موت التراجيديا وصناعة السخرية في "أحلام كارتون " / سعد عزيز عبد الصاحب
مدونة مجلة الفنون المسرحية


عندما جاء يوم العرض العراقي غصت قاعة المركز الملكي الرئيسية بالجمهور منذ وقت مبكر على غير عادتها يقف في مقدمتهم السفير العراقي في عمان واركان السفارة والجالية العراقية هناك، وفي الجهة المقابلة استنفر كادر الفرقة الوطنية للتمثيل كل مهاراتهم وخبراتهم في تقديم عرض مشرف يليق بتاريخ المسرح العراقي وتقدمه المعروف فكريا وجماليا على مسارح المنطقة، بفواعل الممثلين (سنان العزاوي) بشخصية (الراديكالي) و(فاضل عباس) بشخصية (المثقف) و(علاوي حسين) بشخصية (الجندي) و(الاء نجم) بشخصية (المغنية) و(اسعد مشاي) بادائه لشخصية (المضيف) بافتراض مبتكر يسعى لقراءة الوقائع الاجتماعية والسياسية والثقافية في بلادنا من منظور درامي مابعد حداثي جديد،والقياس الجديد لنبض العرض في حاضنة اخرى هي الحاضنة العربية حيث المتلقي مختلف والذائقة متغيرة عما هي في بغداد، والذي نستطيع قوله في بغداد قد نتحفظ عليه هنا في عمان، ولكن لشجاعة وجرأة صناع العرض الذين كانوا على قدر المسؤولية في توصيل خطاب العرض غير منقوص، الخطاب المنتقد للراديكالية (التطرف) الديني الذي انتج نمطا ارهابيا (نصوصيا) في الثقافة الدينية والسياسية العربية الا وهو (داعش) .. حاول العرض ان يقوض هذا البناء الثقافي الهش للراديكالية والاصولية الدينية بمقولاتها الببغائية الجاهزة وفتاواها التي ما انزل الله بها من سلطان من :- (جهاد النكاح) .. الى (تجويز الغنائم) والقتل على الشبهة وفتاوى الجواري وغيرها..
يقول الفيلسوف الروماني (شيشرون) مانصه (ان الدراما نسخة من الحياة ومرآة تعكس الحقيقة ) واذا كانت الحياة بوقائعها اكبرمن الدراما لن نحصل نحن كمنتجي خطاب على تاثير مقبول بالنسبة للتلقي ونوعيته، وسيغادر المشاهدون صالة العرض الى غير رجعة،فما يشاهدونه في الحياة بصدماتها وعللها ومشاكلها اكبر من الدراما التي حظروا لمشاهدتها لذلك لن يعيروها اهتماما على الرغم من الفذلكات والحذلقات الشكلية التي تتخم بها العروض البعيدة عن الوقائع هذه الايام .
انها حسب زعمي اشكالية عضوية في بنية العرض المسرحي العربي، حيث ما يغمر الشارع العربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وحتى ثقافيا اكبر واوسع مما نشاهد، وقد وعى لهذه الفكرة وكان حاضر البديهة في استنطاق خبايا هذه الاشكالية المخرج المسرحي (كاظم النصار) حين انتقى نص (احلام كارتون) وفرض قراءته المغايرة على شكل اخراجه لهذا النص السردي والوصفي حين اعتمد اليات وتقنيات (الكابريه السياسي) بفواعل الارتجال والانشاء المشترك داخل فضاء البروفه في اعادة انتاج الوقائع والحوادث بسردياتها الكبرى والصغرى للحياة، بمحاكاة ساخرة (باروديا) وتهشيم مركزية التراجيديا لنفخ الروح بمفاهيم العرض الما بعد حداثي والتي شظت العقل بهيمنته الارسطية وانفتحت على العبثي والعدمي والساخر... لانه اي (النصار) لن يحصل على مدونة فضائحية صارخة اكبر مما يحصل في وقائعنا اليومية الدامية الا بالتهكم والضحك والسخرية المرة من هذه الوقائع، لذلك انتهج الشكل التراجيكوميدي في الانفتاح على حقبة مؤسية من تاريخ العراق الحديث ... وتفاعل مع نص (كريم شغيدل) بفواعل غرائبية لانتاج اشكال (غروتسكية) من خلال تعرية (الراديكالي) و(المثقف) و(الجندي) و(المغنية) حيث ان كل شخصية من هذه الشخصيات تمثل تحول وحقبة سياسية اندغمت في نص (شغيدل) لتمثل تراجيديا الواقع العراقي بالدخول الى افق الحلم والذي هو شكل ماورائي يفضح الحياة لان الرائي في الحلم هو اكثر سوريالية من الواقع واكثر حرية وتحررا، فالراديكالي هو استلهام واستعارة لشكل (الاسلام السياسي) التي تفرض العقائد ودساتيرها الدينية على شكل الدولة وتقصي الاخر بوعيه المدني الحر، والمثقف (الناستالوجي) غير العضوي الهارب من اتون الاندغام مع مشكلات بلاده والمتحرك في تيه مقولاته الجاهزة والاستعلائية و (الجندي) الذي تشوه فعله بسبب لا منطقية الحرب وعبثيتها ليغدو شكلا معوقا ومثالا (ايقونة) لحروبنا الخاسرة، اما المطربة المهزومة فهي نتاج الصراع بين النظامين الراديكالي والليبرالي لتنتج شكلا طاردا للحاضر ومنحازا للماضي بوصف الماضي حلما سورياليا تعيده عن طريق انتاج ميلوديات لاغان تراثية ماثلة في لاوعينا الجمعي لازاحة الحاضر بصخبه وضوضائه النافرة ...
اما اسلوب الاداء التمثيلي في عرض احلام كارتون فقد انتهج نظاما (بيراندللويا ) ـ من بيراندللو ـ متقنعا، فالاقنعة تتناسل وتقف وراءها شخصيات اخرى مواربة وملتبسة، كل هذا الشكل الخارجي هو تورية واستعارة لشكل اخر سياسي بامتياز قد يفضي الى الحقيقة وقد لا يفضي اليها ... انها عملية تناوب وتبادل ادوار بين (الايهامي) و (التقديمي) في الاداء التمثيلي فتارة تصبح الشخصية ساردة خارجية لحياتها بعللها وارهاصاتها، وتارة اخرى تصبح متماهية مع فعلها متبنية اياه .... في النهاية انها احلام تقبع في طائرة / وطن مؤجل سفرها وانتقالها الى يوتوبيا صافية خالية من منغصات العنف والموت والخراب ... يوتوبيا تحترم الانسان بوصفه كيانا قادرا على صناعة تاريخه بعيدا عن التعصب .







0 التعليقات:
إرسال تعليق