقابل سرانية الازمة والاحساس بها ,والشعور بالانتكاس الذي لم تستطع الشخوص الافصاح عنه الا بكلمات مجتزئة لم تتضح ابعادها الا مع سريان العرض , حيث ينتظم البث العلامي في انساق تتراوح بين ايقونية المعلن وسرية المخفي _ الداخلي , ليفضي العرض عند المتلقي الى ثنائية كبرى , هي ثنائية العرض بواقعيته المرمزه وبين الواقع بوقائعه الموجعه ثم يغلق الستار على تلك الوقائع دون ان تفضي هذه الثنائية الى الاعلان عن تعارضها واحتجاجها اذا ما افترضنا ان مجرد فكرة الانتحار هي محظ احتجاج بائس وبات تقليديا لو نظرنا اليه على انه قرار ارادة انسانية مهزومة على الرغم ان فكرة الانتحار من جانب اخر, كانت يوما ما اشعالاً لفتيل متغيرات كبرى في حياة بعض الشعوب .

مقاربة التمثيل والاخراج

لان المخرج (عوده) كان على اتصال بالنظم الفكرية والدلالية لنص (هوشنك) فقد ابدى انحيازا واضحا لمعطيات النص مشتغلا عليها بتمفصلات وبملاحقة حركية وبصرية لتغطية فضاءات النص بالمعالجة البصرية و الايقاعية التي يمكن ان تضمن سلامة وصول روح العرض للمتلقي , لذا فهو يضع اعتبارا للنظم العلامية بتداوليتها وبدلالاتها وبتركيبيتها لتحقيق اكبر قدر من فضاءات النص , بوصفه ملفوظا يحقق تمثلات الفكر

لذا فقد انفتح خطاب التمثيل باتجاه نمط ينسجم وطبيعة هذه الازمة ( السوسيوثقافيه) و (السايكودراميه) في ان معا , بالاشتغال على الاحساس وعلى البصري في التعبير المدعم بالمسموع . وهذه فضلا عن انها مهمات اخراجية الا انها استدعت معالجات شخصية من الممثل لبناء الفضاءات الداخلية, كي تحقق تناغما بين الجو النفسي للعرض وبين الطبيعة الادائية للمثل , وهذا يستدعى طبعا استثمار عامل الخبرة في الاداء , لذا فقد جاء اختيار الممثلين موفقا من حيث تمتعهم بالخبرة وقدرتهم على تبني حالاتهم الادائية بمطواعية وباحساس جواني صادق , بما يتلائم وطبيعة العرض ومعالجته , وهكذا جاء اختياره (الاء نجم ) (البنت) التي عودتنا على تلقائية احساسها الداخلي , و (بشرى اسماعيل) التي اكتسبت بحضورها الخبروي الدائم مساحة راسخة في التعبير وهي تستند الى ارث من النجاحات في ادوارها التي كللتها بهذا العرض بدور (الام) كما استفاد المخرج من حضور وظل (باسل شبيب) بدور (الاب) الذي بدى منتمياً ومتسقاً مع ملامح الشخصية وصوتها واحساسها , بوصفها شخصية محورية , ونشيد بدور (عمر ضياء الدين ) لحضوره الصامت وهو ميزةً تحتسب له , فضلا عن توظيفه لخبرته الموسيقية في المساهمة بضبط ايقاع الاحداث التي جعل منها (حاتم عوده) نغمة مؤتلفة بالبساطة والارسال . واخيرا هناك المشاركة الطيبة  ل(نريمان القيسي ) في حضور تناوبت فيه مع الشخصيات الاخرى بشكل فاعل في تبادل الادوار , والمساعدة في ابراز تضاعيف الازمة الاشكالية التي عرضها النص بجهود فريق محترف من ممثلين وتقنيين حيث ينفرد المصمم المميز في عروض المسرح العراقي (علي السوداني) في خلق اضاءة تساوقت مع العرض وقدمت اجواء الازمة الروحية من الداخل والجو النفسي لعموم العرض بمساقط ضوئية عميقة الدلالات فيما شكلته من لوحة جمالية … واخيرا شكرا (هوشنك) مؤلفا لانك وضعت بايدينا نصا مجتمعيا واقعيا في بنيته غني بمحمولاته … وشكرا (حاتم عوده) مخرجا لكل نواياك الجمالية والفكرية في هذا العرض .

مسرحية خريف و التجريب بالواقع

مجلة الفنون المسرحية

مسرحية خريف و التجريب بالواقع

ظفار المفرجي 

مسرحية " خريف " إعداد و إخراج صميم حسب الله عن مسرحية ( رقابة مشددة ) للكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) و مسرحية ( سرداب ) للكاتب العراقي ( حيدر جمعه ) 
تمثيل : يحيى إبراهيم
حيدر جمعه
هشام جواد
بهاء خيون
سينوغرافيا علي محمود السوداني 
عرضت المسرحية في بغداد على منتدى المسرح يوم السبت الموافق 27 / 8 / 2016
و عرضت على فضاء كاتدرائية ميديا تيك مكتبة يحيى بن عودة في مدينة وهران الجزائرية ضمن مهرجان المسرح العربي التاسع يوم الأربعاء 18 / 1 / 2017 
عرضت في مدينة مانهايم الألمانية في يوم الأحد المصادف 29 / 4 / 2018 
أهمية الموضوع
الاسم خريف هو أخر الفصول المناخية و هو النهاية في الميثولوجيا العراقية ، و رغم ان وصول الزمن الى الخريف يحمل بعض التشاؤم ، إلاإن دوران الزمن يفرض وجود الأمل في الربيع القادم ، الانبعاث و إن كان ليس في المنظور القريب ، و على هذا يعد خريف حقبة في الزمن تموت فيها أشياء و تنتظر ولادة أخرى ، و عليه فأن النص يشير الى خريف شيء ما ، و ولادة أخر مختلف و لكن قد يكون أسوأ ، و هكذا على المتلقي أن يتأمل و يقرأ قرأته الخاصة و يعرف ما الذي سيأتي ، كل بطريقته .
يبتدئ العرض بعد نهاية الحدث الرئيس فيه ، و هذا يعني أن الحدث هو فعل ماض ، و نص العرض فعل بزمن أخرأكثر قربا للحاضر ، زمن يقدم الأدلة لمواصلة التفكير و هو زمن الحدث في العرض  ، و هما زمنين مختلفين تماما ، ناهيك عن زمن التلقي و هو فعل أني فوري بفعل المواجهة ما بين المتلقي و الملقي و هو الأهم كما اعتقد لأننا نطلق الأحكام فيه و ينتمي إليه  زمن هذا المقال  . و الحدث المقصود هو فعل القتل و سلسلة الجرائم إبان فترة الطائفية في العراق  سيئة الصيت . و إن لم يشر نص العرض إلى ذلك صراحة ، كما ان نص المؤلف الذي حصلت عليه لا زال يحتفظ بأسماء شخصيات النصوص الأصلية لـ ( جان جينية ) ( )  و ( حيدر جمعة ) ( ) ذاتها .
و الاختلاف ما بين الأزمان يسمح لنا بالنظر إلى المشكلة  و تقييمها .. فالزمن الأول ( فترة الطائفية ) توقفت فيها الحياة و انحسرت ما بين الساعة التاسعة صباحا و الواحدة ظهرا ما يكفي لعمل فعل محدد واحد و العودة إلى المنزل ( المخبأ ) ، و هو زمن استباحت فيه القوات العسكرية المتنوعة الشوارع  ، القوات المحتلة ، جيوش لأكثر من عشرين دولة و ميليشيات و شركات أمنية و حمايات و أطراف أخرى و مع هذا حدثت تلك الأحداث ، و رغم وجود هذا العدد من القوات المدججة بالسلاح ، فأن الجثث كانت تترك في الشوارع و قرب المزابل و في المناطق المهجورة و اختفى فيها عدد كبير من الناس و إلى الأبد .  ما يسمح لنا في الزمنين التاليين من التساؤل ، هل يعرف القتلة كيف غيروا الإنسان العراقي و إلى الأبد ؟ و هل يعرفون حجم الفتنة التي زرعوها في وطنهم ، هم الأدوات حتما لأطراف خارجية ؟ هل هم نادمون ؟ هل عادت الحياة بعد تلك الأحداث و كأن شيئا لم يكن ؟ و هل هم على استعداد للتغيير في حال تم إجراء تغيير ؟ هل هم حجر عثرة في طريق إصلاح الحياة ؟ هل هم أصحاب قضية حقيقية لتستحق كل هذا الخراب ؟ و هل المشاركة في أفعالهم فعلا او بالتفرج و السكوت أو الهرب يصنع الحياة . ؟  و العرض المسرحي خريف  لا يقدم و لا يثير هذه الأسئلة كلها  إنما يدعونا للتأمل في الموضوع و تلك الأسئلة سنمر بها حتما بعد نهاية العرض ، و العرض  باختياره هذا الموضوع يغاير المعتاد ( و المعتاد هو الابتعاد عن المواضيع العالقة التي تثير الخلاف ) فكيف بواحد من اصعبها ؟ ،  و الموضوع في الحقيقة محرج ، يثير الالتباس و الريبة لدى البعض ، و بهذا فهو موضوع مسكوت عنه . لأن كثير  ممن شارك في الخلاف الطائفي او عانى منه  لا زالوا على قيد الحياة . و لازال كل ما حدث عالقا في مخيلته و ذاكرته يعيقه على مواصلة الحياة ، او تحوله نفسه الى عائق للحياة . 
المعالجة 
يحدث القتل في الواقع لا في عالم الخيال ، و القسوة تشعر بها متى شعرت بعالم الواقع لأنه عالم مادي لا تنفعك فيه إلا حواسك المعروفة ، لذا فأن من لا يجيدون استخدام حواسهم أو تحمل قسوة العالم الواقعي تراهم يلجئون الى عوالم أخرى ( الواقع الافتراضي ، الألعاب الالكترونية و ما إلى ذلك ، المخدرات ، المشروبات الكحولية ، الجنس ) و كلها عوالم هروب و خدر تصنع حاجزا بين من يتمتع بها و الواقع . لذا فمن الأفضل البحث عن الأجوبة في عالم الواقع في محيط الأسئلة  نفسه أو جانب منه ، و إن تبحث عن الردود الأكثر واقعية بصفتها الأكثر منطقية في الواقع نفسه  ، كما إن الفعل نفسه حدث في الواقع بصفته حدث تاريخي ، يعني حتمية تناوله بأسلوب واقعي أو تحت ضغط التجريب بالواقع ، مثل الأساليب الملحمية أو التسجيلية . 
و الواقع المحمل بكل تلك الأحداث الدامية هو واقع قاسي ، اسود ، كابوسي بسبب نتائجه التي يعاني منها العراق حتى اليوم ، و بالعودة إلى القصص التي أشيعت إبان فترة القتل الطائفي ، نجد إن الكثير منها حقيقي لأنه مسند ، و لكن الكثير منها أيضا غير حقيقي صاغه الخيال لسببين إن العقل البشري عقل يجنح إلى تهويل الأشياء و الثاني تقصد الأطراف المتحاربة تهويل صورتها بصفتها قاسية و قوية . 
و لم يبق أمام من يتصدى لهذه الفكرة في المسرح الا أن يختار اخف الصور التي تعالج هذه الفترة الدموية بسبب من صعوبة تصوير عمليات القتل بالصيغة الواردة من تلك الفترة و عدم رغبة المعد الخوض فيها . 
إلا إن الواقع يحتوي على جوانب أخرى تثير الالتباس هي ذاتها الجوانب سبب الخلاف مثل ( الدين و السياسة و الطائفية و المناطقية و اللهجة و أشياء أخرى )  فكان مهما ان يبتعد النص عن كل هذا ، و هو الأمر الذي اختاره المعد ، فلم يجنح النص لهذه الأسباب إلى الوثائقية أو الملحمية لأنه سيتجرد من الفعل الواقعي المعتاد و يضطر للتعليق على الأحداث من خارجها ، او إبداء رأيه في إحدى وثائقها ، و هو الأمر الذي يعني اشتراكه ضمنا في الفعل موضوع الجدل و لو بالوقوف على الحياد . و لم يتبق أمام النص إلا دفع المتلقي للبحث و التأمل  في الأسباب و النتائج النفسية الموجبة للإنسان القاتل و أسبابه و تبعات أفعاله مع إضافات إيهامية تمنح الحدث المصداقية و القوة الفنية مثل البيئة و المنظر و المكان ( مكان العرض ) رغم انه أشير إلى اختيار مكان العرض ( المنتدى ) ارتبط بضعف الإنتاج ، الأمر الذي يبرر الاختزال في المنظر و عناصر العرض .
إن إطلاق الأسئلة من قبيل كيف يمكن للقاتل الطائفي أن يقتل ضحاياه ؟ هي أسئلة يصعب الإجابة عليها لسببين إن فعل القتل لحظة القتل لا يتعلق بالطائفية بل بالقتل نفسه ، أي انه يشبه أي قاتل ، و الدليل إن كل من يثير أعصابه ساعة القتل المتأججة يمكن أن يقتل لأن القاتل ساعتها يرغب بالقتل ليشفي خلل نفسي داخله ، و ربما عقلي . 
أما التفكير بالمقتول على انه من طائفة أخرى فأنه يأتي بعد القتل ليبرر بها حاجته للقتل ، و عادة لا يختار القاتل ضحاياه بل يختارها له آخرون و هم قتلة و إن لم يقتلوا بأيديهم . و هم عمليا فقدو إنسانيتهم منذ زمن و تحولوا إلى حيوانات مفترسة لا يمكنك إقناعها ساعة القتل بالتخلي عن الافتراس ، لأنه إن لم يفترس سيموت ، أي تحولت الجريمة إلى مسألة بقاء . 
أي يبقى اقتراف الجريمة ناجم عن خلل نفسي داخلي ، أو ضغط خارجي يولد خلل داخلي ، و هي كلها مشاكل مسبقة في ذات القاتل يوفر لها بيئة من المبررات ليمارس القتل ، إن فعل القتل ( الجريمة ) تعني إيقاف إمكانية حل المشكلة النفسية و استعصاءها على الحل ، لأن جريمة القتل هي فعل قطيعة مع الحياة الطبيعية . إذن القاتل مريض قطع صلته بالحياة تماما و هو غير قادر على إصلاح هذه العلاقة لأن الآخرين ، كل الآخرين بمن فيهم أحباءه سيتحولون إلى طرائد في لحظات معينة يمكن قتلهم في أي لحظة متى أراد . 
و هكذا نجد إن الفصل بين مشاعر الإنسان المتشابهة حتى بين القتلة و خصوصية الموضوع الطائفي هو أمر ممكن و يغني الموضوع عند الأعداد للعمل و خصوصا الجانب الواقعي لأن استحضار الصور المتعلقة بالقتل و بقاء القاتل و المختطف في مكان واحد يمنح المعد مساحة من الحرية لافتراض أحداث ليس بالضرورة إنها حدثت لكنها تحدث في حوادث مشابهة ليس بالضرورة إنها طائفية ، ثم إضافة الحوار المتعلق بالطائفية .
و عليه فأن وجود القتلة هو حاجز أمام حل الموضوع الشائك لأنهم سيقفون بجانب الموت الذي يجيدونه ، لا إلى جانب الطرائد ( الأحياء منا ) و هكذا لم يعد لقضيتهم الأصلية معنى و لم تعد المبادئ التي من اجلها انضموا إلى الطائفة التي تدعو للدين أي معنى ، بينما سيقاتلون من اجل الاحتفاظ بالمكانة التي حققها لهم الخوف ، خوف الآخرين من الموت و الاحترام الزائف الذين حققوه ، و سيصبحون عبئا على أنصارهم الذين لا يجيدون القتل  .
و هذا التوجه يفرض خلق مساحة من الجدل و المواقف البينية بين شخصيات مريضة نفسيا ، مواقف يومية واقعية و حوارات تثير رأي القاتل في الجريمة التي اقترفها ، و لأن الحوار الصريح بدوره مؤلم و مثير للالتباس فأصبح من الضروري اختيار لغة ملغزة اختزالية نفسية قريبة من الشعر بقدر بقاءها واقعية ، ما يسمح بسبب هذه اللغة من خلق جو نفسي يصنع طقسا قاسيا مثيرا للتأمل و التفكير بالأمر برمته ، دون مواجهة مشكلة يتطلب حلها من قبل المتلقي . لأنها لم تحل في الواقع أصلا ، و أي حل سيقدم بهذه الطريقة سيثير جدلا بحجم دموية المشكلة . فكان هذا النص . 

إجراءات العرض
يتضح منذ البداية إبقاء و إضافة كل ما من شأنه أن يؤكد المنهج الواقعي التقليدي ابتداء من التمثيل و الحوار إلى المنظر و الحركة داخل المنظر بالإضافة إلى تجريد العرض من الزوائد ، لدعم التوجه الواقعي .
و زمن العرض ممتد و متجه مع مسير الزمن اليومي  المعتاد  و لم يتضمن أي عودة بالزمن ( فلاش باك ) فعلا إلا عبر الحوارات ، كما اقتطع الزمن مرة واحدة ما بين مشهد الخروج من الحمام و لكنه ظل متجها مع حركة الساعة ، كما إن الزمن عائم سري يعزز الإحساس بالغموض لأنه غير معلوم ان كان فجرا أو ليلا نهارا او مساءا . 
و المكان هو منطقة غير واضحة ما بين اللامكان و مكان العيش و السجن التي هي بملامح شرقية ، و بسبب وسائل الإيهام بالقسوة تحول المكان إلى قبو تعذيب سري
و من الواضح إن المخرج سعى منذ البداية لتصفية الأثاث و المكونات الزائدة مبقيا و معتمدا على الحدث المصنوع بأجساد الممثلين في فراغ زمني بيني عادة ما يحدث في الحياة ،  فاستعاض عن الأثاث بكراسي صغيرة شخصية يحملها الممثل معه أين ما حل ، بالأضافة الى دلالتها التي تشير الى استخدامها المزدوج ما بين عصى تساعد على المشي و كرسي للجلوس جاهز للفتح في اي مكان في الشارع و هي في الحالتين تساعد العاجز على التواصل مع الحياة ، و هم بهذا عجزة لا يمكنهم التواصل مع الحياة الا عبر طرق محددة عبر وسائل مساعدة ،  كما أضافت الإضاءة الليلية و انعكاسها الواقعي إيهاما ساعد واقعية التلقي مع المعمار الذي كان حجة العرض في انتمائه الطرازي للعراق و لم يقدم العرض أي دليل أخر على الطراز .  
و حول الحركة في الفراغ الزمني المشار إليه و  التي تحدث عادة في عالم الواقع يقوم خيال المخرج  بوظيفة ارشاده و  حواسه إلى الحدث فيوظف الممثلين أجسادهم ليتخيلوا أيضا و يبنوا الفرضيات على نص المخرج الذي أعاد بناءه انطلاقا من نصه المعد ، و من تلك الأفكار  : - 
1- كيف يتحرك الإنسان تحت ضغط فقدان الحواس ،  لو تم توثيق يديه و رجليه و عينيه ؟ خصوصا إذا تعرض إلى تعذيب و كان عقله يجهل مكان وجود الجسد و مع من يتواجد و لماذا ؟ كل شيء مجهول حتى الشعور بالمساحة و الزمن ؟
2- الأداء وسط إرسال دائم للشعور بعدم الثقة من الأخر منطقة حزام من الخوف و التحدي و حضور القسوة الجسدية و الإيحاء بالأقوى و الأضعف 
3- نقل كامل للصورة الآنية التي يتواجد فيها القتلة و رضوخ الأضعف و سيطرة الأقوى و ميل الجميع لإظهار الجانب الحيواني فيهم لبث الرعب في بعضهم عالم بوهيمي يخلو من الإنسانية تقريبا 
4- الإيهام بالقسوة مثل  خوف الشخصيات من الغرفة المتروكة  تجعل المتلقي يفكر في ماهية الغرفة و ما الذي تحتويه ، و لماذا تثير الرعب ، هل هي غرفة تعذيب عادي ، كهرباء ، قلع أظافر مثلا ، أم إنها غرفة للقتل غير الرحيم ؟؟ و مع إننا لا نرى كل ذلك فأن هناك قسوة في تركنا نتخيله . و الأمر ذاته ينطوي على الالتصاق بالحائط و الابتعاد عن القتلة الذين لا ينتبهون لوجود الضحايا و لكن متى ما انتبهوا ربما اشتهوا القتل ، و هكذا يتحاشى الضحية الموت بالصدفة ، و هي قسوة ، و إثارة حواس المتلقي بأصوات تتعلق بالقسوة مثل صوت الحديد و اصطدامه بالحائط ( السلسلة ) 
5- التجريب بالواقع عن طريق تقديم مشاهد تمثيلية بدون حوار و بطريقة طقسية ، و التركيز على اللمسة المحاذية للتمثيل مثل  لحظات الصمت في العرض التي تترافق معها الحركة ، و المشاهد المتوالية في البداية الطويلة بدون حوار ، إذ تمر أكثر من 15 دقيقة من العرض و الشخصيات لم تنطق ، بالإضافة إلى صورة الخروج من الحمام الطويل نسبيا ، ونقل  الإحساس بالراحة بعد الحمام و البخار الحار الذي يصطدم بالأرض الباردة خارج الحمام وعند تحولها الى طقس فأنها تتحول إلى  صورة غير معتادة  ، قدمت دلائل على دخول الأربعة إلى الحمام و ربما شذوذهم الجنسي ، حيث القوي يحكم الضعيف و الضعيف بالإضافة الى ممارسته دور الضعيف فأنه يقوم بالخدمة و دور التابع .. الخ ، و هو مشهد واقعي مكتمل نراه يحدث في سجون القتلة بالإضافة الى جماليته الآنية ، بطء الحركة وسط الدخان و الإضاءة الخلفية و الموسيقى المساندة  . 
كما يحتوي العرض على كسرين للأسلوب في نص العرض ، كسر فيهما المخرج أسلوبه الواقعي هما : - 
1- كسر السينوغراف الواقعية بالإضاءة التعبيرية التي وافق عليها المخرج بالإضافة إلى نافورة الدم التعبيرية التي مستمرة في ضخ الدم أسفل البناء
2- كسر ملحمي عن طريق حوار الممثل ( يحيى إبراهيم ) ( )  عندما خاطب المتلقين بشكل مباشر ( انتم ترسمون طريق الجحيم ، هل تعرفون ما هي اكبر خطاياكم ، إنكم ساكتين صامتين لم تتفوهوا بحرف ) 
و ينتهي العرض على نافورة الدم المستمرة و تلك إشارة تعبيرية رمزية لاستمرارها في الزمن بعد العرض 
التمثيل 
هناك مستويين من الشخصيات يقسم شخصيات العرض الأربعة بالتساوي هما : - 
1- شخصيات القتلة : و هي شخصيات غير سوية فالأول هرم يفقد ذاكرته و تصعب عليه القراءة  لأن الضحية الثانية تعودت إن تقرأ له رسائله الخاصة ، و هو  يضرب نفسه بطريقة شاذة كمريض نفسي بالحائط  ( مازوشي ) ( ) كما إن لديه عقلية حيوانية تتضح عندما يغضب لأنه يضرب قدميه بالأرض كثور يستعد للهجوم . و يعاني الثاني من العمى و من تهويمات ( شيزوفرينية ) ( ) تراه يبعد شيئا دائما من فضاء رأسه ربما رائحة عفنة أو قطرات دم 
2- شخصيات اضعف ( مختطفين ) و يبدو إنهم أكثر إنسانية من القتلة ، بسبب تعاملهم كأسوياء مع بعضهم و ميولهم الخفية للبحث عن الحرية و طريقة تحرير احدهم لنفسه بأن ينزل يده أسفل جسده كله ثم يخرجها من الأمام ليفتحها .
و قد وفر التمثيل بوصفه الأداة الرئيسية في العرض و المثالية للحدث الواقعي ، الإيهام بالقسوة عبر : - 
1- البوليسية  ، الدفع و الضرب و السحب بالقوة يصاحبه أنين و سعال و تأوهات 
2- استمرار السعال بعد خروج القتلة بمساندة الإضاءة الخافتة و طرازيه المكان القديمة كلها وفرت الإحساس بالوسخ و عدم نظافة المكان 
3- طريقة رمي الأجساد واحدا فوق الأخر 
4- اكتشاف إن الشخصيات بلا حواس سوى حاسة الشم التي تعطيك رموز للأشياء ، أي إن الصورة غير مكتملة لديهم لأن العينين و اليدين و القدمين موثقة ( مشدودة إلى بعضها )، و يعني ذلك التمثيل في ظل نقص الحواس ، و تلك عملية صعبة أدائية تؤدي إلى التركيز على الممثل و كيف سيتصرف ، كما لو كان في سيرك يتحرك على حبل ، و ان كان سينجح أم لا ، و هو على كل حال لن يتصرف على طبيعته بسبب هذا النقص ، ما ينتج مشهدا غير مألوف و مثير لأنه غير مألوف . و هي عملية قاسية لأنها تريك إنسانا تحت الضغط ، إنسان سوي يفقد حواسه ، أي انه ليس إنسانا فاقدا للحواس تدرب على فقدان حاسة ما  لزمن طويل 
5- تصوير عملية لا تكتمل لحرق إنسان بسكاره بعد صب وقود عليه و يتوقف القاتل عند سماعه الأذان ، في إشارة إلى تدينه و خوفه من الله ، و في الوقت الذي يعد فيه قتل النفس حرام فكيف بقتل الأخر ، إن الإشارة هنا ، إلى إن الله هو سبب إنقاذهم لا سبب موتهم . أي رغم إن القتل باسم الدين فأن حضور الدين أنقذهم من الموت ، و تلك مفارقة حقيقية .
6- الحوار يشير إلى الأحداث الدموية التي لم يتم الكشف عنها و قتل الناس في الخفاء و الجثث المجهولة التي لم تكن مجهولة قبل قتلها ، إنهم يصيدون ضحاياهم مثلما يصيد المفترس ضحيته . 
لم يكن يبدو إن القاتل في العرض قد قرر مسبقا قتل الضحية ، إلا في إشارات التهديد الآنية بسبب حوار أو تصرف تتصرفه الضحية فيهددها القاتل بالعقاب ، أي لم يشر العرض إلى إن القتلة  هنا و ضحاياهم من طائفتين متشاحنتين و لم يشر أي إشارة إلى أسباب وجودهم معا ، حتى إن الضحية يعترف بأنه شارك في الحرب الطائفية على لسان الممثل ( يحيى إبراهيم ) " كنا و لا زلنا نتخفى في الطرقات لكنكم لا تريدون النظر إلينا " ، و هو الأمر الذي يؤدي الى التباس في الفهم . بسبب قلة الأدلة على وجود الخلاف الطائفي .
و يتضح تمتع الممثلين بهدوء داخلي أو التزامهم بملاحظة الهدوء و البطء في الحركة ، ليتم التركيز على الفعل و الحدث بدل التركيز على أجساد الممثلين السريعة 
و الحوار في العرض مكثف اختزالي مركز المعنى مثل : - 
1- ريح فقط لن يفعل شيء = لا تخاف من ان يقتلك
2- عندما أتحدث عن جرائمي فأنني اعرف عن أي فزع أتحدث = بدل الحديث عن حوادث القتل التي اقترفها 
3- العمى ينتشر في كل مكان = لا احد يرى الحقيقة 
4- خمسون عاما مضت و هو لا يبالي بنا و لا يتذكر ( في إشارة إلى نوع واحد من القتلة القدماء الذين يمارسون القتل منذ سنين ) و يرد هو خمسون عاما و أنت تحاول إثارة الفتنة ( ويدل هذا على إن القاتل الثاني من فئة أخرى ) و لا يشير حوارا أخر إلى الخلاف الطائفي أو يوضح الاختلاف
و قد لاحظت الممثل  ) حيدر جمعة(    في عرضيين مسرحيين خلال الفترة الماضية ( تقاسيم على نغم الحياة ) و ( خريف ) و اكتشفت قدرته على عزل الشخصية و إعادة بناءها كما لو إخراجها ( لا ادري إن كان يجهد هو في بناءها أم يختارها على هذه الشاكلة ) لأن الشخصيتين مركبتين و تعاني من مشاكل نفسية ، لكنه يؤدي بتنظيم و برود ، و كأنه عازم على السيطرة ، و يتضح من أسلوب أداءه انه تدرب مليا على الشخصية و لكنه يختار أسلوبا مغايرا ذاك هو السيطرة المحسوبة . 
و يمتلك ) هشامجواد ) ( )  هدوءا يؤهله للحضور و بالمشاركة الحاضرة ، رغم إن الشخصية التي أداها كان حجمها اصغر ، و يبقى ( يحيى ابراهيم )  و ( بهاء خيون ) ( )  قادرين على المطاولة ، بهاء الذي تطور في الفترات الأخيرة على مستويات التحكم بالصوت و الحضور ، كما ان ( يحيى ابراهيم ) المتمكن أصلا من الشخصيات التي بها جهد جسدي 
المخرج 
إن من أهم مميزات المخرج ( د . صميم حسب الله ) ( ) هو قدرته على خلق فراغات في زمن نص المؤلف و يصنع فيه صورة مسرحية استنادا على فرضية من الحركة الواقعية غير المتوقعة ما يسمح بتحقيق جملة من الإشارات المسرحية بأسلوب سينمائي و يعد هذا من أساليب التجريب في الواقع ، و قد اتضحت هذه الخاصية جليا في مسرحيته ( جليد ) كما اذكر ( استخدم دراجة و فقاعات ) و كلها إشارات واقعية ، و تميز بهذا في ( خريف ) أيضا عبر الصراع الصامت الطويل بين الضحايا في البداية و مشهد ( نقص الحواس ) و مشهد ( الحمام ) ، كونها مشاهد لا وجود لها في النص الأصلي . و على الرغم من انه يعد نصوصه للعرض بشكل مباشر ما يعني إن الصور المسرحية المشار إليها قد لا تكون مركبة بل مكتوبة منذ البداية على نص العرض بوصفه النسخة الوحيدة من النص ، و لكن عدم وجود الصورة في نسخة النص النهائية يؤدي إلى استنتاج تركيبها اعتمادا على التخيل اللاحق أثناء تنفيذ عملية الإخراج . و رغم انه مقل في الإخراجإلاإن تجربتيه الأهم ( جليد ) و ( خريف ) مثل فيهما العراق في مهرجانات مسرحية متنوعة ، و هو يتميز بحسن قيادته لمجموعة من الشباب تتغير مع التجارب المسرحية المتواصلة . 
الأستنتاجات
1- يفضل استخدام اسلوب تجريبي واقعي  مع الأحداث التاريخية او التي تشير اليها مثل ( زوايا النظر و التكوين الواقعي غير التقليدية ، الحدث السينمائي المتداخل ، الحدث الملحمي ، الحدث الوثائقي ، تقديم و تأخير الزمن ،  الخ ) .
2- يمكن استخلاص صور مسرحية صامتة واقعية او خيالية اعتمادا على الأستنتاج ايضا ( من خارج النص ) ، مثل التساؤل حول اوجه التشابه بين شخصيات و احداث و تكوينات متشابهة ، ثم اضافة عناصر ايهام موحدة مع النص . 
3- ان لغة التخاطب داخل العرض يحدد مستوى الواقعية في العرض انطلاقا من ( الشعبي الدارج الى الوسطية البيضاء الى الملغزة الشعرية البسيطة الى المتعالية الشعرية ) و كل واحدة معيار زماني مضاف للعرض كالتكوين و تصميم الأشياء و اسلوب التأليف و الأخراج و يؤدي هذا الى تلقي مختلف ينجح حسب نسبة توافقه مع العرض 
4- يمكن تحقيق الأيهام بالقسوة عبر استفزاز الحواس اي بالصوت ( احتكاك الحديد بالحائط ، اصوات السكاكين ) و بالرائحة ( الروائح الخانقة او الكريهة ) او بالنظر الى ( حركات خطيرة قد تنتج الما او بقعة دم على قماش ابيض او الأيهام بالتعذيب ) و الأخبار المباشر بالحوار . 
5- يستخدم المخرج ( د . صميم حسب الله ) الأضافات على  نص المؤلف بأضافة  صورة مسرحية تعتمد النظر الى الواقع بطريقة غير مألوفة ما يسمح بتحقيق جملة من الإشارات المسرحية بأسلوب سينمائي و يعد هذا من أساليب التجريب في الواقع  . 


المشاركة في المواقع الأجتماعية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption