أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الجمعة، 4 مارس 2016

مسرح التعزية في العراق..أهداف سياسية تدعو الإنسان للثورة على واقعه وتلهمه معاني التضحية

مجلة الفنون المسرحية

أهمية الطقوس الدينية التراجيدية لم تكن مجرد مراسيم ارتبط احياؤها بالتقاليد العقائدية، وانما اسهمت في تطوير مسيرة المسرح العراقي، مثلما اسهمت الطقوس اليونانية في بناء المسرح الإغريقي. هذا ما أورده الباحث الدكتور مناضل داود من خلا ل كتابه"مسرح التعزية في العراق"والصادر عن دار المدى للثقافة والنشر. مبيناً ان المسرحيين في كل العالم اعتمدوا على استلهام مادة نصوصهم من الملاحم والقصص الفلكلورية التي أنتجتها شعوبهم على مر العصور،

 فأسسوا بذلك مسرحهم، وطوروه ليصبح مادة إنسانية فنية جدلية، حتى تكون لمدارس مختلفة، وما زال البحث مستمراً.
فمنذ ستانسلافسكي وإلى اليوم تتنافس روسيا وأوروبا وأميركا في طرق تربية الممثل كل بأسلوبها، وإذا مل الأوروبيون من طريقة عملهم ذهبوا إلى الشرق لاكتشاف هذه الطقوس في بلاد الشمس.
ويقول: ولد المسرح العراقي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر على مجموعة من الرهبان المسيحيين في محافظة الموصل، فكانت البداية لها علاقة بالمسرحيات التي قدمتها الكنائس في العصور الوسطى مدن الموصل وروما وباريس حيث كان الرهبان يرسلون للدراسة ثم يعودون إلى العراق للعمل والتدريس في المدارس المسيحية.. وحين أسست الدولة العراقية عام 1921 وجد الفنانون العراقيون على قلتهم أن الاستعمار البريطاني يطوق عنق الوطن، فكان المسرح العراقي وطنياً على يد مؤسسه ورائده الأستاذ حقي الشبلي، والذي استبدل اسم المعهد الموسيقي باسم معهد الفنون الجميلة بعد أن أدخل فيه قسم الفنون المسرحية ببغداد. وهكذا ضاعت على المسرح العراقي فرصة ذهبية وهي الانتباه للإرث المسرحي الغني والمتمثل في الفرجة المسرحية في طقوس التعزية والتي ظهرت في العراق  بحدود القرن الرابع الهجري.. يقول الباحث والمخرج العراقي محمد سيف في حديثه عن وطنية المسرح العراقي إن القدر العراقي قد خزن في أعماقه دراما لم تنجز، حتى أصبحت تراجيديا أسطورية قادرة على أن تنجز عملاً مسرحياً بمعناه الحقيقي، إن التراجيديا الأسطورية من وجهة نظري هي مكان أو بالأحرى عرض للعقيدة التي تتأرجح ما بين الواقع والخيال..  فالمواجهة اختلاف يأخذ جذره من طقوس عاشوراء.. في الجسد، وهي ليست جسداً فردياً، وإنما الكل في حركة واحدة متوحدة متنوعة ومتناسقة، لا أحد يملك أن يجزم أن هذه الطقوس تمارس لسبب ديني فقط، بل سيبكي الشيعة ما دام الحسين سيكون شفيعهم يوم القيامة، وسيصرخون في وجه السياسي السلطوي الذي لم يقو على احتمالهم. وجدير ذكره إن هذه الطقوس منعت في منتصف السبعينات من القرن الماضي في العراق، وهكذا أسس الشيعة من خلال هذه الطقوس الفضاء الرحب لفرجة مسرحية تراجيدية، هذا المسرح الطقسي الذي كان أرتو يبحث عنه وكروتوفسكي في مسرحه الفقير.. وأخيراً يذهب بيتر بروك إلى قرية إيرانية نائية ليقول بعدها شاهدت شيئاً من أقوى الأشياء التي شاهدتها في المسرح في أيما وقت مضى: مجموعة من أربع مئة قروي يجلسون تحت شجرة ينتقلون من هدير الضحكات إلى النحيب العلني، رغم أنهم يعرفون تماماً نهاية القصة، فقد شاهدوا الحسين سابقاً وهو يتعرض لخطر القتل، وكيف كان يناور أعداءه، واستشهاده بعدئذ، وعندما يموت الحسين يغدو شكل المسرح حقيق. ولكن السؤال الأهم هنا أين هي التعزية في المسرح العراقي وهو وريث هذه التراجيديا التي تمت على أرضه؟. إن ثلثي المجتمع العراقي المكون من الطائفة الشيعية التي تمارس هذه الطقوس بكل وجدانها أنتجت مسرحاً لم نرد وأعني لم نجر عليه بحثاً أو نستقرئه أو نخض تجربة واحدة فيه. وإذ نعتقد في هذا البحث، أن هذه الفرجة مسرحية تمتلك من عناصر الدراما والتراجيديا ما يجعلها أن تكون مادة فنية مهمة تغني المسرح العراقي بشكل خاص والمسرح العربي بشكل عام، لنا أن نعيد سؤالنا مرة أخرى: أين هي التعزية في المسرح العراقي؟ والجواب ليس خافياً على أحد، فالسلطة الرسمية في العراق ومنذ أن تكونت الدولة هي سلطة طائفية، فقد أبعد الشيعة عن مراكز الحكم، ولما بدأ مخرجو المسرح الذين درسوا في روسيا وأوروبا وأميركا بتجارب جاهزة متأثرة بالمكان الذي درسوا فيه، كما ان أغلب المثقفين في العراق كانوا ومازالوا يتفادون هذه الطقوس، وبشكل عام ينظرون إلى الإسلام بشكل فوقي متأثرين بالفلسفات الأخرى، موضحاً أن الثقافة السائدة لدينا تناست الإشراقات العظيمة في الإسلام والمتمثلة في التصوف وإخوان الصفا والمعتزلة والقرامطة هذا للمثال وليس الحصر. والجدير ذكره أن العهد الإسلامي المتمثل بابن رشد وابن سينا والفارابي وابن خلدون، هو ذلك العصر الذي بزغت من خلاله أوروبا، وأخيراً لدينا عقدة نقص حقيقة وهي أننا لا نجيد اكتشاف ذاتنا ونلحق بالآخر الذي يتجاوزنا باكتشافه لنا، ابتداءً من المنجز الاقتصادي لقد عثرت أوروبا على النفط في بلادنا لتبيعنا إياه إلى المنجز الثقافي الذي ذكرناه سلفاً، فعلى سبيل المثال وحينما يتحدث مخرج مثل بيتر بروك عن مسرح التعزية، تتكشف لنا أهمية هذه الطقوس وتبدو عندئذ صالحة للبحث والاستقراء والتأمل بان أهمية بحث هذا الموضوع ودرجة حيويته في الزمن الراهن، يكمن في أنني أبحث عن المنجز الشخصي والهوية، فلا نستطيع أن نثبت جغرافيتنا من دون أن نمتلك تاريخنا، فعندما أقف على المسرح وأحرك يدي أو رأسي أو أطلق نفساً حاراً أشعر بانتمائي الحقيقي لهذا الفعل الذي يصبح أكثر ألفة عندما تعلق الرايات والقناديل معلنة عن أيام عاشوراء.. ويذكر ان مراسيم هذه المناسبة قد تحدث عنها بعض الرحالة والسفراء الأوروبيين الذين عاشوا في إيران في القرن السابع عشر أمثال الألماني اولياريوس 1671م والفرنسي تافرنييه، وإن أول من شاهد عرضاً للتعازي وأطلق عليه اسم عرض مسرحي درامي هو الإنكليزي فرانكلين وذلك عام 1788م ويقول السير لويس بيلي 1879م وهو دبلوماسي بريطاني عاش في طهران إذا توجب قياس نجاح الدراما عن طريق التأثير الذي تحدثه على الذين ألفت من أجلهم، أو على المشاهدين الذين تمثل أمامهم، فلا توجد أبداً مسرحية فاقت التراجيديا المعروفة في العالم الإسلامي باسم الحسن والحسين عليهما السلام. ويرى محمد عزيزة في كتابه الإسلام والمسرح ظاهرة غياب المسرح في العالم الإسلامي. والاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي هو التعازي الشيعية التي أعطت منذ القرن السابع الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه.. إن إعادة تمثيل واقعة استشهاد الحسين بن علي كل عام في العراق، هي تعبير الناس عن الرغبة في محاكاة الواقعة التي تحاول الانسلاخ عن الدين في أحيان كثيرة، وذلك لمحاكاة الظروف المستجدة على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية على الوجه الأخص. ويقول الدكتور فاضل سوداني في دراسة له بعنوان"التعازي طقس درامي شعبي"من المعروف أن التعازي في بداية نشوئها كانت تقليداً حياً لمأساة الإمام الحسين بكل تفاصيلها الواقعية، ولكن بمرور الزمن لم تعد طقساً دينياً فحسب وإنما امتزجت بالحياة السياسية والاجتماعية، حيث أن بطلها الحسين لم يعد رمزاً دينياً فقط بل رمزاً لبطل قومي، ثوري يستلهم الشعب ثوريته وتضحيته من خلال إعادة ذكراه. لقد قلنا إن الحسين أصبح بطلاً قومياً وثورياً، تنعكس ثورته ومأساته على الواقع المعيشي، فنرى أن هذه التظاهرات استغلت ضد الظلم الذي يعاني منه الإنسان في العراق المعاصر. فكثير من هذه القصائد والأغاني والأشعار لها أبعاد وأهداف سياسية تدعو الإنسان للثورة على واقعه الذي يعاني منه.

المصدر : ملاحق المدى - أوراق

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption