البحث عن مسرح حقيقي (من منتصف الثمانينيات إلى سؤال اليوم)
*آمنه بنت محمد البلوشي :
حين أعود بذاكرتي إلى منتصف الثمانينيات، لا أستحضر مهرجانًا مسرحيًا ولا قاعة فخمة، بل أستحضر صفًا دراسيًا بسيطًا، سبورة سوداء، وطباشير بيد المعلمة وهي تكتب عناوين الدروس والتواريخ الهجرية. كنا ننسخ بصمت، ونتعلم ببراءة، دون أن ندرك أن تلك المساحة الصغيرة ستشهد أول احتكاك لنا بالمسرح.
في الحفلات المدرسية، منحتنا معلمة اللغة العربية فرصة لنقف أمام زملائنا ونقدم مسرحيات قصيرة. كنت أجلس إلى جانب أسماء وبدرية، واقترحنا أن نقدم مسرحية بعنوان: “في بيتنا قملة”. كانت الفكرة مباشرة وبسيطة: النظافة الشخصية والاهتمام بالنظافة العامة. لم يكن هناك ديكور، ولا إضاءة احترافية، ولا موسيقى. كان هناك فقط اندفاع صادق ورغبة في قول شيء نؤمن به.
وقفنا بخجل جميل، وقلوبنا تخفق. لم نكن نعرف أننا “نمارس المسرح”، ولم نفكر في نظريات أو مدارس. كنا نعيش لحظة حقيقية، بسيطة لكنها حيّة. وربما في تلك اللحظة الصغيرة كان هناك مسرح أكثر صدقًا مما نراه اليوم في قاعات أكبر.
تمر السنوات…
وفي الجامعة، عرض الدكتور نديم المعلا فيديو قديمًا: مسرح مهجور، ستائر شفافة، كراسٍ معلّقة تتدلى فوقها خيوط العنكبوت، وشخص يبحث عن مسرح داخل المسرح. يومها بدت الصورة رمزية. اليوم أشعر أنها واقعية إلى حدّ مؤلم. المكان موجود، الخشبة قائمة، لكن الروح غائبة. وكأننا نملك المسرح شكلًا، ونفتقده معنى.
لاحقًا، حضرت مهرجانات وملتقيات وورشًا مسرحية كثيرة. رأيت عروضًا بإبهار بصري مذهل: ديكورات دقيقة، إضاءة محسوبة، موسيقى مدروسة، أداء منضبط. كل شيء يبدو متكاملًا. لكن مع انتهاء العرض، أخرج كما دخلت. لا دهشة. لا رجّة داخلية. لا أثر وجداني يرافقني إلى البيت.
الحوارات طويلة، أحيانًا غامضة، مثقلة بالرموز. اللغة تبدو وكأنها تريد إثبات عمقها أكثر مما تريد التواصل. يمتد الكلام دون ضرورة درامية واضحة، فيتحول العرض إلى خطاب مطوّل مغلف بصورة جميلة. العين تستمتع، لكن الروح تنسحب بصمت.
الدهشة ليست صرخة مفاجئة ولا حركة صادمة. الدهشة لحظة انكشاف، حين ترى نفسك في مشهد، أو تسمع جملة تختصر ما كنت تعجز عن قوله. هي أن يضعك العرض أمام سؤال لا يتركك بسهولة. حين تغيب هذه اللحظة، يصبح العرض حدثًا عابرًا، مهما كان متقنًا.
لكن المسألة لا تتوقف عند العروض وحدها.
حتى بعض النقاد ولجان التحكيم في المهرجانات يبدون أحيانًا وكأنهم يبحثون في جحلة مكسورة فارغة من الماء. ينشغلون بتحليل الشكل، وتفكيك الرموز، واستدعاء المصطلحات، بينما السؤال الأبسط لا يُطرح: هل كان هناك ماء أصلًا؟ هل كان هناك نبض حقيقي في العرض؟
النقد ليس استعراضًا لغويًا، ولا تطبيقًا لنظرية. النقد الحقيقي بحث عن الروح داخل العمل. فإذا غابت الروح، لن يصنعها الكلام. قد تُمنح الجوائز، وتُلتقط الصور، وتنتهي الدورة، لكن الأثر يظل ضعيفًا. وحين يصبح التقييم لعبة تقنية، يفقد المسرح إحدى أهم ركائزه: الصدق.
أحيانًا يبدو أن المسرح يناوش نفسه. يعقد ملتقيات للحديث عن أزمته، ينظم ورشًا لتحسين أدواته، يناقش مصطلحاته ومدارسه، لكنه نادرًا ما يقدّم عملًا يختصر كل هذا الجدل في تجربة صادقة تهزّ الجمهور. الحركة موجودة، لكن المشروع غائب. النشاط مستمر، لكن الاتجاه غير واضح.
فهل لدينا مسرح حقيقي؟
ربما لدينا محاولات جادة، ولدينا طاقات وشغف، لكننا ما زلنا في حالة بحث. نحتاج إلى نصوص تُكتب من الداخل، من سؤال حقيقي يمسّ المجتمع، لا من رغبة في المشاركة الموسمية. نحتاج إلى تقليل الاستعراض وزيادة الإنسان. إلى صراع حيّ، وإيقاع يحترم المتفرج، وحوار ضروري لا مطوّل بلا حاجة.
نحتاج إلى شجاعة.
شجاعة في طرح القضايا الحساسة.
شجاعة في الاعتراف بالضعف قبل الاحتفال بالقوة.
شجاعة في جعل العرض ضرورة، لا واجبًا ثقافيًا.
حين قدمنا “في بيتنا قملة”، لم نكن نملك أدوات كثيرة، لكننا امتلكنا الإيمان بالفكرة. ربما كانت بسيطة، لكنها كانت واضحة وصادقة. اليوم نملك تقنيات أكبر، لكننا أحيانًا نفتقد تلك البساطة الصادقة.
المسرح الحقيقي لا يُقاس بعدد العروض، بل بعدد اللحظات التي تبقى في الذاكرة. لا يُقاس بجمال المشهد، بل بعمق الأثر. وإذا كنا نخرج من العروض بلا دهشة، فذلك يعني أن هناك حلقة مفقودة بين الخشبة والقلب.
من سبورة الصف في منتصف الثمانينيات، إلى قاعات المهرجانات المضيئة، الرحلة طويلة. لكن السؤال لم يتغير:
أين هو المسرح الذي يهزّنا؟
أين هو المسرح الذي يجعلنا نصمت بعد انتهائه؟
ربما ما دمنا ما زلنا نسأل، وما دمنا نشعر بالقلق حين تغيب الدهشة، فهذا يعني أن البحث لم ينتهِ بعد.
وربما… في هذا القلق نفسه، ما يزال المسرح حيًّا.
*ayaamq222@gmail.com








0 التعليقات:
إرسال تعليق