المسرح ودراسات الفرجة: تناسج الثقافات المسرحية وأسئلة ما بعد الدراما
مدونة مجلة الفنون المسرحية

ليعرج بنا الباحث، بعد ذلك، على فضاء فرجوي شعبي - إنه "الحلقة". وذلك حتى نعيد - من خلال قواعد جمالية التلقي التي تقترحها الحلقة - النظر في السلوكات الفرجوية الهاربة من مربع الممارسة المسرحية الصرف. إن الفرجات التي تركها المسرح خلفه تضمن لنا اليوم نظرة نقدية للمسرح كشكل تعبيري انساني، بل وتسعف انحباسه الجمالي بمنابع فرجوية تزهو بأدوار اخرى للمتفرج في تحقيق الفرجة. فبحسب الباحث الذي يستند،هنا، إلى نظرية الالمانية إريكا فيشر ليشت حول - الحلقة المرتدة لتبادل الأثر "يمكن اعتبار فرجة الحلقة نموذجا مثاليا للتوليد الذاتي غير المتناهي من حيث مراوحة تبادل الاثر بين صانع الفرجة ومتلقيها. تتيح كثافة الجمهور في شكل دائري محيط بالمؤدي من كل الجهات، درجة تداول الطاقة فيما بينهم من جهة والحلايقي (صانع فرجة الحلقة) من جهة أخرى." (ص 20)
لم يعد المسرح ذلك الفن الهامشي في عالمنا العربي اليوم، بل أصبح تلك الاستعارة الثقافية الممتدة في الحياة اليومية، متأثرا هو الآخر بالوسائط الأخرى التي أضحت شديدة البروز في حياتنا اليومية"
د.خالد أمين
قليلة هي الكتب النقدية المسرحية في عالمنا العربي التي تحمل أطروحات علمية تولد الرغبة في الكتابة عنها؛ أو تحفز على تشارك بعض من فرضياتها الفكرية مع القارئ. وإذا ما حيّدنا النزر من الكتابات والمتابعات النقدية الراصدة الرصينة، تكدس في إصداراتنا وصحفنا ومواقعنا الالكترونية نقد انطباعي وآخر دعيّ وثالث نفعيّ .
ذلك ان خطابنا النقدي المسرحي يهيمن على كثير من مقترحاته النظرية والتطبيقية إما الانطباعات العامة أو التعقيد والحشو المفاهيمي أو التسطيح المثقل بعبارات المدح أو مفردات القدح وبالتالي الخلو من اي عمق في التحليل.
والعديد من الكتابات النقدية المسرحية إذا ما غيرنا فيها عنوان المسرحية المعنية بالنقد بعنوان مسرحية أخرى أو بدلنا عتبة تعريف التجربة المنقودة بأخرى، لما اختل شيء ولما حدث ارتباك في "المنجز" النقدي، ذلك أن الرؤية عامة والتحليل جاهز والملاحظات منسوخة. ناهيك عن ذلك الشرخ بين أغلب ما يسطّر كنقد مسرحي وبين الجسد المسرحي الحي. هذا الشرخ الذي يصل أحيانا – كما يصف د.خالد امين – إلى حالات مستعصية من الاحتقان والتوتر الذي يولد خطاب أزمة، بينما المطلوب الآن هو المزيد من التآزر والتفاعل الإيجابي على شكل مختبرات مسرحية، ومجموعات بحث متعددة التخصصات تنفتح على رحابة الافق التجريبي للممراسة الابداعية بالعالم العربي راهنا" (1) وكلام د.خالد أمين ليس كلاما معلقا في الفراغ بل سخّر له كباحث وناقد متمرس مرتكزات علمية وعملية. وذلك من خلال انشائه للمركز الدولي لدراسات الفرجة ذو الصيت البحثي النقدي العلمي الرصين، وأيضا من خلال كتاباته ومقترحاته النقدية الجادة المجددة والتي جعلت من صاحبها - كما يشير د.حسن يوسفي في تقديمه لكتاب "المسرح ودراسات الفرجة"(2) – مرجعا في مجال دراسات الفرجة في العالم العربي، وإسما مؤثرا في محفل من محافل البحث المسرحي على الصعيد الدولي، حيث اصبح عضوا في المكتب التنفيذي ل"الفيدرالية الدولية للبحث المسرحي".
يرتكز المتن النقدي في كتاب "المسرح ودراسات الفرجة" للدكتور خالد أمين على ثلاث مقالات/مباحث أساسية : - رهانات دراسات الفرجة بين الشرق والغرب - الدراماتورجية الركحية في المسرح العربي المعاصر أو أسئلة ما بعد الدراما - رهانات الاستنباث من خلال تجربة محمد قاوتي.
يتفرّع عن هذه العناوين/المفاتيح عناوين تفصيلية تغذي المفاهيم العامة التي يدافع عنها الكتاب كمقترح نقدي وكآليات لمقاربة ورصد الظاهرة المسرحية أو بالأحرى الفرجوية في بعدها الشامل. وذلك من خلال تأصيل مفاهيمي وعلمي يوازي بترسانته النقدية ومساراته النظرية؛ الظاهرة الفرجوية البعيدة عن اي دعوة ماهوية "تروم الاغتراب في الماضي أو الرجوع إلى أصل ما للفرجة العربية – كما ادعت العديد من النظريات التي خرجت من تخوم الكراسي المريحة، بقدر ما هي محاولة تجريبية نابعة من تخوم التجربة الميدانية" (ص 31)
فمن خلال اشكالية التسمية لفن الاداء/الفرجة يذهب صاحب الكتاب إلى أنه يغدو توظيفنا لمفردة "فرجة/ Spectacle" مرادفا وليس بديلا عن "الأداء/ Performance Art" المتشعبة المعاني إلى درجة يستعصي معها حصر مجالاتها الدلالية. ليتتبع بُعيد ذلك المسار الإيتيمولوجي لكلمة "فرجة" في المعاجم العربية ليجد أنها تتطور من "الشق بين شيئين" كما هو وارد في الذكر الحكيم "وإذا السماء فرجت"، أي تشققت وتفرجت إلى "انكشاف الغم ومشاهدة ما يتسلى به". وبعد رصد لمختلف تمظهرات الفرجة كسلوك اجتماعي وكوسيلة للتفاعل والتعليق على تجربة ثقافية، وكذا لقواعدها كانعكاس لبنيات ثقافية دالة وشاملة، وتبوأ دراساتها منذ الستينات مكانة مركزية في الدراسات الانثروبولوجية، والفلكلورية، والمسرحية... الخ يخلص بنا د.خالد أمين إلى أن "مفهوم الفرجة له قابلية وقدرة على احتواء قضايا متعددة وشائكة من قبيل السلطة، التاريخ، الأصالة، التناص، الذاكرة، المقدس، الوجدان... وبالتالي يعتبر الفرجة، بناء على هذا الطرح كنبع لانبعاث الثقافة ووسيط يعكس الثقافة "(ص 17- 18) ثم ما يفتئ أن يدرج المبادئ الخمسة لتحقق الفرجة في بعدها المادي:
1.مبدأ المباشرة = الفرجة يجب ان تكون حية.
1.مبدأ المباشرة = الفرجة يجب ان تكون حية.
2.مبدأ الارتجال = وهو اس الفرجة حتى مع وجود النص.
3.مبدأ المشاركة = ليس ثمة فرجة فردية، إنها عمل تشاركي بين مؤدي/مؤدين وجمهور.
4.مبدأ الشرعية = كسلوك اجتماعي تتماشى الفرجة مع سيرورات الشرعية الاجتماعية.
5.مبدأ الاستشراف = سلطة الفرجة تكمن في افقها الاستشرافي، اي قدرتها على إبراز ما لم يتم تخيله بعد.
ليعرج بنا الباحث، بعد ذلك، على فضاء فرجوي شعبي - إنه "الحلقة". وذلك حتى نعيد - من خلال قواعد جمالية التلقي التي تقترحها الحلقة - النظر في السلوكات الفرجوية الهاربة من مربع الممارسة المسرحية الصرف. إن الفرجات التي تركها المسرح خلفه تضمن لنا اليوم نظرة نقدية للمسرح كشكل تعبيري انساني، بل وتسعف انحباسه الجمالي بمنابع فرجوية تزهو بأدوار اخرى للمتفرج في تحقيق الفرجة. فبحسب الباحث الذي يستند،هنا، إلى نظرية الالمانية إريكا فيشر ليشت حول - الحلقة المرتدة لتبادل الأثر "يمكن اعتبار فرجة الحلقة نموذجا مثاليا للتوليد الذاتي غير المتناهي من حيث مراوحة تبادل الاثر بين صانع الفرجة ومتلقيها. تتيح كثافة الجمهور في شكل دائري محيط بالمؤدي من كل الجهات، درجة تداول الطاقة فيما بينهم من جهة والحلايقي (صانع فرجة الحلقة) من جهة أخرى." (ص 20)
أما الحاجة إلى المثاقفة الفرجوية في المسرح الغربي، واستلهام تلك الاشكال الفرجوية الشعبية فقد أملتها حالة العقم التي عرفها هذا المسرح خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وأصالة ما يطرحه د.خالد أمين يكمن في محاولة الاجابة على سؤال معرفي ملح: كيف ينبغي ان نتمثل من وجهة نظرنا نحن، هنا، الآن، تلك الرحلة الشرقية التي خرجت من معطفها أهم إنجازات المسرح الغربي؟هل هي تمرد على المركزية الغربية وبنيات التفكير المثالية/الماهوية المرتبطة بها؟ أم هي اتساع لمساحة المركزية الغربية لتشمل الهوامش المحايثة؟
ليأتي الجواب على شكل نقد لمسرح المثاقفة ذاك. حيث انه ليس من الجدي في نظر رئيس المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن نميز بين ما هو ملك لنا وما هو غريب عنا، إذ انه لا يمكن دائما عزل عناصر الفرجة عن بعضها البعض، في حين تبقى بنية الاختلاف تابثة، ذلك ان الاختلاف يعيد انتاج ذاته باستمرار. كما ان مسرح المثاقفة من وجهة نظر الباحث يكرس هيمنة النموذج المسرحي الغربي من خلال الاحتفاء بانجازاته المبنية على تفاعله مع الآخر فهو يستثمر العناصر الغير غربية في المسرح الغربي وليس العكس.."فالقليل منا يبحث في الاصول الهندية للماهابارطا، بينما الكل يركز على إنجاز بيتر بروك، على سبيل المثال"(ص 28)
الرحلة الشرقية تلك كان ربابنتها من المسرحيين الغربيين امثال آرطو، غروتوفسكي، ماكس راينهارت، بروك، باربا،منوشكين، ولسون، كوردن كريك...ومن خلال لقاء الغرب والشرق الذي قادهم باتجاه مسرح النو الياباني والاقنعة الافريقية والرقص الباليني واوبرا بكين... بحثا عن "حقائق مسرحية كونية !!" تمكن كل منهم من صياغة مفرداته المسرحية و بصماته الجمالية... لكن بالمقابل يحملنا عنوان – الرحلة الغربية/لقاء الشرق والغرب هذه المرة، إلى فرقة الكتاكالي الهندية التي وظفت اساليبها الفرجوية في تقديم مسرحية دكتور فاوست مجسدة لحظة تحول جوهرية في مشروع المثاقفة المسرحية. و في نفس السياق يستحضر متن "المسرح ودراسات الفرجة" التجربة المسرحية المغاربية ونهلها من ذاكرة الفرجة الشعبية الخصبة وذلك من خلال المقترحات الجمالية لجيل الرواد من أمثال أحمد الطيب العلج، الطيب الصديقي، عبد السلام الشرايبي، عبد الرحمن كاكي، عبد القادر علولة، عز الدين المدني... فتمثلهم لفضاءات محملة بالأشكال اللعبية والفرجوية (جامع الفنا، باب بوجلود، ساحة الهديم، القريعة...) وكذا توظيف تقنيات الحلقة من جهة الرغبة في تطويرها، واشتغالهم على اعادة خلق هذه الاشكال داخل بنية المسرح كفن طارئ.. كل ذلك ادى إلى إنتاج "هجنة مسرحية"، بل فرجات تتناسج فيها مجموعة من الثقافات الفرجوية.
وإذا كان د.خالد أمين قد انطلق في بدايات مشروعه النقدي من مفهوم "الهجنة المسرحية" إلا انه يذهب في البحث الذي بين أيدينا إلى أن هذا المفهوم بات يطرح بعض الالتباسات – على حد تعبيره – الامر الذي دفع به الى تجاوزه واعتماد مفهوم آخر وهو "تناسج الثقافات المسرحية" يقول شارحا اختياره لمفهوم التناسج..."كثير من الخيوط الحريرية تلتئم في ضفيرة واحدة، كما تنسج هذه الضفائر بدورها لتشكل قطعة ثوب – بنفس التشابك المعقد، تتناسج الثقافات المسرحية فيما بينها بحيث يصعب عزل عناصر بعينها عن أخرى، ذلك أنها تخضع لمنطق التحول التاريخي، الجمالي، والفضائي أيضا،وبالتالي تكون مشرعة على ابداع فضاءات ثالثة."(ص 35) إن مفهوم تناسج الثقافات المسرحية يستشرف من منظور الباحث أفقا جديدا من التنوع الفرجوي بعيد عن اي استقطاب للمركزية الاوربية أو اي تنميط للثقافات المسرحية الغير غربية، كما ان هذا المفهوم يرتكن إلى جوهر الثقافة المتمثل في التجدد المستمر لبنية الاختلاف.
من خلال المحور الثاني يناقش د.خالد أمين التغييرات العميقة على مستوى بنيات صناعة الفرجة المسرحية في إطار ما صنفه الباحث الألماني هانس ليمان ب"مسرح ما بعد الدراما". ليأتى الباحث - من خلال بانوراما الدراماتورجية المغايرة في المسرح العربي المعاصر – على ذكر بعض تجارب مسرحيين عرب تنفلت مقترحاتهم الجمالية من التصنيف التقليدي للعروض بالنظر إلى اقترافها لما يسمى ب"اللامسرح" أو "ضد مسرح" ويعتبرها حساسية فنية حققت التراكم الكمي النوعي مما يستوجب معه الاهتمام والدراسة. ويرى مثلا في عروض اللبنانيين ربيع مروة ولينا الصانع تجسيدا لرفض الخطابات الحداثوية الزائفة، ونجاحا في تأزيم مفهوم التمثيل ويضرب امثلة عدة من عروضهم الفنية الغير خاضعة للتصنيف (بيوخرافيا – ثلاث ملصقات – وجه أ وجه ب – من يخاف التمثيل؟ ) ويواكبها بالوصف والتحليل.
أما التجربة التونسية في مجال الدراماتورجية الركحية فيتوقف د.خالد أمين عند منجز "كلام الليل" لتوفيق الجبالي، الذي اسس اول مسرح مستقل بتونس سنة 1987 ، راصدا أبرز خصائص هذا المنجز، والمتمثلة في لعبيتها واعتمادها على فرجة مفتوحة ومتفجرة في جميع المستويات واتسامها بالهجنة والمزج بين الاشكال الفنية المختلفة. انها كتابة ركحية ومسار بحث عن لغات مسرحية جديدة ميزت التجربة التونسية الرائدة بحسب الباحث، والتجربة تلك ، ساهمت في تشكيلها العديد من الاسماء والتجارب المسرحية – والتي توقف الكاتب عند بعض منها أيضا - كفرقة "الكاف" للمنصف السويسي ورجاء فرحات وفرقة "المسرح الجديد" وفرقة "فاميليا" لفاضل الجعايبي وجليلة بكار، و"المسرح الوطني" بإدارة محمد إدريس ومسرح "فو" لرجاء بن عمار و"مسرح الارض" لنور الدين الورغي والمسرح "العضوي" لعز الدين قنون... ولم ينس الكاتب تجربة الكاتب الرائد عز الدين المدني واشتغاله بالخصوص على دراماتورجيا "الاستطراد"..
أما فيما يتعلق بالمشهد المسرحي المغربي فما يثير انتباه الباحث في سياق التجارب المسرحية المستشرفة للغات مغايرة عن المعتاد :
- تجربة المسرحي والسينمائي المغربي فوزي بن سعيدي من خلال عرضه "قصة حب في 12 أغنية و3 وجبات وقبلة واحدة" والتي تمكن فيها المخرج من "الغاء الشرط الدرامي للعرض باعتماد دراماتورجيا تشذيرية (...) بهذا المعنى تحول الركح إلى ورشة لاختبار الحدود الضيقة بين الاجناس والانساق الدراماتورجية المعتادة"(ص 52)
- مسرحية "أصوات كولتيس" للمخرجة زهرة مكاش وهي عبارة عن تناص فرجوي يجمع حوارات عدة: مع نصوص كولتيس – بين حضور الممثل الجسدي وحضوره ضمن الوسيط البصري – بين ما وراء الخشبة والخشبة – كل ذلك داخل سينوغرافيا متفجرة تتخطى حدود الجدار الرابع.
- الانعطافة الجذرية للمخرج يوسف الريحاني من خلال مشروع "عدوى بكيت" متحسسا الغاء الحدود بين الاشكال الفنية.. وذلك من خلال مسرحية "الكرسي الهزاز" وهي عبارة عن "رؤية رقمية" حسب المخرج. كذلك عرض "جزء الخارج1" حيث تنتفي الحدود بين ما هو واقعي وبين ما هو افتراضي.
- بالاضافة الى تجارب اخرى يذكرها الباحث للاشادة بانفلاتها عن التقعيد المسرحي الخطي التقليدي كمسرحية "راس الحانوت" و"نعال الريح" لبوسلهام الضعيف، "ترانزيت" لبوسرحان الزيتوني، "فيولون سين" لعبد المجيد الهواس، "هو" و"180 درجة" لجواد سوناني، "كفر ناعوم أوطو صراط" للطيفة أحرار.
ينتصر د.خالد أمين للتجارب المسرحية الشبابية (المتفاعلة مع محيطها وفق حساسية مسرحية وفنية جديدة) أمام تقاعس جزء هام من النقد على تجديد آلياته ومقولاته لمواكبة هذا التوهج الابداعي خلال العقد الأخير. فصناع الفرجة الحقيقيون تجاوزوا بشكل ملحوظ جزء كبيرا من صناع النقد وممارسيه، فمازال النقاد يرتكنون إلى مقولات جاهزة وقضايا عفى عنها الزمن "إن جزءا هاما من نقدنا المسرحي لا يزال يراوح مكانه، إن لم نقل إنه في وضع حيادي ملتبس. فهو في أغلب الاحيان يتوارى وراء الوازع الاخلاقي لرفض أعمال قد تكون صادمة في علاقتها بالمقدس – سواء من خلال قذفها للجسد الطقوسي في بؤرة ضوء كاشفة أو استعمالها للغة بذيئة وصفيقة – لكن دون مساءلة هذه الاستعمالات، والحال أنه من الواجب على كل متتبع للشأن المسرحي – وخاصة معشر النقاد – التفاعل مع الحساسيات الفنية الجديدة التي تؤثث الجسد المسرحي راهنا عوض الاختباء وراء مقولات مثل أزمة النص الدرامي"(ص 63)
إن كتاب "المسرح ودراسات الفرجة" يحملنا من خلال مقولاته الفكرية التي تصبو إلى تفكيك مناطق التوتر وحلحلة المشهد النقدي المسرحي من خلال الجمع بين مقاربة وتوجيه الحراك الابداعي الفرجوي المتفاعل مع أطروحات المعرفة المسرحية، إلى الاقرار بأنه "لم يعد هناك مجال للمزايدات بخصوص التأثيرات الغربية في المسرح العربي، وذلك لان المسرح، ببساطة، فن طارئ في البلاد العربية. كما أن إنجازات التجارب الغربية والشرقية أصبحت جزءا لا يتجزأ من التاريخ المسرحي الإنساني(بشرقه وغربه، شماله وجنوبه)"(ص 57) وبالتالي فمفهوم تناسج الثقافات المسرحية أوالفرجوية عاكس لعملية التأثير والتأثر دون أي مركب نقص ثقافي أو تاريخي. فبفضل هذا "التناسج" فتح رواد المسرح الغربي نوافذ هب منها نسيم الشرق وتجاوزوا انحباسا جماليا، وبفضله أيضا هاهو نسيم يهب من نافذة "مسرح ما بعد الدراما" على مسرحنا حيث أصبح هذا المسرح مكونا من مكونات المسرح المغربي والعربي "فرغم ندرة هذا الطيف المسرحي إلا انه أصبح منعطفا جديدا يراكم تجاربه يوما بعد يوم. علينا إذن الانصات إليه ومراقبته بشكل علمي دقيق مستقبلا"(ص 67) يقول برتولد بريشت: "اذا اعترفنا بأن العالم الحديث لم يعد قادرا علي الانخراط في الأشكال الدرامية الموجودة فما هذا الا لأن هذه الأشكال الدرامية لم تعد تتلاءم مع عالمنا.." ومقولة التجاوز هذه أراد من خلالها بريشت تقويض نظرية الدراما الارسطية، لكن وبنفس المنطق - وبحكم أن عالمنا بات ينظر إلى نظرية بريشت (على اهميتها) كنظرية تقليدية - يمكننا تطبيق مقولة بريشت ايضا،على نظرية مسرحه الملحمي/الجدلي. يقول د.خالد أمين في سياق تحليله لمنهج الناقد الهنغاري بيتر سوندي "لقد اعتبر هذا المنهج المسرح الملحمي البريشتي أهم انفلات جمالي من التقاليد الدرامية التي هيمنت على الساحة المسرحية الغربية إلى حدود منتصف القرن العشرين، والحال أنه من وجهة نظر مسرح ما بعد الدراما، تعتبر ابتكارات بريشت جزءا لا يتجزأ من التقليد الدرامي رغم انفلاتها منه"(ص 69) وبالتالي يعتبر الباحث كتاب "مسرح مابعد الدراما" لهانس ليمان استمرار لمشروع سوندي لكنه مبني على التجاوز، دون نسيان حضور هاينر مولير واعتبار تجاربه المسرحية لحظة فارقة بين المسرح الملحمي وآفاق ما بعد الدراما.
فما هي خصائص مسرح ما بعد الدراما؟
لقد ضمن د.خالد أمين أهم الخصائص تلك مفصلة في كتابه ونجملها فيما يلي :
- عدم تركيز صناعه على النص الدرامي كموجه للحدث المسرحي، إنه فرجة مخطط لها بشكل تشاركي/تفاعلي - كما أنه ممارسة سياسية باعتباره من البؤر الثقافية القليلة المتبقية التي تكشف الهوة بين التجربة الشخصية والادراك – اعتماده اللاتسلسل الهرمي كتقويض لهيمنة السرد الاحادي والتطور الخطي للأحداث – اللعب بكثافة العلامات المسرحية وتنوعها، سواء من خلال الاستعمال المفرط أو العكس – انفجار البعد الحقيقي من خلال هيمنة الحضور على التمثيل، كما أن الاحداث والعناصر المكونة للفضاء يمكن ان تؤثر في المنتج النهائي – الطبيعة الموسعة واقتحام الواقعي كبعد آخر في التمثيل المسرحي – التناص أو كتابة المحو على أنقاض كتابات أخرى سابقة وهي خاصية مهيمنة في الكتابات الجماعية للعديد من الفرق المسرحية العربية – الجسمانية : أصبح الجسد مركز الاهتمام في مسرح ما بعد الدراما، ليس كحامل للمعنى ولكن كحضور فيزيقي وحركي – استعمال الجماليات الوسائطية كالفيديو، الفيلم، المؤثرات الصوتية الالكترونية، ميكروفونات، برامج الحاسوب... – وأخيرا، انتشار الدراماتورجية البصرية والتي تفرض نوعا مختلفا من التشخيص.
ولا يفوت الكاتب في نهاية هذا المحو أن يشير إلى أن "مسرح ما بعد الدراما" ليس نظرية جديدة في المسرح بقدر ما هي مجموعة خصائص ميزت الابداع المسرحي الاوربي والالماني خاصة.. وقد بدأت خصائصه تنتشر في العالم العربي أيضا.
أما المحور / المبحث الثالث الموسوم – محمد قاوتي ورهانات الاستنبات المسرحي – فعبارة عن مقاربة نقدية للمنهج الحداثي الذي خطه قاوتي من خلال تجربته في الاقتباس وبخاصة نحته نظريا وتطبيقا لمفهوم "الاستنبات" من حيث هو خلخلة للمفهوم التقليدي للاقتباس. ويذهب د.خالد أمين إلى أن صيرورة الاقتباس تستلزم هامشا أكبر من تناسج ثقافات الفرجة، وفي هذا المنحى يبرز اسم محمد قاوتي في المشهد المسرحي المغربي باعتباره مقتبس رائد ومبتكر"يقرأ النص في بنيته الاصلية ويخترقه، ويفك رموزه بتأن، ويفحص إيقاعاته الداخلية، ويدرس مرجعياته الفلسفية والسياسية والجمالية، ويطلع على سياقات تحققه فوق الخشبة، ويدرس ما كتب عنه... وبعد ذلك كله تبدأ الرحلة ذاتها للبحث عن أنجع السبل لاستنبات روح النص في ثقافة فرجوية مغايرة" (ص 89) انها عملية انتقال درامي / فرجوي من مرحلة "احتواء النص" إلى مرحلة "إعادة انتاجه".. بعيدا عن اي تقديس للنص الاصلي بل تفكيكه وتحويل الدلالات والمعاني الظاهرة والضامرة إلى منحى مغاير في تربة ثقافية واجتماعية ومسرحية مغايرة.
ليتطرق الباحث بعد ذلك إلى تطبيقات قاوتي لهذا التصور، وذلك من خلال تقديم/تحليل لمسرحية "سيّدنا قْدْرْ" - وهي استنبات لمسرحية "في انتظار كَودو" لصامويل بكيت - وكيف تفوق في محاورة هذا النص قبل استنباته، بدءا من اختيار العنوان. ف"سيدنا قدر" ترميز مكثف لفعل الانتظار في الذاكرة الشعبية المغربية. ناهيك عن ارتباطه بالليلة المقدسة (ليلة القدر) وبالتالي نحن أمام فعل استنبات ينقل النص الأصلي من بنية معتقدية/مسيحية إلى بنية معتقدية/اسلامية. إنه حوار مع المقدس الاسلامي – كما يعبر د.أمين. "سيدنا قدر" بالنسبة لقاوتي يرمز إلى مدلول غائب/متعال... لكنه يشكل مركز الثقل في المسرحية برمتها بالرغم من غيابه. ويوقظ هذا الغياب الرغبة في انتاج المعنى عند المتفرج.
لقد استطاع د.خالد أمين مقاربة الرؤية القاوتية التفكيكية ورصد استعمال اللغة اليومية لجهة الشاوية مع ابراز انتصار محمد قاوتي للمسرح الذي يفكر. فبعيدا عن البيانات قريبا من الجواب العملي الاستثنائي على اسئلة المسرح المغربي المقلقة، تبلورت تجربة محمد قاوتي كمبدع وكمناضل بهذه الاسئلة محاولا المساهمة في بلورة "حركة مسرحية مغربية/عربية جادة ومواطنة تتفاعل مع الوجدان الفرجوي التراثي دون السقوط في الابتذال والتشيء (...) ودونما سقوط في التقديس والماهوية المطلقة : مسرح يبني جسور التواصل بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمة" (ص 84)
ويبقى أن نسجل بأن كتاب "المسرح ودراسات الفرجة" كمشروع فكري إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال الابحاث المسرحية والدراسات الفرجوية التي تؤسس لمنعطف نقدي غير تقليدي يتجاوز من جهة المقاربة حدود التفسير والتحليل ليفتح للخطابات المسرحية النقدية من خلال مفاهيمه نقدية متجددة آفاق للاشتباك المتفاعل مع تجارب مسرحية ومقترحات جمالية تنفلت من المألوف لتسلك معبر التطبيع مع وجداننا الفرجوي من جهة وتؤسس لمسرح ما بعد الدراما وحساسيات مسرحية وفنية جديدة من جهة أخرى.
----------------------------------------------------------
1.-د.خالد أمين، المسرح ودراسات الفرجة (طنجة:منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة 2011) ص 56، 57
2.- نفسه
عبد الجبار خمران
مسرحي مغربي مقيم بباريس







0 التعليقات:
إرسال تعليق