أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 15 فبراير 2015

“جروح” . . حبكة تقليدية تنجو من الظاهرة السردية

مدونة مجلة الفنون المسرحية


شهد مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي مساء أمس الأول عرض مسرحية "جروح" لفرقة أوال البحرينية من تأليف إسماعيل عبدالله، وإخراج عبدالله سويد ويبدو أن المجتمع الخليجي التقليدي ومشكلاته، والحب الرومانسي ومآلاته أمور ما زالت تغري المسرحيين بالبحث فيها ومعالجتها على الخشبة، فبعد مسرحية "المرزام" للفرقة القطرية ها هي مسرحية "جروح" تقتحم تلك المنطقة، فقد انطلقت من مشهد امرأة يهاجمها رجل في أجواء معتمة ويحاول أن يعتدي على شرفها، ثم تنطلق من جانب الخشبة الأيمن صرخة، وتنفتح الإضاءة على كامل الخشبة، لنشاهد امرأة عجوزاً جالسة ترتجف فزعة فنعرف أنها كانت تحلم بذلك المشهد المفزع، وتدخل فتاة يتبعها شاب معوق، ثم تبدأ الفتاة في البكاء عندما تعاين حال تلك العجوز، ثم يدخل شاب آخر يبدأ في الشكوى من طول عمر تلك العجوز، ويتساءل متى ستموت، وتدخل الفتاة مع الفتى في ملاسنة نكتشف منها أن الأشخاص الثلاثة إخوة، وأن تلك العجوز أمهم، ويدخل أبوهم، وينهر الفتاة، لكنها تتصدى له، ونعرف أن الأب عجلان وابنه الثاني قد سئما من طول عمر تلك العجوز المريضة ويريدان التخلص منها، لأنهما سيرثان ثروتها التي يخططان للاستئثار بها دون الفتاة وأخيها الأكبر المصاب بعاهة، وأما الفتاة وأخوها فيتمنيان شفاء أمهما وعودتها إلى حياتها الطبيعية، وبينما هم كذلك إذ يدخل عليهم أخو العجوز ويخبر الأب عجلان بأن العجوز قد كتبت وصية منذ ثلاث سنوات فصلت فيها توزيع ثروتها، وأن هذه الوصية عند رجل اسمه سند القتال، ولا يعرف أحد أين يوجد ذلك الرجل .
يصاب عجلان بحيرة شديدة، وغضب ويطرد الجميع ويدخل على زوجته يريد أن يبطش بها، وتتصدى له ابنته فيضربها ويرميها خارج السقيفة، وتجد المرأة من القوة ما تخبره به أن ذلك الرجل سند القتال رجل شهم وليس كالرجال، وأنها أحبته وسمت ابنها البكر (سند) باسمه، فتزداد ثورته، ويتهمها بالخيانة، ويكاد يقتلها لكنه يتراجع لأنها لو ماتت ونُفِّذت وصيتها سوف يضيع الإرث من بين يديه، وعبر تفاصيل كثيرة ومحاولات متعددة من بوعجلان للحصول على ورقة الوصية، نعرف أن سند القتال الذي تعلقت به المرأة وأودعته وصيتها، كان قد أنقذها وهي شابة من لصوص هاجموها هي وأباها، وانتزعوا من الأب ماله وأوثقوه، وأرادوا الاعتداء على شرفها، فكان أن تدخل ذلك الشاب في الوقت المناسب، وصرع اللصين، وفك وثاقها هي ووالدها ورد عليهم مالهم، وطرد اللصين، وعندما عرض عليه أبوها مكافأة لم يقبلها، ومن يومها ظلت متعلقة به، من دون أن تراه، وقد تزوجت من ذلك الرجل الظالم الذي يريد الآن التخلص منها .
تحت ضغط زوجها تقبل العجوز بإعطائه الوصية، لكن على شرط أن يستدعي لها سند القتال ويقيم حفلاً غنائياً كبيراً يدعى إليه كل أهل القرية، وعلى مشهد الرقص يدخل سند إلى بيت العجوز ويبدأ في رقصة العرض بالتناغم مع الموسيقا، وتتحامل العجوز فتخرج إليه وهي تتمايل طربا، وعندما تقترب منه وتشبع عينيها منه تسقط جثة هامدة، وتنتهي المسرحية على ذلك الإيقاع الشعبي الجميل .
نجت مسرحية جروح من ظاهرة السردية التي رأيناها طاغية في أغلب عروض هذا المهرجان، فقد كان الممثلون يعيشون اللحظة، يدخلون في صراع فيما بينهم، وحين احتاج المخرج إلى السرد ليقدم حكاية سند القتال، لجأ إلى الاسترجاع لتظل الشخصيات تلعب أدواراً حقيقية، والميزة الثانية دخولها إلى أجواء المجتمع التقليدي، وفتحها لعدة أسئلة منها ظلم المرأة وهضم حقها، والجور على الأبناء، والظلم الاجتماعي الطبقي، والحب في مجتمع تقليدي، كل تلك الأسئلة حاولت المسرحية تناولها في قالب بصري عكس أجواء الحي التقليدي، ولم تغب عنه اللمسة الفكاهية التي بعثها فيه الممثل الكوميدي القدير أحمد مجلي، مما أثار إعجاب الجمهور وجعله يصفق له مرات عديدة .
لكنّ العرض يمكن أن تقدم عليه عدة ملاحظات منها عشوائية الإضاءة، وعدم معرفة القيمة الرمزية والدلالية لها، فلم يستطع المخرج أن يوظفها التوظيف الصحيح، كذلك هناك تناقض شكلي ودرامي في بناء بعض الشخصيات، فسند الابن المعاق يبدأ عاجزاً عن الحركة، غير قادر على الكلام، ثم ينتهي نشيطاً قوياً منطلق اللسان، والمفروض أن عاهته البدنية النفسية التي اكتسبها بسبب حروق حدثت له في الطفولة هي عاهة لا تتغير، وكذلك العجوز تبدأ المسرحية وهي على فراش الموت، ويتحدثون عنها وكأنها لا تسمع ولا تعقل، ثم نجدها في مشاهد أخرى تخرج من سقيفتها وتتحدى زوجها وتصارعه بيديها، من ناحية البناء الدرامي فإن معالجة العرض لقضيتين منفصلتين، لا رابط بينهما قد أوقفه في لحظة معينة عن البحث بعمق في واحدة منهما، القضية الأولى هي تجبر الرجل على المرأة واستبداده بمالها وتملكه واحتقاره لها، كما فعل عجلان مع زوجته، وقد ضاعت تلك القضية في بحث مستميت عن ورقة لا يهم المتفرج في شيء وجودها من عدمه، والقضية الثانية هي الحب الرومانسي ومآلاته، فقد امتلأ قلب تلك الفتاة من ذلك الشاب الذي أنقذها وظلت أمنيتها حتى آخر لحظة في حياتها أن تملأ عينيها منه، وقد جاء ذلك الحب كومضة عابرة في حياة عجوز  من المفترض أنها أرقها وعاشته في تفاصيل عمرها الطويل يوما بيوم .

الشارقة - محمد ولد محمد سالم
الخليج

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption