المونودراما الشعرية : زَيْزَفْ مرثية تبكي رحيل الأمهات
مجلة الفنون المسرحية
*مروة عبدالحي
لم يكن عرض المونودراما الشعريَّة "زَيْزَفْ" عرضًا مسرحيًا وحسب بل هو "مرثيَّة تبكي رحيل الأمهات" كتبها شعرًا الشاعر المسرحي "عادل البطوسي" الحاصل على عشرات الجوائز في المسرح الشعري من محتلف أقطار الوطن العربي ومنها (جامعة الملك سعود بالرياض 1996م ـ المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة 1999م ـ الدولة التشجيعية للفنون والآداب بمصر 2006م ـ الهيئة العربية للمسرح بالشارقة 2013م) وغيرها، وصدرت له عدة مسرحيات شعرية منها (الرَّاعي ـ الدُّمى) وغيرهما، فضلاً عن مشروعه المونودرامي الشعري “ربيع المونودراما الشعرية” الهادف إلى تحديث الإطار المونودرامي وتطبيقاته النصية طموحًا لحداثة الخطاب المونودرامي وليس الإطار التنظيمي وحسب، حيث أطلق عدة مصطلحات حداثية تجريبية جديدة ومع كل مصطلح التطبيق النصي له، والنصوص كلها شعرية، فجاءت "ياراجويا" تطبيقا لمصطلح "المونودراما المزدوجة” وأصدر "كليوبطره" تطبيقا لمصطلح المونودراما "الوثاثقية" و“كشتن” الأسطورية، و"موناريتا" المونودراما "المركبة" وصولاً إلى الثلاثية “دزديموليا” وهو يُمثل حالة شجنيَّة خاصة في الشعر العربي لأنه منذ رحيل والدته خصَّص كل كتاباته شعرًا ونثرًا وسردًا ومسرحًا عنها حد أنه أصدر ديوانًا شعريًا كاملاً في رثائها "رحيل السيدة الورد" بمقدمةٍ عميقةٍ كتبها وزير الثقافة الأردني السابق "أ.د. صلاح جرَّار" الأستاذ بالجامعة الأردنيَّة حاليًا حيث قال
![]() |
| الكاتب عادل البطوسي |
(أعرف البطوسي كاتباً مسرحيّاً متميّزاً وناقداً أدبيّاً بصيراً بالشعر وقضاياه، وشاعراً متمكّناً من أدواته الشعريّة ولا سيّما في الشعر المسرحي) وأشار إلى “الملمح المسرحي” في “ديوانه الشعري” أما نصه المونودرامي الشعري هذا “زَيْزَفْ” فقد حظي بدراسات قيِّمة بأقلام أساتذة المسرح بالجامعات العربية تم نشرها مع النص مطبوعًا ..
هذا العرض المونودرامي الشعري الإنساني “زَيْزَفْ” نفَّذته فرقة “عيون النيل” بطهطا (مسقط رأس رفاعة الطهطاوي) وقامت ببطولته الفنانة الشابة "كيرمينا ممدوح" التي أدت ببراعةٍ دور الإبنة المكلومة التي فقدت أمها بعد صراعٍ مريرٍ مع مرض السرطان، بفهمٍ للنص الشعري وأبعاده الإنسانية العميقة، ومعايشة عاطفية وشعورية للمحور الدرامي المتأجِّج بجمرات الفقدان، والذي تفاعل معه الجمهور بالدموع والآهات، فقد درست الممثلة الشخصية التي تؤديها بكل مكوناتها النفسية بعمقٍ وتحولٍ آدائي واكب الأدوار التي تؤديها صوتيًا من خلال بطولتها للعرض المونودرامي بتنوعٍ في نبرة صوتها، ومرونةٍ في حركات جسدها، وتعبيرات وجهها مما جعل الرسالة الإنسانية التي يحملها النص أكثر إقناعًا للمتلقي بما حققه آداؤها الشعوري المدهش بحق، والقوي الناعم في آن واحد على المسرح من إبهار وتأثير في وجدان المتلقي لكون هذه المونودراما الشعرية تتسم بحرارة التجربة في محورها الدرامي القاسي مما حملها جهدًا وجدانيًا وآدائيًا مضاعفًا ومؤلمًا يتماهى ويواكب الأسلوب الذي إنتهجه المخرج في التنفيذ متعمدًا أن يكون تجريبيًا حداثيًا لبلوغ الأفق الجمالي للممارسة المسرحية التي تفاعل معها الجمهور عاطفيًا وعقليًا حد البكاء بصوتٍ
![]() |
| المخرج لطيف الغانمي |
عالٍ والإبنة “الممثلة” تبكي أمها :
كَانَتْ أمِّي نَبضًا يَتدَفَّقُ في أوْرِدَتي
وَشَهِيقًا يَترقرَقُ في رِئتِي
كَانَتْ نَجمًا يَحمِلُ خُبزًا لِمَوائدِ يُتمِي
فَجرًا يَأتِي بالشَمْسِ المُشرِقةِ لشُرفةِ حُلمِي ..
كان الإخراج للفنان "لطيف الغنايمي" الذي أخرج من قبل عشرات المسرحيات لجهاتٍ فنِّيةٍ مختلفة بالإضافة إلى إسهاماته في عروض "المسرح المدرسي" كونه كان موجِّهًا تربويًا، وصبَّ في هذا العرض خبرات أكثر من ثلاثين سنة في العمل المسرحي بتطورٍ رؤيويٍّ مُغايرٍ للأشكال السائدة، ومواكبٍ لأسس وثوابت الإخراج الحديث بكل عناصرها وأدواتها، وخاصة “السينوغرافيا” حبث استفاد من جميع الأدوات المتاحة لدية كالإضاءة والموسيقا وغيرهما برؤيةٍ شاملةٍ ومهارةٍ في الإستفادة من الفضاء المسرحي كله فوجدنا جهاز المحاليل وإصيص نبات الصبار وملابس الأم السوداء المعلقة على الحوائط القديمة، وغير ذلك من المفردات، بأسلوبٍ تجريبيٍّ مبتكرٍ وفهمٍ واعٍ لرسالة النص الإنسانية العميقة، حيث كان على وعيٍ تامٍ بأن إخراج مثل هذه النصوص الدرامية الشعرية يتطلب أكثر من مجرد قراءة عادية وعابرة للنص في سبيل تحويله إلى عرض مسرحي، بل أدرك وأيقن أن مثل هذا النص يحتاج إلى أكثر من قراءة، وهو ما فعله بالفعل بوعي تام، ولذلك أخرجه برؤيةٍ معرفيةٍ شاملةٍ وفنيةٍ شديدة العمق وهو يحول النص المونودرامي الشعري بمحوره الدرامي المؤثر الآسر إلى عرضٍ بصريٍّ حيث أكد بوضوح رؤيته الحداثية المتطورة في التنفيذ على خشبة المسرح، واستطاع بإمكاناتٍ مسرحيةٍ محدودة تنفيذ هذه المونودراما بشكلٍ مشرِّف لهواة المسرح الجاد عبر نصٍّ يحمل رسالة إنسانية عظيمة ألا وهي تكريم الأم في حياتها، والدعاء لها بعد رحيلها :
يا رب ..
أُمِّي عَاشَت كَمَلاكٍ يَحْيَا فَوْقَ الأَرْضِ ..
وَكَانَت كَرَبِيْعِ النُّسَّاكِ وَأَحْلَى ..
فَاجْعَلهَا تَهْنَأ فِي جَنَّاتِ الفِرْدَوُسِ ..
وَتَتَنَعَّم فِيْهَا بَينَ مَلائِكَةِ الدَرَجَاتِ الأَعلَى ..
اللَّهُمَّ ارْحَمْهَا ..
وَاْقبَلهَا مِنْ غيرِ حِسَابٍ ..
وَاكْرِمْهَا ..
وَارْفعْ دَرَجَتهَا ..
وَاسْعِدْهَا ..
وَاجْعلهَا سَيِّدَةً بَينَ نِسَاءِ الجَنَّةْ ..
العرض يدور في غرفةٍ ببيتٍ قديمٍ جدرانها متهالكة متشققة يتوسطها سرير خشبي عتيق جواره جهاز محاليل وملابس نسائية سوداء معلقة فوق مشاجب وقناديل مضاءة إضاءة خافتة وإصيص لنبات الصبَّار على منضدة صغيرة مع موسيقا ناي حزين تدخل خلالها الممثلة الشابة “كيرمينا ممدوح” وهي تتأوَّه بنحيبٍ رهيبٍ وآهاتٍ طويلةٍ حزينةٍ صارخة :
الصَرخَةُ مِن عُمقِ الرُّوحِ رَمَادٌ ..
وَقتَادٌ ..
مَوتٌ آخَرُ مَرهُونٌ بجيَادِ العُمرِ ..
وَفَصْلٌ مِن مَلحَمَةِ الأَحزَانْ
الصَرخةُ إعصَارٌ مِن لهَبٍ في حَلْقِي ..
وأوارٌ يَستعرُ بجَمراتِ الفُقدَانْ
الصَرخةُ شلَّالٌ مِن وجَعٍ ..
ويَبابٌ يَتأجَّجُ في أحشَائِي كَالنِيرَانْ
وَدُمُوعِي كَالزَّيتِ المُنسِكبِ على روُحِي الثكلى
فهيَ تزيدُ اللَّهبَ سَعيرًا في القلبِ
وَتهدرُ تَهدرُ تَهدرُ كَالبُركَانْ ..
ثم تبدأ بنواحٍ وصوتٍ مبحوحٍ متحشرجٍ في سرد مأساة ما قبل رحيل أمها التي أصيبت بأورام الثدي، ورغم إستئصاله، تفشى المرض وانتشر في جسدها من الرئتين إلى الكبد وكبله، وصارت لا تستجيب للعلاج الكيميائي، ولا جلسات الإشعاع الذري، كما قال الطبيب لإبنتها ـ الممثلة ـ في العرض :
كَانَتْ رَاضِيَةً صَابِرَةً تَرقُدُ بحبُورٍ وَجلالْ
جَاسَ المَرضُ قِلاعَكِ يَا رُوحَ الرُوحِ وَصَالَ وَجَالْ
رَبَتَ عَلى كَتفيَّ طبيبُ الأورامِ وَقالْ
المَرضُ عضَالْ
لَنْ تَنفَعَ فِيهِ الأَدوِيَةُ وَلا الأَمصَالْ
أمُّكِ يَا أَنتِ إلى مَوتٍ فَي كُلِّ الأَحوَالْ
لاااااااااا أمِّي مَازَالَتْ نَائِمَةً ..
نَائِمَةً تَحلُمُ وَسَتصحُو بالتأكيدِ
أجلْ .. سَتقومُ وَتجلبُ لي أزهارَ الأوركيدِ
وَكَعكَ العِيدِ
وَتَأخُذنِي بينَ يَديهَا بحنُوٍّ وَحَنَانْ
مَازالتْ نَائِمَةً .. وَسَتصحُو وَتقُومُ الآنْ
إنِّي أسمَعُ هَمسَ وَدَاعتِهَا ..
وَأشُمُّ عبيرَ أمُومَتِهَا فِي كُلِّ الأركَانْ) ..
لقد أدت ببراعةٍ ومهارةٍ وتنوُّعٍ صوتيٍّ وتعبيريٍّ عدة أدوارٍ من خلال الأصوات حيث أدت أدوار (الإبنة ـ الأم ـ الطبيب) بإجادةٍ تامةٍ عبر إخراجٍ واعٍ واكب الحالة الشعورية لبطلة العرض بخبرة وفهمٍ للمحور الدرامي، والمفردات السينوغرافية، وحرفية في التعامل مع الفضاءات على الخشبة طوال العرض الذي استمر لمدة 45 دقيقة تقريبًا وتفاعل معه الجمهور عقليًا وشعوريًا وخاصة السيدات والبنات اللواتي فقدن أمهاتهن :
آهٍ يَا أمِّي وَوليَّة أمرِي ..
كَيْفَ أَعيشُ بدُونكِ يَا عُمْرَ العُمرِ بَقيَّة عُمرِي؟!
وإمعانا في التأثير التفاعلي العميق كانت الممثلة تطل من شرفة الغرفة مكان العرض ـ وهذا تكرر أكثر من مرة حيث الشروع في غلق النافذة التي جعلتها العواصف مشرعة للضجيج والأنين ـ ومع سرد الوقائع الواقعية كان اللجوء في مواضع كثيرة لوصف الطبيعة وصفًا مواكبًا للحالة النفسية في سعي لخلق جو واقعي أكثر فاعلية، وكعنصر جمالي يضاف للعناصر الجمالية الأخرى على إختلافها وتنوعها في العرض المونودرامي الشعري :
أرخَى اللَّيلُ سُدُولَهُ ..
وانْهَمرَ الأرَقُ الهَادِرُ مِن رَحِمِ التَذكَارْ
الغَيمُ الأَسْوَدُ يَبْدُو فِي الأُفقِ كَثيِفًا
وَعلى مَا يَبدُو لا يُنذرُ بسُقوطِ الأمطَارْ
نَامَ القَمرُ على أجنحَةِ الغَيمَةِ
والنَجمَاتُ عَذَارَى حَولهُ يَعزِفنَ على شَجَنِ القِيثَارْ
آهٍ إنِّي أحيَا فِي شَرنَقةِ الغَيمِ وأُمْطِرُ وَحْدِي ..
أُمْطِرُ دَمْعًا ..
أُمْطرُ وَجَعًا ..
أُمْطرُ مَطرًا أقسَى مِن مُرِّ الصَبَّارْ ..
كنت قبل مشاهدتي للعرض قد قرأت النص المونودرامي الشعري “زَيْزَفْ” الذي جاء باكياً ومبكياً لصدق التجربة التي عاشها المؤلف طوال مرض أمه حتى صعدت روحها إلى بارئها، وقد أكدت على هذا التميُّز القراءات النقديَّة التي صدر بها النص مطبوعًا (أغسطس 2024م) بأقلام أ.د. جميلة أزقاي (الجامعة الجزائرية) أ.د. سحر عيسى (جامعة تبوك) أ.د وطفاء حمادي (الجامعة اللبنانية) الفنانة القديرة "سعاد خليل" سيدة المسرح الليبي، والناقدتين المصريتين (د. شاهيناز أبوضيف ـ د.أحلام عبدالرحيم) بالإضافة إلى مقدمة الناقد العراقي أ. د. فاضل الكعبي، وكلهم أشادوا بالنص إبداعيًا وبديعيًا ودراميًا وإنسانيًا في أحداثه المريرة مرارة الفقدان :
أبكِي وأنُوحُ .. أنُوحُ وأبكِي ..
وأسُدُّ ثقُوبًا فِي قلبِي المُتلهِّفِ كَالمُعتادْ
مَا عُدتُ أُمَوْسِقُ أُغنِيَةَ الأَلَقِ
أجَلْ .. بَلْ صِرْتُ أُقِيمُ علَى الذِكْرَى
كَالجَمرَةِ تحتَ رَمَادْ
مَا عُدتُ أُجيدُ الشَدوَ
وَمَا عَادَتْ ألحَانُ أنَاشِيْدِي صَالِحَةً لِلإنشَادْ ..
في صالة المسرح كان البكاء والنحيب بصوتٍ عالٍ طوال العرض كمحورٍ دراميِّ وإبداعٍ شعريٍّ ووجعٍ إنسانيٍّ خاصة للذين فقدوا أمهاتهم واللواتي فقدن أمهاتهن، وقد إستطاع المخرج “لطيف فاخر” تنفيذ النص بحسٍّ إنسانيٍّ ووجدانيٍّ وتقنيٍّ عالٍ، وأجادت بطلة العرض في آداء دورها، وعبَّرت عن حنينها وحزنها على فقدان الأم ورحيلها بصدقٍ وأكدت في الختام على ضرورة إكرامها :
مَنْ يُكْرِمْ أمَّهُ ..
يُكْرِمُهُ الخَالِقُ وَيُبَدِّدْ هَمَّهُ ..
وَيُفرِّجْ كَرْبَهُ ..
وَيُفَرِّحْ قلبَهُ ..
وَيُمَدِّدْ عُمرَهُ أمَدَا
مَنْ يُكْرِمْ أمَّهُ ..
سَيُكَافِئهُ الرَبُّ عَنِ الإِحسَانِ إليهَا ..
والبرِّ بِهَا ..
فَتذُوبُ ذُنُوبُهُ كَجَلِيدٍ تَحتَ الشَمسِ ..
ولا يُحْصِي لِلخَيرَاتِ طوَالَ حَياتِهِ عَدَدَا
أمَّا مَن يُبْغِضْهَا ..
أوْ يُغْضِبْهَا ..
سَتقوِّرُ عينَيهِ نسُورُ الوِديَانِ ..
وَتأكُلُ كَبدَهُ أسرَابُ الغربَانِ ..
وَسَوفَ تحلُّ عليهِ اللعَناتُ ..
تُلاحِقهُ الخيبَاتُ ..
وَلنْ يَهنَأ بِحيَاتِهِ أبَدَا ..
وهكذا أكد العرض على إكرام الأم في حياتها، والإحسان إليها والبر بها، وذكرها وتكريمها بعد مماتها، لأن الأم هي الوطن الصغير، والحبيبة الأولى والأخيرة التي تقف عند عظمتها أجزل الكلمات، وأروع التعبيرات، لما لها من مكانة عظيمة في النفس البشرية، فهي "ليست إمرأة غالية وحسب وإنما أغلى النساء حميعًا" كما قال "يوريبيدس" على لسان "الجوقة" في مسرحيته الخالدة ألكسيتيس" 438 ق.م وهي العبارة التي صدَّر بها "البطوسى" نصه المونودرامي الشعري الإنساني "زَيْزَفْ" والإسم مقتطع من شجر "الزيزفون" وهو إسم أمه الحقيقي ..!!
*marwa.abdhay@gmail.com

















0 التعليقات:
إرسال تعليق