أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الاثنين، 6 نوفمبر 2017

الندوة الفكرية للملتقى العربي لفنون العرائس والفرجة الشعبية ومهرجان دمى طنجة لفنون العرائس والأدائيات

مجلة الفنون المسرحية

الندوة الفكرية للملتقى العربي لفنون العرائس والفرجة الشعبية ومهرجان دمى طنجة لفنون العرائس والأدائيات

تقرير تركيبي- محمد العناز (المغرب)


الندوة الفكرية للملتقى العربي لفنون العرائس والفرجة الشعبية ومهرجان دمى طنجة لفنون العرائس والأدائيات
تقرير تركيبي- محمد العناز (المغرب)
نظمت كل من الهيئة العربية للمسرح، وجمعية طنجة بوابة في سياق حوارية علمية وثقافية وفنية دالة فعاليات الدورة الرابعة للملتقى العربي لفنون العرائس والفرجة الشعبية، والدورة الثانية من مهرجان دمى طنجة لفنون العرائس والأدائيات إفريقيا بمركز أحمد بوكماخ الثقافي أعلت من قيمة الانخراط المشترك الساعي إلى تشبيك بين خيال الظل، وصندوق عجب، ودمى ودفعه نحو ممكناته الجمالية القصوى من أجل استنبات حقيقي يعيد مركزيته في هذا الأفق المفتوح الذي احتضنته طنجة بوصفها مدينة للفنون والأحلام الطرية، والهويات المتناسجة الهادفة إلى ترسيخ قيم التعايش والسلم والجمال والاختلاف كما ألمحت إلى ذلك كلمات الأساتذة: اسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة، والدكتور رشيد أمحجور رئيس جمعية بوابة إفريقيا، ودادي بودمجي رئيس الاتحاد الدولي لفنون العرائس، ومحمد الثقال المدير الجهوي لوزارة الثقافة والاتصال بجهة طنجة تطوان الحسيمة، وفتيحة زاير نائبة عمدة طنجة، وحسن النفالي مدير جلسة الافتتاح.
انطلق المؤتمر الفكري بالجلسة العلمية الأولى التي ترأسها ذ. محمد نور الدين من مصر بمداخلة قدمها د.رشيد أمحجور من المغرب وسمها بـ”في تفاعل فنون العرائس والفرجات الشعبية في المغرب” حيث استهلها بحفريات عميقة تهم أساسا انتقال تأويلية الظواهر الكونية من الطقوسية المرتبطة بالتعبد، والاحتفال، والفرجة التي عملت على توظيف لباس الحيوانات، والأقنعة، والدمى إلى تعبيرية شعورية ترجمها الإنسان بوساطة الرسم، والنحت، والقول، والرقص أفضت إلى أشكال فرجوية تطورت إلى درجة تحولت معه الممارسات البدائية إلى فنون من التشخيصات المتخيلة سواء أعلى مستوى التعبيرات الجسدية والموسيقية أم الفنون القولية المجاورة أم الأدائية أم اللعبية قبل أن تصير أعمالا تجسيمية تتصل بما هو حاصل من تحولات جذرية في حداثة الفنون الرقمية والوسائط الجديدة وما بعدها. ملمحا في السياق ذاته، إلى أن فنون الدمى والعرائس يعرف تراجعا على الرغم من سطوة الطقوسية والممارسات الفرجوية في تقاليدنا العربية التي لم تفرز سوى فرجات ضئيلة لم تتجاوز بعضا من الأنشطة الأدائية في ظل واقعنا المهدد لقيم الفن. لينتقل بعد ذلك، إلى الحديث عن الممارسة العرائسية المغربية التي انشغلت بتوظيف التراث السردي الشعبي والفرجات الموسيقية صانعة دمى الجوقة بالإضافة إلى حلقات “صندوق العجب” بالمدن والقرى مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات قبل أن يصبها فتورا في التسعينيات؛ ممثلا بتفاعلات بعض الفرجات مع فنون العرائس من قبيل: “ماطا” التي يتم الصراع فيها بين القبائل حول دمية في طقوسية احتفالية، و”إمعشار” التي تستخدم دمى وأقنعة وملابس تنكرية مع أداء ولعب متنوع يتبعها غنائية رقصية وتمثيلية كرنفالية يأخذ فيها الحاج دوره في إلقاء الأشعار، في حين يقوم حاملو الأعمدة الخشبية بالاصطفاف والاستعداد إلى جانب طاقم المجسمات من لابسي الأقنعة ولباس بعض الحيوانات كالجمل، والحمار، والبغل، والبقرة، والضبع بالإضافة إلى البابور، أي المركب البحري، كما فككك الباحث رشيد أمحجور طقوسية “الحلقة”، و”البساط”، و”عبيدات الرما” قبل أن ينهي ورقته بسؤال يتصل بوضعية الممارسة العرائسية على مستوى الممارسة وصناعات الدمى وكيفية تحريكها وأدائها ولاسيما في ظل غياب نصوص إبداعية جديدة يمكن أن تحرك التصورات الجامدة على مستوى التلقي، ودفعها الفرجات العربية نحو مزيد من التفاعلات المنتجة مع مختلف الفنون من داخل اشتغال واعي يقرأ تراثه الغني في ضوء أسئلة جديدة.
وقدم ذ.مداح سيدي أحمد من الجزائر المداخلة الثانية تحت عنوان “فنون العرائس والفرجات الشعبية في الجزائر؛” عاد فيها إلى الأصول التاريخية لأشكال التعبير الشعبي التي عرفها المجتمع الجزائري قبل ظهور المسرح منذ الحضارة الإغريقية إلى الراهن، مبرزا أن كل شعب يتميز بعروسته على مستوى الثقافة المحلية الشعبية، ويعمل على تسميتها قبل أن تتحول إلى مسرح بوصفه فنا للخيال غير المحدود. إن هذا الفن- يضيف الباحث- يضطر إلى تقديم تنازلات جراء استحالة تجسيد الممثلين للشخصية بفعل طبيعة المواصفات الجسدية، وحركية الأشكال وتنوعها مقدما نماذج من العرائس التي تتطلب مهارات معينة خاصة بطريقة التحريك تبعا لخصوصية الموضوعات والأحداث. وقد ربط الباحث بداية فن العرائس بالجزائر بقدوم الأتراك خلال القرن السادس عشر، وذلك عبر شخصية “القراقوز” المستعلمة إلى حد الآن كمرادف لهذا الفن. ويظهر هذا التأثر بخاصة عند العروس الحضرية مقارنة بالعروس الريفية “بوغنجة” العملاقة التي تكون في مقدمة الطقوس المصاحبة لمسيرة الصبايا في فصول الجفاف رغبة منهن في تحقق الغيث، فضلا عن توظيفاتها المتعددة ودورها في نشر الوعي بين أفراد الشعب. كما أـشار الباحث إلى وجود دمية قبل القرن السادس عشر على الرغم من تباين الشهادات، ملمحا إلى منع الاستعمار الفرنسي العروض المسرحية عام 1847 لما مثلته من معارضة حينما ظهرت شخصية كراكوزية ثورية، ومع ذلك تواصلت العروض السرية في أماكن معينة قبل أن تأتي سلطات الاستقلال عام 1962 وتجعل فن الدمى في صدارة اهتماماته عبر تكوين جيل من المنشطين وإذاعته بين الجمهور الصغير والكبير، ولاسيما مع برنامج “الحديقة الساحرة”، لتوالى بعدها التكوينات الاحترافية قبل أن يتم إطلاق ورشات خاصة بفنون الدمى. وقد شكل عام 1973 لحظة أولى في مسار التأسيس من خلال إطلاق مهرجان وطني للعرائس بمدينة الشلف، لتتوالى بعدها ملتقيات وإنشاء المراكز والأقسام الفنية بالجامعات إلى غاية إطلاق المهرجان الثقافي الوطني لفنون العرائس عام 2007. لينتقل بعدها تحت هاجس الحفر إلى الفرجات الشعبية بالجزائر لما تحتله من مكانة، وبخاصة الفكاهي منها، وما يتصل بها من عروض سواء أكانت مقدمة من لدن الشعراء الشعبيين في الشوارع والقرى، وطرائقهم في إبداع مواقف عجائبية تشد انتباه الناس. ليعرج بعد ذلك إلى الحديث عن “الحلقة” و”المداح” نجح من خلالهما الحكواتي في تجسيد واقعية المجتمع الحضاري إبان فترة الاستعمار لما كان يتمتع به من خيال سمح له بأداء أدوار درامية عن طريق تحبيك محكم يوظف الحركة، والكلمة، والصوت، والغناء، والرقص، وعزف الموسيقى على الرغم من كل أشكال الهيمنة التي حاول بها الاستعمار تحطيم سلطة الراوي، وتسطيح الوعي وتفتيته. غير أن الاستقلال كان دافعا لهذه الفرجات من أجل بَثِّ وعي وطني عند الشعب، وتطوير المجتمع. ليتطرق في الأخير، إلى أهمية استثمار العروسة في المدرسة بوصفها أداة بيداغوجية يمكن أن تسهم في تمكين الأطفال من قدرات شفاهية على مستوى التعبير، والتنبيه إلى بعض المآزق النفسية والاجتماعية المهددةِ للطفولة العربية.
وتطرق د.أسامة محمد علي من مصر في مقدمة مداخلته ” عروسة المولد كمشغولة فنية لرمز شعبي احتفالي” إلى طبيعة الاحتفالات المصرية وما اتسمت به على مر العصور من رغبات الفرد المتعددة تجاه التقرب من الآلهة لدرء الأخطار أو البحث عن الحماية أو جلب الخير، ومع دخول الثقافة الإسلامية ومكونات أخرى من قبيل الثقافة المسيحية القبطية والتبادلات الرمزية وتعايشها، وبداية الاحتفال بعروسة المولد النبوي وما صاحبها من ظهور لطقوس أدائية تنبع من الموروث الثقافي المصري ورمزياته إلى أن أضحت مقبولة شعبيا على مستوى الشكل والتصنيع وبخاصة عرائس الحلوى أو غيرها حسب تطور المجتمع في ظل سطوة التكنولوجيا وغزو الأسواق. وسعى الباحث في ورقته إلى النظر في إمكانية تطويع الأدوات التشكيلية والتعبيرية لتحقيق تناسج ما بين البعد التقني، والتاريخي، والثقافي، والاجتماعي، والرموز العالمية بهدف تقديم رؤية تشكيلية معاصرة كما هو الأمر بالنسبة إلى عروسة المولد. وقد مهد الباحث لورقته بإطار نظري حول العرائس الرمزية والفن الشعبي، أشار فيه إلى السميائيات التجريدية التي طبع بها الإنسان القديم حيواته منذ 50 ألف عام حينما عمد إلى رسم الحيوانات التي يراها أو يصطادها، وتحولت بموجب هذا الفهم إلى رموز ذاكراتية؛ فالرمز يتغيا الحصول على جوهر الفكرة بوصفه استعارة بصرية، ومنه الطوطم Totem الدال على قبيلة أو عشيرة معينة. وربط الباحث بين اختيار الرمز وتطوره عند الفنان الذي يسعى إلى انتقاء أقوى الدلالات التعبيرية بما تتميز به من تحققات على مستوى الفهم وبناء العلاقات الاستبدالية بين الوقائعي والمتخيل، ومن ثم عمل الباحث على اختزال أهميتها في تعاملها مع محاور رئيسة أجملها في: العادات، والطقوس، والأفكار؛ حيث سمحت هذه المحاور الثلاثة في تحريك الفنون الشعبية في الحضارات المختلفة بانية رموزها الدالة، فكما يقول الباحث” أينما وجد الإنسان صاحبته دائما عرائسه”. كما تحدث الباحث عن عرائس الاحتفالات المصرية التي لبت الاحتياجات التخيلية من أجل بناء الوجدان والإدراك وتحقيق الرغبات سواء أكان ذلك متعلقا بالتربية أم الفنون أم الثقافة أم طقوس العبادة والترفيه. ليعمل بعد ذلك إلى تفكيك العرائسية الرمزية في الحضارات القديمة المتعاقبة من خلال نماذج من العرائس: القمح، والنيل، والتناجرا، والقماش، والخشب، والمتحركة، والتعبير الدرامي، والفخارية.. ومع الإسلام سوف يتم استحداث عرائس خيال الظل والأراجوز وصولا إلى عروسة المولد/ عروسة الحلوى التي مارست تأثيرا قويا ونفسيا وعاطفيا على الجماهير لارتباطها بمولد النبي صلى الله عليه وسلم محاولا تأصيله عند كل من الدولة الطولونية والإخشيدية والفاطمية. كما عالج الباحث في ورقته حضور عروسة المولد في الفنون البصرية المصرية ولاسيما في الأعمال الفنية بوصفها ملهمة للخيال ولما تحفل به من رمزيات متعددة، حيث تم توظيفها في فنون الدراما التمثلية والأوبريت والرقص الشعبي والباليه والشعر والفنون التشكيلية مستحضرا في السياق ذاته عدد من الفنانين والأدباء قبل أن يعرج على تطورها تبعا للتحولات الحاصلة في التقاليد الاجتماعية في ضوء المستجدات الصناعية والتكنولوجية على مستوى الخامات والمعدات. كما حلل الباحث الهيئة الأنثوية لعروسة المولد وبنيتها الشكلية التي تتكون من الملابس، والهرمية، والمراوح الدائرية ذات العدد المتغير والنظام التجميعي التكراري. أما الإطار التطبيقي فقد تناول فيه الباحث الصوغ البصري التجريدي بوساطة الإضاءة كتشكيل رمزي، والبناء النحتي بعدِّه انعكاسا بصريا يشمل الضوء والزمن وكتلة الشكل المتغيرة وطبيعة التراوحات بينهما التي لخصها في ضرورة مراعاة العرض الخارجي والذوق العام، والتقنيات والخامات وملاءمتها للعنصر البشري على مستوى الشكل والمقاسات، والمنطقي في توزيع الضوء. لينتهي في الأخير إلى مجموعة من التوصيات أهمها: تطوير عروسة المولد في ظل الثوابث الثقافية والاجتماعية، وجعلها عملا فنيا تشكيليا ميدانيا، وإحياء رمزيتها في الشارع المصري ودراستها.
وقد ترأس الجلسة العلمية الثانية د. الطاهر القور، الذي أعطى الكلمة في البداية للأستاذ مصطفى استيتو من المغرب الذي سعى من خلال مداخلته الموسومة بـ”مسرح العرائس وأثره على شخصية الطفل” إلى رصد وظيفة محرك الدمى المتمثلة في “طرد الأرواح الشريرة وتحمل الخصب” قبل أن يتحرر من إسار الكنيسة نحو الفضاءات العامة بطقوسيته المتعددة والتي تختلف من ثقافة إلى أخرى؛ لأن الدمية تعمل على تقويض الأعراف الإيهامية. ومن ثم، تابعت العرائس طريقها الفرجوي إلى أن اقتحمت عوالم الطفولة من مدارس وحضانات ودور الرعاية بوصفها طقسا تربويا، وترفيهيا، وتعليميا مسعفا في بناء شخصية الطفل وتنميتها، وتحصينها من كافة الانزلاقات التي يمكن أن تغتصب نموه بطريقة سليمة ومنفتحة. وقد انبثق السؤال المعرفي لفنون العرائس وخلفياته المرجعية من طبيعة التأثير الحاصل على الطفل ودورها في النمو الفيزيولوجي والسيكولوجي والعقلي، ويشترط الباحث في هذا الصدد أن تحقيق هذه الغايات التربوية لا يمكن إلا بوساطة أرضية نظرية صلبة. لينتقل الباحث بعدها إلى إبراز الخصوصيات الفيزيولوجية والنفسية لدى الطفل في علاقة مضطردة بالتحولات السلوكية التي من شأنها أن تسهم في تطوير قدراته وكفاياته الحياتية ولاسيما في امتداداتها السوية والمنحرفة في سن الرشد، ليظل الطفل لغزا يحتاج إلى ضرورة النهل من إمكانات المعرفي بوصفه أداة من أدوات التربية لتحقيق نمو حس حركي، وإدراكي، وعقلي، وانفعالي، ولغوي، واجتماعي، وجسدي، وأخلاقي. ويستدعي هذا الأمر استحضار هذه المعرفة كلما أردنا الدخول إلى عالم الطفل عبر الحكايات أو المسرحيات أو أي مواد ثقافية أخرى. أما الشق الثاني من المداخلة فقد خصصة الباحث إلى أثر مسرح العرائس على شخصية الطفل بوصفه آلية من آليات اللعب الطفولي الجالب للمتعة واللذة، والانطلاق الابتكاري الإبداعي، والكشف عن مخزون طاقات الطفل ليغدو بموجبها منتجا لتبادلات رمزية في الحياة على نحو إيجابي قد تستحيل داخل ما هو مؤسساتي صرف سواء أتم ذلك بوساطة صناعة العروسة من القصب أم الورق أم بقايا الأثواب أم رسومات الوجه أم اختيار شكل ولون الملابس والإكسسورات؛ لأن إمكانات التعبير الحر متحققة من داخل اللعب العرائسي لما يتضمنه من سلطة الإبهار والإثارة وتحريك المشاعر وتنمية الخيال وتربية الذوق الجمالي، فضلا عن عنصر الإيهام بوصفه خاصية طفولية تسمح بالتماهي مع الشخصيات البطولية على نحو يعيد فيها الطفل تمثيل أقوالها وأفعالها، ومن هنا يؤكد الباحث على خطورتها الشيء الذي يتطلب من المشتغلين داخل هذا الحقل الفرجوي مساءلة طبيعة الموضوعات والقيم التي يتم نقلها وتمريرها إلى عالم الطفل من دون توسطات جمالية، وتربوية ونفسية وإنسانية، ليقدم في الأخير توصيات تتتصل بضرورة تشجيع النقد المسرحي الخاص بالطفل، وخلق محترفات قارة لمسرح العرائس، وإحداث مسابقة الأطفال لصنع العرائس.
وتمحورت مداخلة ذ.رضا حسنين من مصر حول “الجروتسك والتجريب ومستقبل فنون العرائس” محددا فيها التجريب والحداثة ورحابة فن العرائس، حيث أبرز بداية أهمية المهرجان التجريبي في دفع مسرح الدمى نحو المعاصرة، وإسهامات المخرجين الذين تأثروا بالمدارس العالمية بعد عودتهم من دراساتهم لفن الدمية بالخارج، وتمردهم على أركان العرض المسرحي، وبحثهم عن التناسج داخل هذا الكوني من دون تدمير الخصوصيات الثقافية؛ فالتجريب بالنسبة إلى الباحث يعمل على تحقيق خاصيات التفاعل والتهجين بين المسرح العربي والأوروبي على مستوى الأفكار والتقنيات سواء أكانت بصرية أم سمعية لما لها من فاعلية على مستوى التلقي المنتج. كما كان لتوظيف الدمية في متاح العروض أثرا بالغا في تكوين وجدان الشباب الذي أقام علاقة نقدية أثمرت أفقا جديدا على مستوى الرؤية إلى الحاضر. إن التجريب يتيح للنفس البشرية أن تترجم عذاباتها في الكون والحضارة آملة تحقيق السعادة، ولاسيما مع تيارات حاولت استلهام تجليات المتعددة في المسرح القديم سواء أمن حيث معماريته أم أدائه التمثيلي أم التشكيل أم علاقة الجمهور بالممثل مقدما نماذج لذلك حصرها الباحث في فاجنر، وإدوارد جوردن كريج، وأدولف أبيا الذين اعتمدوا في عودتهم على البساطة والتجريد والترميز، والاتكاء على الكتل والمستويات والخطوط والضوء في الشكل. وقد ألمح الباحث في هذا السياق إلى تميز مسرح العرائس بعلاقة تتأسس بين الممثل والدمية على مستوى التجريد الحر المطلق؛ أي تطويع الشكل في الفعل الدرامي، وبخاصة في تشكيل الفراغ واستخداماته المرنة داخل عرض فرقة “أمبروبيل” البريطانية عام 1997. وقد حدد الباحث محورين اتسم به التجريب في مسرح العرائس، أولهما يرتبط بطبيعة استخدام العرائس في العرض الأدمي بطريقة تجريدية، وثانيهما يتعلق بتغيير الشكل عند شخصية الممثل. ليعمل على تطبيق مفهوم الجروتسك انطلاقا من تحديدات إلين ارنانديت القائمة على غرائبية الشكل وتنافرها في الآن نفسه؛ فالجروتسك يعرف بوصفه قطعة زخرفية تتضمن أشكالا بشرية وحيوانية غريبة وروسومات وأوراق نباتية يحيل إلى البشاعة على نحو مضحك ومغاير يفوق الطبيعي في علاقة بالخيالي، وقد قام الباحث بمحاولة لتأصيل المفهوم عند باختين واستعمالاته المتعددة سواء أفي التشكيل أم الآداب أم الفنون، مطبقا هذه التقنية على عرض “عم نجيب” للدكتور أحمد حلاوه الذي نهج توظيفا مغايرا لما هو مألوف من حيث المزج بين فن الدمى وفن التمثيل وبعث الموروث بطريقة جديدة مما منح للعرض طقوسية تفاعلت مع مكونات الأدائية التمثلية الساخرة في سياق الصراعات التي تسود المجتمع المصري؛ حيث اعتمد العرض الجروتسك كشكل من أشكال النقد لاسع الذي يروم تشويه الواقع بهدف إحداث صدمة عند الملتقي، ودفعه نحو قراءة مغايرة له.
أما المداخلة الأخيرة فقد كانت للأستاذ حسان السلامي وحملت عنوان” الطقوس والاحتفالات بالعرائس في البلاد التونسية” والتي استهلها بتقديم سمات العلاقات التي تتشكل بين الإنسان ولاشعورية التراث، متوقفا عند التراث السمعي الذي ينقل بوساطة الشفاهي كما هو الحال مع الأمثال والأغاني، والتراث البصري الذي يظل موضع بحث لما يحدثه الرمز من فجوات قد تمس المقدس وتعمل على تحويله إلى شيء ممنوع. إن العرائس- بحسب الباحث- موروث يتمثله الإنسان منذ أن كان يصنعها من الطين، وبث أحاسيسه فيها على الرغم من تطابقية الرؤيات في ميلاد التوحيدية التي اختزلت هذه العرائس في تماثلها مع الأوثان المعبودة واقترابها من دوائر الشرك؛ فالتقليد هو بدعة، لكن سيرورات الحضارة لا تتوقف عند هذه القاعدة، بل تخضع لتبادلات رمزية عندما يتعلق الأمر بالفنون وقيمها الجمالية الداعية إلى معاني نبيلة تحث عليها كل الديانات. ليعرج الباحث بعد ذلك نحو طبيعة التمثلات التي تتصل بالاقتراب من الآلهة بغاية الحماية من الأخواف (هكذا بصيغة منتهى الجموع) إلا أن رواسبها على الرغم من إعلان نهايتها ظلت حاضرة في طقوس فلكلورية كما هو الأمر عند طلب المطر في زمن الجفاف، حيث قدم الباحث في هذا الصدد مثال الإلهة “تانيت” بوصفها رمزا للخصب، وذلك عبر اقتباسها من لدن المجتمع التنوسي” أمك طنقو” في فرجاتهم داخل الأحياء الشعبية التي تتكون من عصا أفقية صغيرة وعصا عمودية طويلة تتقاطعان، ويتم كسوها بخرق من الملابس البالية، في موكب يردد فيه الأطفال أغان حتى يظل عليهم النساء بأواني مملوءة بالماء يرششن بها أمك طنقو. إنها طقوس الاستسقاء التونسية التي تعاقبت مع الحضارات، بما تتضمنه من ترميزات في المخيال الشعبي وإيحاءاتها الجنسية. ليظهر بعض العادات المتمثلة في صناعة عرائس السكر عند كل بداية سنة هجرية، وما يرافقها من مراحل على مستوى إعدادها الذي يتطلب وقتا طويلا تجفيفها وتزويقها، ثم عرائس الطين كمرادف للهوية.
وقد تميزت الجلسة العلمية الثالثة التي أدارها ذ.الزبير بن بوشتى بمداخلات علمية رصينة افتتحت بمداخلة ذ. سالم اكويندي من المغرب الموسومة بـ” توظيف الحكايات الشعبية في عروض فنون العرائس” بدأها بمدخل ركز فيه حول علاقة الإنسان بالعروسة ودواعي النشأة بما تسمح به هذه المرافقة من معايشة لتفكير الإنسان، وهو يسعى إلى جعل العروس قرينا لما كان يعيش به هذا التفكير البدائي الغيبي الطامح إلى مغالبة قوى الشر حتى غدت امتلاكا سحريا وصل إلى درجة التعبد. ومن ثم قامت بتجسيم حيوات الإنسان المصغرة في هذه الصورة انطلاقا من عاطفتي الخوف والشفقة بوصفهما تمثيلين لنوازع الخير والشر عبر صراع درامي نشأ في ما هو ديني- كما تذهب الأنتربولوجيا- رغبة في بناء علاقات إنسانية اجتماعيا مع كل ما يحيط به، وكأن صناعة العروسة والدمى ما هو إلا حنين نحو إعادة حكي أسطورة الخلق من جديد. ليحاول الباحث بعدها تعريف العروسة/ الدمى انطلاقا من تحديدات هلين بنيون Helen Bnyon التي تراها شكلا من أشكال الفن الدرامي يقوم على نصوص مسرحية مرتجلة أو معدة تؤدي أدوارها في إطار ديكور مسرحي منمنم، ومورو الذي ينظر إليها باعتبارها أسلوبا يستخدم فيه المعلم عناصر الدراما التعلمية من حركة وإبداع ولعب درامي وإيقاع، وراوية قصة وتمثيلها أو ارتجالها وتمارين وألعاب خلاقة في الموقف التعليمي تستند على عناصر التجسيد. ويرى سالم اكويندي من خلال التعريفات أن فن العرائس يتأسس على المشهدية التي تنسجم والأداء التمثيلي غير المباشر القائم على التحريك البشري، فضلا عن انصهار فنون عديدة تتناسل داخله إلى درجة تكوين سلسلة تؤدي معناه كمسرح، كما أن فنون العرائس/ الدمى تثبت وجودها بوجود العروسة/ الدمية نتيجة وجود الإنسان نفسه. كما ألمح الباحث إلى طبيعة المقاربات التي تناولت بالدرس والتحليل، ولاسيما عندما لم تتناوله بشكل مستقل، بل ربطته بفن خيال الظل لعلاقته الوطيدة بفن الحكي والسرد العربيين العتيقين كما هو الأمر في ملاحم السير الشعبية، والمقامات، وألف ليلة وليلة. إن العروسة تعيد صوغ المحكيات بهدف إعطاء معنى للوجود، وإظهار بنيات التفكير. كما تطرقت الدراسة إلى أنواع العرائس والدمى وتصنيفاتها، ووظائفها الأسطورية، والتوليدية، والحضرية، والتمثيلية، والتربوية، ليتطرق بعدها إلى علاقة فنون العرائس والدمى بالموروث الشفهي الشعبي بما تستدعيه من لغة منسية في اللاوعي الجمعي، وما تحدثه تداعيات الأساطير والحكايات الخرافية على مستوى التشخيصات الرمزية داخل المتخيل؛ حيث يتيح هذا الاستدعاء بوساطة هذه الحكايات على انوجاد تأويلية على مستوى الفكر من أجل تحقيق الاطمئنان بوصفه معادلا موضوعيا لها. فالعروسة هي موروث شعبي مادي أما معطاها اللامادي فيكمن في المنطوق السردي الذي يكسبه المعرفة ويجعله حاضرا لا يثقل كاهن الإنسان بقدر ما يسعفه في تلمس إنسانية الإنسان وبخاصة مع خروج فنون العرائس من سجن الكنيسة إلى الشارع منحها شعبية مضاعفة ليخلص إلى أن الحكاية تتميز بطرائق السرد التي يلجأ إليها الرواة وهم يعتمدون الأهازيج والأغاني والأحاديث والأساطير والملاحم عبر تقنيات الصوت والحركة. لينتقل بعد ذلك الباحث إلى تحديد الحكاية عند شارل بيلا الذي ربطها بالحاكية في بيان وتبين الجاحظ محددا لأنواعها: الحكاية، والمحكية، والواقعة، والخرافة، مشيرا إلى مقابلها في العربية الدال على التمثيل الإيمائي/ لينتقل بعدها إلى تحديد الحكاية الشعبية في علم النفس بوصفها مصالحة مع الذات والهو؛ أي التحام الشعور باللاشعور، وفي المقاربة الأنتربوبولوجية التي تعمق الانتماء النفسي للجماعة، وتعمل على توطيده في تاريخ سلالة معينة؛ حيث يذهب الباحث في هذا الصدد إلى أن كلمة الشعبية لصيقة بروائية الشفاهية التي تجعل منها حكاية من خلال ربطها بين الراوي والمتلقي في زمن واحد حتى أنها تقترب من العرض المسرحي الذي لا يتحقق إلا بوجود المتلقين.
واستعرضت ذة. مارغو ملاتجليان من الأردن في مداخلتها “توظيف مسرح الدمى المتحركة في مراحل الطفولة المبكرة” تجربة مع فريقها انطلقت فيها من فلسلفة التعليم القائمة على اللعب بهدف استقصاء الدروس المتأصلة في أخلاقياته وسلوكياته عن طريق توظيف الدمى في المراحل التعليمية لكي تصبح جذابة للاهتمام من دون أن نغفل أهمية التسلية والمتعة ودورها في تمرير ونقل المعرفة في هذا المسرح وما يتبعها من كفايات وأهداف تربوية، حيث ينتقل الأطفال من عالم الخيال إلى الوقائعية أو العكس ولاسيما في السنوات الأولى. وقاد هذا العمل الباحثة إلى البحث عن معلمين فنانين للعمل من داخل هذه الفلسفة بعناصرها المؤثرة والفاعلة؛ لأن الخبرة العاطفية والوجدانية وإدماجها في العملية التعليمية من شأنها أن تخلق التذوق الفني. ومن ثم سمح هذا التوظيف بجعل مسرح الطفل أداة تعلمية مساعدة، وليس أسلوب تعليم. وقد شكلت محترفات تدريب المعلمين لحظة لإبراز دور القصة وجاذبية أثناء إيصالها خلال عملية الارتجال؛ إذ لا بد من جعل تحريك الدمى يتناغم وطبيعة الموضوع والحوار، وفي الوقت نفسه مع المشهدية البصرية لتحقيق وحدة عضوية بين كل العنصر المشكلة لهذا التناسج، فضلا عما يوازيها من ضرورات تتصل بطبيعة معرفة المتلقي/ المنتج على مستوى سلوكياتهم الإيجابية والسلبية، واهتماماتهم مما يسعف في الوصل إليهم، مع اعتماد الارتجال من دون مبالغة بما يخدم النص وعدم تفتيت معقوليته انطلاقا من خطة محكمة ومدروسة تبتعد عن النصوص الساذجة أو المعقدة بالنسبة إلى الأطفال الصغار. كما خلصت الباحثة عبر التجربة إلى أن دمى القفازات التي يتم تحريكها من الأسفل هي الأفضل بالنسبة إلى الأطفال في مرحلة الخمس والست سنوات لقدرتها على التحرك في أثناء الارتجال مع الجمهور بهدف خلق التفاعل. لتتحدث بعدها عن فهم النص في مسرح الدمى، وضرورة اختيار نصوص سهلة الاستيعاب تتيح إمكان التخيل لدى الأطفال، ومن ثمة وجوب تحديد الفئات العمرية حتى لا تضيع الفكرة والمفهوم في ظل نصوص معقدة وغير مفهومة عندهم. إن التأثير العاطفي والوجداني- بحسب الباحثة- لا بد من أن يكون مدروسا بعناية فائقة حتى لا نجعل الأطفال يفقدون تركيزهم بسبب الاستمتاع المبالغ فيه مما يتطلب توفير صور وأشكال ومواد بسيطة لتصميم وصنع دماهم خاصة بعد نهاية العرض ورغبة الأطفال في التقليد، والقيام بحصص دراسة وتسجيل ومراقبة لانفعالاتهم مع الأعمال المسرحية من خلال طرح أسئلة مركزة لتعزيز الجانب التعليمي. وقد أشارت الباحثة إلى عدد من الدروس المستفادة من هذا التوظيف سواء أعلى مستوى مناهج الطفولة المبكرة في الدروس العلمية كما هو الأمر في حكاية قطرة ماء، واقتباس قصة الدجاجة النشيطة لتعرفهم على الخضار وفوائدها، وقصة الدودة الجائعة لتعريف الأطفال على دورة حياة الفراشة. كما تحاول الفرقة التعليمية تنمية القراءة وبخاصة اللغة العربية الفصحى.
وانصبت مداخلة ذ.نزار السعيدي من تونس حول “التراث الشعبي وبناء جماليات فنون العرائس” منطلقا من تراث “عروس المطر” بوصفه تراثا شعبيا ملهما لعديد من الفنانين باختلاف فنونهم، لأن استنطاق التراث هو في حد ذاته مغامرة تتيح عن طريق المرويات والطقوسية فهم الإنسان عبر الصوغ الجمالي طارحا سؤالا مفاده: كيف يستثمر التراث الشعب لصياغة جمالية فنون العرائس؟ وقد نهج الباحث في معرض إجابته شقين أحدهما نظري يتعلق بمفهوم التراث الشعبي، وآخر تطبيقي عن عروس “أم الطنبو” وجمالية الطقس الفرجوي. لقد عاد الباحث في سياق تحديده لمفهوم التراث الشعبي لغويا واصطلاحيا بوصفه كل ما خلفه الأجداد في الماضي من نتاجات، وفنون، ومأثورات، وما تتضمنه من طرائق على مستوى الأداءات التقليدية. لينتقل إلى محاولة لتأريخ ممارسات التراث الشعبي وعاداته بدءا من مخطوط “جرمانيا” للمؤرخ الروماني “تاسيوس” الذي بقي مهملا إلى أن تم طبعه في ألمانيا خلال الخامس عشر، وما طرحه من تفاصيل دقيقة تتصل بحيواتهم وتقاليدهم. ومن ثمة، انطلق اهتمام الأروبيين بجمع التراث الشعبي لما له من أهمية، وراح كل شعب يبحث عن ذاته في تراثه بغاية اكتشافه، وبخاصة مع بروز فلاسفة الأنوار خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ودخول أوروبا في الثورة الصناعية وما واكبها من تحولات اجتماعية زادت معه الحاجة إلى تحصين هذا التراث الشعبي عن طريق التنقيب عليه ودراسته مخافة ضياعه ومحوه. وهو ما جعل كثيرا من الباحثين يعملون على تصنيفه في مصطلح فلكلور الذي جاء في سياق رسالة بعث بها وليم جون توز إلى صحيفة The Athenaeum عام 1846 المشتقة من الإنجليزية؛ إذ تعني Folk الشعب، وتحيل Lor إلى المعرفة أو الحكمة؛ أي معرفة الناس أو حكمة الناس حسب الباحث. لينتقل بعدها إلى محاولة ضبط الاصطلاح عند الدراسين العرب، ولاسيما مع اهتمام المستشرقين بدراسة التراث الشعبي منذ بداية القرن السادس عشر إلى غاية القرن العشرين، ويشير الباحث إلى البداية كانت مع أواخر عهد المماليك، وبخاصة مع لودفيكو دي فارتيما الذي أطلق عليه “الحاج يونس المصري” الذي تجول في مصر والام والحجاز والفرس والهند قبل أن يتم اكتشافه كجاسوس للمشروع الاستعماري البرتغالي. أما الشق الثاني من المداخلة فقد خصصة لتحليل الجمالية الفنية لـ”أم الطنبو” التونسية، محددا علاقة التراث الشعبي بما هو إنساني، ومساحات تعدديته واختلافه داخل الأقطار العربية، وتطابقها في المغرب العربي بخاصة مع طقوسية “أم الطنبو” عروس المطر التي سبقت الإشارة إلى فرجتها في عرض آخر حولها في سياق هذا التركيب، غير أن مداخلة الباحث حاولت أن تعمق المبحث المتعلق بالجانب الخرافي فيها على اعتبار أن الأمازيع لم يهتموا بتسجيل تراثهم خلافا للحضارات السابقة، معتمدا على Genevoise الذي ساق رواية من قبيلة “ايت ريكي” تعيد أسطورة من جبال الأوراس تحكي عن تاسليت العروس التي رفضت الزواج من انزار ملك المطر الذي رأسها تجلس على ضفاف النهر بحجة عدم قدرتها على السكن في السماء ليعم الجفاف قبل أن يتدخل الناس وينادون عليه ويقنعونها بالزواج منه لتتحول إلى قوس قزح. وقد عمد الباحث بعد هذا إلى محاولة تفكيك مكونات” أم طنبو” الجمالية عبر المنهج الفينومينولوجي وعدها عرضا فرجويا سواء أعلى مستوى بنية عروسة المطر وطريقة التحريك، والفضاء، والشخصيات.
أما الجلسة العلمية الرابعة التي ترأسها د. خالد أمين من المغرب، فقد انطلقت من مداخلة ذة. ختام السيد (سلطنة عمان) بـ”فنون العرائس من النمطية إلى التجديد” من رؤية تجعل من الفنون انبثاقا من جذر تراثي، يتم تحويله وتحويره وفق خصوصية الرؤية ذاتها، مقدمة مثالا على ذلك، يمتح من إمكانية تحويل القص الشعبي إلى حلبة فرجة يتقدمها راوي يجلس على مصطبة أو على صندوق خشبي في حيز مكاني يجمع بين الراوي والمتلقي عبر علاقة تبادلية بينهما أساسها جذب الانتباه. منبهة في هذا الصدد إلى التباسات تخص تأطيرها النظري من داخل تنوع الفرجات البصرية نفسها، ومرجعيات الذاكراتي الجمعي متسائلة عن سر العودة إلى التراث في كل كتابة إبداعية تجنح نحو الاختلاف؟ وهل التراث ثقافة أم أن الثقافة تراث؟ وقد عادت الباحثة في معرض إجابتها عن تلكم الأسئلة إلى تحديد التراث في اللغة واللسان العربي طارحة إشكالات تتعلق بضرورات استلهامه في حياتنا المعاصرة من دون إحداث أي قطيعة معرفية؛ لأن القطيعة تترك المجال أمام تأويلات مغرضة، والعكس صحيح في ما يتعلق بالدعوات الاستئصالية في ما يخص توظيف هذا التراث أو استبعاده في السير الشعبية؛ وقد شكل هذا المدخل أفقا لفهم طبيعة التفاعلات بين التراث وفنون الفرجة المسرحية من خلال أنموذج مسرح العرائس. وسعت الباحثة تبعا لهذا السياق إلى تقديم تاريخ الفرجة عند العرب وارتباطه بالطقوسية الاحتفالية والجنائزية واللعبية ومصارعة الأسود والثيران، وكرنفالات اكتمال القمر، ورقصة المطر. ووقوفها عند الظواهر المسرحية القديمة التي تم اختزالها في المؤدي والجمهور ومكان العرض قبل أن تتحقق فرجويتها مع تشابك هذه العناصر مع الأداء والملابس والموسيقى. كما تطرقت الباحث إلى طقوسية الفرجة العربية واتكائها على قداسة الدين في محافل الآلهة، وبلاغة الطواف الراقص حول الكعبة أنموذجا قبل تهذيبها في المراحل التي تلت تثبيت دعائم الإسلام، وبخاصة في استقبال أهل المدينة المنورة للرسول صلى الله عليه وسلم بما صاحبها من حمل للدفوف وإنشاد يروم تطهير الأرواح. كما شهد حضور الحكاء والمقلد والراوي في سياق انفتاح العرب على أقوام أخرى من أجل تحقيق الإمتاع والمؤانسة بما ينسجم وطبيعة الانتقالات المجتمعية من ثقافة الترحال إلى الإقامة في المدن مما سمح باجتماع الناس في مكان وزمان محددين لسماع السمار في دمشق وبغداد إلى أن أصبح القصاص بمثابة تاجر فرجة. كما عملت الباحثة على إبراز تجليات فنون الفرجة من خلال مسرح العرائس في مهنة الحكواتي وقدرتها على توجيه الرأي العام، وتحفيز الهمم عبر تدرج في إنتاج خيال الظل مع محاولة تأصيله قبل أن تظهر أشكال فرجوية اختلفت في طرائق التشغيل والتحريك وفق النوع والخامة والغاية كما هو الأمر في مسارح الدمى، والماريونيت، والكراكيز، والأراجوز. وعدت الباحثة مسرح العرائس امتدادا لفكرة مسرح خيال الظل عن طريق إمكانية خلق مسرح عربي تراثي بنكهة معاصرة. وذلك من خلال بابات ابن دانيال الثلاث “طيف الخيال”، و”عجيب وغريب”، و”المتيم” المنشورة بألمانيا عام 1925 بما تتضمنه من نقد سياسي لاذع وانفتاح على النثر والشعر والأرجوزة، وتوظيف المخزون التراثي عبر تنميط الدمى لوصول العرض إلى غايته المثلى واعتماد الكثافة التعبيرية، والتجديل بين الدال والمدلول في توسطات رمزية تتصدى لعيوب المجتمع بوساطة شخصيات مراوغة تبدع الحيلة والكدية، كما أكدت الباحثة على إمكانات الدمى في إيصال الدلالات الفرجوية الجادة والهزلية من خلال مسرحية “كوكب الألوان”، لتنهي في الأخير إلى أن النص الإبداعي بإمكانه الإجابة عن أسئلة ثقافية جذرية، وهو ما قدمته في شكل استنتاجات تهم تحليلات لشخصية هو وهي، وأجملتها في خطية الدرامية وتصاعدها وقوة الطرح بطريقة توافقية لقضية التجديد من داخل الخطاب من دون فقدان الأصالة التراتبية المجتمعية، انتقال العرض الفرجوي لمسرح الدمى إلى خطاب تنويري، فضلا عن الإقامة في المتخيل وتفاعل الضمائر، واستخدام الأمثولة والأهزوجة لتفكيك خطاب القدرية وعلاقته بهيمنة الأنا الذكورية وبخاصة استبدادها في تقسيم الألوان، وما تحمله رمزية تشير إلى مسألة النوع.
وتناول ذ. بلال جلاصي من تونس في مداخلته المعنونة بـ”أي رهان لدميتنا الآن وهنا بين فضاء الواقع وفضاء المتخيل؟” الحراك الاجتماعي العربي بوصفه إعلانا عن بداية انتقال ثقافي يفرض منع استلاب الوعي الذي كرسته جماليات الركود الاجتماعي، معتبرا أن استيعاب البدائل الممكنة لا يمكن أن تتحقق إلا في الفن الثوري في الشوارع بما يتسم به من إمكان لتجاوز السائد والقوالب المألوفة، داعيا إلى ضرورة إيجاد مناهج علمية كفيلة بتدعيم هذا الأفق الجمالي انطلاقا من مفاهيم جديدة . وفي هذا السياق، أشار الباحث أهمية الإلمام بممكنات الثورة التنكولوجية على مستوى الإبداع والفكر والإضافة، ولاسيما مع المثاقفة بوصفها تماثلا وتنميطا يكرس التبعية للغرب على جميع مناحي الحياة جراء ثنائية الأصالة والحداثة، وما تولده استعارة الأشكال من طمس للخصوصيات الثقافية وإحداث فجوات عميقة على مستوى الوقائعي. إن فن العرائس أو الدمى- بحسب الباحث- يمنح المتلقي حقائق تشي باستمراريته وتطوره سواء أعلى مستوى الشكل أم المضمون في انفتاحه على التراث من جهة، وقابليته للتفاعل مع التجديد من جهة ثانية. وقد سعى الباحث إلى استقراء الأهمية التي يمكن أن تحظى بها العروس الآن وهنا، والرهان البديل الذي يمكن أن تجود به في الفضاء المفتوح، وإيجاد معادلة علاقة أخرى مع الملتقي وإمكانية الانتصار للتعبير في فضاء العامة، والمساهمة في تقويض منع استيلاب الوعي ممثلا لذلك بمسرحية “صانع الكراسي” لمخرجها “محسن الأدب” متسائلا عن إمكانية استئصال الدمية لألم الواقع المعيش وطرح واقع آخر ممكن للعيش، وكذا إمكانات الخيال والمتخيل في تحقق التغيير، واصطفاف مسرح العرائس في بلورة التنمية البشرية والفكرية. لينتقل تحت هاجس الحفر، بدءا من تاريخ بداية الفن العرائسي بوصفه فنا للتمثلات الأولى للإنسان التي عمل بوساطتها على استنطاق اللغة، والرمز، والإشارة، والتواصل قبل أن تصبح العروسة مطلقا معرفيا له ولإبداعه. كما تطرق إلى فن العرائس فن مركب وجامع وجمّاع لعديد من الاختصاصات الفنية الأخرى في ظل التحولات التي شهدتها العروسة وانفتاحها على فضاءات ظلت مغلقة مقتحمة بذلك الفضاء العمومي بحثا عن فضاء آخر بديل يدحض فضاء الواقع، ليبسط فضاء متخيلا يتم نحته عن طريق أفعال التحريك التي تبني عالما خياليا يتناسج بين خيال المحرك وخيال المتفرج بهدف إيجاد أمل يسهم في تحول فضاء العبور والمرور والاقتصاد إلى فضاء التثقيف والتواصل عبر المتعة الفرجوية؛ لأن المدينة فضاء حر يشرعن العمل الفني؛ إذ لا يمكن أن يتأتى التعبير من أي شخص كان، فكل ما يفرز من إرادة الشخوص تعبير يومي وليس بالضرورة أن يكون إبداعا؛ فالعرائسي صار يتجه أكثر نحو زعزعت علاقة الرتابة اليومية مع الفضاء وزلزلة اللافعل فيه عن طريق إعادة تأهيله بالفعل، ومساعي أدرمته بتحويله إلى مسرح يعتاده الكل من المواطنين ممثلا لذلك بفن الشوارع بوصفه مسرحا ينجز في الفضاءات الخارجية. ساعيا في الوقت نفسه، إلى أدرمة الفضاء العام بوصفها رهانا يمكن أن يتيحه العرض العرائسي في الشارع الآن وهنا، عن طريق إمكانات بث العروسة لذبذبات تجعله يتحول من سيرورة الجمود إلى طور الفعل. وشهدت الجلسة الختامية التي أدارها ذ. غنام غنام من الأردن تقديم ذ. عدنان سلوم ورقة متلفزة وسمها بـ”فنون العرائس، المصطلح والتعريف” انطلق فيها مع عدم استقرار مصطلح فن / فنون العرائس جراء الترجمة سواء أفي حالة الإفراد أم الجمع، وقد أعاد الباحث ذلك إلى طبيعة الثقافة والوعي بأهمية وجود هذا الفن بوصفه مسلكا ترفيهيا من داخل سياق الثقافي نفسه، وما رافقه إحداث مؤسسات أو فرق تدور في فلكه. حيث حاول الباحث أن يدقق في اعتماد المغاربيين ومصر وسوريا على المصطلح الفرنسي Marionnettes الذي يقابل”عرائس” الخيط، واتكاء الشرق والخليج على المصطلح الإنجليزي Puppet الذي ترجم بـ”دمى” القفاز. داعيا إلى ضرورة التفكير في المصطلح ليكون جامعا لكل الأشكال مثلما هو الأمر في اعتماد فنون بدل فن، واستبعاد مسرح لأنه فن قائم بذاته، والعرائس بوصفها فن آخر له حدوده لخصوصيته؛ لأن صيغة العرائس بالنسبة إلى الباحث هي أقرب إلى الفعل والحركة خلافا للدمى بما تؤشر عليه من ثبات وجمود، مستحضرا إمكانية الاتفاق حول “فنون العرائس” كي يكون جامعا لكل الأشكال والأنواع التي تعتمد الشخصية العرائسية كمفردة أساس في العرض. وقد سعى الباحث إلى وضع توصيفات وتعريفات خاصة لكل ما هو مرتبط بهذه الممارسة ومراحلها انطلاقا من الفكرة إلى الكتابة الدرامية، وإنجاز العرض مرورا بالتصميم والتنفيذ والتحريك بهدف تمييزها عن باقي الفنون. ليحاول الباحث بعد ذلك تحديد فنون العرائس في كونها فنونا فرجوية تستوعب كلا من الأداء المسرح تعمل على تجاوزهما لتشمل الشعائر، والاحتفالات، والمراسيم، والسيرك، وأشكال الاحتجاج الجماهيرية والسلوكيات الجماعية الشعبية، أو فنون فطرية ولدت بالصدفة تجسدها أعمال فنية ذاتية التعلم، أو شكلا مسرحيا. مقترحا تعريف فنون العرائس بأنه أحد فنون العرض التي أساسها العروسة المتحركة، وتضم كل أشكال العرائس المتحركة، وخيال الظل، والأراجوز، وهي رديفة للفنون المسرحية والسينمائية والموسيقية والتشكيلية، ويكمن الفرق في ما يتعلق بالشخصيات التي تكون من حلم ودم في المسرح خلافا لطبيعتها المصنوعة من مواد جامدة ذات مفاصل يسعى محركها الذي هو من لحم ودم لبث الروح والفعل فيها. وقد حدد تعريفات لمجموعة من المفاهيم يمكن أن نجملها في الآتي: الممارسة العرائسية، وفن العرائس، والعروسة، والكتابة لفن العرائس، والبابة، والنمرة، والإخراج في فن العرائس، وخرج عرض العرائس، ومصمم العرائس، ومحرك العرائس، والمخايل، والمؤدي العرائسي، وفني العرائس، ونحات العرائس، وخياط العرائس، وفضاء العرائس، والمنظر في عرض العرائس، والحاجز، وخامات صناعة العرائس، ومعدات صناعة العرائس. لينتهي إلى فنون العرائس وعلاقتها بالجمهور.
وقد تلت عروض السادة الأساتذة، مداخلات ونقاشات عميقة أغنت المؤتمر الفكري، ساهم فيها عدد من السادة الأساتذة من مختلف الدول الشقيقة، وطلبة باحثين قدموا من مدن وعواصم مختلفة.

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption