لغة شاعرية وأخطاء في النطق مسرحية “لا تقصص رؤياك” . . وأجواء أسطورية تلامس قضايا الراهن
مدونة مجلة الفنون المسرحية
وضعت مسرحية "لا تقصص رؤياك" الجمهور في أجواء مصبوغة بالشعر ومخللة بالاحتفالات الصوفية الممزوجة بالغرائبية وبالواقعية الحائرة، فهذه المسرحية التي كتبها إسماعيل عبدالله، وأخرجها محمد العامري، لفرقة مسرح الشارقة الوطني وعرضت مساء أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة، كانت ختاماً طيباً يليق بالمهرجان .
تبدأ الحكاية برجل نائم على سرير وعند أقدامه تقبع امرأة منكبة على وليدها، وبين الفينة والأخرى ينتفض جسم الرجل، ويصيح: "إني أرى"، وفي العتمة من حوله أشباح يتحركون بتناغم إيقاعي موزون، وتقودهم امرأة على هيئة عرّافة، تقترب من الرجل وتحرضه قائلة: "اقصص رؤياك . . اقصص رؤياك" وتردد المجموعة خلفها الجملة نفسها، ثم ينتفض الرجل من جديد، وتنتفض المرأة التي بجانبه مذعورة وتنهر تلك العرافة لتردعها عن تحريض زوجها على قص رؤياه، ثم تبدأ بمناداة زوجها "منار . . منار" فيستيقظ منار مذعوراً، ويقول لزوجته لقد رأيت رؤيا وقد تحققت، لكن المرأة تذعر من تلك الرؤيا، ولا تريد أن تسمعها، وتقول له "لا تقصص رؤياك"، فيجيبها أنه لا يستطيع أن يكتم ذلك، لأنه رأى تحقق تلك الرؤيا، وهنا تتدخل العرافة فتبدأ في تحريضه من جديد على قص رؤياه .
يتبع ذلك مشهد لأناس في أجواء احتفال ورقص ومجون، ثم مشهد لمسجد يتم تفجيره من طرف إرهابيين، ثم ينفتح المشهد من جديد على منار وزوجته، وهما يتجادلان حول الرؤيا، ويقف منار ثم يمشي خارجاً، وهي تناديه إلى أين؟ ويجيبها بأنه يذهب إلى حيث ستتحقق رؤياه، ويقترب من مكان فيه مجموعة من المجانين، فيمدون له أيديهم، ويكاد يقفز داخل المكان، لكنه يتراجع خائفاً من إغراء الموقف، ثم يتغير المشهد، فإذا هو أمام جماعة صوفية في لحظات ابتهال غنائي يتمايلون نشوة بالذكر، وعندما يراه شيخهم يندفع في اتجاهه، وينزع عمامته ويضعها على رأسه، ويخلع عليه جبته، ويقول لأصحابه بشرى لكم، لقد جاء شيخكم، ويتقبل منار المنصب ويدخل في أجواء الانتشاء الصوفي، وعندما يعود لزوجته، تصاب بحسرة وتلومه على قبوله المنصب .
تتابع مشاهد العرض ليظهر منار بهيئته الجديدة تارة مع الماجنين الراقصين السكارى، وتارة مع الحشاشين، وثالثة مع زوجته وقد أصابته الحيرة مما آل إليه أمره، وهي تلومه، فيقول لها إنه اضطر إلى ذلك لأنه يريد مالاً يعيشون به، ولا يريد لابنه الرضيع أن يشقى، فترد عليه أن هذا استسلام ومذلة، وفي مشهد آخر يظهر أهل المدينة وهم يتندرون على ما صار إليه منار من وجاهة، بين مدع أنه صاحب كرامات وخوارق، ومكذب يتهمه بالاحتيال والدجل، لتنتهي المسرحية بمشهد أخير تظهر فيه عدة مجموعات من الشعب تتنافس على منار، كل منها تريده أن يكون زعيمها وينتهي بهم تنافسهم إلى أن يركبوه في سيارة ويركبوا معه، ويندفعون بعيداً، وقد جاءت زوجته لتسترجعه منهم، وتمنعه من أن يذهب معهم، فتسقط أرضاً وتتحرك السيارة فوق جسدها فتتركها جثة هامدة .
شاعرية لغة إسماعيل عبدالله كانت ظاهرة في الحوارات وعلى ألسنة أغلب الشخصيات، وبما أن المسرحية هي خلطة رمزية فإن ذلك يبدو مقبولاً، وقد صاحب تلك الشاعرية إبهار سينوغرافي وتنوع بصري يميل إلى الأجواء الاسطورية وهو أسلوب أصبح يميز العامري، خصوصاً التشكيل الكوريغرافي للمجموعة وراء ستارة بيضاء شفافة أو تحت الأضواء الملونة الخافتة، وقد انتقى العامري ممثلين أكفاء وكانوا متألقين على الخشبة: مروان عبدالله وبدور وملاك الخالدي ورائد الدلاتي وإبراهيم سالم وحميد سمبيج والآخرين، وكان اختيار المخرج للعربة القابلة للتنقل حلا موفقاً، لأنه استطاع أن ينقلها إلى الخشبة، ويحورها سفينة أو سيارة أو مساكن حسب الحاجة، وبذلك تخفف من ثقل الديكور الذي كان يهيمن على عروضه السابقة ويعيق حركة ممثليه .
من المشكلات الفنية التي وقع فيها العرض أن المدخل الكورغرافي الذي بدأ به يبدو منفصلاً، ولا علاقة له به، فكأنه مشهد إحماء ليس إلا، كما أن مشهد تفجير المسجد يبدو أيضاً مقحماً، ولا دلالة له في سياق المسرحية، لأن فاعليه لم يظهروا بعد ذلك ولا قبله، كما أن الأخطاء اللغوية من طرف بعض الممثلين كانت كثيرة لحد الإزعاج، وقد أدى طول الجمل وتكرار المترادفات في بعض الأحيان إلى إرباك الممثلين حيث يكون الواحد منهم في هذه الحالة مركزاً على سرد جمله ناسياً أداء الدور .
من الناحية الدرامية، هناك مؤشرات كثيرة على أن العرض يلامس الواقع الراهن للمجتمعات العربية، وما تعيشه من فساد على عدة مستويات، لكن السياق الذي سلكه العرض لمعالجة ذلك الفساد كان سياقاً مضطرباً، وشابه تشويش بسبب محاولة ترميز حكاية منار، وهي حكاية بسيطة، فقد رأى في منامه أنه سيصبح ذا أتباع كثر يعتقدون فيه، ويتسابقون إلى استجداء بركاته، وكل يريد أن يستأثر به، وسوف تنقلب حياته من بؤس وشقاء إلى غنى وراحة، ويعيش حياة مجون كما يريد، وقد تحققت رؤياه تلك، وقد قاومت زوجته انجرافه وراء حلمه حتى النهاية، ولو سلمنا بهذا الطرح البسيط فما زلنا نواجه مشكلة أخرى، فمنار لم يختر طريقه، وإنما كانت رؤيا وتحققت، وهو لم يفسد المجتمع ولم يفرقه إلى جماعات، وإنما وجده هكذا أمامه، فما الذي يعنيه وضع منار "المسكين" في مواجهة مع زوجته البريئة أزاء ذلك العالم الكبير الفاسد من حولهما، لم يكن امتناعه عن اتباع رؤياه سيغير شيئاً، كما أن اتباعه لها لم يزد شيئاً في عالم فاسد أصلاً، لقد كان الأولى أن تكون المواجهة مع المجتمع، ومع القوى التي تصنع الشر فيه، وليس مع ضحية مسكين مثل (منار) الذي جرفه سيل أكبر منه، كان على العرض أن يواجه ذلك السيل بإرادة خير قوية حتى ولو كانت (الزوجة) وعندها سوف يجعل لمقاومتها معنى لموتها في مواجهة ذلك السيل معنى أكبر، وليس موتاً بائساً لا معنى له، كذلك الذي انتهت به المسرحية .
الشارقة - محمد ولد محمد سالم
الخليج







0 التعليقات:
إرسال تعليق