أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 18 يناير 2026

المسرح ما بعد الدرامي "بين السياق الغربي والتجارب العربية المعاصرة"

مجلة الفنون المسرحية

  المسرح ما بعد الدرامي   "بين السياق الغربي والتجارب العربية المعاصرة"
                                     
       بقلم * أحمد عبد الفتاح 

  في خضم التحولات الكبرى التي شهدتها الممارسة المسرحية العالمية منذ أواخر القرن العشرين، ومع ظهور نظريات الأداء والمخرج المؤلف the auteur، برز مفهوم "ما بعد الدراما" باعتباره وصفًا تحليليًا لمجموعة من التجارب المسرحية التي انفلتت، أو ربما رفضت، البنية الأرسطية الكلاسيكية، وتوسلت بجماليات جديدة قوامها الجسد، والتشظي، والمفارقة، والانفتاح على الوسائط المتعددة. وقد صكّ هذا المفهوم الناقد الألماني هانز-تيس ليمان في كتابه المرجعي "المسرح بعد الدرامي" (1999) ، وهو الكتاب الذي فجر تحوّلًا عميقًا في طبيعة العرض المسرحي، بحيث لم يعد النص الدرامي (ومؤلفه) في مركز المعنى ولا مالكه الأوحد ، ولم تعد الشخصية الدرامية أيضًا هي المحور الأساسي للفعل المسرحي، بل صار الأداء ذاته – بماديته وصوره وتقنياته – هو الذي ينهض بوظيفة الدلالة.
     وإذا كانت هذه الممارسات قد نمت في سياق ثقافي غربي خاص، يتسم بتراجع السرديات الكبرى وتفكك المرجعيات الحداثية، فإن المسرح العربي الذي يبدو منفتحا على هذه الأطروحات الغربية، لا يمكن وضعه بالكامل ضمن التيار ما بعد الدرامي وفق شروطه ومفاهيمه الغربية، لأسباب تتصل بالبنية الثقافية والسياسية والجمالية للثقافة العربية. ومع ذلك، يكشف تأمل التجارب المسرحية العربية المعاصرة عن تقاطعات جمالية واضحة مع الممارسات ما بعد الدرامية الغربية، يمكن إجمالها في: تفكيك الحبكة، وتقديم الجسد بوصفه مصدرًا للمعنى، وتوظيف الوسائط المتعددة، وغياب الشخصيات التقليدية، والميل إلى المسرحة الذاتية (أو ما يُعرف بـما وراء المسرح metatheater) التي تقدم ذاتها أو تُفكك آليات الفعل الدرامي أثناء العرض. غير أن هذا الأمر يطرح سؤالًا منطقيًا لا يمكن تجاوزه:  هل تغيّر شكل النص الدرامي في المسرح العربي بما يواكب هذه التحولات التي يشهدها المسرح العالمي؟ لا شك أنه سؤال جوهري يستدعي التأمل والنقاش، ومحاولة الإجابة عنه في ضوء التجارب الراهنة.
      ولكن قبل الشروع في محاولة الإجابة عن السؤال المطروح أعلاه، من الضروري أولًا أن نُحدِّد بإيجاز الملامح الأساسية للمسرح ما بعد الدرامي كما صاغها هانز-تيس ليمان في كتابه المرجعي " المسرح بعد الدرامي The Postdramatic Theater". فقد قام ليمان برصد هذه السمات بعد الدرامية وتحليلها انطلاقًا من طيف واسع من الممارسات المسرحية الطليعية التي ظهرت منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين في أوروبا، والتي جسّدها عدد من المخرجين والمبدعين الذين شكّلوا نواة هذا التيار، مثل روبرت ويلسون، وريتشارد فورمان، وجان فابر، وروميو كاستيلوتشي، وهاينر موللر وغيرهم. ولم يكن هدف ليمان ابتداع نماذج جديدة، بل توصيف تحوّل كان جارياً بالفعل في بنية العرض المسرحي ومفاهيمه الجمالية، حيث انزاحت مركزية النص، وتفككت الحبكة التقليدية، وتراجعت سطوة الشخصية بوصفها الحامل الوحيد للمعنى، لتحل محلها بنيات أدائية بصرية وسمعية متشابكة، تُعلي من قيمة الجسد، والإيقاع، والتجريب الوسائطي، والتلقي المفتوح.
ويأتي هذا التوضيح تمهيدًا لبحث أوجه التشابه والاختلاف بين هذه الأطروحات الغربية وتجارب المسرح العربي المعاصر. إذ يمكن تلمُّس تقاطعات واضحة بين سمات ما بعد الدراما كما بلورها ليمان، وبين ممارسات عدد من المسرحيين العرب مثل سعد الله ونوس، وعبد الكريم برشيد، ووليد إخلاصي، وإبراهيم الحسيني، وجواد الأسدي , وغيرهم . فقد اتسمت أعمال هؤلاء الكتاب بتفكيك البنية الدرامية الكلاسيكية، وتداخل الأجناس والأساليب، والانفتاح على تقنيات الأداء والسرد البصري، وتفعيل الجسد في الفضاء المسرحي، وتجاوز سلطة المؤلف لصالح المخرج أو الجماعة المبدعة للعرض. غير أن هذه التقاطعات لا تعني التطابق، إذ تنبع الفروق الأساسية من السياقات المرجعية والخلفيات الثقافية التي انطلقت منها كل تجربة على حدة . وبينما جاءت الأطروحات الغربية كرد فعل على إرث الحداثة الأوروبية ومركزية العقل والخطاب، فان التجارب العربية انطلقت من همّ مزدوج: تفكيك النموذج الدرامي المستورد، واستعادة صيغ تراثية أو طقوسية ذات جذور محلية وهوية ثقافية خاصة، بالإضافة إلى الانشغال العميق بقضايا الوطن والهوية والسلطة.
من ثمّ، فإن ما بعد الدراما في السياق العربي لا يُمكن اعتبارها مجرد تكرار للنموذج الغربي، بل هو تَمثّل انتقائي وإبداعي لجماليات ما بعد الدراما، مع إعادة توجيهها لتخدم أسئلة الواقع العربي ومآزقه التاريخية والسياسية. وإذا كان المأزق السياسي والتاريخي في السياق الغربي قد تمثل، في جانب كبير منه، في أزمة الحداثة الغربية، وانهيار الأنساق الكبرى، وتفكك السرديات الشاملة بعد الحربين العالميتين، وما تبعه من تفكك ثقة المثقف بالخطاب العقلاني والتقدمي . فاتجه المسرح هناك  إلى تفكيك الأشكال، وخلخلة البُنى اللغوية والبصرية، والسخرية من مركزية الإنسان/البطل، والاحتفاء باللايقين والتعدد واللامعنى . 
 ولا ريب أن المأزق في السياق العربي،   – ولا يزال –  مأزقا مركّبًا ومختلفًا؛ فهو ليس مجرد أزمة في التمثيل الجمالي أو في الإيمان بالحداثة، بل هو مأزق وجودي ـ سياسي نابع من فقدان العزم على التغيير الجذري، واحتدام الصراعات الداخلية، وامتداد الاستبداد، وتباطؤ مشروع النهضة، والتبعية الثقافية والاقتصادية, وأحيانا السياسية , للغرب . علاوة على ما يشهده العالم العربي اليوم من صراعات وصلت الى نزاعات مسلحة ربما تهدد الأمن والاستقرار في العالم العربي.  من هنا، جاءت كثير من التجارب المسرحية العربية "ما بعد الدرامية" بوصفها أدوات مقاومة فنية وادراكية، تتوسل الجسد والطقس والتشظي البنائي، لا للتجريب الشكلي فقط، بل للتعبير عن الهوية العربية ، واستعادة  مكانتها كأمة فاعلة ، ومحاولة لتأصيل هوية مسرحية متحررة من مركزية النموذج الغربي.
     وبذلك، فإن التقاطع بين التجربتين لا يخفي التباعد العميق في الخلفية والسياق. إذ تنبع ما بعد الدراما الغربية من حالة تشبع حضاري وقلق فلسفي في مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث أدت الوفرة المعرفية والتكنولوجية، وانهيار الأنساق الكبرى بعد الحروب، إلى اهتزاز الثقة بالمركزيات العقلانية والإنسانية، ودفعت المسرح إلى كسر الأشكال التقليدية، والاحتفاء بالتشظي، واللايقين، والعبث. أما في السياق العربي، فتنشأ جمالية ما بعد الدراما غالبًا من منطقة مأزومة تاريخيًا وسياسيًا، تعاني من صراعات إقليمية متفاقمة تهدد نسيجها المتعلق بالهوية ووحدتها الثقافية، وتهمّش دورها الريادي في المحيطين الإقليمي والدولي.
في هذا السياق، لا تأتي التجارب المسرحية العربية "ما بعد الدرامية" كترف جمالي أو انفلات شكلي، بل كـ أداة فنية للمقاومة، وصرخة جمالية في وجه الانهيار. إنها تُعبّر عن الشعور الجماعي بالفقد، وتقاوم الاستلاب، وتسعى لاستعادة هوية باتت مهددة، ودور حضاري آخذ في التآكل تحت وطأة الهيمنة الخارجية والتفكك الداخلي. ويمكن أن نلمس هذه الخصوصية في عدد من النصوص والعروض العربية المعاصرة:  رأس المملوك جابر" لسعد الله ونوس: نص يتجاوز البناء الكلاسيكي لصالح حكاية داخل حكاية، تتداخل فيها السرديات والتاريخ والمجاز السياسي. العرض ينسف سلطة المتفرج المحايد، ويدعوه إلى مساءلة موقعه وسط منظومة القمع. تقاسيم على الحياة" لجواد الأسدي: عمل ينتمي إلى مسرح الصورة، يركّز على الألم الإنساني العربي وسط خراب الحرب والهوية الممزقة، حيث تغيب الحبكة التقليدية لصالح لوحات بصرية وصوتية مشحونة بانفعالات الاغتراب والفقد.  سجن النساء" لإبراهيم الحسيني: نص يعتمد على تفكيك السرد الخطي وإعادة بناء العلاقة بين النص والجسد، ويكشف كيف يصبح الجسد الأنثوي ميدانًا للقمع والترويض في ظل أنظمة قمعية متشابكة سياسيًا واجتماعيًا. امرأة من ورق" لعبد الكريم برشيد: عرض طقسي يستلهم الموروث الشعبي ويعيد تدويره ضمن سياق حداثي، رافضًا فكرة النص المغلق، ومحتفيًا بالشفهية والتكرار والانفتاح الدلالي. 
هذه الأعمال، وغيرها، لا تستنسخ النموذج الغربي لما بعد الدراما، بل تعيد تشكيله من الداخل، وفق مقتضيات سياق ثقافي مضطرب، تنبع فيه الحاجة إلى التجريب من الإحساس العميق بأن اللغة القديمة – لغة المسرح والهوية والسياسة – لم تعد كافية لفهم الحاضر أو مواجهته. 
     إن هذه الأعمال، وغيرها من التجارب المسرحية العربية المعاصرة، لا تستنسخ النموذج الغربي لما بعد الدراما، بل تتعامل معه بوصفه إطارًا مفتوحًا، تُعيد تشكيله من الداخل، وتُخضعه لضرورات سياق ثقافي وسياسي واجتماعي بالغ التعقيد. ففي عالم عربي يرزح تحت ثقل الصراعات الإقليمية، وتآكل السيادة الوطنية، والاغتراب الثقافي، لم يعد المسرح مجرد وسيلة للتمثيل أو السرد، بل أصبح مساحة مقاومة رمزية، وبحثًا قلقًا عن لغة جديدة لفهم واقع لم تعد تكفيه اللغة القديمة – لغة المسرح الكلاسيكي، والهوية الأحادية، والخطاب السياسي المعلّب.
     فما بعد الدراما في السياق العربي ليست مرادفًا للاحتفاء بالتفكك أو التشظي كغاية جمالية، بل هي استجابة إبداعية لأزمة حضارية مركّبة، ومحاولة لالتقاط المعنى وسط ضجيج الفقد والاضطراب. وإذا كان المسرح الغربي ما بعد الدرامي قد نشأ من داخل حضارة مشبعة بالأجوبة، وراح يشكك فيها، فإن المسرح العربي المعاصر ينهض وسط فقدان المعنى وضياع اليقين، ليبتكر شكله الخاص من الشك والسؤال.
     وهكذا، فإن قيمة هذه التجارب لا تكمن في مدى تطابقها مع السمات الغربية لما بعد الدراما، بل في قدرتها على إعادة توظيف تلك السمات لتحرير التعبير المسرحي العربي من أسر النماذج الجاهزة، سواء تمثّلت في البنى الدرامية الكلاسيكية أو في الصيغ الطليعية الغربية التي غالبًا ما تُستورد دون مساءلة سياقية. وهي بذلك تُقدّم للمسرح العالمي مساهمة أصيلة ومغايرة، تستمد قوتها من هشاشة واقعها، لا من صلابته، ومن احتدام أسئلتها، لا من استقرار أجوبتها.



*أحمد عبد الفتاح
 مترجم  وناقد مسرحي مصري  أثرى المكتبة العربية بالعديد من الترجمات في مجال المسرح . ونشرت أعماله في العديد من المجلات الأدبية مثل مجلة المسرح ومجلة فصول ومجلة ابداع والثقافة الجديدة . ومن أهم الكتب التى ترجمها . 
لغات خشبة المسرح  : مقالات في سيميولوجيا المسرح .. تأليف باتريس بافيز 
مسرح الشارع : الأداء المسرحي خارج المسارح .. تأليف تأليف الان ماكدونالد – ستيفن ستيكلي – فيليب هورتون
خمس مسرحيات نو حديثة     تأليف يوكويو ميشيما 
مسرحية " ملك الغرفة المظلمة " تأليف رابندرنات طاغور 
الدراما بين التشكل والعرض المسرحي   تأليف مايكل فاندين هيفل 
نظرية الدراما وتحليلها    تأليف مانفريد فيستر 
فن المسرح   تأليف جيمس هاملتون 
نظريى الدراما تورجيا     تأليف  يانيك زاتوفسكي 
التمثيل المتجسد       تأليف  ريك كيمب 
نظرية الأداء   تأليف ريتشارد شيكنر 
مسرح السايبورج : تقاطعات الأداء والجسم / التكنولوجيا في الأداء متعدد الوسائط      تأليف جينفر باركر ستاربك
تأليف الأداء المسرحي    تأليف أفرا سيدروبولو 
المسرح الرقمي : صناعة المسرح الرقمي ومعناه   
            تأليف ناديا ماسورا

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption