المسرح الفقير
مجلة الفنون المسرحية
المسرح الفقير
أحمد . مكاراتي
درجت في الأوساط المسرحية وبخاصة بين فرق الهواة مصطلحات عديدة وأعتقد أن الأغلبية يرددوها دون معرفة أصلها ومرجعيتها ومن أبرز هذه المصطلحات ( المسرح الفقير – مسرح المختبر ) ومصطلحات أخرى عديدة سنتوقف اليوم عند المسرح الفقير
فمن هو مؤسسه وما هو مفهوم هذا المسرح ؟
ييرزي جروتوفسكي ارتبط اسمه بتأسيس مفهوم المسرح الفقير وإدارته لـمسرح المختبر وهو مخرج ومُنظّر مسرحي بولندي بارز (1933 – 1999) يُعد من أهم مجددي الفن المسرحي في القرن العشرين. وساسعى في هذا المقال إلى تقصي مفهوم المسرح الفقير الذي أطلقه ييرزي جروتوفسكي في منتصف القرن العشرين.
كلنا يعلم أن الفن المسرحي في العصر الحديث يقف أمام تحدٍّ وجودي حقيقي إذ تتسابق الوسائط الحديثة والتكنولوجيا في إبهار المتلقي وضمان تسليته عبر المؤثرات البصرية والصوتية المعقدة وفي زحمة هذا السباق التمس المسرح في كثير من أشكاله العصرية الثراء المادي والتكنولوجي فاستعانت الخشبة بأحدث الفنون البصرية والموسيقى المسجلة والديكورات الثقيلة أملاً في الحفاظ على مكانتها.
غير أن هذا الثراء الظاهري كما رآه ييرزي جروتوفسكي لم يكن سوى استعارة لأدوات فنون أخرى كالسينما مما جعل المسرح يستغني عمليًا عن أصالته.
فراى أن المسرح لا يمكنه التغلب على السينما في المؤثرات البصرية أو الحيل التقنية وبالتالي فإن محاولة تقليدها تجعله فنًا ثانويًا. من هنا كان قرر الاستغناء عن الإضاءة الاصطناعية والمؤثرات الضوئية و الموسيقى التصويرية الخارجية والاعتماد على صوت الممثل فقط اما الديكور والأثاث والازياء والمكياج المسرحي فاستبدله بقطع سينوغرافية وظيفية صامتة
لم يأتِ طرحه من فراغ بل اعتمد على روافد مسرحية وفلسفية متعددة ككوستانتين ستانيسلافسكي حيث استلهم منه الإخلاص والبحث المستمر في علم نفس الممثل وتطوير تقنيات تدريب الجسد وكذلك أنطونين أرتو في التقاط مفهوم مسرح القسوة التي تطهر المتفرج والممثل على حد سواء.
من هنا انطلق جروتوفسكي في تجربته بـمسرح المختبر ليطرح سؤاله :
ما الذي يمكن للمسرح أن يستغني عنه دون أن يفقد وجوده؟
كانت إجابته حاسمة وراى انه يمكن الاستغناء جميع العناصر السينوغرافية وإعادة ابتكار ماهية العرض المسرحي وتجريب أشكال جردت المسرح من وسائطه المساعدة لتأكيد أصالة الفعل الحي لكن الشيء الوحيد الذي لا يمكن للمسرح الوجود بدونه هو: العلاقة الحية المباشرة بين الممثل والمتفرج.
.لم يستعمل جروتوفسكي كلمة الفقر للترويج لعجز مالي بل قصد بها عملية تطهير واختزال للممارسات المسرحية حيث ينبثق مفهوم المسرح الفقير من المبادئ الآتية:
أولا : الرفض الصارم للمسرح الغني
يُعرف جروتوفسكي المسرح الغني بأنه الفن الهجين الذي يرتكز على تجميع أدوات فنون متعددة فيستعير من الرسم سينوغرافياه ومن الموسيقى إيقاعها التسجيلي ومن الإضاءة خلفيتها التشكيلية. كما أن المسرح الغني سيظل دومًا خاسرًا في معركته ضد السينما والتلفزيون لأن أدواتهما أقدر تقنيًا على تحقيق هذا الإبهار. لذا فإن الحل الوحيد للمسرح لكي يحمي خصوصيته هو التخلي المباشر عن كل ما هو غير مسرحي.
في التقاليد الأكاديمية التقليدية يُقال للممثل تعلم كيف تمثل وكيف تضيف حركات وإشارات جديدة إلى أدواتك. أما لدى جروتوفسكي فالأمر معكوسا تمامًا فالتمثيل برايه عملية سلبية تعتمد على التخلي لا الإضافة.
يتلخص أسلوب جروتوفسكي في البحث عن العوائق الجسدية والنفسية التي تحول دون التعبير الصادق ثم هدمها. والممثل برايه لا يتعلم كيف يصنع الانفعال بل عليه ان يتدرب على إزالة الحواجز التي تمنع تدفق الطاقة الحيوية التلقائية من داخل جسده ونفسه.
ثانياً: الممثل الماهر و الممثل المثالي
يُمثّل الممثل العمود الفقري للمسرح الفقير إلا أن جروتوفسكي يُفرق بشكل حاد بين المفهوم السائد للممثل ومفهومه الخاص:
فالممثل التجاري (أو المبتذل): هو الممثل الذي يبيع مهاراته وجسده للجمهور مقابل الحصول على الثناء والمال ويرتدي الأقنعة ويدرب حباله الصوتية وعضلاته ليظهر بمظهر الحاذق المتصنع.
الممثل المثالي برايه هو الممثل الذي يتخذ من فعل التمثيل تجربة كشف روحي وتضحية ذاتية.
ولا يعرض الممثل الجسد ليمتعه بل يفتحه ليكون وسيطًا للطقس المسرحي. حيث يتطلب هذا الموقف شجاعة نادرة للتعري النفسي أمام المتفرج و يسقط الممثل أقنعته الاجتماعية ليكشف عن الصدق الإنساني الخالص.
لتدريب هذا الممثل المثالي او الممثل القديس كما يروق له ان يسميه فقد خاض جروتوفسكي ومساعده الممثل ريزارد شيزلاك تمارين جسدية وصوتية قاسية ومكثفة استلهمت جزءًا منها من المسرح الشرقي (كالنو - الكابوكي – والكاثاكالي ) واليوغا الهندية وذلك بهدف التحكم الكامل بالنفس والصوت والجسد وتحويل الصوت إلى أداة تنبعث من كل جزء في الجسد وليس من الحنجرة فحسب.
ثالثاً: الفضاء المسرحي وإعادة إحياء المتفرج
ألغى المسرح الفقير الإطار التقليدي للإخراج فلم تعد هناك خشبة مسرح مرتفعة يفصلها جدار رابع وهمي عن جمهور يجلس في الظلام حيث قام بإعادة تشكيل الفضاء لكل عرض فمن وجهة نظره لا توجد صالة مسرح ثابتة ويمكن ان يُعاد تشكيل القاعة ليُدمج المتفرجون في قلب الحدث.
كما ويعتبر المتفرج بصفته شاهدًا فقد جعل المقاعد على شكل طاولات خشبية ضخمة يجلس عليها الجمهور وكأنهم ضيوف في العشاء الأخير لفاوستوس وهذا مانفذه في عرض الدكتور فاوستوس.
اما في عرض أكروبوليس فقد وُضع الجمهور وسط أسلاك وشباك المعتقل ليكتشفوا أنهم جزء من آلة القمع ذاتها.
يعتبر جروتوفسكي الصوت والجسد كبدائل للسينوغرافيا فعوضًا عن استخدام المؤثرات الصوتية الدخيلة يخلق الممثلون الأصوات من خلال التنفس – الصراخ – الهمس- ونقر الأقدام. وعوضًا عن قطع الديكور تشكل أجساد الممثلين الجدران والأسرة والآلات.
رابعاً: أثر المسرح الفقير ومستقبله
لم تكن تجربة جروتوفسكي مجرد محطة عابرة في تاريخ المسرح بل امتد تأثيرها ليغير مجرى الفنون الأدائية في العالم المعاصر:
فقد ألهمت أفكاره المخرج الدنماركي أوجينيو باربا في تأسيس مسرح ( أودين ) حيث أصبحت أبحاث جسد الممثل عبر الثقافات هي محور العرض.
فتحت تجربة جروتوفسكي الباب واسعًا أمام مسرح الأداء الحديث الذي يتجاوز هيمنة النص المكتوب لصالح تعبيرية الجسد الإنساني.
وأختم لأقول :
إن المسرح الفقير لدى ييرزي جروتوفسكي ليس دعوة ً للبؤس أو التقشف المقيت بل هو صرخة جمالية تعيد للمسرح قدرته على الشفاء والتطهير.
لقد أثبت جروتوفسكي أن قيمة المسرح لا تُقاس بما ينفقه على الإبهار المادي بل بمدى عمق اللقاء الإنساني الذي يحققه في زمن تزداد فيه العزلة خلف الشاشات الافتراضية .
وأخيراً استطيع القول إن جروتوفسكي لم يقدم تقشفًا ماديًا حذرًا بل صاغ موقفًا فلسفيًا وجماليًا ينبذ الزوائد التقنية والديكورية ليعيد المسرح إلى بنيته الجوهرية الأولى التي تتجلى باللقاء الحسي والروحي المباشر بين الممثل والمتفرج.
المراجع :
جيررزي جروتوفسكي : نحو مسرح فقير. ترجمة: د. سامي عبد الحميد، وزارة الثقافة، بغداد.
بيتر بروك : الفضاء الخالي. ترجمة: فاروق عبد القادر
علي الراعي: مسرح القرن العشرين.








0 التعليقات:
إرسال تعليق