على هامش «مسرح الورشة» في هانوفر: «1945»للفلسطيني بشار مرقس… رحلة شعب ضد اليأس!
مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني

في فضاء «مسرح الورشة»، التابع لمركز الثقافة والتواصل (البافيون) في مدينة هانوفر، كان للجمهور الألماني والعربي في نهايات الشهر الماضي لقاء فني مع فرقة «مسرح الميدان» من حيفا ومسرحيتها الجديدة «1945»، التي افتتح بها المركز موسمه المسرحي الجديد.
1945 كتبها عدنان طرابشة وأخرجها المخرج الشاب الواعد بشار مرقس عمل تداخلت فيه يوميات قرية بسيطة في فلسطين، في النصف الأول من القرن العشرين، والوضع المشحون بحالة من الترقب، التي تبرزها جملة من التقابلات يتصدرها الخوف من الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني، ثم الخيانة والتواطؤ مع المستعمر من جهة والمقاومة، الحب وحماية الوطن والتصدي الشجاع والحلم بالفرح من جهة أخرى.
1945هي حكاية نسيج يوميات أناس عاديين مشبعين بحب الحياة والتمسك بالبقاء. أناس لا يحلمون إلا بالحب، الزواج وجلاء المستعمر. إنها حكاية «طعطع، الذي يأكل ولا يشبع»، طعطع، الذي آوته العائلة الفلسطينية ومن كثرة حبها له أوكلته رعاية معزاتها. غير أن هذه المعزات صارت تتناقص يوما بعد يوم، من دون أن تعرف العائلة العلة، ثم سرعان ما يتحول «طعطع» الوديع في ظهوره، إلى وحش كاسر بأنياب حادة، وقرون طويلة، وشعر كثيف وخلقة رهيبة. حكاية يرويها الحارس «الناطور»، (طارق قبطي)، الذي يراقب من منصته منتوج الحبوب ونتائج العلاقات الدائرة في القرية. إنها حكاية أم الزينات، (شادن قنبورة)، التي تبنت الطفل المعتوه عطية ولم تيأس من انتطار زوجها أبو الزينات، الذي أودعته الأيادي البريطانية غياهب السجون ردا على مواقفه المناهضة. فهذا الانتظار الفلسطيني، الممتد عبر حقب وأجيال تجسده شخصيات العمل المسرحي في مواقف من الترجي والحلم بانتهاء الكدح الزراعي لتتوجه الأعراس ومواسم الأفراح. لكن تاريخ 1945 يمثل «قتل الحلم الفلسطيني»، كما صرح عدنان طربشة، «في وسط سيطرة هذا الترقب المشفوع بالحذر والتغني بالغد الناعم، يجسد الولد المعتوه عطية (هنري أندراوس). واقع هذا التيه المخبول، الذي يجثم بثقله على القرية لا يدركه غير أحمق. أن عطية لا يدرك حقيقة ما يدور في القرية فقط، بل يلعب دور وساطة إيجابي في يوميات المقاومة وحياة أهل القرية، إنه يمرر رسائل حب وجرات ملؤها السلاح، إنه يفشي حبه الحميمي لسكان القرية ويفضح خيانات العملاء في لغة المجانين، لغة تفيض بالرمز، الاستعارة والإيحاء.
1945 تاريخ يرى فيه عدنان طربشة: «البداية الحقيقية للنكبة الفلسطينية» ومنعطف خطير في تاريخ القضية الفلسطينية، التي تكالب عليها الثالوث التآمري، الاستعمار البريطاني، الاستيطان الصهيوني والعملاء الداخليين، كما يجسدهم أبو صالحة (إيهاب سلامة) ذو العلاقات المشبوهة مع البريطانيين، وكذا مع زوجة رب عمله سابقا في المستوطنة اليهودية. فقد قام بإحراق بيت عشيقته، انتقاما لإهانته وليس بدافع الكرامة ما جعل الضابط البريطاني يهدد بإحراق القرية عن آخرها، ما لم يسلم نفسه، الذي قام بإحراق برج «الكوبانيا» المستوطنة.
لقد عمل التمازج بين النص والإخراج على خلق مساحات فنية ثرة بأدوات حديثة تتداخل فيها البصريات (الفيديو) لوحة بث النص المسرحي المترجم وفي الوقت ذاته استحضار التراث الفلسطيني بدلالاته من موسيقى، رقص والحكاية الشعبية والشعر، هكذا تلاقينا مشاهد غنية باللغة الفنية المسموعة والمرئية من دون السقوط في فرجة مجانية، من هنا تتم إعادة محاكاة الواقع مع توظيف هذا التراث خارج سمته الفلكورية الثابتة إلى أداة فعل متحولة من أجل التلاقح مع ضرورة الحداثة.
لقد مثل التعامل الفني مع هذا النص، سواء على مستوى الإخراج أو التشخيص بالنسبة لكل الطاقم الفني، الذي في عمومه من الجيل الثالث للنكبة، تحديا، بحيث كما جاء في حوار هذا الطاقم مع الجمهور إنه: «ليس لنا تصور عن يوميات هذه المرحلة التاريخية من حياة شعبنا إلا عن طريق الرواية الشفاهية للأجداد والجدات، التي تمثل إبهارا بالنسبة لنا. فالحديث عنها غالبا ما يكون بعيدا عن التشكي أو البكاء على الماضي، بل أنه يحمل في عمق ذكراه حنينا إلى ذلك الزمن الحيوي المفعم بالحياة والإصرار على التمسك بالبقاء».
فالمشاهد الغنية بالحركة سواء الداخلية منها أو الخارجبة، التي وظفت من أجل إبراز مضمونها سينوغرافيا تعتمم الاختزال كمقوم من أجل إيصال الخطاب المسرحي في أبعاده الثقافية والفنية والسياسية، بالمقابل تم التركيز بالدرجة الأولى على حركة الممثل كأداة ذات إيقاعات مختلفة، ما جعلها تخلق توازنا في طفرات التقابل والتضاد على مستوى الزماني والمكاني، وهذا خلق تناسقا بينه وبين المواقف الدرامية أو الميلودرامية. فالحوارات والمنولوجات المقتضبة والمركزة أتاحت للممثل، الذي طور معه المخرج والكاتب أدوات التعبير الفنية والجمالية، نقل أحاسيس وهموم شخصيات 1945 إلى إنسان 2015.
لقد تم تقسيم مساحات أحداث المسرحية إلى بقع لا تفصل بينها غير حدود وهمية، غير أنها بالنسبة للمشاهد ممتنعة الاختراق. فالصورة الجمالية لهذا التوزيع تحيلنا بنقلة منسابة إلى التدرج في عوالم قد تبدو أحيانا مكثفة مع بعضها بعضا، لكنها في الوقت ذاته مفصولة عن بعضها بطبيعة التحولات والمواقف. فالمشهد ما قبل الأخير مثلا خلال الحريق، الذي طال القرية والمحصول الزراعي وضياع البلد، حيث تمتزج الأحاسيس والرؤى المتوزعة بين الماضي والحاضر والمستقبل، يحمل في طياته ألف سؤال، يحاكي في عمومه مصورات درامية فوق الخشبة تنتقل بين الحركة والسكون. فلقد تظافرت فيه حركة الممثل، البصريات الذائبة (الفيديو) الألوان، الموسيقى وأرضية تكسوها حبات القمح عن آخرها. فهذا التزاوج بين هذه العناصر خلف وراءه إحساسا قريبا إلى إنسان 2015 وفي مدينة بعيدة تاريخيا وجغرافيا عن مكان الحدث، وقائع إنسان 1945.
هذا القرب منح الحوارالمفتوح بعد نهاية المسرحة بعدا سياسيا دفع الجمهور الألماني، الذي كان قبل وقت قليل لا يجرؤ، باستثناء ثلة قليلة، على الحديث عن الممارسات التعسفية الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني، إلى طرح أسئلة مهمة عن القضية الفلسطينية، مصير الإنسان الفلسطيني، ثم مصير مسرح الميدان وطاقمه الفني. هذا المتنفس الثقافي العربي الوحيد في حيفا، الذي بدأت الحكومة الإسرائيلية تعمل جادة على إغلاقه. فقد قامت بالخطوة الأولى هذه السنة، حيث خفضت دعمها السنوي بنسبة تجاوزت إمكانية استمرار هذا المسرح في الوجود. «فهذا الحذف من الدعم المالي»، يقول طرابشة، كاتب العمل ومدير مسرح الميدان، «هو تهديد للثقافة عامة بشقيها العبري والعربي، فجمهورنا ليس العربي وحده، لأننا نقدم أعمالا بالعبرية أيضا، وتهديد بالخصوص لثقافة الأقليات، التي لها احترام في جل دول العالم إلا في دولة إسرائيل».
فلقد طرحت في النقاش مع الجمهور استنادا إلى الأحداث التاريخية ودور بريطانيا في زرع جسم «طعطع» داخل البيت الفلسطيني، مسألة مسؤولية ودور أوروبا في القضية الفلسطينية وإلى أي حد تعمل على خلق التوازن المزعوم والسلام بين الشعبين.
هانوفر ـ من إدريس الجاي - القدس العربي







0 التعليقات:
إرسال تعليق