تُعدُّ موسكو أحد مراكز فن المسرح العالمي، إذ يوجد فيها أكثر من مئة وخمسين مسرحاً، تُقدم فيها عروض يومية، وفي بعض منها عدة عروض في وقت واحد، فإلى أي مسرح يمكن أن يذهب السائح الذي يزور العاصمة الروسية؟ موقع " روسيا ما وراء العناوين" يحاول إطلاع قرائه على أشهر العروض في الموسم الحالي.الباليه الروسي
من أهم العروض في برنامج البولشوي لهذا الموسم، تظهر باليه " غادة الكاميليا. (فلاديمير أستابكوفيتش/TASS)"
يُعد مسرح البولشوي (المسرح الكبير) أشهر مسارح موسكو وأكثرها شعبية ، حيث تُعرض فيه أفضل مسرحيات الأوبرا والباليه، كما تقدم الفرق الأجنبية المعروفة أعمالها فيه. ولكن الدخول إلى هذا المسرح ليس سهلاً على الإطلاق، فالتذاكر تنفد قبل أشهر من بداية العروض المسرحية على الرغم من الأسعار العالية، فسعر التذكرة في شرفات الدور الرابع يبلغ 2500 روبل ( 54 دولاراً) أما في الصالة الرئيسة فيبلغ 25500 روبل ( 555 دولاراً). ومن أهم العروض في برنامج البولشوي لهذا الموسم، تظهر باليه " غادة الكاميليا" لألكسندر دوماس ـ الابن، من إخراج جون نويماير، وباليه " أونيغين" لألكسندر بوشكين، من إخراج جون كينكو.
مهرجان "دائرة الضوء" في موسكو
صمدت باليه نويماير عبر الزمن، فقد عُرضت للمرة الأولى في عام 1978، ومثّل المخرج نفسه الدور الرئيس فيها. وبعد ستة وثلاثين عاماً اكتسبت هذه المسرحية وجهاً جديداً، من خلال جمع أفضل راقصي فرقة البولشوي على خشبة المسرح وإحياء قصة مرغريت وحبيبها أرمان، والأزياء المذهلة ورقصات الباليه الرائعة والمثيرة، وموسيقا شوبان، كلُ ذلك يجعل هذا العرض عالقاً في الذاكرة لفترة طويلة.
في هذا الموسم تستحق أوبرا " بوريس غودونوف" المشاهدة. (تصوير:فلاديمير فياتكين/RIA Novosti) باليه " أونيغين" هي المسرحية الثانية التي حظيت ببيت جديد في مسرح البولشوي، فقد أخرج كرينكو هذه الباليه للمرة الأولى في عام 1965 في شتوتغارت، وقامت الفرقة بجولة ناجحة في مختلف أنحاء العالم، كما زارت الاتحاد السوفييتي، ولكن في وطن الرواية العظيمة قوبلت المسرحية بوابل من النقد بسبب الابتعاد عن النص الأصلي وجهل الثقافة الروسية. ولكن مع الوقت، تغيرت أذواق الجمهور، وأخذت صالة البولشوي تغصّ بالمشاهدين لدى عرض هذه الباليه المحدثة براقصيها الروس. اشتهر مسرح البولشوي، ليس فقط بمسرحيات الباليه، وإنما بمسرحيات الأوبرا أيضاً، وفي هذا الموسم تستحق أوبرا " بوريس غودونوف" المشاهدة، حيث يستطيع المشاهدون التمتع، ليس فقط بموسيقا موسورسكي والأداء الموهوب، بل وبالعرض الضخم من حيث الديكورات والأزياء التي تحاكي الواقع بطريقة مذهلة، فهذه الأوبرا ستدهش أولئك الذين يرغبون في الولوج داخل أجواء روسيا القيصرية.
يمثّل مسرح " لينكوم" أحد أشهر مسارح الدراما في موسكو، وكان في المرحلة السوفييتية يحملاسم " موسكوفسكي تياتر إيمني ليننسكوفو كومسومولا" ( مسرح موسكو للشبيبة اللينينية)، ولكن الحب الشعبي للاختصارات في اللغة، حتى قبل تغيير اسم المسرح رسمياً بفترة طويلة، جعل اسمه أكثر بساطة في النطق وهو " لينكوم".
RIA Novosti
يُقدَّم على خشبة هذا المسرح كثير من العروض المسرحية الرائعة، ومن بينها " يونانا وأفوس" التي تُعد من أشهر مسرحيات الروك ـ أوبرا السوفييتية، وتُعرف بعض المقاطع الغنائية من هذه المسرحية حتى لدى الذين لم يشاهدوها ولا يعرفون شيئاً عنها. والمسرحية مأخوذة عن أحداث حقيقية وقعت في القرن التاسع عشر، وتتحدث عن قصة حب ضابط روسي وابنة حاكم ولاية كاليفورنيا، وتعرض هذه المسرحية في " لينكوم" منذ خمسة وثلاثين عاماً، وتكون الصالة مليئة دائماً بالجمهور، وتتراوح أسعار التذاكر ما بين 700 روبل ( 15 دولاراً) و7000 روبل ( 152 دولاراً).
RIA Novosti
لا ينبغي ألا نلتفت لمسرح موسكو الفني الذي يحمل اسم الكاتب أنطون تشيخوف. أنشئ هذا المسرح في عام 1898 على يدي المخرجَين المسرحيين العظيمين ستانيسلافسكي ونيميروفيتش ـ دانتشينكو. وكتب لهذا المسرح الأديب العظيم أنطون تشيخوف الذي ما زالت مسرحياته تُعرض حتى الآن في المسارح العالمية، ويتابع مسرح موسكو الفني المعاصر إمتاع جمهوره بالمسرحيات المثيرة عاماً بعد عام، وفي شهر سبتمبر/ أيلول الماضي أقيم العرض الأول لمسرحية "عربة اسمها الرغبة" للمؤلف الأميركي تينيسي وليامز، وقد تحدث النقاد والجمهور عن هذه المسرحية بإعجاب ويوصون، بإلحاح، بمشاهدتها.
تتراوح أسعار التذاكر ما بين 500 روبل ( 11 دولاراً ) و3000 روبل ( 65 دولاراً).
ويدخل مسرح فاختانغوف في عداد أشهر مسارح موسكو، ويقع في شارع أربات، الشارع الرئيس المخصص للمشاة في وسط العاصمة، ويبلغ عمر هذا المسرح أكثر من تسعين عاماً.
RIA Novosti
ولكنه ما زال مخلصاً لوصية مؤسسه، المخرج الكبير يفغيني فاختانغوف، " بعَيش مشاكل العصر"، ويمكن في هذا الموسم الذهاب لمشاهدة مسرحية " الخال فانيا" لأنطون تشيخوف ومن إخراج ريماس توميناس. ويجري إخراج نصوص المسرحي الدرامي الروسي الشهير كثيراً وبرغبة كبيرة، ولكن المخرج تويناس استطاع الكشف عن حدود جديدة لهذه المسرحية المدروسة جيداً.
تتراوح أسعار تذاكر هذا المسرح ما بين 600 روبل ( 13 دولاراً) و4500 روبل ( 98 دولاراً).
RIA Novosti
وبالنسبة لهواة المسرحيات الحديثة والتجريبية، فسوف يعجبهم "مركز غوغول".
يدير هذا المسرح كيريل سيريبرينيكوف الذي يعدّ منذ سنوات واحداً من الشخصيات البارزة في المسرح الروسي، وتتميز عروض هذا المسرح بالتقنيات الحديثة والفيديو ـ آرت والديكورات المتحركة والخشبة المفتوحة والتفاعل المباشر مع الجمهور، أما أحد الاتجاهات الحديثة التي تدفع " مركز غوغول" إلى الأمام فهي المسرحيات التي يجري إخراجها وفق سيناريوهات سينمائية، ومنها مسرحية "البُلهاء" المأخوذة عن فيلم يحمل الاسم نفسه للارس فون تريير، وهو عرض استفزازي، شجاع، يرد بحدة على الواقع المحيط.
أسعار التذاكر ما بين 500 روبل ( 11 دولاراً) وحتى 3000 روبل ( 65 دولاراً).
عُقدت في مدينة طنجة المغربية ندوة بعنوان «البحث الجامعي في مجال المسرح، إلى أين»، في إطار الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي، الذي اختتم مؤخرا، وشهد مشاركة أكثر من 17 فرقة مسرحية عربية وغربية.
وقد أعد الورقة الفكرية لهذه الندوة خالد أمين، الذي أشار إلى حيوية مجال البحث العلمي الجامعي المرتبط بالمسرح ورحابة أفقه، مشيرا إلى أنه يمكن اعتباره «بنية للتفكير بصيغة الجمع في أوضاع الممارسة المسرحية، تتجاوز الشرح والتحليل والتوثيق إلى التوجيه والتفاعل الإيجابي».
وأضاف منذ «أبحاث في المسرح المغربي» لأستاذ الأجيال الدكتور حسن المنيعي اتجه النقد الجامعي الجاد صوب نقد أوضاع الممارسة المسرحية في المغرب، في ارتباطها بـإشكالية التأصيل، انطلاقا من مسرحة السلوكات الفرجوية المتجذرة في الوجدان الشعبي للمغاربة، من دون إغفال حضور مسرح الآخر الغربي في متخيلنا المسرحي».
وتساءل أمين «إلى أي حد ما تزال الممارسة المسرحية المغربية تتفاعل مع درس حسن المنيعي ومحمد الكغاط وبقية الباحثين الجامعيين؟ فمن المؤكد أن مجال البحث العلمي له ارتباط عضوي بالجامعة ومراكز البحث ومجموعات البحث، والمختبرات لذلك بات من الضروري تمييز النقد المسرحي الصحافي».
وسجل الباحث حالة التوتر الناتجة عن عدم التواصل بين المؤسسة النقدية برحاب الجامعة المغربية، والممارسة المسرحية بشقيها الهاوي والاحترافي، مشيرا إلى وجود اعتقاد خاطئ «يرى بأن النقد الأكاديمي الجامعي لا يعير أي اهتمام للممارسة المسرحية بالمغرب، لإغراق هذا النقد في الأخذ من النظرية والممارسة المسرحيتين الغربيتين، بينما تزخر الخزانة المسرحية برحاب الجامعة المغربية بالعديد من الأطروحات والأبحاث التي اعتمدت تشريح نصوص وتجارب مسرحية مغربية انطلاقا من رؤى مختلفة».
وأضاف «في ظل غياب مرصد وطني أو مركز وطني للأبحاث المسرحية، ستظل الجامعة المغربية (وعلى رأسها كلية الآداب ظهر المهراز بفاس)، الفضاء الأمثل لتوثيق ذاكرة المسرح المغربي. وسيكون على الجميع أن يدرك أن مستقبل المسرح المغربي رهين بالتفاعل الإيجابي بين البحث العلمي والتكوين التطبيقي المختص والممارسة الميدانية».
أما الباحث جلال أعراب، فأشار إلى أهمية الجامعة في تطور المسرح من خلال الإنتاج والبحث والمتابعة والتقييم وتطوير الممارسة و»الدليل على ذلك استحالة متابعة ما أنجز في المسرح بالجامعة منذ المنيعي، فهناك أطروحات تحولت إلى مراجع في الداخل والخارج وصدرت عن دور نشر مغربية».
وأضاف «حال مكونان دون تطوير آليات البحث المسرحي، هما التعامل مع المسرح باعتباره نصا أدبيا، ومن ثم تطبيق مناهج أدبية لمقاربة النص المسرحي كما تطبق على النص السردي أو الشعري، لكن الجامعة وعت خصوصية المسرح باعتباره ليس أدبا، بل جنسا يؤسس علاقات معقدة مع مجالات تعبيرية أخرى، من إضاءة ورقص وموسيقى. فن خاص يلتقي مع فنون أخرى لأنه عرض وليس أدبا».
وأشار إلى أن الجامعة ساهمت في تطور المسرح المغربي، من خلال إحداث إجازة علمية متخصصة بهذا الفن، حيث كان المسرح والتنشيط الثقافي من قبل حكرا على المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، «وقد أدت أيضا الإجازات المهنية إلى تطوير آليات البحث العلمي في هذا المجال، بينما كان الجانب النظري يهيمن على التطبيقي داخل الجامعة».
واشار لحسن قناني إلى أن اهتمام الجامعة بالمسرح يكتسي بعض الخصوصية، «وهو يتشكل من بعدين: ممارسة وتنظير تشكلان مادة للتدريس، ويحفل المسرح باستخلاص قيم فنية أو جمالية وطنيا أو عالميا، وقد تبع المنجز المسرحي المغربي المنجز العالمي درسا وترجمات، وتجلى ذلك من خلال سيادة المد الماركسي في الميادين الجمالية والفنية: وتمثل في الأثر البريشتي في المسرح المغربي، ثم اهتمت الجامعة بمواضيع منها، علاقة المسرح بالضحك وبالجسد».
وأضاف الناقد الحسين الشعبي «إن إشكالية التعلم الفني بالمغرب، تعود إلى غياب كلية للفنون بالمغرب. فهو يخرِّج فنانين بشهادات حقيقية، وقد أصاب الوهن «المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي»، ولعل حضور المسرح بالجامعة لا علاقة له بالجامعة، ولا بالدولة بل هو عمل مثقفين مناضلين».
“لا يمتلك المسرح أية ذاكرة”. هكذا استفزتنا الكاتبة الإنجليزية سارة كاين ذات مرة، مبرزة أن هذا النفي يجعل المسرح أكثر الفنون وجودية: “بدون شك، ذلك ما يدفعني
لارتياد هذا المكان الساحر آملة (والضمير يعود لكاين دائما) أن أحدهم في مكان ما من غرفة مظلمة سيريني صورة تحترق في ذهني مخلفة أثرا أكثر دواما من اللحظة ذاتها.” أكيد أن الفرجة المسرحية آنية، وزائلة، وزئبقية، وغير قابلة للحفظ أو التوثيق كما هي؛ وحينما تحفظ، نكون إزاء شذرات فقط من توهجها؛ إذ تكمن حياة الفرجة المسرحية فقط في الحاضر. لا يمكن حفظها أو توثيقها أو تسجيلها، أو بالأحرى المساهمة في انتشارها من حيث هي تمثيل للتمثيل: وحينما تحفظ (من خلال وسيط ما أو أحد الحوامل المتاحة الآن أو مستقبلا) فإنها تتحول إلى شيء آخر ليس بفرجة (وهذا تحديدا ما يميزها عن الفيلم)… إن الشرط الوجودي للفرجة المسرحية يكمن في كونها تكون هي فقط جراء اختفائها في ذاكرة متلقيها. كونها آنية، فذلك لأنها تنبعث جراء لقاء المؤدين والجمهور في المكان والزمان نفسيهما؛ وزائلة لأنها تختفي فور حدوثهامن حيث هي حدث استثنائي بيني. ومع ذلك، فالفرجة المسرحية تتوق نحو التوثيق والأرشفة متحدية فعل الاختفاء والنسيان.
لقد طرحت إشكالية التوثيق والأرشفة في المسرح العربي أكثر من مرة على طاولة النقاش. ومع ذلك، يختلف السؤال الذي نود طرحه في سياق نقاشنا الحالي عما سبق من خلال إثارة الانتباه إلى التعقيدات التي تحيط بمنطقين مختلفين: الفرجة والأرشيف، الاختفاء والتوثيق. إن منطق الأرشيف الذي بلوره دريدا في ‘حمى الأرشيف’ يحيل إلى جدلية البداية والتوجيه؛ كما يحيل إلى عملية التخزين والترميم عكس مهمة المتاحف المتمثلة في ‘الأرشفة’، و’التصنيف’، و’الفهرسة’. تتحدى الفرجة حمى التصنيف…. ورغم ذلك، فإن الفرجات المعادة reenactments، من حيث هي أشكال تعيد تمثيل حدث ماضوي أو عمل فني سابق، فإنها محكومة بمنطق التوثيق… بل أكثر من ذلك، فهي تحد متراء لمنطق الاختفاء والزوال.
يحيلنا مفهوم الذاكرة، من جهة، إلى آليات تمثل الماضي واستحضاره، ومسارات تشكل هذا التمثل من الناحية الثقافية والاجتماعية… فالذاكرة هي أيضا مجمع الصور الذهنية التي ترتبط معها أحاسيس ومشاعر سارة أو غير سارة تم تدوينها عن طريق التجارب والانطباعات التي اكتسبها الإنسان في حياته عن طريق الحواس والعالم الخارجي… من جهة أخرى، تقترن الذاكرة بالنسيان… كيف ذلك؟ لماذا يتم تخليد ذكرى ما على حساب أخرى؟ هنا تحديدا تبدو الذاكرة “تنظيما للنسيان”، كما لاحظ ذلك بول ريكور في معرض حديثه عن نظام فيتشي بفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية… وإذا كان هدف ‘أمكنة الذاكرة’، حسب المؤرخ الفرنسي بيير نورا، “إيقاف الزمن، وصد فعل النسيان فإنها تشترك في “الرغبة في التذكر”. وما الذاكرة إلا القدرة على استعادة الماضي، ولولاها ما عرفنا أننا نسينا جزءا هاما من ماضينا…
كما أن الحاجة الثقافية والفنية لتوثيق زمن الربيع –ومعه سنوات الرصاص في مغرب الأمس- قد تفسر الرغبة في إعادة صياغة ذاكرة الماضي/ المستقبل وترميمها في أعمال فنية مفعمة بعبق الذاكرة.
يسعى المؤتمر، إذن، لاستكشاف خطابات جديدة تتناول بالدرس والتحليل قضايا مثل الفرجة المسرحية ضمن ثقافة الأرشيف، وذاكرة الفرجة في حدود علاقتها بالجسد الفرجوي… ويفترض في الدراسات المقترحة أن تتسم بنوع من التميز والصرامة العلمية، حيث تكون مهمتها الأساسية هي البحث واستكشاف مجال “المسرح والذاكرة: مسرحة الأرشيف” من خلال تأمل عام في الهويات العربية المتغيرة. فمؤتمر هذه السنة عبارة عن دعوة للمزيد من الاهتمام النقدي بأسئلة “المسرح والذاكرة” التي أصبحت بارزة جدا في السياقات العربية، خصوصا في الآونة الأخيرة مع موجة من الأعمال المسرحية التي تروم مسرحة أرشيف سنوات الرصاص… فانطلاقا من مناقشاتنا المستفيضة السابقة حول مواضيع شتى تتعلق بدراسات الفرجة، نقترح إجراء حوار ذي حدين يقوده الفنان، ويؤطره الباحث.
في ضوءهذهالنقاشاتوالتأملات النظرية،سيجتمع باحثونوخبراءمنمختلفأنحاءالعالمللانضمامإلىطاولةالنقاش،وعرضأفكارهموتأملاتهمحولمجموعةمنالإشكالياتالمختلفةالتيتتعلقبالمحاورالمقترحةالتالية:
ـ حمى الأرشيف في المسرح العربي بين منطقي المحافظة والتدخل
ـ أمكنة الذاكرة والرغبة في التذكر: الفرجة وخطابات الذاكرة
المحور الفني الميداني: يتضمن أنشطة فنية موازية ولكنها مرتبطة بموضوع الدورة. يتقدم هذا المحور في فرجات ومعارض تحتضنها فضاءات مختلفة، منها ما هو مغلق كمتحف القصبة ورحاب كلية الآداب بتطوان، ومسرح محمد الحداد بطنجة، ومنها ما هو مفتوح كساحة المشوار بالقصبة، وحدائق المندوبية، ومواقع أخرى بالمدينة القديمة بطنجة. جميعها تشكل مجالا مختبريا خصبا لمعاينة تجارب وطنية ودولية للحساسيات الجديدة المرتبطة بأسئلة الذاكرة والأرشيف. وبالإضافة إلى ذلك تتميز الدورة بحفل توقيع آخر الإصدارات المسرحية(وطنية وعربية، ودولية). كما سيتم تكريم إحدى أبرز رموز المشهد المسرحي المغربي الفنان محمد مفتاح.
أقوىلحظاتالدورةالحادية عشر:
ـ تكريمالفنان المغربي محمد مفتاح.
ـ تقديم آخر الإصدارات المسرحية من منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة.
ـ ماسر كلاس لفائدة الباحثين الشباب من تأطير خبراء دوليين.
ـ أوراش لفائدة المسرحيين من تأطير خبراء دوليين
ـ محاضرات رئيسية من وإيريكا فيشر ليشته وآخرون، زائد جلسات نقدية وموائد مستديرة بمشاركة ثلة من الباحثين المرموقين…
ـ فرجات مسرحية وتركيبات فنية مرتبطة بموضوع الندوة…
إيريكا فيشر ليشته
هي أستاذة الدراسات المسرحية ومديرة معهد المسرح بالجامعة الحرة ببرلين؛ كما شغلت العديد من المناصب في ألمانيا، حيث رأست الجمعية الألمانية للمسرح فيما بين 1991 و1996، وكذلك الفيدرالية الدولية للبحث المسرحيIFTR في الفترة من 1995 إلى 1999، وهي رئيسة مشروع (ثقافات العرض) منذ 2002 وحتى الآن، وترأس أيضًا مشروعًا بحثيًا جديدًا في مجال دراسات المسرح في الجامعة الحرة ببرلين تحت عنوان “تناسج ثقافات الفرجة” (interweaving Performance Cultures)، وهو مشروع بحثي دولي رائد يتحلق حوله ثلة من كبار المفكرين أمثال: هومي بابا، روستم باروتشا، مارفن كارلسن، كريتوفر بالم، براين سنجلتن، جاكلين لو، بيودان جييفو، ميتسويا موري، هلين غيلبورت، ربيع مروة… لإيريكا فيشر ليشته العديد من المؤلفات النقدية والتنظيرية الهامة في مجال النقد المسرحي وسيميولوجيا العرض المسرحي، وتبلور مشروعها النقدي الخاص في مجموعة كبيرة من المصنفات وخاصة كتابها الأخير “جماليات الأداء: الطاقة التحويلية للفرجة” الذي نشر باللغة الألمانية عام 2004، وترجم عام 2008 إلى الإنجليزية (في انتظار صدور الترجمة العربية التي أنجزتها الباحثة المصرية مروة مهدي). ولمشروعها البحثي أهمية خاصة في مجال الدراسات المسرحية في أوربا وأمريكا.
هام جدا بخصوص كيفية المشاركة:
المرجومنالباحثينالراغبينفيالمشاركةأنيبعثوا بملخص للبحث (250 كلمة فقط) الذييعتزمونتقديمهمرفوقابموجزعن سيرتهمالذاتية (250 كلمة فقط) عبرالبريدالإلكترونيباسممنسقالمؤتمر،الأستاذخالدأمين:
وذلك قبل31 يناير 2015. كما نلتمس من الزميلات والزملاء الذين ستحظى ملخصاتهم بالقبول من لدن اللجنة العلمية أن يبعثوا الورقة الكاملة قبل متم شهر مارس 2015، كي نمكن فريق الترجمة من استيعابها وضبط مصطلحاتها وترجمتها بأمانة علمية.
سيتم الرد على كل المراسلات خلال الأسبوعين الأولين من فبراير بالرفض أو القبول المشروط.
وفي حالة عدم إرسال الورقة النهائية قبل متم شهر مارس تعتبر المشاركة لاغية.
ونظرا لمحدودية مواردنا المالية، لا تتحمل إدارة المؤتمر مصاريف السفر إلى طنجة؛ ولكنها توفر الإقامة والتغذية والترجمة الفورية خلال الجلسات العلمية للضيوف المشاركين في الملتقى أيام 1-2-3-4 مايو 2015 بفندق شالة بطنجة. للمزيد من المعلومات زوروا الموقع الإلكتروني للمركز الدولي لدراسات الفرجة
د. خالد أمين، رئيس المركز الدولي لدراسات الفرجة، شارع بئر أنزران، الرقم 11، إقامة الأندلس، طنجة 90010، المغرب. الهاتف/ الفاكس: 539330466 (212) المحمول: 91 67 59 64 06 (212) للمزيد من المعلومات زوروا الموقع الإلكتروني للمركز: wwwfurja.ma
تعتبر ثنائية الحياة والموت من أقدم الثنائيات في الوجود،فهي جوهر كينونة الإنسان في ماضيه وحاضره، وتمثل نقيضين متعالقين،الحياة بواقعها النسبي وكيفياتها المتباينة
والموت بحتميته وغيبيته وحقيقته المطلقة ومنذ التراجيديا الاغريقية واثر هذه الثنائية فيها وما افرزته من خوف وشفقة (ارسطوية) على مصير البطل التراجيدي وما تناولته الثقافة البشرية عبر تاريخها الطويل الجدلية الحياة والموت بمختلف انماطها وتصوراتها وتجلياتها الفنية في ضوء القصائد والملاحم الشعرية، والتنويعات الدرامية والإخراجية لهذه الموضوعة خصوصا بعد عام 2003 في بلادنا، حيث ازدادت حدة الصراع وأصبحت أكثر عنفا على الصعيدين الاجتماعي والسياسي مما اعطى وفرة لتجسيد وتبني هذه الثنائية وعكسها في الاشكال والمضامين الدرامية اخراجيا بشكل شكلَّ ظاهرة حرية بالدراسة والبحث، حيث سادت الاشكال الميتافيزيقية واصبح اللامرئي مجسدا عبر الميزانسينات الحركية والمقترحات السينوغرافية التي تتفاعل مع الموضوعة الدرامية التي احتفت بالماورائي والطيفي والشبحي والروحي على حساب المادي والمتمظهر، وشكلت ثنائية الحياة والموت مرتكزا فلسفيا ودراميا للمخرج العراقي بتحركها في دائرة الوجود والحضور كفعل اساس في خطاب العرض العراقي المعاصر المتباين في البث ونسبية التكيف..
وشهدت الحركة المسرحية (اخراجيا) حراكا كبيرا في طبيعة الانساق المتحكمة في انتاجها وتقديمها كمنجزات فنية حاضرة في دائرة التلقي والاستهلاك الجمالي اذ لم تعد ثنائية الحياة والموت شكلا تقليديا منمطا على الصعيد الاخراجي ولا يمكن توليده، وانما عكست مدى التحول في قيمة الحياة والموت لدى المنتج الفني المحلي بثنائية الحضور والغياب، الوجود والعدم، في تناسل درامي اخراجي (شكلي ومضموني) مستمر،عكس مستوى (الهيول) الاجتماعي والنفسي، الذي تصطدم به الذاكرة الفنية المحلية من مشاهد مؤسية يوميا، انتجت واقعا اخراجيا ميتافيزيقيا (غرائبيا) في خطاب العرض، لا يحفل بالمألوف والمنطقي والتقليدي، انما يهيم في تحويل (الشخصية) الدرامية و(الفضاء) الى روحين هائمين يبحثان عن خلاصهما من الواقع الارضي واليومي الاغترابي، تائقتين في نفس اللحظة الى العودة اليه لحل احجياته وطلاسمه واسئلته الملحة، فمفهوم (الموت) لم يعد هو النهاية التراجيدية المأساوية لحياة الشخصية في الفهم الاخراجي المعاصر لها، وانما هو عتبة وتوطئة للدخول في آتون عوالم اخرى تنفتح على خطاب سري ومضمر،يتفجر وينزاح عندما تنعتق الروح (الدرامية) من غلافها (الجسد) … ويصبح ما هو مسكوت عنه ومقصي في الحياة متحولا وحاضرا بشكل تداع حر وصيرورة جدلية واعية تحاكم وتقضي وتصدر الاحكام فيما بعد الموت، ولرصد حركة هذه الظاهرة (الثنائية) وكيفياتها على مستوى الشكل الاخراجي(نص العرض) في تجارب بلادنا المسرحية تبرز الاسئلة الحاكمة الاتية :
1 ـ ما هي الدلالات الشكلية التي انطوت عليها ثنائية الحياة والموت بتمظهرها في العمل الفني؟
2 ـ هل يشكل مفهوم الحضور والغياب دائرة تفعيل لاشتغالات المخرج المسرحي بصدد مفهومي الحياة والموت؟
3 ـ ما الكيفيات التي اثرى بها المتغير الايديولوجي (الفكري) النص البصري على اساس صياغته بحيث ينحرف فيه الشكل عن دلالاته المباشرة بصدد ثنائية الحياة والموت؟
المبحث الاول: دلالات ثنائية الحياة والموت في الحقل المسرحي
أ- دلالات ثنائية الحياة والموت في المسرح القديم:
يمكن الاشارة الى المسرح الاغريقي بوصفه مسرحا يعتمد على فكرة (الخطيئة) وتبعاتها على الشخصيات الدرامية بوصف (ربات الانتقام) (الارينيات) هن من يحق لهن الفصل في من يعاقب ويعفى عنه، من يذهب الى الجحيم ا والى النعيم وفي جدل الثنائية تطل علينا مسرحية (حاملات القرابين) لـ (اسخيلوس) كاحد العاملات الهامة في تجسيد ثنائية الحياة والموت، حيث يشكل شبح (كليتمنسترا) بعد مقتلها على يد (اورستس) بعدا غيبيا لحياة ما بعد الموت بحضور الاله (ابولو) لتوقظ الهات السخط من نومهن، فيطالبن بفريستهن (كليتمنسترا) التي خانت زوجها (اغاممنون) بينما يحاول (ابولو) حماية من لجا اليه (1) ويمكن اعتبار مسرحية (اياس) لـ(سوفوكليس) واحدة من المسرحيات التي توكد فكرة ان الحياة حلم وما نحن سوى اخيلة وكل الاحياء مجرد اخيلة لا حقائق، بمعنى ان الحقيقة الموضوعية هي في العالم الاخر،في حياة ما بعد الموت، حيث تتكشف الاقنعة وتسفر الوجوه عن مضمراتها ومسكوتاتها،وتسرد المسرحية قصة البطل (اياس) الذي كان يعتقد بان من حقه ان يحظى بامتلاك اسلحة (اخيل)،غير ان هذه الاسلحة اعطيت لـ(اودسيوس) فاصيب كبرياء (اياس) بجرح عميق فخرج في الليل وقتل (اجاممنون) و (منييلاوس) اذ ظنهما السبب فيما لحق به من اهانة فغضبت الالهة (اثينا) لذلك التصرف الذي يدل على الكبرياء الجامحة فخرجت من الاوليمب فاطفأت نور عقله واصابته بالجنون .. لينتحر اياس في النهاية وتذهب روحه الى العالم السفلي (2)، وفي انفتاحه المتاخر على الموضوعات الميتافيزيقية بعيدا عن اهتمامه بالثيمات الاجتماعية قدم (يوربيدس).
مسرحية (الكستس) والتي تدخل في اطار ثنائية الحياة والموت ولكن من جانب اجتماعي , حيث تتناول المسرحية اسطورة قديمة تتحدث عن (ادميتوس) ملك (تساليا) وعدته الاقدار بفضل وساطة (ابولو) بان الموت سيخطئه بعض الوقت اذا هو استطاع فقط ان يجد اشخاصا هم على استعداد للذهاب الى العالم السفلي بدلا منه،وفي نذالة تامة ينتقل (ادميتوس) من قريب الى اخر يلتمس العون على ما وعد به .. فلم يجد مطلبه الا في زوجته (الكستيس) الوفية التي تنذر نفسها من اجله،ويمكن اعتبار ثيمة المسرحية ترتبط بالارتياب في صدق النوايا الطيبة من خلال حدث كبير هو الموت (3) ..
ومن المهم الاشارة هنا الى ان المسرح الاغريقي كان يجعل من الالهة طرفا في الصراع الدرامي مع البشر لتذوب الحواجز والحجب بين العوالم،فنرى الالهة تحاور البشر على الارض اذ تنزل لهم،ومن النادر ان يصعدوا هم اليها،لذا من القليل جدا يمكن تمييز عدد من المسرحيات الاغريقية التي تنتقل شخوصها من عالم الحياة الى عالم الموت وما وراءه (4)والسبب ايضا راجع الى كون المثولوجيا الاغريقية احتفت بالحوار والجدل الارضي الذي يطور ويدعم الحياة ونالت من الالهة وناقشت طروحاتها العلوية والغيبية ..
فالتراجيدي يكمن في فعل الانسان وتاثير الخطيئة على مسارات حياته .. لتقديم قيمة اخلاقية تستند لفعل الخير الذي يجعل من الحياة شيئا هادئا ورخيا … على الرغم من وجود الالهة وحضور الميتافيزيقي والغيبي الا ان المسرحيات الاغريقية هي مسرحيات مادية بالنتيجة .. تحفل بالجانب الاجتماعي والنفسي للانسان وهذا ما جعل (برتولدبرشت) عندما بحث في المسرح الاغريقي لتطوير مسرحه (الملحمي) وجد ضالته في الالهة الاغريقية التي تنزل الى الارض وتحاور الانسان،وهذا ما حققه هو دراميا في مسرحية (الانسان الطيب في ستزوان) من لحظة هبوط الالهة الى الارض وحوارها مع (شن تي) فالاساس في المسرحيات الاغريقية هو الحياة .. والموت هو وسيلة لادامة الحياة .
الهوامش:
(1) ينظر : جورج تومسن،اسخيلوس واثينا،تر: صالح جواد الكاظم،بغداد،(منشوراتوزارة الاعلام،1975)،ص327
(2) ينظر: فيتوباندولفي،تاريخ المسرح،الجزء الاول،تر : الاب الياس زحلاوي،دمشق (مطبع وزارة الثقافة ،1979)
ص118
(3) فيتوبانولفي،تاريخ المسرح ج1،مصدر سابق،ص182
(4) ينظر : الارديس نيكول،المسرحية العالمية ج1،تر: عبد الله عبد الحافظ متولي،بغداد : (منشورات وزارة التعليم
قدم فريق مسرحية « الحصالة» الإماراتية عرضاً متوهجاً لمسرحيتهم المستضافة في إطار الدورة الحادية والعشرين لمهرجان المسرح الاردني، الذي تنظمه وزارة الثقافة في عّمان بمشاركة ثماني فرق مسرحية محلية وست عربية، وذلك بحضور الملحق الثقافي للدولة حمد الكعبي ومحمد الضمور مدير المهرجان الأردني وإسماعيل عبدالله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح ورئيس جمعية المسرحيين، وأحمد بورحيمة مدير أيام الشارقة المسرحية مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام، وعبدالله بوشامس.
العرض، الذي شارك في تأديته مرعي الحليان وسمير الوهيبي من تأليف وسينوغرافيا وإخراج محمد صالح، طرق موضوعاً اجتماعياً بسيطاً ولكن يمكن أن يقرأ في أفق تأويلي واسع، إذ تأسس على فكرة مواجهة بين أب عجوز (قام بالدور مرعي الحليان) قضى عمره متمسكاً بما رأى أنه يمثل الصواب والصدق والشرف والأصالة، وابنة (سميرة الوهيبي) تقدم بها العمر من دون أن تعرف التطلعات والأحلام كسواها من الفتيات وتعيش مكسورة وغير متحققة بلا حب وبلا زواج، وكل ذلك لأن والدها أراد لحياتهما أن تكون على ما هي عليه من دون انفتاح وتفاعل وتجاوب مع العالم من حولهم. ويستعيد العرض في لحظات مختلفة منها صورة للعلاقة المعقدة ذاتها بين الطرفين ولكن من خلال مواجهة بين الأب والأم/ الزوجة؛ ليتعرف المشاهد على بعد آخر للإشكالية التي يقاربها العرض، إذ إن الزوجة أيضا كانت تغالب إصرار زوجها على الاحتفاظ بالبيت الطيني نفسه وفي نظرته إلى الحياة وإلى ما بعد جدران منزله. ولكنها ما تلبث أن تهجره تاركة لديه الابنة التي ستكبر وتضطر إلى أن تختبر دور أمها ذاته في مواجهة الأب، بيد أنها لن تتقدم في الدور إلى النهاية وتغلبها عاطفتها فتفضل البقاء إلى جوار الكهل مضحية بكل ما حلمت به.
وأفلح مخرج العرض الذي شاء أن يبني عمله على فضاء خال إلا من قطعتي ديكور، في توظيف الإضاءة بحيث تقوم بدورها في تفسير بعض الوقائع والإيحاء ببعضها الآخر، كما ضبط حركة الممثلين في لوحات أدائية تعبيرية استكمل تأثيرها انسجام الممثلين (الحليان والوهيبي) وحساسيتهما العالية في شغل الفراغ من حولهما بالحركات الإيمائية والإشارية والوضعيات والنبضات الجسدية الحية المشحونة بالانفعالات المعبرة والتي كانت تعود دائما إلى النقطة المركزية في الخشبة والمحددة بـ»الحصالة» المتدلية من أعلى والتي كانت تتراءى مثل خزين للمال الذي ادخره الأب إما طمعاً وأنانية أو خوفاً من المستقبل غير المضمون، ولكن أيضا كانت الحصالة تبدو مثل ذاكرة لقيم واعراف وتقاليد الماضي التي تتحول إلى ما يشبه المشنقة حين تتدلى حبالها على عنق الابنة الحالمة في المشهد الذي نرى خلاله الأب يلبس ابنته ما تخيله من الثمين.
ويمكن قراءة العرض الذي تتداخلت فيه الحالات السايكولوجية بالمواجهات الواقعية، صيغة فنية لمقاربة جملة من الإشكاليات القيمية أو المبدئية التي تستثيرها ثنائيات مثل «الأصالة والمعاصرة» و»الذكر والأثنى» و»الانفتاح والانكفاء» إلخ.
“بين.. بين” لفرقة نحن نلعب الفنون القادمة من المغرب، من تأليف طارق ربح ومحمود شاهدي، وتمثيل عادل أبا تراب وهاجر الشركي ومالك اخميس واخراج محمود شاهدي.
اسم المسرحية. ليس عبثا هنا، وهو معنى مفتوح على التأويل. هذا الباب الذي بقي مفتوحا على عقل ووجدان المتلقي الذي هو شريك بشكل أو بآخر في العرض منذ البداية، أبطال العرض وبملابس المضيفين يستقبلون الجمهور على المدخل، في إشارة إلى رحلة بالطائرة لمرافقة الشخصيات، ومن خلال الموسيقى يتضح أن الرحلة متجهة إلى الشمال “أوروبا”، لكنها ليست رحلة للاسترخاء إنما مطلوب من المشاهد أن يتخيل بكل ما تعني المفردة من فتح أبواب الحلم الذي ينقلنا فيه العرض من العالم الواقعي، إلى عالم متخيل.
العرض لا يعترف بقداسة النص، ولا يلتزم بشروطه التقليدية، إنما واحدة من مفردات العرض التي تساهم في إنجاز عرض متكامل، فهو يعطي المتلقي الفكرة الأساسية التي تتمحور حول لقاء الشمال والجنوب على ضفاف البحر المتوسط، ولقاء الثقافات واشكالياتها، والهجرة، وتلك المسافة من الاغتراب، فيما بين الشخصيات والمساحة المحدودة التي يتحرك بها مفهوم التسامح وقبول الآخر.
في أداء الممثلين فإن هذا الأداء المدهش الذي شاهدناه كان أحد هواجس فريق العمل ليكون هذا الإبهار والاحترافية العالية، وذلك التناغم ما بين دواخل الشخصية وسلوكها الخارجي وعلاقاتها مع بقية الشخصيات والالتزام بقوانين الأداء العالي، حيث الممثلين يمتلكون أدواتهم باقتدار وموهبة استثنائية، فكان الأداء عنصرا أساسيا حمل العمل، ولذلك لم تكن اللهجة عائقا في الوصول إلى المتلقي لأن الأداء العالي يقدم محمولات العرض.
شكلت الموسيقى جزءا رئيسيا من العرض، حيث الدرامز والغيتار الكهربائي على طرفي المسرح في مستوى مخصص لهما، وهي مزيج ما بين إيقاعات شعبية مغربية والروك في حوارات وسجالات موسيقية بين الآلات تضيف إحساسا للمتلقي، فالموسيقى والغناء الموظفة بشكل ذكي لا يمكن إقصاؤها عن المسرح، وهنا في “بين.. بين” مقطوعات موسيقية محسوبة بشكل دقيق، وتتناوب على مدار العرض بتناغم بين الموسيقى واللعب المسرحي، والاستهلال بأغنية “حمودة”، وعلى الإيقاعات الغربية له دلالات لها أولا علاقة بالاسم، وثانيا أن هذه الأغنية قادمة من عمق المغرب “كناوه”، ويتم أداؤها بالآلات الغربية في ملامسة لمفهوم الآخر وثقافته والاشتباك ايجابيا معه.
الملاحظة الأساسية على الإضاءة أنها كانت قادمة من الأسفل، وهذه الزاوية تحمل دلالة تعظيم الشخصية أو إعطاءها حجما أكبر، أو كيانا قويا متماسكا، وهذا يحيلنا إلى مسألة تمسك كل شخصية بمواقفها وموروثها وصعوبة قبولها للآخر، أو البناء على ما هو مشترك، بالإضافة إلى الإضاءة الثابتة المقصود منها الإظهار على جانبي المسرح.
خرج العمل عن القوالب المألوفة والأشكال المتعارف عليها بإعادة تكوين عناصر العرض المسرحي بتغييب بعضها جزئيا والتركيز على عناصر أخرى. والمخرج شاهدي وبذكاء شديد يمزج بين السينوغرافيا والممثل، ويترك باب التأويل مفتوحا، ومعتمدا على قدرة المتلقي في التقاط الأفكار التي يطرحها العرض والتي تتمحور حول “حمودة” بكل ما تمثله هذه المفردة من عنوان للارتداد للخلف، فكل هؤلاء الذاهبون إلى الشمال هم “حمودة”، وأي شخص خارج وطنه وخارج حدوده هو “حموده” ، ولإيصال الفكرة فإن العرض لم يحدد نهايات الشخصيات، ولم يحدد مسارا لها، إنما هناك مواقف مرتبطة بها تتعلق بثقافتها وتسامحها وارثها الاجتماعي وسيكولوجيتها، وهذه المواقف هي التي تحدد هويتها.
الدعوة للتخيل في بداية العرض اقتربت من القصص المختلفة التي بعضها أخذ مساحة أكبر، خاصة مسألة الحب والدين، فهذا الحب والعشق لم يصمد أمام التمترس في خندق الاختلاف، والخطورة أن تأثر التفاصيل اليومية والإنسانية بهذا الأمر سيؤدي إلى التصادم والرجوع إلى المربع الأول.
المسرحية تبعث برسائل مضمرة إلى كل من الشمال والجنوب بإعادة النظر في النظرة والتعامل والتسامح والقبول .
ويتجرأ العرض على الموروث بإظهاره بعض المفردات الفلكلورية المغربية مثل الجلباب الذي ارتدته هاجر وانعكس الضوء عليه وكأنه كرة معلقة في كباريه، في دلالة على أن هناك تحولا وتغييرا في المجتمع المغربي وان كانت هذه المقاربة قد تجد معارضين لها.
ومن أجل إيصال الفكرة الأساسية بالتناوب والتناغم بين الموسيقى والغناء من جهة والأداء التمثيلي من جهة أخرى عبر لوحات تناولت تلك الأفكار المسبقة التي تعطل التواصل والحب والدين وجواز السفر الأحمر وتلك الرسالة إلى الأم التي ختم بها العرض. قبل زراعة الورود على الخشبة، بكل ما تحمله من دلالات.
من الملحوظات، ان المكان ربما، وحسب مفردات الديكور الدالة، ان الحدث يدور في ناد ليلي، وهو الامر الذي ربما لا يتفق كثيرا مع باب التخيل والتأويل الذي انتهجه المخرج.
تنظم الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة د. سيد خطاب بالتعاون مع "البيت الفنى للمسرح، مكتبة الإسكندرية، مركز الجيزويت الثقافى، كريشين جروب" فعاليات الدورة السادسة من المهرجان الدولى "مسرح بلا إنتاج" الذى يقام على مسارح "بيرم التونسى، مكتبة الإسكندرية، مركز الجيزويت الثقافى" فى الفترة من 23 : 30 نوفمبر الجارى، بمشاركة فرق مسرحية من "مصر، المملكة العربية السعودية، الكويت، فرنسا، لبنان، تونس، الجزائر، المغرب"، وتقام العروض على المسارح كالتالى:
- يوم 23 نوفمبر الجارى عرض "نزهة على الجبهة - مصر" تأليف فرناندواريال، إخراج محمد عبدالمولى، عرض "الحريق من الأشباح – مصر" لهنريك ابسن على مسرح بيرم التونسى.
- يوم 24 نوفمبر عرض "مارا مارا - تونس" تأليف وإخراج سيف الدين الفرشيشى على مسرح مكتبة الإسكندرية، عرض "راديكاليا - الكويت" تأليف وإخراج على البلوشى على مسرح بيرم التونسى، عرض "هو وهى - المغرب" تأليف منير العمارى، إخراج إسماعيل الفلاحى على مسرح بيرم التونسى.
- يوم 25 نوفمبر عروض "هاملت"، "أخرج من رأسى" السعودية تأليف فهد الحوشانى، إخراج صبحى يوسف على مسرح الجيزويت، "أقنعة الملائكة - مصر" تأليف نوتيس برياليس، إخراج رفعت عبدالعليم على مسرح الجيزويت، "الرائعون - لبنان" تأليف أحمد عزت، إخراج سارة الموسوى على مسرح بيرم التونسى.
- يوم 26 نوفمبر عروض "انتظار – السعودية" تأليف إبراهيم الحارثى، إخراج ناصر الربيعى على مسرح بيرم التونسى، "بلا رسم - مصر" تأليف سعدالله ونوس، إخراج إبراهيم حسن على مسرح بيرم التونسى.
- يوم 27 نوفمبر عروض "مايا – الجزائر" تأليف وإخراج بوسهله هوارى هشام على مسرح مكتبة الإسكندرية، "روج نسكافية - مصر" تأليف أحمد يوسف عزت، إخراج هانى نصر الدين على مسرح بيرم التونسى، "حنظلكم واحد - الكويت" تأليف سعد الله ونوس، إخراج عبدالعزيز النصار على مسرح بيرم التونسى.
- يوم 28 نوفمبر عروض "قص أمنيات نجيب سرور - مصر" تأليف أسامة الهوارى، إخراج أحمد بسيونى على مسرح الجيزويت، "فى كل قلب حكاية - مصر" تأليف أحمد الفخرانى، إخراج إيهاب الفخرانى على مسرح الجيزويت، "رسالة إلى - الكويت" تأليف وإخراج نصار النصار.
- يوم 29 نوفمبر عروض "ces jours qui dansent avec la nuit– فرنسا" تأليف caya makhele، وإخراج sirine ackharعلى مسرح مكتبة الإسكندرية، "الضربة القاضية - الكويت" تأليف قلول الفيلكاوى، إخراج هانى النصار على مسرح بيرم التونسى، "طيبة - مصر" تأليف وإخراج محى الدين يحيى على مسرح بيرم التونسى.
ويقام حفل الختام يوم 30 نوفمبر على مسرح بيرم التونسى.