ويظل الباب مفتوحًا.. المسرح الآن في سويسرا
مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني
| "عندما أموت" لتوم لوتس في مسرح جيسنر أللّيه بزيوريخ © ريتو شميد |
تبدو “التعددية” و”التنوع” و”البحث” عن أشكال مبتكرة جديدة إحدى السمات المميزة للمشهد المسرحي السويسري المعاصر.. عن التجارب الجمالية الجديدة على خشبة المسرح السويسري، خصائصها والعوامل التي ساهمت في تشكيلها.. تلقي الصحفية والناقدة المسرحية المتخصصة داجمار فالسر أضواء كاشفة على الحركة المسرحية الجديدة في سويسرا..
داجمار فالسر
عوامل عديدة ساهمت، وما زالت، في تشكيل المشهد المسرحي السويسري في السنوات الأخيرة. يبدو صحيحًا إلى حد كبير أن نصفَ المسرح السويسري بأنه “غير مستقل” بقدر ما هو متنوع، يراوح ما بين العروض الأدائية والأعمال التوثيقية وتداخل المجالات (أو تراسل الفنون؟)، ذلك أن الفروق الجمالية لم يعد يتم تفسيرها فقط من خلال الحدود القومية والثقافية منذ زمن بعيد.
وكما أن أقل القليل فقط من الجبال، والوديان، والقرى، والبحيرات السويسرية الكثيرة، يمكن التعرف على كونها سويسرية، دون معرفة مسبقة بالمنطقة التي تقع فيها، كذلك فإن مصطلح المشهد المسرحي السويسري “غير دالٍّ”. فهل يُقصد به الفنانون والفنانات الذين يحملون جواز سفر سويسريًا؟ أم أولئك الذين كانت نشأتهم الاجتماعية في سويسرا؟ أم ببساطة كل من ينتجون أعمالهم هنا؟ بلا شك: صار الوضع ملتبسًا. وهذا جيد.
وإنني إذا أردتُ دعوتكم في مقالي التالي إلى جولة عبر التوجهات، والموضوعات، والكتابات التي شكلت العمل المسرحي في السنوات الأخيرة، فلا بد أن يصحبَ ذلك الوعيُ بأن مثل هذا المسار سيكون مبنيًا بالأساس على قرارات ذاتية. إن منظوري هو منظور نابع من سويسرا “الألمانية”، فإن استخلاص فكرة عامة عن المشهد بأكمله يكاد يكون مستحيلًا بفضل تنوعه الشديد..
نظرة إلى جبل ماترهورن: كريستوف مارتالر
لكي نبقى للحظة أخرى عند التشبيه الجغرافي السابق: لا يمكن الحديث عن المسرح السويسري في السنوات العشرين الأخيرة، من دون ذكر “كريستوف مارتالر” كنقطة انطلاق. حتى وإن كان قد غادر سويسرا في معظم الأحيان، وإن بدا أنه عاش أهم الأوقات خلال مشواره الفني في هامبورج، وبرلين، أو في باريس، فإنه يظل بحد ذاته بالنسبة للكثيرين في الداخل والخارج هو “فنان المسرح السويسري” بـ”ألف لام” التعريف.
وهنا ينسى المرء أن قيمه الجمالية تحديدًا هي في مجملها نتاج مجموعة من العمليات مجتمعة. فلا يمكن التفكير في مارتالر من دون ممثليه وممثلاته، كما لا يمكن تصور ليالي عروضه من دون تصميمات آنا فيبروك الخلابة، فلم تكن جمالياته لتتكون أبدًا، لو لم يلتق فيها فنانون وفنانات من مختلف المجالات، لكي يعملوا معًا، أو بالأحرى: لكي يشعروا معًا بالمتعة. لم تكن محض صدفة أن يتكرر الحديث عن “عائلة مارتالر” التي وجدت لغتها الخاصة في المسرح، لأن أفرادها كانوا يقضون الكثير من الوقت معًا، خارج المسرح كذلك. في السفر، وتناول الطعام، والغناء.
حين بدأ مارتالر في نهاية التسعينيات يعرض أعماله في مسرح بازل كان يقترب من الأربعين، فكان بمثابة شهاب تأخر توهجه. كان قد درس في معهد لفنون السيرك في باريس، وشق طريقه كموسيقي مسرحي، وكان يشعر بانتمائه للمشهد المستقل. لكن مع أولى حفلاته الموسيقية كانت أهم معالم طريقه قد ارتسمت: في المساحات اليومية البسيطة، حيث كان الناس يجلسون، كما يجلسون في أي حانة من الحانات الشعبية، يلتزمون الصمت، أو يحكون النكات، أو يغنون الأغاني الشعبية. حياة يومية هشة، ورؤية جديدة للوقت، ومحبة للثقافة الشعبية سيطرت على المسرح مع مارتالر ومن معه.
يعرض مارتالر مسرحياته في المسارح ودور الأوبرا الكبرى في أوروبا منذ زمن، وتجوب أعماله العالم كله. أما كون جمالياته – التي صارت توصف غالبًا، ولأسباب مفهومة، بأنها سويسرية تحديدًا – أصبحت تُقرأ في مختلف الثقافات بوصفها تمثّل روح تلك الثقافات ذاتها، فإن هذا إن دلّ على شيء، إنما مرة أخرى على مدى نسبية فهمنا لمسألة الانتماء القومي.
رغم أننا – خلال كلامنا عن المسرح الموسيقي اليوم – سرعان ما نتحدث عن “مدرسة مارتالر”، ففي الواقع لا يوجد تلامذة وتلميذات واضحون لكريستوف مارتالر ولا لآنا فيبروك، ليسيروا على خطاهم فعلًا. أكثر من هؤلاء بكثير، يوجد العديد ممن عملوا معهم فألهمهم ذلك العمل. لنقل أنهم مساعدون قُدامى، وجدوا بالفعل جمالياتهم الخاصة وحقول تأثيرهم منذ زمن: ميشل شرودر مثلًا هو المدير المساعد لمركز Rote Fabrik الثقافي بزيوريخ، كما يرأس فرقة “kraut_produktion”، التي تقدم منذ سنوات العديد من التوليفات الجذابة متعددة الوسائط على خشبة المسرح. أما آنّا صوفي مالر فهي تقدم عروض الأوبرا على مسرح المدينة وتجمع – مع فرقتها CapriConnection – بين المسرح التوثيقي والموسيقي، بأسلوب غير تقليدي. ويعمل دوري بيشوف بانتظام مع الفرقتين مسئولًا عن خشبة المسرح، كما يقدم إلى جانب ذلك أيضًا تصميماته المسرحية الخاصة.
| مسرحية تريستان أو إيزولده" لفرقة كابري كونكشن. إخراج: آنّا صوفي مالر، ديكور مسرحي: دوري بيشوف © دوناتا إيتلين |
آفاق جديدة: المسرح الموسيقي
حين نتحدث عن المسرح الموسيقي الجديد في سويسرا اليوم، فنادرًا ما يحدث ذلك دون الإشارة أيضا إلى كريستوف مارتالر. إلى جواره يأتي المؤلف الموسيقي والمخرج رودي هويزرمان – أحد رفاق الدرب أيضًا – كأحد الرواد. فقد كانت عروضه بمثابة عروض مركبة لها تأثير الغواية، تتولد من الارتجال أكثر منها مؤلفات موسيقية دقيقة.
أما صاحب الموهبة الأكبر، والذي يمثل الجيل الأصغر في هذا المجال، فهو توم لوتس ذو الثلاثة وثلاثين عامًا، وهو ممثل محترف، والمغني الأول في فرقة موسيقي البوب ” My Heart Belongs to Cecilia Winter”، وهو كذلك مخرج يعمل في المشهد المستقل كما يعمل في مسرح المدينة. في العام الماضي تم اختيار توم لوتس من قِبَل مسرح Fachblatt Theater Heute كأفضل مخرج شاب للعام، وسوف يبدأ عمله بداية من الموسم القادم مخرجًا أساسيًّا ضمن أربعة مخرجين في مسرح بازل.
رغم قصر مشواره الفني إلا أنه اكتسب سمعة جيدة كفنان تركيبات صوتية يقدم عروضًا مسرحية ممتعة، كما أن لديه – مثل مارتالر وهويزرمان – ولع خاص بالقصص الغريبة. فهو يحكي مثلًا في مسرحيته “When I Die” أو (عندما أموت)، عن الإنجليزية روزماري براون، التي تسمع – بعد موت زوجها الحبيب أصوات مؤلفين موسيقيين أموات، يملون عليها مقطوعات موسيقية من العالم الآخر. لذلك جاء العنوان الفرعي للعرض كالتالي: “أمسية موسيقية مع الأرواح”.
معالم في المشهد العام: بينية المجالات والعالمية
نجحت مصطلحات “بينية المجالات” و”تعددية القوميات” في إثبات كفاءتها كركائز متينة على الساحة المسرحية في السنوات الأخيرة. لم تقتصر تلك التطورات على سويسرا وحدها، بل كانت توجهات عرفتها بلدان الجوار كذلك. فإن تأثير بينية المجالات يرتبط بمصطلح “مسرح ما بعد الدراما”، الذي يشكل الخطوط العريضة للتوجه السائد في السنوات الأخيرة – الذي تناوله تحت نفس العنوان كتاب هانس تيس ليهمان الذي حقق أعلى المبيعات – وعنوانه: «تحول المسرح نحو العروض الأدائية». كذلك يمكن رؤية عولمة الساحة المسرحية في علاقتها مع هذا التطور: حين لا يعود النص واللغة يمثلان الوسيط الرئيسي في العرض المسرحي، تستحوذ الوسائل المسرحية الأخرى على اهتمام أكبر – كما يتغير كذلك شكل إدراك الوعي بالمسرح.
كانت استضافة العروض المسرحية العالمية حتى وقت قريب هي السمة المميِّزة لمهرجانات المسرح الدولي مثل مهرجان Theater Spektakel في زيوريخ، و مهرجان La Batie في جنيف، ومهرجان auawirleben في برن، ومهرجان Belluard Festival في فرايبورج.
فإذا سلمنا بأن هذه المهرجانات لا تزال تشكل نقاط التقاء ومحاور هامة، فقد صار هناك إلى جانب ذلك الآن تعاون مشترك منذ فترة بين الفنانين المستقلين وبين زملاء وزميلات لهم من بلدان وثقافات “مسرحية” أخرى. إن الإنتاج المشترك بين المسارح المختلفة في الداخل والخارج هو القاعدة في المشهد المستقل، كما تنشأ أعمال عديدة بالفعل انطلاقًا من الوعي بأنها يمكن أن تعرض أيضًا في سياقات مختلفة. حتى مسارح المدينة الكبرى – والتي يفترض أن وظيفتها التقليدية هي حفظ الكلاسيكيات الأدبية، وحيث لم يكن المرء ليسمع كلمة أجنبية واحدة – فقد أصبحت توجه الدعوة للمخرجين الأجانب، لكي يعملوا مع الفرق التابعة لها (على سبيل المثال: ريتشارد ماكسويل، وفيكتور بودو في بازل، وألفيس هيرمانيس وكورنيل موندروزو في زيورخ). ويمكن أيضًا ملاحظة هذا التطور منذ فترة أطول في مسرح Vidy بمدينة لوزان، فقد أنتج كل من هاينر جوبلز، وبيتر بروك، ومنذ فترة قصيرة كذلك فينسنت ماكايين أعمالهم هناك، ومن هناك أيضًا انطلقت جولاتهم حول العالم.
أما مسرح Hora – الذي نشأت فرقته منذ عشرين عامًا من ممثلات معاقات ذهنيًّا – فقد قام بتطوير عرض من خلال العمل المشترك مع مصمم الرقصات الفرنسي الشهير جيروم بيل، وهو يعدّ ضمن العروض الأكثر أهمية والتي قامت بالعدد الأكبر من الجولات حول العالم في السنوات الأخيرة. وقد تمت دعوة “مسرح المعاقين” إلى العديد من المهرجانات في جميع أنحاء العالم، فكان مبهرًا ومربكًا، إذ أعاد طرح السؤال، حول ما يستطيع المعاقون تقديمه (على خشبة المسرح).
| مسرح هورا: لورين ماير مع الفرقة في عرض "مسرح المعاقين" © أورسولا كاوفمان |
فى حديقة الجار
ربما يكون هذا التطور باتجاه العولمة قد أدى إلى التقريب بين فناني المسرح السويسريين المنتمين للمناطق الناطقة باللغات المختلفة. فمنذ فترة (وبشكل ما حتى الآن) يوجد النظامان المسرحيان المختلفان متجاورين، حتى وإن كان السويسريون يحبون الزعم بأن الجميع – فردًا فردًا – يفهم ويتكلم لغة المناطق الأخرى، إلا أن اهتمام الناس ببعضهم البعض – فيما يتعلق بالمسرح – لم يكن موجودًا بأي شكل.
أما ما يشكل استثناءً منذ فترة طويلة فهو مشهد فن الرقص في غرب سويسرا، وهو المشهد الذي يتخذ عادة موقفًا استثنائيًا، سواء في الداخل أو في الخارج. فإن فرقًا مثل Cie Alias، وCie Philippe Saire، أو من الأجيال الجديدة Cie 7273، تتحرك تلقائيّا في سياق عالمي، كما ينطلق منها أيضًا النبض المحلي. بالإضافة إلى ذلك وصل بعض المسرحيين من فناني العروض الأدائية، مثل “كريستيان جارسيا” أو “ماسيمو فورلان” – وإن كان باتخاذ الطريق الأطول عبر الخارج – إلى جيرانهم السويسريين.
| مسرحية "محاكاة" لفرقة فيلما (كريستيان جارسيا، بالتعاون مع كريستوف جاكيه) في مسرح المدينة في برن © فيليب تسينيكر |
أما الأعمال المسرحية الأكثر اعتيادية فهي التي تواجه صعوبات أكبر – على كلا الجانبين – هنا في سويسرا (أو كما يطلق عليها مقبرة الروشتي). حين حصل المخرج عمر بوراس – الذي ينتج مع فرقته Malandro عروضًا مسرحية تتميز بقوة المواد البصرية – على جائزة المسرح الكبرى المقدمة من الهيئة الفيدرالية للثقافة، وتمت دعوته لتقديم عرضه الأول مرة في ملتقى المسرح السويسري في فينترتور، أتيحت الفرصة لبعض سكان سويسرا الألمانية لرؤية أحد أعماله للمرة الأولى.
اتباعًا لنموذج ملتقى المسرح في برلين يفترض أن تقوم لجنة حكم من النقاد في المستقبل باختيار سبعة أعمال مسرحية كل عام من المناطق المختلفة في أنحاء البلاد، وهو ما أظهر – في دورته الأولى على الأقل – مدى صعوبة المقارنة بين الأعمال المختلفة، ومدى التناقض الذي يشوب المعايير الثقافية السياسية لما يسمى باللياقة السياسية (Political correctness) حين يتعلق الأمر بالمجالات الجمالية.
ومن المقرر أن يعرض مجمل هذه الأعمال على مستوى سويسرا كلها في مجال المسرح بمسرح Vidy في لوزان. ويفترض أن يصبح هذا في الأعوام التالية بمثابة محرك أساسي لعملية التبادل بين مناطق سويسرا الناطقة بالفرنسية والناطقة بالألمانية. في العام السابق كان فينسنت باودريلر – الذي كان يرأس مهرجان Avignon في السابق لمدة عشر سنوات – قد كُلِّف برئاسة الإدارة العليا لمسارح غرب سويسر، وقد أبدى بوضوح أنه لا يعوّل كثيرا على الفصل المسرحي بين المنطقتين اللغويتين المختلفتين.
التقارب البين- ثقافي
يعمل يان دويفنداك في جنيف، وهو هولندي الأصل، وكانت بداياته في مجال الفنون البصرية. بعد قضاء فترة إقامة في القاهرة قبل بضع سنوات، قام بتطوير فكرة تتبع الآثار البين-ثقافية، بالتعاون مع الفنان المصري عمر غيات في مشروع “صنع في الجنة” (Made in Paradise)، حيث تتم مواجهة الجمهور بما لديه هو نفسه من تصورات نمطية.
ويسعى دويفنداك مؤخرًا لجذب الانتباه من خلال مشروع آخر، يقوم كذلك بمزج الثقافات المختلفة. فقد قام بعرض مشروع “Please continue (Hamlet)”، أو (أرجوك أكمل “هاملِت”)، الذي اشتغل عليه بالتعاون مع الفنان الكتالاني روجر برنات، في السنوات الأخيرة في أكثر من عشرة بلدان.
على خلفية مسرحية هاملِت لشيكسبير تتم إقامة محاكمة على خشبة المسرح، من خلال ممثلين محترفين يلعبون أدوار هاملِت المتهم بالقتل، وأوفيليا صاحبة الادّعاء وحبيبته السابقة، وجيرترود أم هاملِت كشاهدة. أما هيئة المحكمة فهي حقيقية، تتكون من قضاة ومحامين من المدينة التي يتم العرض فيها، يقومون بمحاكمة هاملِت وفق كل القواعد القانونية. وتقوم بعد ذلك هيئة المحلفين المكونة من المتفرجين والمتفرجات بإصدار الحكم في النهاية. هكذا يتم المزج بين أعراف المسرح والمحكمة، ويكون الفائز هو صاحب أفضل أداء، ويظل باب الخروج مفتوحًا.
| "رجاءا، اكملوا (هاملت)، للفنان يان دويفنداك، في مهرجان مسرح (تياتر شبيكتاكل)، زيوريخ© ZTS / كريستيان التورفر |
عن موقع المادة التوثيقية
لا يمكن الحديث عن المشهد المسرحي السويسري الحالي أيضا دون التحدث عن ازدهار “المسرح التوثيقي”. في المناطق الناطقة بالألمانية في سويسرا يعود “المسرح التوثيقي” إلى فترة الستينيات، حين كان الكاتبان “رولف هوخهوت” و”بيتر ڤايس” يلفتان الانتباه إلى أحد الانحرافات في التاريخ، أو ليكن في كتابة التاريخ، من خلال النصوص المسرحية، فيحولون المسرح بذلك إلى ساحة للتذكّر. على سبيل المثال تناول رولف هوخهوت في مسرحيته “Der Stellvertreter” (النائب)، تواطؤ البابا بيوس الثاني عشر مع النظام النازي، كما قدم بيتر ڤايس في مسرحية “Die Ermittlung” (التحقيق) عرضًا مكثّفًا لملفات محاكمات فرانكفورت بشأن معسكر أوشفيتز ليحولها إلى مقطوعة تتعدد فيها الأصوات بين الحراس والمعتقلين في معسكر التعذيب. على عكس تلك الأشكال السابقة من المسرح التوثيقي، التي اتخذت موقفًا أخلاقيًّا واضحًا، فإن معظم ما يقدَّم اليوم من أشكال المسرح التوثيقي يبدو في توجهه العام معنيًا أكثر بالتدليل والتوضيح أكثر مما هو معني بتوجيه الاتهامات السياسية.
إن هذه الموجة الجديدة التي يمكن تتبعها في المناطق السويسرية الناطقة بالألمانية في السنوات العشر الأخيرة لها علاقة وثيقة بنجاح الجماعة المسرحية السويسرية-الألمانية Rimini Protokoll. فهي التي بدأت العمل مع ما يُسمى بمختصين من الحياة اليومية، عوضًا عن الممثلين المحترفين. إذ تقوم بإجراء اختبارات تمثيل لبعض الأشخاص من ذوي الخبرات الخاصة في أحد المجالات، حسب الموضوع والمشروع، ودعوتهم للحكي عنها على المسرح، على غرار ما يسمي بـ”الفن الجاهز”.
ربما انتشر هذا الأسلوب بهذه السرعة، تحديدًا لأن بإمكان هؤلاء أن يقدموا أسلوبًا مختلفًا للتعبير عن الذات، غير الذي يقدّمه الممثلون المحترفون، حتى أن موجة مسرحية حقيقية انطلقت بالفعل، للعمل مع ممثلين هواة وغير محترفين. وقد عمل شتيفان كايجي من فرقة Rimini Protokoll قبل عدة سنوات مع مؤذنين مصريين على إنتاج مسرحية ” Radio Muezzin” (راديو مؤذن)، حيث يحكي مؤذنون محترفون عن حياتهم وعملهم، فيرسمون بذلك صورة بانورامية، تفتح المجال لتأمل فكرة الإسلام والحداثة.
في السنوات الأخيرة سعي ميلو راو مرارًا وتكرارًا لإثارة الانتباه. كثيرًا ما تتضمن أعماله التوثيقية مع فرقته IIPM ما يشبه إعادة صياغة للوقائع التاريخية. هكذا جاءت في مسرحيته “Die letzten Tage der Ceausescus”(أيام تشاوشيسكو الأخيرة) إعادة صياغة تفصيلية للمحاكمة الصورية التي أقيمت للديكتاتور الروماني تشاوشيسكو ولمقتله هو وزوجته، وذلك بالاستعانة بممثلين رومانيين. كذلك في مشروع “Hate Radio” (راديو الكراهية)، فهو يعرض – بالاستعانة بمثثلين من رواندا – ساعة مكثفة مما قدمته محطة RTLM الإذاعية، التي كانت قد لعبت دورًا مركزيًّا أثناء الحرب الأهلية في رواندا عام 1994. فقد تورطت هذه المحطة الإذاعية – من خلال إذاعة مزيج من موسيقي البوب الحديثة المبهجة وخطاب الحرب التحريضي – في حرب الإبادة التي طالت ما يقرب من مليون شخص من قبيلة التوتسي ومن الهوتو المعتدلين، وقد تمت إدانتها بالفعل أمام المحكمة الجنائية الدولية فيما بعد.
يعدّ ميلو راو اليوم واحدًا من المخرجين السويسريين ذوي التوجهات السياسية الواضحة، ويعيش بين ألمانيا وفرنسا، ويبحث عن موضوعاته حيثما يجد الأزمات أو الموضوعات التي لم يتم الاشتغال عليها بعد. أما الحدود القومية فلا يبدو أنها تشكل له أهمية، لا ماديًّا، ولا على مستوى الممارسة المسرحية .
| "راديو الكراهية"، للفنان ميلو راو / IIPM © دانييل سايفرت |
حين تسقط كل الحدود: الجيل الجديد يهتم حتى بفن المشاهدة
في نهاية هذه الجولة القصيرة عبر الساحة المسرحية السويسرية، لا بد من النظر سريعًا أيضًا إلى الجيل الأصغر. فإن أكثر ما يلفت الانتباه إليه، هو أن اهتمامه بالحدود القومية وتصنيفات المجالات المختلفة، لا يتعدى كونه دافعًا للتقدم. كذلك تسقط الحدود داخل الممارسة المسرحية، ولذلك فإن بعض الشباب الواعد من المسرحيين – مثل كاتيا برونّر، وإيفنا تسيك، أو أنّا بابست – لا يقتصر نشاطه على الكتابة فحسب، بل إنه يشتغل بالإخراج أو يقف بنفسه على خشبة المسرح ممثّلًا. أو مثل أعضاء فرقة “Neue Dringlichkeit” الذين لا يكتفون بكونهم جزءًا من مختلف الأعمال الجماعية، بل إن منهم من يعمل قيّما فنّيًّا أو ناشطًا سياسيًّا.
وخلال مراحل التطور تلك، ومع كل أشكال تخطي الحدود الجمالية، يعزز المشروع الفني الوعي بأن المسرح لا يمكن أن يكون مسرحًا، إلا بوجود الجمهور. وأنه لا بد لهذا الجمهور -بالتوازي مع تطور تلك الجماليات الجديدة – أن يتدرب هو الآخر. فمنذ عام 2012 يوجد في بازل مشروع – أنشئ بمبادرة من مسرحين مستقلين – للشباب وصغار البالغين، تحت اسم “Die Voyeure” أو (المشاهدون). يذهب الأعضاء للمسرح مرة كل أسبوع، يتناقشون مع الفنانين والفنانات، فيعدون أنفسهم ليكونوا هم جمهور المستقبل. ولسنا بحاجة لذكر أن الكثير منهم يريد أن يشتغل بالتمثيل المسرحي، أو أن يدرس المسرح أو يكتب عنه أيضًا. إن المشاهدين أو “Die Voyeure” هم نموذج نجاح، وقد صار هناك مثلهم أيضًا في برن وزيورخ. ولسوف تتبعهما مدن أخرى بالتأكيد.
ترجمت المقال من الألمانية إلى العربية:
نيفين فايق
المؤسسة الثقافية السويسرية







0 التعليقات:
إرسال تعليق