أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأربعاء، 18 فبراير 2015

المسرح بوصفه فناً حواريا / عواد علي

مدونة مجلة الفنون المسرحية

في دراسة كتبتها قبل عقدين بعنوان "تعدد الأصوات في الخطاب المسرحي"، حاولت أن أقدم فرضيةً مغايرةً لفرضية باختين، التي يقصر فيها ظاهرة "التعدد الصوتي" على الرواية، وينفي، بشكل قاطع، إمكانية وجودها في المسرح.
وقد بنيت اختلافي مع باختين على أساس أن المسرح (نصاً وعرضاً) فن تتباين شخصياته في مواقفها، وتوجهاتها، ورغباتها، ومستوياتها الذهنية، وتتضارب إراداتها ومصالحها، وتختلف وجهات نظرها، وتتعدد رؤاها للعالم، كما أنه يمكن أن يجمع بين لهجاتٍ عديدة، ولغاتٍ لأجناس مختلفة، ويحتضن أجنة التعدد الأسلوبي، والعبارات المفعمة بنوايا غيرية، فضلا عن أنه فن تندغم فيه فنون بصرية وسمعية عديدة، تتنافر وتتعايش وتدخل في علاقة حوارية، وتجسد أنماطاً متعددةً من التناقضات الاجتماعية والأيديولوجية التي تمثّل منظورات غيرية.
التعددية والحوارية

واستناداً إلى تلك الفرضية المغايرة أرى أن الخاصية التعددية والحوارية التي يتميز بها المسرح تجعل منه فناً ديمقراطياً بامتياز، لكن ديمقراطيته لا تكمن في تركيبه وأسلوبه فقط، بل في توجهه وأنماط علاقاته الإنتاجية وتلقيه أيضاً. وأعني بتوجهه نزوعه الفكري الذي يقوم على الاختلاف والشك والرفض والمقاومة والتحدي، وتعرية الاستبداد والطغيان، والدفاع عن الحرية والتعددية، وليس على التسليم والإذعان. ولذلك فإنه فن لا يمكن أن يزدهر إلاّ في مجتمع نضج وعيه، وأصبح قادراً على التفكير والتمييز، ومساءلة نفسه ومواجهة مايحيط به بمعزل عن التابوات‏.‏ من هنا انتعش في اليونان القديمة مع ظهور الديمقراطية، وازدهار الفلسفة، واتصل بها واتصلت به، كما في مسرحية "السحب" لأرستوفانيس التي صورت الفيلسوف سقراط في هيئة السفسطائي المضلل، ومحاورات أفلاطون التي قدمت حياة الفيلسوف نفسه،‏ وجعلته يناقش فيها الاتهامات التي وجهها له خصومه. 
ترس في آلة ضخمة

ثمة من يقول اليوم إن ظاهرة التجريب في المسرح الحديث، الناتجة عن عزلة الإنسان وتحوله إلى ترس في آلة ضخمة، قوّضت ديمقراطية المسرح حتى كاد يخلو من الحوار بين طرفين، وانتهى الحدث الدرامي فيه، وتحول إلى ساحة للبوح الذاتي وللصور المبهمة وللرقص الموحي، وكل ذلك  أدى في النهاية إلى عزلة المشاهد عن زميله الذي يتلقى العرض إلى جواره، وعن الشارع الذي يخرج إليه بعد العرض ليجده يمور بأحداث لا علاقة لها بالعرض الذي شاهده، وعن المجتمع الذي هو بأمس الحاجة إلى مشاركته في فعل جماعي للتغيير.. 
وقد تأثر المسرح العربي بهذا السياق التاريخي حيث أصبحت العروض نخبويةً، وغيّب المسرح الحوار بين شخصياته، وبينه وبين جمهوره، فغاب الحوار في المجتمع، وجرى تخوين كل رأي معارض أو مخالف وصارت السيادة للفوضى. لكني أرى في هذا الرأي: أولاً، تعميماً غير معقول، فثمة كثير من العروض المسرحية التجريبية، سواء في المسرح العالمي أو العربي، التي تعمّق الحوار بينها وبين المتلقي، وتستفزه لتدفعه إلى التفكير والتأمل في مشاكل واقعه، وتحرضه على الشك فيما يحيط به من مسلمات، ورفض كل ما يسلب حريته وحقوقه الإنسانية والديمقراطية. ثانياً، ليس التجريب في المسرح ظاهرةً طاغيةً على كل ما يُقّدم على المسارح اليوم، بل بالعكس إنه يحتل حيزاً ضيقاً مما يُقّدم، مقارنةً بالأشكال الأخرى من المسرح. ومن يراجع تاريخ المسرح العربي، ابتداءً من تجارب أبي خليل القباني حتى التجارب المعاصرة، سيجد عشرات الوقائع التي تكشف عن انتهاك بعض السلطات لحق المسرحيين في ممارسة نشاطهم المسرحي ومعاقبتهم على أفكارهم ورؤاهم السياسية، وعلى بعض التجارب المسرحية التي منعتها الرقابة، أو أوقفتها لأسباب شتى. 
 مسرح سعد الله ونوس

على صعيد البنية الدرامية حاول سعدالله ونوس في مسرحياته الثلاث (حفلة سمر من أجل 5 حزيران، مغامرة رأس المملوك جابر، وسهرة مع أبي خليل القباني) أن يحقق فكرة إنشاء مسرح ديمقراطي عربي على أنقاض ديمقراطية المسرح الاغريقي القديم، وهي فكرة تقوم على تركيب رؤيوي للفعل المسرحي يتجاوب وفعل القول، لأن "ما يؤصل المسرح هو قوله وكيفية هذا القول"، على حد تعبيره. 
بمعنى آخر ان إدخال المتفرجين في صلب اللعبة المسرحية هو حاجة فعلية لقولها، وهذه الحاجة نفسها هي ما دفعت ونوس إلى الابتعاد عن لغته الانشائية التجريدية في نصوصه السابقة من أجل الاقتراب إلى لغة تتواءم والفعل المسرحي بعد أن كانت تحاول الإنابة عنه. 
وقد أصبحت من ثم لغة متعددة بتعدد شخصيات هذا الفعل وتباين مستوياتها الاجتماعية والنفسية والثقافية. أما في مسرحياته الأخيرة: (منمنات تاريخية، طقوس الإشارات والتحولات، يوم من زماننا، أحلام شقية، ملحمة السراب، والأيام المخمورة)، فقد حاول، على مستوى البنية الدلالية، إشباع "الجوع إلى الحوار"، وإمكانية تحقيق الثنائية الحوارية: الحوار الذي يفضي إلى الديمقراطية، ومستويات الحوار المتعددة في المسرح، ليؤكد بعدها حتمية ديمقراطية المسرح.

بغداد - الصباح 

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption