أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الجمعة، 29 مايو 2026

مسرحية (أوهام من صنعنا )بفصل واحد تأليف حسين عبد الخضر

مجلة الفنون المسرحية
الكاتب حسين عبد الخضر 
 
مسرحية (أوهام من صنعنا )بفصل واحد تأليف حسين عبد الخضر


غرفة دكتور أمراض نفسية 

الدكتور يتكلم في الموبايل

الدكتور: نعم، نعم. . نعم. لا. لا أتفق معك. 
يغلق الطرف الآخر الخط. الدكتور ينظر بدهشة صوب المتفرجين.
الدكتور: أمر عجيب حقا. الجميع يريد منك أن تقول نعم. هذا أمر ليس منطقيا أبدا، وعندما لا يكون الأمر منطقيا يكون مخالفا للعقل، وعندما يكون عليك أن تتصرف بشكل مخالف لما يمليه عليك العقل تعيش تحت ضغط نفسي رهيب، لأن العقل لا يتنازل عن حقه، لا يتنازل عن موقعه منك، فيلح عليك أنك قد خالفته، وهذا ما يسمونه بتأنيب الضمير. الحقيقة أنه ليس هناك ضمير. في أعلى هرم القيادة من كل إنسان عقل لا يريد أن يتنازل عن موقعه. وهو لا يمارس حقه في التنبيه الدائم عندما تخطئ أنت فقط، بل يشغل صافرات التنبيه كلما لاحظ خطأ في أي مكان من هذا العالم، وهذا هو بالتحديد ما يصنف الناس إلى ثوار وخاضعين. الثائر هو من يستجيب لتلك الصافرات فيعلن ثورته على الخطأ سواء كان ذلك الخطأ صادرا من الذات أو من الآخرين، أما الخاضعون فهم من يتجاهل هذه الصافرات. هذا هو كل ما في الأمر نداء من العقل هو ما يشعل الإنسان ويحوله إلى ثائر أو خاضع أو مريض. ( يكتب على ورقه أمامه) المريض هو من يستمر في سماع صافرات العقل دون أن يتخذ موقفا، يكتفي بالوقوف بين الثورة والخضوع. (يتأمل ما كتبه) جميل، جميل، جميل. 
يدخل الفراش دون أن يطرق الباب.
الفراش: مريض يا دكتور.
الدكتور: دعه يدخل. 
يخرج الفراش ويدخل المريض بخطى مثقله، كأنها مقيده، ويقاطع يديه أمامه وكأنهما مقيدتان ونظره إلى الأرض. 
الدكتور: (وهو يشير إلى الكرسي) استرح.
المريض: وكيف يستريح السجين؟!
الدكتور: أجلس على هذا الكرسي.
المريض: حاضر. (يجلس).
الدكتور: ما اسمك.
المريض: 19702288479
الدكتور: هذا رقم وليس اسما.
المريض: هذا هو اسمي في سجلات الحكومة، منه يستدلون عليّ. أنت أيضا لديك اسم يشبه اسمي.
الدكتور: اسمك الذي أطلقه عليك والداك.
المريض: القيد الأول بعد الولادة؟
الدكتور: نعم.
المريض: كان أبي يريد أن يقيدني باسم علي لكن والدتي أرادت أن تقيدني باسم سلمان وهو نفس قيد والدها، ولأني لم أكن أفهم ما يدور، قيدوني باسم سليم بعد أن زعلت أمي وأقسم والدي أنه لن يقيدني بقيد والدها. 
الدكتور: ولماذا تعتبر أن الاسم قيد؟
المريض: لأنه ليس من اختياري. كل ما ليس من اختيارك هو قيد.
الدكتور: ماذا كنت ستطلق على نفسك لو أن الخيار عاد إليك؟
المريض: لا أدري. بعد كل هذه السنين مع القيد اعتدت عليه.
الدكتور: اسمك سليم إذن.
المريض: نعم، أنا السجين رقم   19702288479في سجلات الحكومة، سليم عند والديّ، ابو داود عند أصدقائي، زوجي عند زوجتي، أبي عند أولادي. . . .
الدكتور: اسم واحد يكفي. أنت سليم كما أسماك والداك.
المريض: يعجبك هذا الاسم؟
الدكتور: ليست مسألة إعجاب. عندما يولد الطفل يكون والداه مسئولان عن تسميته، وهذا أمر منطقي جدا.
المريض: لأنه عاجز.
الدكتور: لأنه لا يستطيع. 
المريض: لا فرق.
الدكتور: بل هناك فرق كبير. العاجز هو من يمتلك القوة ولا يمتلك الإرادة، أما الذي لا يستطيع فإنه لا يمتلك القوة أساسا. 
المريض: منطقي.
الدكتور: شكرا. والآن هل تستطيع أن تتمدد على هذه الأريكة. 
المريض: نعم، استطيع. ( ينهض ويمشي كما يمشي سجين مقيد. يتمدد على أريكة إلى الجدار البعيد، في مواجهة المتفرجين).
الدكتور: ( يسحب كرسي ويجلس إلى جوار المريض) ما الذي يجعلك تعتقد أنك سجين؟
المريض: لأنني سجين، أنت سجين أيضا. كل إنسان هو سجين في هذا الوجود الذي لم يختره.
الدكتور: وكيف حصل ذلك؟
المريض: السجن الأول هو عندما نكون حيامن مجهرية في ظهور آبائنا. مكان ضيق جدا، خانق إلى حد لا يتصور، مئات الملايين من الحيامن التي تتوق للإنعتاق من السجن، ثم تأتي اللحظة المناسبة وننطلق إلى المجهول. مئات الملايين نتسابق إلى مكان ما، المهم أن نخرج. وهناك، حيث كنا نظن أننا نجونا، يموت الجميع في انفجارات وأحماض، وفي اللحظة التي ندرك أننا وقعنا في الفخ المميت يكون الوقت قد فات لفعل أي شيء ينجينا من المصير المحتوم. لكن حيمنا واحدا يواصل التقدم على جثث الملايين من أشقائه ليصل إلى النهاية. هناك حيث يجد بيتا كبيرا يأوي إليه دون أن يتصور أن هذا البيت سيلتهمه ويبدأ في الانقسام حتى يتحول إلى جنين إنسان يعيش في مكان ضيق، يسبح في سائل نتن، ومرة أخرى تأتي لحظة الوهم بالنجاة لينطلق إلى الخارج مرة أخرى وهو يظن أنه سينجو. 
الدكتور: لماذا سكت؟
المريض: لأنك تعرف ما سيأتي.
الدكتور: لا، لا أعرف، فأنا لم أعش حياتك. 
المريض: كلنا نعيش الحياة نفسها، نتنقل من سجن إلى سجن يا دكتور. 
الدكتور: هذا ما تراه أنت، وهناك من يرى غير ذلك. 
المريض: كيف يمكن لإنسان أن لا يرى هذه الحقيقة الواضحة. من سجن ظهر الأب إلى سجن رحم الأم إلى سجن البيت ثم إلى سجن الحياة حيث تجد نفسك محاط دائما بالآخرين الذين هم سجناء مثلك، لكنهم يقضون أوقاتهم في التضييق عليك، يراقبون كل ما يصدر منك، ما أن تفشل حتى يرفعوا أصواتهم بالسخرية من فشلك، وإذا نجحت ينظرون إليك بعيون الحسد. أما إذا عشقت، فسيسعون بكل قوتهم إلى تدمير حبك ليضيفوا إلى المآسي التي يكتظ بها سجننا الكبير مأساة جديدة، لن يستريحوا حتى يفعلوا ذلك. 
الدكتور: أكمل.
المريض: ثم إلى العدم. 
الدكتور: العدم؟!
المريض: وما الذي ينتظرنا في سجن القبر غير التلاشي إلى العدم. 
الدكتور: منذ متى وأنت تعاني من هذا الشعور؟
المريض: أي شعور؟
الدكتور: أنك سجين.
المريض: منذ ولدت.
الدكتور: لسنا هنا لكتابة قطعة أدبية عن المعاناة. يجب أن تقول الحقيقة كي أساعدك. عند حدث ما، صدمة كبيرة بعد أن لا تسير الأمور على ما يرام يبدأ الإنسان بالشكوى. فما هو الحدث الكبير الذي تغطي عليه بهذه الرؤية السوداوية كي تتجنب مواجهته مباشرة؟ 
المريض: أنت لا تصدقني إذن؟
الدكتور: لست هنا لأصدقك، بل لأكشف لك مم تعاني بالتحديد، لتتمكن من مساعدة نفسك. 
المريض: صدقني، هذه الحياة ليست سوى سجن ينتهي بالعدم. 
الدكتور: وهذا هو رأيك طول عمرك؟
المريض: نعم. 
الدكتور: حتى عندما كنت طفلا؟
المريض: لا، عندما نكون أطفالا لا ندرك أننا في سجن. 
الدكتور: حسنا، حدثني عن اللحظة التي أدركت أنك تعيش في سجن. 
المريض: منذ وقت طويل. في وقت مبكر من حياتي. 
الدكتور: ما الذي حدث في ذلك الوقت المبكر من حياتك؟
المريض: (يبكي) أحببت. 
الدكتور: ثم ماذا؟
المريض: اكتشف الآخرون أني أحببت. 
الدكتور: وكالعادة، سعوا إلى التفريق بينكما. 
المريض: نعم. 
الدكتور: ونجحوا في ذلك.
المريض: (يبكي بصوت أعلى) نعم.
الدكتور: أصبحت حياتك بلا طعم. كل تلك التي السنين التي مرت بعدها وأنت تمثل أنك تعيش، لكنك في الحقيقة تتحرك بلا روح. 
المريض: نعم.
الدكتور: ومن أجل ذلك عدت بذاكرتك إلى كل مرحلة من حياتك السابقة وحولتها إلى سجن؟ 
المريض: نعم.
الدكتور: وقد تعبت من التمثيل وأنهارت قواك؟
المريض: هل شعرت بذلك؟
الدكتور: نعم.
المريض: إذاً أنت مثلي، تشعر كما أشعر. 
الدكتور: كل الناس يشعرون بالمشاعر نفسها عندما يواجهون الحدث نفسه. لكن طرق التفكير هي التي تختلف. أنت منهك لأنك حبست نفسك في سجن الحدث الذي مر عليه وقت طويل. . أنت متعب من سجنك الذي صنعته لنفسك والذي تتجاهل فيه كل الأحداث الجميلة واللحظات السعيدة التي عشتها. ما هو الحب لتعيش من أجله كل هذه التعاسة؟!
المريض: الحب. . . .
الدكتور: أكبر خدعة يعيشها الإنسان. . .
المريض: (يصيح) دكتور. . .
الدكتور: ليس حب الفتيات وحده، كل تعلق كبير بشيء من أشياء هذه الحياة هو خدعة. 
المريض: كلامك يؤلمني.
الدكتور: ذلك يعني أنك بدأت تفهم. وبما أنك تعاني بسبب الحب. هل تخيلت كيف ستكون حياتك لو أنك ارتبطت بالفتاة التي أحببت؟
المريض: ستكون جنة.
الدكتور: الحياة إذاً ليست سجنا. الحياة جنة بشرط وجود من تحب. وعندما فقدت حبيبتك، الله أعلم لماذا، رحت تصور كل مرحلة مررت بها في حياتك على أنها سجن. 
المريض: كان الأمر كذلك.
الدكتور: لكن هذه ليست هي الحقيقة. كل ما في الأمر أنك فكرت بشكل خاطئ، فعاقبك عقلك. غادرت ما هو حقيقي، واقعي إلى ما هو وهمي. أنت ترى بعينك أن ليست هناك قيودا في يديك ولا أثقالا في قدميك، تعرف أن هذا وهما، لكنك فضلت أن تعيش فيه، لماذا؟ لأنك خسرت فتاة تحبها، لم تتزوج من فتاة تحبها! هل أنت جاد يا رجل؟ 
المريض: ليس من أجل الفتاة فقط. الحياة كلها قيود ويجب أن لا يعيش فيها إنسان. . الحياة لا تستحق وجودنا فيها. . إنها مهزلة، فخ. . سجن. 
الدكتور: نعم، يمكن للحياة أن تكون سجنا عندما نجهل سبب وجودنا فيها، ونخترع أسبابنا الخاصة، أسبابنا الوهمية. 
المريض: كيف يكون الحب وهما، إنه الحقيقة الوحيدة التي تتغلغل في الروح، وتسكن الأعصاب. . إنه الفرح الوحيد الذي عشته، الأمل الذي كان يساعدني على تحمل أعباء الحياة. في كل يوم أقول لا بأس سأعيش هذا اليوم من أجلها. ثم هكذا تذهب فجأة، أخسرها كما خسرت كل شيء في حياتي. . أخسرها لأن المجتمع لا يتحمل أن تعيش فيه قصة حب وتنتهي بالنجاح. خسرتها لأن الآخرون يرون أنها أجمل من أن تكون لي. . أجمل من أن أحبها. . أجمل من أن تحبني. 
الدكتور: هذا هو خطؤك الكبير. أن تعيش من أجل فتاة. 
المريض: ليست فتاة إنها حبيبتي.
الدكتور: مهما كان موقع إنسان ما في قلوبنا، فهو ليس الهدف الذي نعيش من أجله. كنت تعيش قبل أن تلتقي بها، وها أنت حي بعد أن خسرتها. ليست هي الهدف إذا. أنا معك في أن الخسارة كبيرة، لكن الهدف الحقيقي من الوجود يجب أن يبرر وجودنا من لحظة الميلاد حتى الموت. وفي النهاية، الحياة ليست الجنة التي نحصل فيها على ما نريد.
المريض: ما هي الحياة إذاً؟
الدكتور: الحياة هي المكان الذي نشعر فيه بالرضا لكل خسارة نتكبدها في طريق تحقيق هدفنا. 
المريض: كلامك شاعري جدا. لكن الواقع أقوى من كل المشاعر.
الدكتور: عزوفك عن الحياة وحبس نفسك في سجن وهمي من أجل فتاة هو الشاعري، الوهمي، غير الواقعي. وبما أنك تتكلم عن الواقعي، هل يمكنك أن تريني القيود التي تقيد يديك؟

ينهض المريض. ينظر إلى يديه المتقاطعتين، ثم إلى قدميه. يحاول تحرير نفسه لكنه لا يستطيع. 

المريض: القيود في داخلي يا دكتور.
الدكتور: هل يمكن لأي جهاز سونار أن يصورها.
المريض: (بعد تفكير) إنها غير مرئية، هي قيود من صنع الخسارات.
الدكتور: هي ليست واقعية إذاً، وهمية، من صنع خيالك فقط. هذا يحدث فقط عندما نتخلى عن العقل ونفضل أن نعيش في الخيال. 
المريض: الخيال أوسع من العقل. فلماذا اختار لي القيود؟
الدكتور: لأنك لا تسيطر عليه، وهذا هو السبب في كونه واسعا. خيالك تصرف تحت ضغط الخسارات، فصنع لك قيدا. يمكنك أن تتحرر من بسهولة إذا شئت، وبصعوبة إذا عاندت. 
المريض: كيف؟
الدكتور: عندما تعرف الهدف الحقيقي من وجودك. 
المريض: وهل تعرف أنت هذا الهدف؟
الدكتور: عندما تعرف سبب وجودك ستعرف الهدف منه.
المريض: لماذا لا تختصر عليّ الطريق؟
الدكتور: سيكون من الأفضل لك لو أنك اكتشفته وحدك، لكن تذكر الهدف الحقيقي من الوجود يجب أن يبرر وجودنا من لحظة الميلاد حتى الموت.
المريض: هل تظن أن ذلك سيحررني؟
الدكتور: هذا هو السبيل الوحيد لتحريرك. 
المريض: (وهو ينهض لينصرف) الهدف الحقيقي من الوجود يجب أن يبرر وجودنا من لحظة الميلاد حتى الموت. 
الدكتور: (يستوقف المريض) هل تعيش حبيبتك في سجن فقدك الآن؟
المريض: (يلتفت إلى الطبيب ببطء) لا. لقد تزوجت، وستصبح أما عما قريب. 
الدكتور: اذهب وتحرر من أوهامك إذاً.

ستار

الناصرية
27/5/2026

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption