مسرح ما بعد الحداثة مسرح مؤلف أم مسرح مخرج؟ / بول شاوول
مدونة مجلة الفنون المسرحية
وإذا عرفنا أن مجمل ايديولوجيات القرن العشرين ولدت في القرن التاسع عشر، لا سيما السياسية والفكرية والاجتماعية منها، عرفنا أن نهايات هذا القرن الأخير، كانت جزءاً من هذه الروحية التي كانت تبحث عن أفكارها الموضوعة في ميادين الواقع والنص والقدرة على الالتزام بهذا التطلع. بل كأننا نقول ان "الحداثة" هي مسألة ايديولوجية كما تلمسناها في القرنين السالفين، أنتجت كما قلنا "مدارس" لا تقل انسجاماً عنها: الرومانطيقية، والرمزية والطبيعية. وكل منها له مواصفاته "النهائية" الخاصة، المعممة، والمتنازعة، والمشفوعة بتبريرات أو بحيثيات نظرية مطلوب منها أن تكون محددة، تميّز تمييزاً واضحاً بين مدرسة وأخرى، وكل منها أخضع متونه، لعقلانية ما. فالحداثة (التنويرية) هي محاولة عقلنة العالم. حتى ما لم يكن عقلانياً. وهذا يفسّر بداية التنظيرات لدور المسرح والرواية والشعر... والفكر. فكأن على كل شيء أن يكون مضبوطاً بقواعده. محروساً بكتّابه ومفكريه. وعلى كل شيء أن يدخل في "حرم" الرؤيا (المسبقة) (بدأها بودلير بجعله اللغة الشعرية قضية)، وعلى المبدعين، ألا يبقوا خارج هذه الانتماءات. فالانتماء للرومانطيقية أو للرمزية أو للطبيعية كان انتماء لازباً. فلا خروج على النص ـ الرؤيوي. ولا خروج تالياً على "القواعد" المقدسة. فهل يمكن القول ان مسألة "التقديس" بدأت هذه الحداثيات؟ على أن اللافت أن ما يمّز أيضاً تلك المرحلة هي النزعة الى الخروج بنسبة النزعة ذاتها الى الدخول. فوراء هذه التجليات الحداثية تكمن روح تمردية أو تجاوزية، أو تحطيمية، يقوم بها كل جديد على نفي "القديم". فالتحطيم والتقديس صفتان لازمتا تحوّلات الابداع في مستوياته الشتى. وهنا بالذات يمكن الكلام على العلاقة المتقلبة بين المفاهيم حول المسرح، وبقيت هذه التقلبات والتحوّلات ترافق التجارب المسرحية على امتداد القرن العشرين. على أن هذه التحولات "الحداثية" والاستحداثية، لم تكن سوى نزعة متنوّعة، بتنوّع مبدعيها وممارسيها لمحاولة إيجاد نموذج أو نماذج، أو "معابد" أو مدارس تتكامل على قدر ما تتنافى. فالحداثة (بأل التعريف) تعني النظرية. وتعني أيضاً التنوّع في النظريات. وتعني طرح مسألة "التجارب" المنطلقة، أو المرتهنة بهذه "الكليات" التي تصوغ قواعدها ورؤياها. وعليه، فإن القرن العشرين هو قرن الرؤى بامتياز (قرن الفانتازيات) التي تسعى الى إرساء واقع نموذجي متصل بها.
على أن تصادم هذه النظريات الحداثية في المسرح، كان لها أن تأخذ منعرجات بحيث لم تسر في خط مستقيم. أو خط متطوّر أفقياً، من هنا القول ان القرن الماضي، وبرغم "النظريات" المتعددة بقي قرن الدوران حول النص على الأقل حتى سبعينياته أو ثمانينياته، إذ، وبحسب علمنا، لم يجرؤ أحد على نفيه، أو على إلغائه تماماً. لكن، وبرغم ذلك، فإن موقع النص كقيمة مقدّسة قد اهتز، منذ بداية القرن الماضي، (وحتى نهاية القرن التاسع عشر مع أنطوان). أي لحظة تزامن بروز دور المخرج واختراع الكهرباء. بدأ إذاً صراع ما، بين المؤلف والمخرج. بين النص كمعطى نهائي يكتفي بذاته (كما يقول الرمزيون وجلهم شعراء بول فور، موريس ماترلنك، مالرمه وحتى اليري)، وبين النص كفضاء يتسع لمجمل التقنيات والأدوات. أي "نظرية" أو عدة نظريات ترمي أن على كل شيء أن يخدم "جلالة" النص. الملك المتوّج. وأخرى تسعى الى مقاسمته سلطته. فمنذ بداية القرن نجد أن توبو الذي سعى الى "تجديد" العرض أكد في الوقت ذاته على "سيادة النص" أي هيمنة النص على مكونات المسرح الأخرى كلها. ومثله فعل بيتوف، وهذه النظرة استمرت على امتداد القرن الماضي حتى بيكيت ويونسكو وجورج شحادة وارثر ميلر... ففي عام 1950 رأى يلار أن المسرح هو النص. وكل شيء يدور في فلكه، وبارو لم يختلف كثيراً عنه. بمعنى آخر حسمت هذه الاتجاهات المسرح لمصلحة النص. فهذا الأخير يتربع، من حيث التراتبية في القمة، وبهذا المفهوم، لا يعود الاخراج سوى إصغاء الى النص، إذ أن مهمة المخرج الوحيدة هو العمل على النص. من دون إضفاء صفة الابداع على المخرج، فمبدع المسرح هو الكاتب.
على خلف هذه "النظرية" وبرغم "حسمها" تكشف علاقة ديالكتية بين المخرج والكاتب. فكوبو نفسه يرى أن وراء النص سر. ومهمة المخرج كشفه. وبقدر ما يكون النص غنياً ودسماً، أي بلا فجوات، يتضاءل دور المخرج. بمعنى آخر كأن الاخراج لا "يظهر" إلا في "نقص" في النص. في ثغرة فيه. في قصور أو في فقر. (نعلم أن النظريات اللاحقة جاءت عكس ذلك تماماً). هذا السر الذي على المخرج "تظهيره" بالوسائل والأدوات ومن خلال الممثل طبعاً، طرح الالتباس الأول بين طرفي المسرح: الكاتب والمخرج، بل طرح بذور التعارض والتنازع بين الاثنين، من خلال تشكيكية في قدرة النص على تقديم ذاته. وهذا ما دفع أرطو في بداية القرن الماضي وكذلك كريغ الى إنكار أولوية النص في قلب العرض، ففي حين حدد كل من كوبو ودولان حضور النص كمحور أول، أعلن جو فيه أن الوقت حان "لخلع الكلمة عن عرشها". هنا بالذات، بدأت تنقلب الحداثة على نفسها لكن، من ضمن مشروعها، من ضمن فضاءاتها، لتصل في نهاية القرن العشرين الى الثورة على نفسها، وتجاوز معطياتها، ودحض نظرياتها. فالمسرح الحداثي في القرن العشرين محطات وإن غير حاسمة. ظواهر مغلقة هنا ومفتوحة هناك، وجلها، في المسار المتراكم أدى الى تدمير المعنى النظري، لصالح "الورشة" أو لصالح العمل من ضمن الأدوات، كمشاريع تبدأ من الصفر. أي مشاريع تحوّلت من منظورات جاهزة، الى تفكيك هذه المنظورات، وتحويلها مواد أولية.
وإذا عدنا الى هذه المحطات الرئيسية في عملية "التطوير" والتغاير، نجد أها، وفي تحقيقاتها، كانت تسير في محصلتها الأخيرة، وعلى امتداد قرن، نحو دك بنى الحداثة الى ما بعد الحداثة. أي الى تقويض الدعائم التي قام عليها المسرح عموماً (النص)، الى منا بعد النص. وليس غريباً القول ان الدعائم الثلاثة للمسرح: النص، المؤلف، المخرج، بدت، اليوم، وكأنها تغيّرت أدوارها ولغاتها ووجودها، الى درجة باتت كلها مهددة، بما نسميه مسرح الفرجة، أو مسرح الصورة، أو مسرح "العرض" المحض، لكي لا نقول "الاستعراض الفرجوي".
وإذا تابعنا، (كما سلف وبدأنا) مسار علاقة النص بالعرض، حتى منذ البدايات، نجد أن الظواهر الأساسية النظرية وكذلك التطبيعية، الفكرية وعلى صعيد الممارسة، قد سجلت تراجع النص كمرجعية. وعندما كان العرض هو الكتابة، صارت الكتابة جزءاً من العرض. بل تراجعت الكتابة أحياناً لتكون ذريعة للاخراج. ونظن أن إحدى المحطات الأساسية التي تسجل تحولاً في بنية النص، كانت مع الروسي مايرخولو، الذي وضع رؤيا مضادة لأستاذه ستانسلافسكي. فالنص ما زال موجوداً عنده. لا ينفيه. ولا يدحضه. ولا يهمله، لكنه يرفض العودة الى المحاكاة النفسية (في الأداء) (كما عند ستانسلافسكي. فإزاء وقوع الستانسلافسكية في "المحاكاة" الواقعية أو السيكولوجية (حتى الطبيعية) وإزاء اختراق الممثل عبر "أناه" وتجربته الخاصة جليد النص، رأى مايرخولو أن "الأنا" الأدائية غير كافية. وحتى الممثل لم يعد كافياً لتحويل مضمون النص، أو حتى لنقله. وعليه يصبح العرض جزءاً من هذا الأداء. أو مرادفاً له، أو مشاركاً. وكما قال كريغ "النص والعرض متلازمان"، فإن مايرخولو أدخل عناصر كثيرة كانت خارج تقاليد المسرح الغربي (التقليدي)، تحت شعار "المسرح الممسرح". وهنا لم يعد البحث مقتصراً على عنصر الممثل، وإنما امتد الى مستويات تشكيلية وموسيقية "تحل كل المضمون الانساني للنص". فالمسرح الممسرح (أو المسرح المسرحي) ينحرف، مع مايرخولو نحو نوع من العروض القريبة من "الشكل غير الدرامي" للمسرح، منحازاً الى الفنون البلاستيكية والرسم والموسيقى والرقص، متهماً بالتقاليد الغريبة عن محورية النص الغربي كالباليه، السيرك، الكوميديا ده لارتي، النو الياباني، والأوبرا الصينية. أي أن المسرح لم يعد فقط ظاهرة "غربية" (اغريقية) بقدر ما صار فناً مهجناً بحضارات أخرى شرقية وغير شرقية. فالنص، هنا، بات جزءاً من كل. وليس الكل. بلبات بلا محورية، ولا طغيانية. صار له شريك غريب عن الكلمة، والممثل. بلاتسع مفهوم "الكلمة"، وكذلك الممثل. صار الممثل راقصاً، ومهرجاً، بل صارت السينوغرافيا والكوريغرافيا جزءاً أساسياً من العرض. وهنا يمكن الكلام على "المسرح الفرجوي"، وعن الجسد في المسرح كرديف أو كبديل من النص. وعن الحركة الملازمة للكلمة، فهل دمّر مايرخولو النص؟
الواقع، ان المخرج الروسي الكبير، يطوع النص للأبحاث الشكلية (والشكلانية ولا ينفيه، فالكلمة عنده ما زالت تسيطر على الفضاء المسرحي. والديكور الايهامي يحل محله الديكور الوظيفي ليخدم حيوية جسد الممثل، وتحل محل التفسير البسيكولوجي والطبيعي (ستانسلافسكي) لعبة الأقنعة. وفي هذا الاطار، يتأثر كل من بيسكاتو، وبرشت بأبحاث مايرخولو.
من خلال ذلك نقول، صحيح ان النص ما زال محوراً، والكلمة لها الموقع، لكنهما، تعرّضا، عند ماريخولو لهزة كبيرة. لا تقل عن الهزة التي تعرض لها عند أنطونان أرطو، الذي تعتبر تجربته رائدة في هذا المضمار. ومن خلال قطع المسرح شوطاً في تحويل دور النص والممثل والفضاء المسرحي من "الأنا الداخلية" عند ستانسلافسكي وهيمنة النص عن الرمزيين، بدا أرطو قريباً وإن على اختلاف بارز مع مايرخولو. يلتقيان على ترسيخ دور العرض، وتعزيز "تبعية" الكلمة، لكن يفترقان في المرجعية، وفي طبيعية الأداء، وكذلك في طبيعة الكلمة، لكن هذا الحوار مضاداً كان أو غير مضاد، فإنه يأتي في سياق مواجهة نظرية بنظرية. (ايديولوجية بايديولوجيا). وكما فعل مايرخولو مع النظرية الرمزية وقبلها الرومانطيقية وكذلك مع الطبيعية (وكلها نظريات شعرية وروائية أيضاً)، ومع النظرية الستانسلافسكية، فإن أرطو أيضاً وضع نظريته "مسرح القسوة"، وهي تصب في رفض هيمنة النص (منذ عشرينات القرن الماضي). لم يعد النص بنية كلية مغلقة. ولا حتى متضمناً سرّ. أو أسراره، وإنما بات مع أرطو أداة مادية رنانة، طاقة جسدية (كما ورد في "المسرح وقرينه") يرفض مجمل المواصفات الأتليفية والأدبية والشعرية التي تعود الناس أن يجدوها في العمل الدرامي. وهو بهذا يحدث "انقلاباً" جذرياً فيسلم القيم المسرحية. فالمسرح الأرطووي ليس وسيلة لمعنى ذهني، لكنه المكان والوسيلة لتفجّر تطهري عند المتفرّج (بالتماهي، والعدوى). ويرى أرطو أن الذهنية أفقرت المسرح الغربي، لذا نفت الدرامية الأرطووية البنى الذهنية للنص: "ما يهمني هو تحديد ماهية اللغة الفيزيائية، هذه اللغة المادية الصلبة التي يتميّز بها المسرح عن الكلمة". فكان أرطو "يحتفظ بالكلمة كطاقة فيزيائية إيحائية (السحر في اللغة) ويطرد النص كبنية ذهنية أدبية. إنه مسرح الحواس بامتياز، نقل وجهة الرمزيين من حيث طاقة الكلمة "الايحائية" الى الجسد ككل.
برغم ذلك لم يرفض أرطو اللجوء سلفاً الى النص. وقد قدم نصوصاً عديدة. ففي رأيه أن لكل نص احتمالات متناهية (لا احتمالاً واحداً)، وهو يتضمن غنئ متعدداً يتصاعد ويكبر في علاقته بالاخراج. بمعنى آخر لم يقدم أرطو مسرحاً بلا نص. ولكن كان يمكن أن يقدم نصاً من دون آليات المسرح التقليدية.
فمن ستانسلافسكي ونظريته البسيكولوجية (الحميمة)، الى مايرخولو و"المسرح الممسرح"، نال أرطو و"مسرح القسوة" نجد أنها "حروب" النظريات. أي حروب المخرجين، لا الكتاب. أو الكتاب ـ المخرجين.
وعلينا أن ننتظر في هذا السياق نظرية أو نظريات أخرى، تشد المسرح الى بنية مشدودة، منسجمة، أي "فلسفة" واعية، تفكك عناصر المسرح، لتأخذه الى أماكن أخرى.
برشت قدّم نظرية من أكثر النظريات تماسكاً وشمولاً منذ التراجيديات الاغريقية. تطرح، أول ما تطرح، مسألة النص بعبارات جديدة. (دور الغافي العرض). ومعه، لم يعد الأمر مجرد معرفة أي أهمية تنسب الى النص في علاقته بالمكونات الأخرى للعرض. بليتساءل حول "وظيفة النص داخل العرض" (السؤال ذاته طرحه أرطو ومايرخولو من منطلقات أخرى). ويمكن القول ان ما ابتكره برشت ضمن هذا الاطار إدخاله صيغاً متعددة لمسرحة النص: الحوارات، الأغاني، مواد غرافيكية، شعارات، يافطات، شاشة سينمائية... أي وضع "نص متعدد" اللغات، والايحاءات والايقاعات، ومحاولة إيجاد علاقة عضوية بين عناصر العرض والنص (الازياء، الاضاءة، الفضاء، الماكياج...). ولهذا نجد أن الأغنية عنده لا تدخل كعنصر تزويقي (طربي) وإنما كعنصر تغريبي عبر إدخالهانظام قطع يهدف الى كسر تواصلية السياق، والمنحى الطبيعي للأداء، والتماهي بالشخصية أي قطيعة بين الشخصية والممثل. فخطاب الأغنية ينتقد بطريقة ساخرة الشخصية وسلوكها. إنها الجدلية الملحوظة، بين مختلف العناصر والنص. جدلية قائمة على النفي، والتصاريح، بقدر ما هي قائمة على رؤيا بنائية، أو معمارية، لا تنفي النص، وبرشت كاتب مسرحي بامتياز وشاعر، لكن لا تفصل بين مكونات العرض والنص، بمفهومه البيسكاتوري، ومن ثم البرشتي. أي انتقلنا من المسرح الممسرح عند مايرخولو الذي تأثر به كثيراً برشت، ومن المسرح التطهري، فالى المسرح اللحمي. وفي هذه الانتقالات ما يوحي أن المسرح يخضع لتجريبية ما، ولكنها محددة بنظرية أو بأورغانون مكتمل. أي محدد بروح ايديولوجية، بحيث أن العنصر الاجتماعي بات أساساً عند المشتغلين بأبي الفنون لا سيما المسيسين منهم كبرشت وبيسكاتور.
لكن النظرية البرشيتية القائمة على نفي المفهوم التراجيدي القديم (مقابل الملحمية)، تواجهها نظرية أخرى، تأتي هذه المرة، من بولندا مع غروتوفسكي. فإزاء انتاج برشتي للنص البرشتي ذي المواصفات الملحمية بتقنياتها وامتداداتها العرضية، يأتي غروتوفسكي من كان "قديم" نسبياً، من عند "مسرح القسوة" الأرطووي، ولكن من دون أن ينتج نصوصه، واللافت، أن غروتوفسكي وفريقه ومن عمل معه، مارس نظريته باعتماده على نصوص أسماء كبيرة منها بايرون "ايين" (1960)، ومرلو "فاوست" (1965)، وكالدروني "الأمير كونستان" (1965)، وكذلك مسرحية "أبو كالييبس" (مونتاج نصوص مأخوذة من التوراة، ودوستويفسكي واليوت. وفي كل هذا، أعاد غروتوفسكي مركزه العرض على النص ليصير الممثل هو الشخصية، (على خلاف برشت) ويتماهى بها، ليس على الطريقة الستانسلافسكية "الحميمة" والبسيكولوجية، وإنما من خلال "ثقافة جماعية" يجسدها الممثل عبر الطقوس، والتطهر، والاندماج.
--------------------------
تاريخ المسرح هو مجموعة "حداثيات" تكمل بعضها أحياناً، وتتناكر أو تتقاطع أو تتنافى أحياناً أخرى. وهذا أمر طبيعي، بالنسبة الى فن، يعود تاريخه الى مئات السنين بل والى ألوفها، ويتوزع في مغارب الأرض ومشارقها.
فمسرح القرن التاسع عشر الفرنسي (لأرسطوي) حداثة بالنسبة الى مسرح القرون الوسطى، سواء باستقلاليته (عن المؤسسات الدينية ومحتوياتها) أو باستمزاجه ونقله تقاليد المسرح الاغريقي بقوانينه الصارمة (كورناي، راسين)، أو الى انفتاحه على الكوميديا دي لارتي الايطالية وبداية لحظة لدور المخرج وإن بطريقة تتناسب مع ذلك العصر، (موليير كان يدير فرقة ويخرج مسرحياته ويمثلها أيضاً)، لحظة جديدة في المسرح الفرنسي مهجّنة بامتياز، باعتبار هذه "الجدة" مؤلفة من "قديم" الآخر، أو "سائدة"، ومصوغة بنفس "معاصر" الى حد كبير. فالحداثة، وفي جميع الصيغ والتجليات والنبرات والاجتراحات لا تكون بنت تاريخها فقط، ولا بنت "ذاتها" ولا صنيعة واقعها، فحسب، بل والى كل ذلك، نتيجة الخروج من الذات الى ما هو مختلف عنها. فكل حداثة هي بمعنى من المعاني مصاهرة مع الآخر. وعلى هذا الأساس، ومن المنطلق ذاته، حركت الرومانطيقية والرمزية، وجهتها، نحو مصادر أخرى أوروبية لا سيما شكسبير، لتتجاوز الكلاسيكية المسرحية. وهكذا كان لفكتور هيغو أن يحطم أنماط المسرح "الاغريقي"، ويفتح النص على "حداثية" أخرى لا تعرف لا بالوحدات الزمانية ولا المكانية. وفي الاتجاه الأول (أي الرومانطيقية) برزت في المسرح ككتابة مجمل "قوانين" الرومانطيقية التي تشكل رد فعل على الكلاسيكية في المسرح وفي الشعر. فالمسرح صار جزءاً من مننظومة حداثية شاملة وكذلك الرمزية التي لم تفصل بين مفهومها للشعر، ومفهومها للنص والخشبة والمسرح... وهذا يعني ومن كلاسيكية القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر ابتدأ "الايديولوجيا" (المصغرة) ذات القواعد و"النظريات" المسبقة، تؤسس للشعر، تأسيسها للمسرح والشعر والرواية، ارتباطاً بتحولات المجتمع الغربي (الأوروبي) وانتقاله من الثورة الزراعية الى الصناعية. كل شيء بات "منضطباً" في فضاء معين. في بنود معينة. وهذا بالذات ما سنراه، في ظواهر واتجاهات، على امتداد القرن العشرين الماضي.
على أن تصادم هذه النظريات الحداثية في المسرح، كان لها أن تأخذ منعرجات بحيث لم تسر في خط مستقيم. أو خط متطوّر أفقياً، من هنا القول ان القرن الماضي، وبرغم "النظريات" المتعددة بقي قرن الدوران حول النص على الأقل حتى سبعينياته أو ثمانينياته، إذ، وبحسب علمنا، لم يجرؤ أحد على نفيه، أو على إلغائه تماماً. لكن، وبرغم ذلك، فإن موقع النص كقيمة مقدّسة قد اهتز، منذ بداية القرن الماضي، (وحتى نهاية القرن التاسع عشر مع أنطوان). أي لحظة تزامن بروز دور المخرج واختراع الكهرباء. بدأ إذاً صراع ما، بين المؤلف والمخرج. بين النص كمعطى نهائي يكتفي بذاته (كما يقول الرمزيون وجلهم شعراء بول فور، موريس ماترلنك، مالرمه وحتى اليري)، وبين النص كفضاء يتسع لمجمل التقنيات والأدوات. أي "نظرية" أو عدة نظريات ترمي أن على كل شيء أن يخدم "جلالة" النص. الملك المتوّج. وأخرى تسعى الى مقاسمته سلطته. فمنذ بداية القرن نجد أن توبو الذي سعى الى "تجديد" العرض أكد في الوقت ذاته على "سيادة النص" أي هيمنة النص على مكونات المسرح الأخرى كلها. ومثله فعل بيتوف، وهذه النظرة استمرت على امتداد القرن الماضي حتى بيكيت ويونسكو وجورج شحادة وارثر ميلر... ففي عام 1950 رأى يلار أن المسرح هو النص. وكل شيء يدور في فلكه، وبارو لم يختلف كثيراً عنه. بمعنى آخر حسمت هذه الاتجاهات المسرح لمصلحة النص. فهذا الأخير يتربع، من حيث التراتبية في القمة، وبهذا المفهوم، لا يعود الاخراج سوى إصغاء الى النص، إذ أن مهمة المخرج الوحيدة هو العمل على النص. من دون إضفاء صفة الابداع على المخرج، فمبدع المسرح هو الكاتب.
على خلف هذه "النظرية" وبرغم "حسمها" تكشف علاقة ديالكتية بين المخرج والكاتب. فكوبو نفسه يرى أن وراء النص سر. ومهمة المخرج كشفه. وبقدر ما يكون النص غنياً ودسماً، أي بلا فجوات، يتضاءل دور المخرج. بمعنى آخر كأن الاخراج لا "يظهر" إلا في "نقص" في النص. في ثغرة فيه. في قصور أو في فقر. (نعلم أن النظريات اللاحقة جاءت عكس ذلك تماماً). هذا السر الذي على المخرج "تظهيره" بالوسائل والأدوات ومن خلال الممثل طبعاً، طرح الالتباس الأول بين طرفي المسرح: الكاتب والمخرج، بل طرح بذور التعارض والتنازع بين الاثنين، من خلال تشكيكية في قدرة النص على تقديم ذاته. وهذا ما دفع أرطو في بداية القرن الماضي وكذلك كريغ الى إنكار أولوية النص في قلب العرض، ففي حين حدد كل من كوبو ودولان حضور النص كمحور أول، أعلن جو فيه أن الوقت حان "لخلع الكلمة عن عرشها". هنا بالذات، بدأت تنقلب الحداثة على نفسها لكن، من ضمن مشروعها، من ضمن فضاءاتها، لتصل في نهاية القرن العشرين الى الثورة على نفسها، وتجاوز معطياتها، ودحض نظرياتها. فالمسرح الحداثي في القرن العشرين محطات وإن غير حاسمة. ظواهر مغلقة هنا ومفتوحة هناك، وجلها، في المسار المتراكم أدى الى تدمير المعنى النظري، لصالح "الورشة" أو لصالح العمل من ضمن الأدوات، كمشاريع تبدأ من الصفر. أي مشاريع تحوّلت من منظورات جاهزة، الى تفكيك هذه المنظورات، وتحويلها مواد أولية.
وإذا عدنا الى هذه المحطات الرئيسية في عملية "التطوير" والتغاير، نجد أها، وفي تحقيقاتها، كانت تسير في محصلتها الأخيرة، وعلى امتداد قرن، نحو دك بنى الحداثة الى ما بعد الحداثة. أي الى تقويض الدعائم التي قام عليها المسرح عموماً (النص)، الى منا بعد النص. وليس غريباً القول ان الدعائم الثلاثة للمسرح: النص، المؤلف، المخرج، بدت، اليوم، وكأنها تغيّرت أدوارها ولغاتها ووجودها، الى درجة باتت كلها مهددة، بما نسميه مسرح الفرجة، أو مسرح الصورة، أو مسرح "العرض" المحض، لكي لا نقول "الاستعراض الفرجوي".
وإذا تابعنا، (كما سلف وبدأنا) مسار علاقة النص بالعرض، حتى منذ البدايات، نجد أن الظواهر الأساسية النظرية وكذلك التطبيعية، الفكرية وعلى صعيد الممارسة، قد سجلت تراجع النص كمرجعية. وعندما كان العرض هو الكتابة، صارت الكتابة جزءاً من العرض. بل تراجعت الكتابة أحياناً لتكون ذريعة للاخراج. ونظن أن إحدى المحطات الأساسية التي تسجل تحولاً في بنية النص، كانت مع الروسي مايرخولو، الذي وضع رؤيا مضادة لأستاذه ستانسلافسكي. فالنص ما زال موجوداً عنده. لا ينفيه. ولا يدحضه. ولا يهمله، لكنه يرفض العودة الى المحاكاة النفسية (في الأداء) (كما عند ستانسلافسكي. فإزاء وقوع الستانسلافسكية في "المحاكاة" الواقعية أو السيكولوجية (حتى الطبيعية) وإزاء اختراق الممثل عبر "أناه" وتجربته الخاصة جليد النص، رأى مايرخولو أن "الأنا" الأدائية غير كافية. وحتى الممثل لم يعد كافياً لتحويل مضمون النص، أو حتى لنقله. وعليه يصبح العرض جزءاً من هذا الأداء. أو مرادفاً له، أو مشاركاً. وكما قال كريغ "النص والعرض متلازمان"، فإن مايرخولو أدخل عناصر كثيرة كانت خارج تقاليد المسرح الغربي (التقليدي)، تحت شعار "المسرح الممسرح". وهنا لم يعد البحث مقتصراً على عنصر الممثل، وإنما امتد الى مستويات تشكيلية وموسيقية "تحل كل المضمون الانساني للنص". فالمسرح الممسرح (أو المسرح المسرحي) ينحرف، مع مايرخولو نحو نوع من العروض القريبة من "الشكل غير الدرامي" للمسرح، منحازاً الى الفنون البلاستيكية والرسم والموسيقى والرقص، متهماً بالتقاليد الغريبة عن محورية النص الغربي كالباليه، السيرك، الكوميديا ده لارتي، النو الياباني، والأوبرا الصينية. أي أن المسرح لم يعد فقط ظاهرة "غربية" (اغريقية) بقدر ما صار فناً مهجناً بحضارات أخرى شرقية وغير شرقية. فالنص، هنا، بات جزءاً من كل. وليس الكل. بلبات بلا محورية، ولا طغيانية. صار له شريك غريب عن الكلمة، والممثل. بلاتسع مفهوم "الكلمة"، وكذلك الممثل. صار الممثل راقصاً، ومهرجاً، بل صارت السينوغرافيا والكوريغرافيا جزءاً أساسياً من العرض. وهنا يمكن الكلام على "المسرح الفرجوي"، وعن الجسد في المسرح كرديف أو كبديل من النص. وعن الحركة الملازمة للكلمة، فهل دمّر مايرخولو النص؟
الواقع، ان المخرج الروسي الكبير، يطوع النص للأبحاث الشكلية (والشكلانية ولا ينفيه، فالكلمة عنده ما زالت تسيطر على الفضاء المسرحي. والديكور الايهامي يحل محله الديكور الوظيفي ليخدم حيوية جسد الممثل، وتحل محل التفسير البسيكولوجي والطبيعي (ستانسلافسكي) لعبة الأقنعة. وفي هذا الاطار، يتأثر كل من بيسكاتو، وبرشت بأبحاث مايرخولو.
من خلال ذلك نقول، صحيح ان النص ما زال محوراً، والكلمة لها الموقع، لكنهما، تعرّضا، عند ماريخولو لهزة كبيرة. لا تقل عن الهزة التي تعرض لها عند أنطونان أرطو، الذي تعتبر تجربته رائدة في هذا المضمار. ومن خلال قطع المسرح شوطاً في تحويل دور النص والممثل والفضاء المسرحي من "الأنا الداخلية" عند ستانسلافسكي وهيمنة النص عن الرمزيين، بدا أرطو قريباً وإن على اختلاف بارز مع مايرخولو. يلتقيان على ترسيخ دور العرض، وتعزيز "تبعية" الكلمة، لكن يفترقان في المرجعية، وفي طبيعية الأداء، وكذلك في طبيعة الكلمة، لكن هذا الحوار مضاداً كان أو غير مضاد، فإنه يأتي في سياق مواجهة نظرية بنظرية. (ايديولوجية بايديولوجيا). وكما فعل مايرخولو مع النظرية الرمزية وقبلها الرومانطيقية وكذلك مع الطبيعية (وكلها نظريات شعرية وروائية أيضاً)، ومع النظرية الستانسلافسكية، فإن أرطو أيضاً وضع نظريته "مسرح القسوة"، وهي تصب في رفض هيمنة النص (منذ عشرينات القرن الماضي). لم يعد النص بنية كلية مغلقة. ولا حتى متضمناً سرّ. أو أسراره، وإنما بات مع أرطو أداة مادية رنانة، طاقة جسدية (كما ورد في "المسرح وقرينه") يرفض مجمل المواصفات الأتليفية والأدبية والشعرية التي تعود الناس أن يجدوها في العمل الدرامي. وهو بهذا يحدث "انقلاباً" جذرياً فيسلم القيم المسرحية. فالمسرح الأرطووي ليس وسيلة لمعنى ذهني، لكنه المكان والوسيلة لتفجّر تطهري عند المتفرّج (بالتماهي، والعدوى). ويرى أرطو أن الذهنية أفقرت المسرح الغربي، لذا نفت الدرامية الأرطووية البنى الذهنية للنص: "ما يهمني هو تحديد ماهية اللغة الفيزيائية، هذه اللغة المادية الصلبة التي يتميّز بها المسرح عن الكلمة". فكان أرطو "يحتفظ بالكلمة كطاقة فيزيائية إيحائية (السحر في اللغة) ويطرد النص كبنية ذهنية أدبية. إنه مسرح الحواس بامتياز، نقل وجهة الرمزيين من حيث طاقة الكلمة "الايحائية" الى الجسد ككل.
برغم ذلك لم يرفض أرطو اللجوء سلفاً الى النص. وقد قدم نصوصاً عديدة. ففي رأيه أن لكل نص احتمالات متناهية (لا احتمالاً واحداً)، وهو يتضمن غنئ متعدداً يتصاعد ويكبر في علاقته بالاخراج. بمعنى آخر لم يقدم أرطو مسرحاً بلا نص. ولكن كان يمكن أن يقدم نصاً من دون آليات المسرح التقليدية.
فمن ستانسلافسكي ونظريته البسيكولوجية (الحميمة)، الى مايرخولو و"المسرح الممسرح"، نال أرطو و"مسرح القسوة" نجد أنها "حروب" النظريات. أي حروب المخرجين، لا الكتاب. أو الكتاب ـ المخرجين.
وعلينا أن ننتظر في هذا السياق نظرية أو نظريات أخرى، تشد المسرح الى بنية مشدودة، منسجمة، أي "فلسفة" واعية، تفكك عناصر المسرح، لتأخذه الى أماكن أخرى.
برشت قدّم نظرية من أكثر النظريات تماسكاً وشمولاً منذ التراجيديات الاغريقية. تطرح، أول ما تطرح، مسألة النص بعبارات جديدة. (دور الغافي العرض). ومعه، لم يعد الأمر مجرد معرفة أي أهمية تنسب الى النص في علاقته بالمكونات الأخرى للعرض. بليتساءل حول "وظيفة النص داخل العرض" (السؤال ذاته طرحه أرطو ومايرخولو من منطلقات أخرى). ويمكن القول ان ما ابتكره برشت ضمن هذا الاطار إدخاله صيغاً متعددة لمسرحة النص: الحوارات، الأغاني، مواد غرافيكية، شعارات، يافطات، شاشة سينمائية... أي وضع "نص متعدد" اللغات، والايحاءات والايقاعات، ومحاولة إيجاد علاقة عضوية بين عناصر العرض والنص (الازياء، الاضاءة، الفضاء، الماكياج...). ولهذا نجد أن الأغنية عنده لا تدخل كعنصر تزويقي (طربي) وإنما كعنصر تغريبي عبر إدخالهانظام قطع يهدف الى كسر تواصلية السياق، والمنحى الطبيعي للأداء، والتماهي بالشخصية أي قطيعة بين الشخصية والممثل. فخطاب الأغنية ينتقد بطريقة ساخرة الشخصية وسلوكها. إنها الجدلية الملحوظة، بين مختلف العناصر والنص. جدلية قائمة على النفي، والتصاريح، بقدر ما هي قائمة على رؤيا بنائية، أو معمارية، لا تنفي النص، وبرشت كاتب مسرحي بامتياز وشاعر، لكن لا تفصل بين مكونات العرض والنص، بمفهومه البيسكاتوري، ومن ثم البرشتي. أي انتقلنا من المسرح الممسرح عند مايرخولو الذي تأثر به كثيراً برشت، ومن المسرح التطهري، فالى المسرح اللحمي. وفي هذه الانتقالات ما يوحي أن المسرح يخضع لتجريبية ما، ولكنها محددة بنظرية أو بأورغانون مكتمل. أي محدد بروح ايديولوجية، بحيث أن العنصر الاجتماعي بات أساساً عند المشتغلين بأبي الفنون لا سيما المسيسين منهم كبرشت وبيسكاتور.
لكن النظرية البرشيتية القائمة على نفي المفهوم التراجيدي القديم (مقابل الملحمية)، تواجهها نظرية أخرى، تأتي هذه المرة، من بولندا مع غروتوفسكي. فإزاء انتاج برشتي للنص البرشتي ذي المواصفات الملحمية بتقنياتها وامتداداتها العرضية، يأتي غروتوفسكي من كان "قديم" نسبياً، من عند "مسرح القسوة" الأرطووي، ولكن من دون أن ينتج نصوصه، واللافت، أن غروتوفسكي وفريقه ومن عمل معه، مارس نظريته باعتماده على نصوص أسماء كبيرة منها بايرون "ايين" (1960)، ومرلو "فاوست" (1965)، وكالدروني "الأمير كونستان" (1965)، وكذلك مسرحية "أبو كالييبس" (مونتاج نصوص مأخوذة من التوراة، ودوستويفسكي واليوت. وفي كل هذا، أعاد غروتوفسكي مركزه العرض على النص ليصير الممثل هو الشخصية، (على خلاف برشت) ويتماهى بها، ليس على الطريقة الستانسلافسكية "الحميمة" والبسيكولوجية، وإنما من خلال "ثقافة جماعية" يجسدها الممثل عبر الطقوس، والتطهر، والاندماج.
--------------------------
لقىت هذه الورقة في الندوة الفكرية التي تعقد على هامش مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي بعنوان "التجريب وتقاليد الكتابة المسرحية".







0 التعليقات:
إرسال تعليق