ما هي العواقب فيما لو خاطر زوجان واعترفا؟ لعبة جريئة تكشف عن "الوهم الزوجي" وعطوبه
مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني

اعتبر إيريك أوسوس كاتب مسرحية "الوهم الزوجي"، الحائزة جائزة موليير، أن من الخطأ الفادح أن تؤدّي العلاقة بين زوجين إلى صداقة حميمة إلى حدّ اعتراف كلٍّ منهما بزلاّت اقترفها، لأن الصراحة كأساس للانسجام والتناغم بينهما خديعة كبرى.
مسرحية "الوهم الزوجي" التي استقبلتها الصحافة الفرنسية عند تقديمها في باريس بحفاوة كبرى، شاءت المخرجة فاليري فنسان من شغفها بالنص، إحياءها في كازينو لبنان أولاً، قبل أن تنتقل بها إلى "مسرح مونو"، تجاوباً مع أمنية إدارة الكازينو تنشيط الثقافة والفرنكوفونية بدءا من هذه المسرحية، واضعةً في تصرّف فاليري فنسان فريقها الفني الذي تولّى صياغة الديكور والصوت والإضاءة. إلى مشاركتها في هذا الحدث المسرحي، أضفت على صالة السفراء، جو السهرات الكبرى ورفع الأنخاب إلى حين أضيء المسرح على قصة مبنية على العلاقات المبهمة بين زوجين وصديق، جان ومكسيم في المشهد الأول، إلى كلود، العنصر الثالث الذي يرمي الشك بين الزوجين وفي الآن ذاته يجد نفسه عالقا في شرك مكسيم. ثلاثة ممثلين، من سيسيل لونج الرائعة أناقة وتجسيدا لدور جان، إلى جو أبي عاد في دور مكسيم المشتعل غضباً واعتزازاً بكبريائه، فإلى جو توتنجي الناجح في دور كلود الضحية الذي يتحوّل إلى جلاّد.
هل هي مسرحية من نوع الفودفيل؟ كلا، فالنيات البسيكولوجية والأخلاقية بارزة لا تعتمد المقالب الطريفة. ولكن هل نقرأ في هذه الاعترافات ما يحسن تسميته دراما إجتماعية؟ ربما. فلا شك في أن الكاتب أضفى بحسه الأدبي طرافة، تخفف من حدة التراجيديا التصاعدية، حين يتحول الاعتراف إلى شر لا بد منه.
بعد سنين عديدة على زواج سعيد، قرر كلٌّ من مكسيم وجان البوح ببعض الانحرافات التي ارتكباها، من دون أن ينحرف النص لحظة عن الخط المدوزن بشفافية وخفة، وطرافة تتآخى مع الدراما الحياتية ولا تسلبها أبعادها.
في إطار أنيق، يوحي بالهناء، تبدأ المسرحية على نمط موسيقى جاز ناعمة، بدخول جان في لباس النوم مع قهوة الصباح. كأنها وهي تحرّك السكّر في فنجانها، تخطّط لما ستكون عليه صبحيتها مع مكسيم. ففي رأسها أمر تود فضّه معه. بدوره، يدخل الزوج متثائبا ويستلقي على الكنبة المواجهة لزوجته، يحتسي قهوته، فتبادره جان بسؤال كان بمثابة الفتيل الذي أضرم ناراً من الشكوك الشرعية والشكاوى والغيرة: "هل يمكنك أن تقول الحقيقة مهما كانت فأقابل صراحتك بالمثل؟". سؤال لا يعتمد السذاجة بالرغم مما تعاهدا عليه بألاّ يؤثّر البوح مهما كان ضاريا في حياتهما الزوجية، بل يتقبلانه بالعفو الشامل عما مضى.
السؤال الناجم عن امرأة هادئة الطباع، مراوغة بذكاء، فاجأ الرجل وأربكه: "مكسيم، لا أظن أنك زوج نقي وطاهر، إعترف كم مرّة خنتني منذ زواجنا؟".
لعبة خبيثة مضت فيها جان، بمتعة التورّط في حقل مزروع بالألغام. فقبل أن ينساق مكسيم إلى شباكها ويعترف شيئا فشيئا بعلاقات عبرت في حياته من دون أن تكون ذات أهميّة، بدأ يتنصّل من هذا الاعتراف، لكن المرأة صلبة لا تلين، إذ كانت ترغمه على البوح بشتى الوسائل: دعك من هذه البراءة المرّيخية، واعترف بالأرقام. هذا هو اتفاقنا.
في هذه المسايرة الصباحية، كانا يعلمان بأن الحقيقة لا تخلو من الأخطار، وبأن الكذب لا يخلو من العواقب. اعترف مكسيم بإثنتي عشرة علاقة عابرة لا يعتبرها خيانة، طالما أنه لم يكن ثمة تلاقٍ فكري وعاطفي. وحين أتى دورها للاعتراف، راحت تتلاعب بأعصاب زوجها، تشويها على نار نائصة، إلى أن اعترفت في النهاية باقترافها خيانة واحدة دامت تسعة اشهر، وهو اعتراف خرج عن المعاهدة التي فرضاها على نفسيهما في هذه اللعبة الخطيرة، التي أشعلت غضب لا الزوج بل المالك الذي وجد نفسه مغتصبا مما له. بدخول كلود الصديق، تبدأ أسئلة حميمة من مكسيم تنهال عليه لعلّه يسقط في فخّه فيكتشف ربما أنه هو ذلك المجهول الذي ترفض جان أن تبوح باسمه. تتسارع الأمور، لكن مكسيم في تحدّيه هذين الصامتين، يقع في فخ ذاته معترفا بأنه كان عشيق زوج صديقه أستريد. لعل أقوى ما كان في الأداء، الكلمات المنحوتة بمبضع، ما يجعل المشاهد يغرق في كل دور بلذة استنباش خفايا الناس. ويبقى لجان ما تقوله في الختام: "من حقي أن أحتفظ بسرّي".
مي منسى
النهار







0 التعليقات:
إرسال تعليق