النقيب جبار جودي، حين يصبح الفن مشروع وطن لا مهمة ومسؤولية عابرة
مجلة الفنون المسرحيةأحمد طنيش ـ المغرب
في الأزمنة الصعبة، لا تُقاس قيمة الرجال بما يقولونه فقط، بل بما ينجحون في بنائه بإصرار واستماتة. مرت العراقٍ من حروب وحرائق وسطو على الحضارة ومحاولة تهديمها وسرقتها ولا أنسى شخصيا مشاهد تلفزيونية درامية لما وقع للمتاحف العراقية من نهب بأياد خفية في زمن الحرب الحضارية الأولى كما سماها الباحث في المستقبليات الدكتور المهدي المنجرة، من تم وضعت الأسئلة الكبرى بأن العراق لديه ملايين من المتاحف في صدور وعقول وكيانات بشرية متمثلة في المبدع والفنان والمفكر والباحث العراقي وهو الإرث الحقيقي الذي يحمل قيمة وثقل حضارة عابرة الأزمنة.
ظل الفن العراقي واحدًا من آخر الجسور التي تحمي الذاكرة من السقوط، وتحفظ للإنسان العراقي صورته العميقة بوصفه ابن حضارة كتبت أولى الحكايات وأول الملاحم فوق الطين والنهر والقصيدة.
في وسط هذا الزخم الحضاري وسيرة التحولات، يبرز اسم جبار جودي بوصفه واحدًا من الوجوه الثقافية والفنية التي لم تتعامل مع النقابة باعتبارها مؤسسة إدارية فقط، بل باعتبارها مشروعًا للدفاع عن الكرامة الثقافية للفنان العراقي، وعن صورة العراق داخل الفضاء العربي والدولي.
لعل اللقاء الأخير كان رسالة وبلاغا والذي جمعه رفقة عدد من الفنانين العراقيين، مع رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بمناسبة عيد الأضحى المبارك، يوم الأربعاء 27 ماي 2026، الذي لم يكن مجرد موعد بروتوكولي عابر، بل لحظة رمزية تعكس حجم الدينامية التي اشتغل عليها النقيب جبار جودي خلال السنوات الأخيرة، من أجل إعادة الاعتبار للفنان العراقي، وترسيخ حضور الفن داخل المشروع الوطني والثقافي للعراق.
لقد حمل البلاغ الرسمي الصادر عن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء إشارات عميقة، حين جرى التأكيد على أن الفن “هوية ورسالة حضارية تعبر عن العراق وذاكرة الأمة”، وهي العبارة التي تختزل، في جوهرها، الرؤية التي ظل يشتغل عليها جبار جودي: “الفن ليس ترفًا، بل ضرورة حضارية”.
مة رجال لا يكتفون بإدارة المؤسسات، بل ينجحون في صناعة المعنى داخلها. وهذا ما يميز تجربة جبار جودي داخل نقابة الفنانين العراقيين، باعتباره مهندس لحظات تكريم والاعتراف بحراس الفن والإبداع العراقي، والتفاعل معهم كفاعلين داخل الوطن وسفراء فوق العادة خارج الوطن.
الرجل، القادم من قلب الممارسة الفنية والإبداعية، لم ينظر إلى الفنان باعتباره مجرد اسم داخل أرشيف النقابة، بل بوصفه حاملًا لذاكرة العراق الثقافية والإنسانية ولسان ماضيها وحاضرها ومستقبلها ومترجم لحضارتها. لذلك، لم تكن تحركاته مجرد تدبير إداري للشأن الفني، بل مشروعًا لإعادة بناء صورة الفنان العراقي داخل وطنه وخارجه، عبر الانفتاح على الذات والآخر بحضور وازن في المهرجانات العربية والدولية، وتوسيع حضور العراق في المحافل الثقافية الكبرى.
من يتابع حضور النقيب جبار جودي داخل الهيئة العربية للمسرح، وعضويته الفاعلة في مجلس أمنائها، يدرك حجم الجهد الذي بُذل حتى يستعيد المسرح العراقي مكانته داخل الخريطة الثقافية العربية، تعرفت على الرجل بشكل مباشر سنة 2023، بمناسبة الدورة 13 لمهرجان المسرح العربي الذي أقيم بالدار البيضاءـ المغرب، وبالمناسبة تسلم مهمة النقيب في في 5 آب/أغسطس 2018، وفي 5 قياسي تزامن مع وقفة وأزمة كورونا بنى هيكلة النقابة شكلا ومضمونا ومواردا بشرية ونضالية، في سنة 2023 تابعت حضوره الفاعل كرئيس للوفد العراقي وممثلها النقابي، فلامست سر التوهج والتنظيم المحكم والاحتفاء بالمبدع العراقي وانصهاره في كل الدينامية التفاعلية مع روح مهرجان المسرح العربي بأسئلته الجديدة والمتجددة، وهي السنة التي أعلن فيها في نهاية الدورة 13، أن العراق ستستقبل الدورة 14 لمهرجان المسرح العربي تنزيلا للديبلوماسية الترافعية التي قادها بجدارة جبار جودي ونحن نعلم أن الهيئة العربية تعطي هذا الحق للملف الذي يستحق، وهي السنة نفسها التي عين فيها الرجل في مجلس الأمناء.
تابعت في سنة 2024 الدينامية التطورية لتنظيم دورة متميزة ببغداد / العراق، الدورة التي رفعت الإيقاع لمهرجان قدمت من روحه وفكره جدارة التجربة العراقية.
عاينت عن قرب في سنة 2025، دينامية الرجل وحضوره الفاعل في الدورة 15 لمهرجان المسرح العربي بمسقط بسلطنة عمان حيث كان كل الوفد العراقي سفيرا فوق العادة، وكان “النقيب جبار جودي” له الحضور الأبوي والأخوي من كل الفنانين العراقيين كما الإخوة العرب، حيث عقب كل يتحول كل عرض عراقي، إلى لحظة ديبلوماسية فنية ثقافية موازية وبعد العرض يقدم الورود ويقبل رأس الفنان العراقي.
تابعة رفع الإيقاع سنة 2026، للنقيب والنقابة في كل المحافل الفنية والترافعية داخل العراق من خلال عدة مطالب ومستحقات وضمنها مطلب أحقية حمل حقيبة وزارة الثقافة بكل استحقاق للمبدع الإنسان النقيب والمناضل والمثقف العضوي الأستاذ جبار جودي.
كما تابعت الحضور الفاعل والنوعي في تظاهرات عربية كبرى، من أيام قرطاج المسرحية إلى مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وتظاهرات أخرى هنا وهناك، لم يكن الحضور شخصيًا فرديا، بل حضور فكر وأفق باعتباره دفاعًا رمزيًا عن الفن العراقي بوصفه امتدادًا لحضارة عريقة لا تزال قادرة على إنتاج الجمال بأفق حضارة جديدة وليدة الحضارات المؤسسة.
حين يظهر الفنان العراقي في مهرجان كان السينمائي أو في المهرجانات الدولية والعربية الكبرى، فإن الأمر لا يتعلق فقط بصورة فردية لفنان أو مخرج، بل بصورة وطن كامل يؤكد مكانته الطبيعية داخل المشهد الثقافي العالمي.
هنا تحديدًا، يبرز الدور الهادئ والعميق والديبلوماسي الذي اشتغل عليه المبدع والنقيب جبار جودي، من خلال بناء شبكة علاقات ثقافية ومؤسساتية جعلت من الفنان العراقي حاضرًا بقوة داخل الفضاء العربي والدولي.
لقد فهم الرجل مبكرًا أن قوة الأمم لا تُقاس بالاقتصاد والسياسة فقط، بل أيضًا بقدرتها على تصدير صورتها الثقافية والفنية إلى العالم. فالحضارات العظيمة تُعرف بفنونها، والأمم التي تهمل مبدعيها، تفقد جزءًا من ذاكرتها الرمزية.
في كثير من البلدان العربية، تحولت النقابات الفنية إلى فضاءات بيروقراطية جامدة، بعيدة عن هموم الفنانين الحقيقية، أو قل مقصية بشكل من الأشكال، غير أن تجربة جبار جودي تبدو مختلفة ونوعية بل ومدرسة نضالية، لأنها أعادت للنقابة شيئًا من روحها الإنسانية والثقافية، وأصبحت بيتا لكرامة الفنان.
لقد بدا واضحًا، من خلال اللقاء الأخير مع رئيس الوزراء، أن هناك صوتًا حقيقيًا للفنانين يُنقل إلى دوائر القرار، وأن قضايا المبدع والفنان لم تعد مجرد مطالب هامشية، بل جزء من رؤية حكومية ـ تخاطب الحاضر والمستقبل ـ تعترف بدور الفن في بناء المجتمع.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تراكم عمل طويل، جعل من النقيب جبار جودي واحدًا من أكثر الوجوه الفنية قدرة على الجمع بين الممارسة الإبداعية والعمل المؤسساتي والدفاع الثقافي.
حين نتأمل هذه التجربة وعمرها النقابي 8 سنوات فقط من أواخر 2018 إلى 2026، ندرك أن العالم العربي لا يحتاج فقط إلى فنانين كبار، بل أيضًا إلى شخصيات نقابية من طينة الأستاذ جبار جودي تمتلك القدرة على حماية الفنان، وتساهم في تنظيم الحقل الإبداعي، وفتح أبواب الحضور العربي داخل الفضاء الدولي، هذا النضال الذي أخد الرجل من إبداعه وتأليف لأنه انخرط في قضية كبرى تهم الإبداع والفن في علاقة من حضارة وطن..
لهذا، تبدو تجربة جبار جودي أبعد من مجرد تجربة نقابية عراقية، بل نموذجًا عربيًا يمكن الاستفادة منها.
فلو امتلكت الساحة العربية عشر شخصيات لها مثل هذا النفس الثقافي والتنظيمي والإنساني والنضالي والترافعي، لتغير الكثير في صورة الإبداع والمبدع العربي في الجغرافية العربية، ولأصبح للفنان العربي حضور أقوى داخل المشهد الكوني.
ربما تكمن أهمية جبار جودي في أنه لم يتعامل مع الفن كترف جمالي منفصل عن الواقع، بل كقوة لبناء الحياة والأمل والمعنى.
ففي بلد مثل العراق، عانى الحروب والانقسامات والوجع، يصبح الدفاع عن الفن دفاعًا عن الإنسان نفسه، وعن حقه في الحلم والجمال والذاكرة.
لهذا، يبدو التكريم الحقيقي لهذا الرجل، ليس فقط في الكلمات، بل في الاعتراف بأن ما يقوم به هو جزء من معركة أكبر: “معركة حماية الروح العراقية من المحو والنسيان” وبالتالي التأثير على فعاليات الوطن العربي لكون العراق من أعرق البوصلات الفكرية والإبداعية التي تقود..
نبذة مختصرة جداً :
جبّار جودي العبّودي فنان وممثل تلفزيوني ومخرج مسرحي عراقي، ألف وأخرج وصمم السينوغرافيا لعدد كبيرمن الإبداعات، وله مؤلفات متعددة في مجال السينوغرافيا، ولد في المشخاب بمحافظة النجف ودرس في بغداد. عمل خلال مهنته الفنية منذ 1992 ممثلًا ومخرجًا ومصممًا وسينوغرافيًا.
حصل على دبلوم إخراج مسرحي سنة 1990، وبكالوريوس إخراج مسرحي في 2004، ثم ماجستير ودكتوراه جماليات وتقنيات المسرحية سنة 2009 و 2015 على التوالي ، قام بالتدريس في قسم المسرح بمعهد الفنون الجميلة ببغداد من 1992 حتى 1995، ثم في مركز التدريب المهني في صنعاء من 1996 إلى 1999.
تدرج في مناصب عديدة في السينما والمسرح العراقي منذ 1992 مديرًا ومصممًا ومخرجًا. وهو موظف في دائرة السينما والمسرح ومخرج للفرقة الوطنية للتمثيل. شارك في تصميم الديكور والإضاءة لعشرات من المسرحيات والأعمال التلفزيونية العراقية. أسس قسم التقنيات الفنية بدائرة السينما والمسرح 2007-2008، ومدير فني لقناة دجلة الفضائية 2007-2008.
فاز بانتخابات نقابة الفنانين في 5 آب/أغسطس 2018 بمنصب نقيب الفنانين العراقيين ، ويشغل منصب المدير العام لدائرة السينما والمسرح بوزارة الثقافة والسياحة والآثار .








0 التعليقات:
إرسال تعليق