عبدالعليم البناء… قلمٌ ظلّ وفيّاً للفن، وذاكرةٌ تمشي على الورق
مجلة الفنون المسرحية
![]() |
| الكاتب عبد العليم البناء |
بقلم د.عزيز جبر الساعدي

عبدالعليم البناء، قلمٌ محبّ للفن وخبرةٌ متراكمة لا تنضب. منذ أن عرفته في منتصف السبعينيات، حين كان أميناً لمحاضر جلسات المركز العراقي للمسرح، حيث عملنا معاً لأكثر من تسع سنوات، أدركت أنني أمام صوتٍ مختلف؛ صوتٍ لا يكتفي بالتوثيق، بل يسعى إلى أن يمنح الحدث دلالته.
ينتمي البناء إلى جيلٍ من الكُتّاب الذين تشكّلت وعيهم داخل حيوية المشهد الثقافي العراقي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث كان المسرح فضاءً للتجريب والحوار الفكري. في هذا السياق، لم يكن حضوره طارئاً، بل جاء من معايشة يومية لتفاصيل العمل المسرحي، ما منح كتاباته حسّ القرب من الخشبة، لا من خارجها.
ظلّ يكتب في مختلف الصحف العراقية، متابعاً نهماً للحراك الفني، وخصوصاً المسرح الذي شكّل هاجسه الأول. وما يميّز تجربته أنه اشتغل، بوعي أو بدونه، على وظيفة “الأرشفة الحيّة”؛ إذ حفظ عبر مقالاته وقراءاته ملامح مرحلة كاملة، في زمنٍ كثيراً ما تُفلت فيه التفاصيل من الذاكرة الجمعية.
غير أن هذه الخصيصة نفسها تفتح باب السؤال النقدي: فبين التوثيق والتحليل مساحة تحتاج إلى تعميق مستمر. بعض كتاباته تميل إلى تسجيل الحدث أكثر من تفكيكه، وهو ما يضع تجربته ضمن تقاطع مهم بين الصحافة الثقافية والنقد المسرحي، دون أن تنحاز كلياً إلى أحدهما.
ومع ذلك، فإن استمراريته تُحسب له بوصفها موقفاً ثقافياً بحد ذاته. ففي وقتٍ انسحب فيه كثيرون، بقي هو حاضراً، متابعاً، ومؤمناً بأن الفعل الثقافي لا يُقاس بوهجه اللحظي، بل بديمومته.
إن عبدالعليم البناء، بهذا المعنى، ليس مجرد كاتبٍ عن المسرح، بل شاهدٌ عليه، وذاكرةٌ تسير بمحاذاة تحوّلاته. ورغم ما أخذ الزمن من الجسد، بقيت روحه شابّة، تعمل بلا كلل، مسلّطة الضوء على الجمال حيثما وُجد، ومذكّرةً بأن الكتابة عن المسرح هي، في جوهرها، شكلٌ من أشكال الوفاء.
د.عزيزجبر الساعدي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق