أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الاثنين، 11 يوليو 2022

بدايات د. فاضل خليل وتألقه في بغداد وانطلاقه الى عالم الإبداع الفني محملا بالعطاء الذي اصبح البصمة الخالدة التي نفتخر بها

مجلة الفنون المسرحية


 بدايات د.  فاضل خليل وتألقه في  بغداد  وانطلاقه  الى عالم الإبداع الفني محملا بالعطاء الذي اصبح البصمة الخالدة التي نفتخر بها

د.سعد عزيز عبد الصاحب

لم يأت الراحل فاضل خليل ويقدم اوراق اعتماده للقبول في اكاديمية الفنون الجميلة عام 1966 وهو خال الوفاض وليس في اجندته ما يقدمه للجنة الاختبار صعبة الاقتناع والرضا،انما جاء وفي جعبته مجموعة وافرة من الصور الفوتوغرافية والمشاهد المحفوظة من الاعمال المسرحية التي مثلها في مدينة الناصرية بعد انتقال والده المرحوم خليل رشيد اليها من مدينة العمارة نهاية خمسينيات القرن المنصرم ،ليجد الصبي فاضل مناخا مغايرا في المدينة الجديدة ذات الشوارع الطويلة والمقاهي الضاجة بسجالات السياسة والثقافة والفن التي لا تنتهي وحراك مثقفيها اليساريين الذين كانوا عماد المدينة الثقافي وراس الرمح فيها ، احب فاضل الفن المسرحي وتأثر بخريجي معهد الفنون الجميلة العائدين الى الناصرية كمحسن العزاوي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وعزيز عبد الصاحب ومهدي السماوي وحسين الهلالي واسماعيل فتاح الترك وغيرهم وحكاياتهم عن العاصمة بغداد واجوائها الفنية، وسرعان ما زج فاضل نفسه في المغامرة المسرحية مبكرا ووجد كينونته فيها ، فكانت اطلالته الاولى امام الجمهور الواسع في مسرحية (اوديب)لـ(سوفوكليس)اخراج مهدي السماوي عام 1961 بدور الملك اوديب ومثل واجاد في مسرحية (ثورة على الاقطاع)للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد عام 1963 واخراج عزيز عبد الصاحب مضطلعا بدور الاقطاعي علوان وكذلك في مسرحية (اكازو)للشاعر قيس لفتة مراد واخراج نفس المخرج الاخير مثل فيها دور صديق اكازو، كانت الادوار التي تسند لفاضل خليل في الناصرية متنوعة وذات مساحة جيده افصحت عن قابلياته الفنية مستمدا منها معرفة واسعة بالفن المسرحي واتجاهاته على يد فنانين خبرو المسرح وتلاوينه ، انضجت هذه العروض وعيه الثقافي والفني قبل قبوله في الاكاديمية وانفتاحه على فرقة المسرح الفني الحديث التي كانت له معها قصة طويلة حيث كانت اهم مختبر مسرحي مستقل يدعم ويمول نفسه بنفسه خارج الدولة ذلك الزمن،كانت لبغداد ولياليها الحافلة بالمعرفة والجدل واماسي الراح الاثر البالغ في نفس الشاب الفنان القادم من الجنوب فأنخرط في استيعاب واستلهام المناخ الجديد الوافر المشارب والتيارات الفنية مندمجا معه ، والغريب ان فاضل لم يعش اغترابا فنيا او اجتماعيا مع البيئة الجديدة في بغداد لانه قادم من سلالة مدنية وحواظر ثقافية ضاربة الجذور في مدن الجنوب .. وبعد ان اسند له المخرج (قاسم محمد)في مسرحية النخلة والجيران عام 1969 دور (حسين ابن الخبازه) ذاع صيته والتفتت لموهبته اعين المخرجين وامسى رقما صعبا في الحياة المسرحية لما توافر عليه من استرخاء وتلقائية وصوت رخيم في اداءه التمثيلي وكارزما حباها الباري له ليصبح بعد اعوام قليلة من اداءه في مسرحيات (المفتاح والخرابة والشريعة وتموز يقرع الناقوس ..) (كازنوفا) المسرح العراقي وبطلا مسرحيا شعبيا ترنو اليه اعين الشباب الطليعي عاكسا لهمومهم ولواعجهم وتطلعاتهم من خلال مراة المسرح المكثفة ، تأثر فاضل في بواكيره الاولى بعد مجيئه الى بغداد بثلاث مؤثرات اساسية الاول هو المخرج (ابراهيم جلال) الذي درس على يديه التمثيل والاخراج المسرحي في الاكاديمية وفهم من خلاله فلسفة الانشقاق على السائد المسرحي والتجديد في الشكل والمراهنة على النص المحلي العراقي والانطلاق به نحو العالمية ، والمؤثر الثاني كان المعلم الكبير جعفر السعدي باخلاقيته وتربيويته العالية وصبره في العمل وتجلياته الستانسلافسكية في التجريب مع الممثل من خلال (المعايشة) والمؤثر الاهم في حياته الفنية كان المخرج والمؤلف (قاسم محمد)الذي تأثر به ايما تأثر لمزجه الذكي بين تقنيات المسرح العالمي الحداثية في الاخراج والموضوعة الشعبية البسيطة والعميقة بحيث استطاع ان يوازن بين المعطى الجمالي للشكل والمضمون الدرامي الشعبي وفهمه العضوي للصراع الطبقي ومتغيراته من منظور فني متعال ،وتركيزه على الاتجاه الواقعي في المسرح من منطلقات (ماركسية) ممهورة بالتقنيات (البريشتية) فعمل فاضل معه ممثلا اهم المسرحيات كأضواء على حياة يومية والنخلة والجيران وبغداد الازل بين الجد والهزل وعشاق..ضائعون.. غرباء وغيرها ، ولان الراحل صاحب رؤية تحليلية ووجهة نظر واستشراف للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي اضافة لقدرته على القيادة الفنية للعمل المسرحي توجه نحو الاخراج المسرحي وكان مخرجا انتقائيا بأمتياز بأختياراته المتنوعة للنصوص الدرامية فهو يخرج لسعدالله ونوس في (الملك هو الملك) واوسكار وايلد في (سالومي) وجورج بوشنر في (فويسك) وبابلو نيرودا في(تألق جواكان مورييتا ومصرعه ) واعد رواية (الشياح)لـ(اسماعيل فهد اسماعيل ) للمسرح وانفتح على التراث العربي في حلاق بغداد لـ(الفريد فرج) فما الذي يجمع هذه النصوص سوى نبرة الاحتجاج والرفض الصارخ للظلم من قبل السلطة ..وجاءت رسالته التي حاز عنها الدبلوم العالي بعنوان (المسرح العربي الحديث والتراث ) عام 1979 انموذجا وصدى لتوجهات المسرح العربي التاصيلية تلك الفترة ، ثم غادر الى بلغاريا لدراسة الاخراج المسرحي وهنا حصلت النقلة النوعية فكريا وجماليا في وعي فاضل خليل اذ انفتح على الاتجاهات والتيارات المعاصرة في المسرح العالمي وكانت مشاهداته لعروض المخرجين الروس والبلغار مثل(لوبيموف واخلبكوف وفيليب فيلي بوف) وتلامذتهم تركت الاثر البالغ في مجساته الفنية وذائقته الجمالية وراح يبحث في صيغ اخرى للواقعية لا تستنسخها وانما تبحث فيها وتنقب من داخلها للخروج بالعجائبي والغرائبي والاستحالي المدهش وليس المالوف والمكرور،وهنا جاءت فرادة فاضل الفنية باعادة انتاج مفهوم (الواقعية الخيالية) بأدوات عراقية ومناخ محلي صرف بعروض (اللعبة وفرجة مسرحية وخيط البريسم وفي اعالي الحب ومئة عام من المحبة وعقدة حمار وهيروسترات ) يعالج فاضل نصوصا تقع في اللحظة الاستحالية واللامعقولة من الواقع تعاني فيه الشخصية صراعا داخليا حادا وتمزقا في وعيها ، صراعا لا يؤدي الى فتح طريق جديد او انتاج حل نهائي انما تبقى الاشكالية قائمة تمور وتتحرك في الشخصية وتنسحب لذهن المتلقي فمثلا تبقى المراة المتزوجة في مسرحية (مئة عام من المحبة) في صراع مرير عند عودة زوجها الاسير الذي تحبه من الاسر.. فايهما ستختار؟ واي الطريقين اوضح ؟وجد فاضل هذه الاستحالات في المواقف في مدونات (فلاح شاكر)والفرنسي (بيير رودي)و(غريغوري غورين)و(يوسف العاني) ..يجد الراحل نفسه مع الممثل الباحث لا الممثل المنفذ الممثل المفكر المغادر للكلائش الجاهزة والصيغ الجامدة في الاداء ،واقترب اخراجيا من تكاملية العرض المسرحي هو يرفض الشح الانتاجي لان مشروعه الجمالي يتكأ على مخيلة جامحة وخيارات سينوغرافية باذخة ومدهشة ،لانه يرى بان المشاهد يحضر الى المسرح لا لكي يشاهد يومياته ووقائعه كما هي انما بصياغة فنية متعالية ... ترك الراحل مجموعة كبيرة من مريديه ومحبيه ومقلديه المتاثرين بشخصيته الفنية والاجتماعية فهو اجتماعي يعيش ويرنو باغنياته مع المجموعة مع (اللمه)..حاضر البديهة متوقد الذهن سريع الاستجابة بالدمع والاهات لمعاناة شعبه .. يملاء ذهنه بأحلام استعادة البلاد لمكانتها الفنية والعيش الكريم لاهله .. لم يغادر وطنه الا لسعي في الرزق هنا او لدراسة هناك يردد دائما قول كافافي شاعر الاسكندرية قول يحفر في القلب :
ـ ستؤدي بك السبل دائما الى هذه المدينة
فلا تاملن في فرار
اذ ليس لك من سفينة ولا من طريق
وكما خربت حياتك هنا
في هذه الزاوية الصغيرة
فهي خراب انى ذهبت .
فطوبى لك ابا معمر يوم ولدت ويوم ضمت بغداد التي احببت ثراك .

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption