أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الثلاثاء، 24 فبراير 2015

أدهم الدمشقي نَزَف شعراً على "مسرح بابل" كجندي في معركة القدَر

مدونة مجلة الفنون المسرحية

كأنه آت من زمن الشعر القديم عندما كانت القوافي سيوفا تعصف في وجه الريح، غير أن أدهم الدمشقي فتى من هذا الزمن إستل من الطفولة قرصات برد ووجع، وصنع منها ألعابا تقهر الفقر والغربة والتساؤلات الوجودية، والأعياد الفارغة من الألعاب، يكسرها ويعيد ترميمها في كل قصيدة، حتى إذا انقطع الرجاء عاد إلى سفر التكوين ليكون اقرب مسافة مع الله، علّه يفهم سر العذاب: "منذ كنت/ طرقت باب الله/ لم أجد أحدا/ تركت عند الباب إشارة وأتيت/ منذ صرت/ والإشارات تأتي إليّ..."
من فاجعة الحياة كان ديوانه "لم يلد ذكرا، لم يلد أنثى"، صراخ أخرس، خرج على خشبة "مسرح بابل" عويلا كالعواصف التي تحني أغصان الحور ولا تكسرها. فلشعر أدهم الدمشقي منبع يفيض ملحا، لا يكاد يتحرّر من صفحات الكتاب حتى يلفّه ضوء شحيح تقشعرّ منه ظلال تهيم في فضاء الشاعر "كدبيب يمشي على روحي".
أدهم الدمشقي استبدل القلم والحبر الأسود كوشم الموت بصوته، لنسمع الفاجعة أعلى، على نغم رثائي جميل من كمان ربال ملاعب الذي خرق نسيج الكلمات وأكمل بالنغم ما لم تبح به القصيدة، والمزهر بين يدي إيلي أبو عبدو يروحن الإيقاع ويعزّم الخوف مواكباً الشاعر في شكوكه: "أخاف/ أن يكون الله قد أخطأ في حلمه/ تجسّد بينهم/ قتلوه/ فترك الكون يتيماً.
وحين ينزل الليل على الشاعر وتلفّه الغربة، يولد من حزمة الضوء غناء سيندي لطي، المغزول بخيوط الطرب القديم، تنشد من جرح الشاعر قصائد، ومن وتر حنجرتها تلتقي بالكمان، صنوان متفاعلان بما تقوله القصيدة: "طفولتي عادت ولم أعد/ وآه/ من فتق ذاكرتي...". هي الطفولة المرتبطة بسرّة الأم ولا تقوى عنها انفصالا: "آه يا أماه/ يا لعنتي وقدري". ويقول: "زاهد أمي بليل عينيك/ وجهك وطفولتي في المرآة يسألانني: أين أنت الآن؟/ شاعر أم شارع يمتد من وجع الفقراء حتى بدايات القصيدة".
من هذه الرحم التي أطلقته إلى الوجود بدايات للكتابة، والسفر من الطفولة وإليها، عائدا، حتى يبقى الملعب الفارغ من الألعاب، وحيه، يرصد فيه الدهشة الأولى وما بعدها انتظار، الانتظار الذي علّمه كيف تنمو القصيدة وعلى دربها بات يعرف الطريق إلى ذاته، مولودا يسعى الخروج من الغربة برؤية جديدة، "فللدهشة ولادة ثانية يلفّها الأزرق والورق".
من الأم إلى الله ، بحثه اللجوج عن الرجاء في مرآة أمه، "زاهد أمي بليل عينيك"، والرجاء وهم لا حقيقة تعيد الله إلى صلواته: "أي فاجعة لعابد، عند موته، عرف أن الله وهم/ اي فاجعة لعابد، عند موته، عرف أنه الله!"
في أي خانة من خانات الشعر يجد أدهم زمنا لشعره؟ كان لا بد من مسرح يحتوي على هذه المرافعة الألليغورية، التي ما إن تغدو خارج صفحات الديوان حتى يعلو نشيد كوني من أحشاء سيندي لطي، البارعة في توشيح الأبيات بهالة من الرهبة، ومنها يعود الشاعر إلى شجنه، نستمع إليه يتشبّه بكلب شريد ومنه يتعلّم النوم ذليلا على الأبواب: "علّمني كيف أنبش عظام المقابر لأعيش فالمدينة رمت عظام أهلها ونامت".
ظلام حالك ملتف حول شاعر ضلّ طفولته في غربة قاتلة فيسمعها تقول له "دع حزنك واتبعني"، فإذا به من "فتق ذاكرته" يرتسم أمامه درب الآلام بفاجعته: "نزل الأله بين الجموع يخطب، فتهافت الناس حوله، مدت الأيدي نحوه، واحد قص خصلة من شعره، واحد نسل خيطا من ثوبه، قصّوا شعره، نسلوا ثوبه كلّه، صعد الإله عاريا ليخطب، رأوه عاريا، فرجموه بالحجارة". في نفس الشاعر ثورة، وحده بين الجموع يصرخ: "إنزل عن الصليب لا تكمل/ دعهم يموتون/ هؤلاء لا يحبون الخلاص".

مي منسي 
النهار

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption