مسرحية "بيت الدمية" لأنريك إبسن إخراج زياد أبوعبسي على "مسرح مونو" قلت في سرّي فلنأخذ من هذا العمل ترفيهاً وإجازةً لا رسالة
مدونة مجلة الفنون المسرحية

هل للمقارنة من سبيل بين نورا المرأة الثائرة على الأعراف الاجتماعية البالية المقيّدة تفكيرها وطموحاتها تحت جناح زوج يحبّها، يدلّلها، منعتقة من مسؤولياتها كربّة منزل وأمّ، كما كتبها أنريك إبسن الدراماتورجي النروجي في القرن التاسع عشر، وبين المرأة اللبنانية في عصرنا هذا، التي تشكّل النسبة الكبرى من النساء المناضلات، ذوات الاختصاص في كل شأن في مجتمعنا الوسطي اللبناني الذي تعيش فيه؟
من تشيخوف إلى هنريك إبسن، المسرح اللبناني مزدهر بأعمالهما من "الشقيقات الثلاث" و"شجرة الكرز" لدى تشيخوف و"بيت الدمية" لدى إبسن، وبقدر إنجاح الناحية الدراماتورجية من تمثيل وحوار، كان لهذا المسرح دلالات رؤيوية تنهض بأحلام المرأة وتفجّر الثورة الراقدة في أعماقها. أما اليوم، فماذا تعني للمرأة اللبنانية الفاعلة في هذا الزمن القاسي، القلقة على المصير، إمرأة من زمن مضى ظلّت دمية لعوباً بين يدي زوجها إلى أن دقّ ناقوس الخطر فعادت مرغمة إلى ذاتها المنسية تحت الترف والطيش، لتعيد ترميمها؟
زياد أبو عبسي الذي عرفته ممثلا، تناول تحفة أنريك إبسن وحوّرها لبنانياً في إخراج أفقي، لم يطمح إلى التعمّق في طبائع ست شخصيات مرّت بسرعة في فصول هذه الدراما من دون أن تحرّك تفاعلاتنا حيال موضوع شائك، إن مضى عبر الزمن غير أن ذيولاً منه لا تزال عالقة في شرائح من المجتمع العربي.
قلت في سرّي فلنأخذ من هذا العمل ترفيهاً وإجازة لا رسالة اراد بها زياد أبو عبسي وعياً يحرك الآفات التي تنغل في المجتمع. أما كان على الفعل الإخراجي أولاً، أن يهندس المشاهد بما تتطلّبه الحركة التمثيلية، خالقاً بذلك جسراً تفاعلياً بين الممثل والمشاهد، والمثل على ذلك واضح في ما يخص كريم المحامي (حليم شقير) المقتحم دار نورا، مهدداً إياها بالتشهير في المحكمة إن لم يتراجع زوجها عن طرده من البنك الذي يعمل فيه؟ لكن الشخص المحتدم وفي حوذته دلائل قانونية، بان خجولاً، مطأطئ الرأس، يسمّع درساً حفظه غيباً، ولا التفاتة في اتجاه الجمهور المعني بهذا الحوار.
الجريمة التي اقترفتها نورا بتزويرها توقيع والدها بعد وفاته، لمسألة كبرى مالية، وقدوم هذا الرجل لابتزازها بأبخس الطرق، سببان كانا قديرين أن ينشلا جو المسرحية الرتيب بانفعال يستثير قريحة الجمهور. وحدها نورا (زاي الخولي) كانت منذ البداية وفيّة لدور المرأة الدمية، ثم أمام هذا الرجل المهدد حياتها، تعي وهي تحت وطأة الفضيحة، أنها قبل كل شيء إنسانة عليها أن تعيد النظر في مكانة المرأة في مجتمع يسيطر عليه الذكور.
المسرحية مشاهد مسرعة، لا تكاد تطل حتى تذوي مخلّفةً فراغاً في بدن المسرحية القائمة على ستة ممثلين: نورا الشخصية الرئيسية، المنتقلة من دمية زوجها زياد (باسل ماضي) الطامح إلى أعلى المناصب إلى إمرأة هزّتها العاصفة، كريستين (مرسال جبور) الصديقة الطالبة عملاً في مؤسسة زياد بواسطة نورا زوجته. رينه (محمد جلّول) الصديق المصاب بمرض عضال، وهيلين (جاندارك بوحبيب) المربّية.
فإذا الشق الدرامي كاد يفلت من يد المخرج، غير أنه أضاء ولو بأسلوب خاطف على إبسن، هذا الحرفي الذي سخّر قلمه لقضية المرأة. ونتذكر في المناسبة أن "بيت الدمية" مسرحية دخلت بطلب من الأونيسكو في ذاكرة العالم.
مي منسي
لبنان - النهار







0 التعليقات:
إرسال تعليق