أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 14 مارس 2024

دلالات المكان في العروض المسرحية التعبيرية

مجلة الفنون المسرحية


دلالات المكان في العروض المسرحية التعبيرية      

 سمير عبد المنعم محمد القاسمي


( دراسة للعروض المقدمة لكلية الفنون الجميلة- جامعة بابل )
 كلية الفنون الجميلة/ قسم الفنون المسرحية
       
الفصل الأول:-مشكلة البحث :

يمثل المكان الظاهرة الطبيعية الأكثر ثقلاً وتنوعاً في التأثير كونه الحاوي للظاهرة وحدودها الجغرافية والبيئة الثقافية ، نجد في المقابل المكان في الظاهرة المحاكية يتمتع بالثراء الدلالي والذي يتم تصميمه طبقاً لتصميم حدوده المأثرة في باقي أبعاد الظاهرة المحاكية (الفعل والفاعل والزمان والمكان) إذ يكون غنياً بالدوال التي تشير إلى مدلولات تدل على علاقة المكان بالفعل والفاعل وزمانهما كونه فضاءاً مادياً وفضاء معنوياً يحوي ظاهرة المحاكاة . فالمدينة (طيبة) هي مكان غني بالمأساة (باحة القصر والأروقة والشرفة حيث يطل (اوديب) كل ما فيه مطبوع بطابع المأساوي (مرض ، خوف ، قلق) كل ما فيه ينبأ بالمأساة كما ينبأ بها لشبح الملك (هاملت) على أسوار قلعة السينور ، وهذا ما يجعل للمكان أهمية إستثنائية بحيث يكون وحدة أرسطية فلا يتنوع أو يتوزع أو ينفتح ليتشظى لأنه عندها لن يؤدي دوره الدرامي كما ترى الكلاسيكية ،وفي الدراما الحديثة وعصر الرومانسية نجد وبعد أن كسرت الرومانسية وحدات أرسطو نجد في التعبيرية المكان وقد جاوز وظائفه الدرامية كفضاء حاوي ، وكذلك نجد المكان في التعبيرية قد تجاوز وظائفه الجغرافية التقليدية التي تدل على محددات التاريخية او الأجتماعية أو الطبقية للمكان بل تعداه إلى وظائف تتماشى مع طبيعة التصور التعبيري للعملية المسرحية وخاصة نحن بصدد دراسة المكان في العروض المسرحية ولا سيما كلية الفنون الجميلة ، ومما تقدم يرى الباحث أن مشكلة بحثه تتلخص في الإسـتفهامات الاَتية :
هل حمل المكان في العروض المسرحية التعبيرية دلالات مضافة متعارف عليها وخاصة في عروض كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل ؟
وماهي دلالات المكان في عروض المسرح التعبيري ؟
وهل تشكل دلالات المكان عاملاً أساساً في المسرح التعبيري؟ 
أهمية البحث والحاجة إليه :
تأتي أهمية البحث كونه يسلط الضوء على تعدد دلالات المكان من وظائف درامية في العروض المسرحية التعبيرية المنفذة على خشبة المسرح لاسيما عروض كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل.
 تأتي الحاجة الماسة إليه كونه يكشف عن الإبعاد الوظيفية والدلالات الدرامية للمكان التعبيري .
 يفيد ذوي الإختصاص في معالجتهم الإخراجية ، وكذلك إذ يشكل حافزاً للباحثين كونه تناول زوايا عدة في هذا الموضوع ، وكذلك يفيد كافة المعنيين بالتجربة المسرحية العراقية بشكل مباشر . 
هدف البحث :
يتلخص هدف البحث الآتي :
التعرف على دلالات المكان في العروض المسرحية التعبيرية ولاسيما عروض كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل .
حدود البحث :
يتحدد البحث الحالي إلى الحدود التالية :
الحدود الزمانية : العروض المسرحية المقدمة للفترة 2005-2007 (وذلك لحصول الباحث في هذه الفترة على التسجيل الصوري).
الحدود المكانية : عروض كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل .
الحدود الموضوعية : دراسة دلالات المكان في المسرح التعبيري .
تحديد المصطلحات : 
1- دلالات 
اولاً : لغةً :
    عرفها (الرازي) بأنها " الدليل" ، أي ما يستدل به ، والدليل الدال أيضا وقد (دﹶله) على الطريق ، أي يدله بالضم (دَِلالةً) بفتح الدال وكسرها " () . وعرفها (الجرجاني)  بأنها : " كون الشيء بحاجة يلزم من العلم به ، العلم بشيئ آخر ، والشيء الأول هو الدال . والثاني هو المدلول " () . 
ويعرفها (ابن منظور) بأنها : " دَلَهُ على الشيء يَدُلهُ دلاً ودلالةً . فأندلَّ : سدده إليه ودللته فانَدلَ ، والجمع أدله وإدلاء والاسم الدّلاله أو الدِلالةَ .() 
ثانيا: اصطلاحاً :
ويعرفه (عياشي) بأنها : دل ، دلالةً ودلولةً ودليلي الشيئ ، أي : ارشده وهداه ، أدل بالطريق : عرفه .()
التعريف الاجرائي لـ دلالات :
  الدلالات : هي معنى تكويني قصدي يهدف إلى تحفيز معاني ذاتية وموضوعية وتحليلها إلى حقائق معينة مرتبطة بذهن المتلقي تسهم في تفعيل العلاقة بين الدال والمدلول.
   2 – المكان
أولاً- لغة: 
" المكان : اَلموضع (وهو ﹶمفعل من الكون ) وجمعها أمكنة وأمكُن ، وجمع- أماكِن ."()
" المكان الموضع ، وجمعه أمكنة ، وهو المحل المحدد الذي يشغله الجسم ونقول مكان ضيق ، أو مكان فسيح " . () 
المكان جمع أمكنة وامَكُن وأماكن : الموضع .()
المكان : الموضع – المنزلة . ()
ثانياً - إصطلاحاً : 
الموضع الذي يفترض أن أحداث المسرحية تقع فيه .()

التعريف الإجرائي للمكان :-
هو الحيز الذي تشغله كل الاشياء الموجودة في داخل العرض ، ويعتبر الموضع الطبيعي والمبني على أساس إحتياج متطلبات الأشياء الموجودة .
3- التعبيرية 
1- التعبير : (هو التدليل على ردود الأفعال الوجدانية المباشرة ، أو هو المتغير في الفن ، أي الفهم الذي يقيمه الانسان عن طريق تجديد لانطباعاته الحسية والحياتية العقلية ، وهما المتغيران في الفن ، ووسائل التعبير قيود الشكل*) ().
التعبيرية : (هي شكلاً درامياً متخذ شكلاً حديثا عنيفا وحالما غالبا وذو مشاهد في شكل تابلوهات قد ظهرت بشكل غير مؤكد في أواَخر القرن التاسع عشر، ولم يكن النبض التعبيري هو ذلك النبض الشخصي المكثف ذو المنظور الحصري للموضوع جديد في هذا القرن ) ().
التعبيرية : حركة مسرحية هيمنت على المسرح الألماني مدة في العقد الثالث من القرن العشرين رد فعل حيال الواقعية المسرحية وسعت إلى تصوير الواقع النفسي وليس المظاهر البدنية والأرجح أن الأصل المباشر للتعبيرية يعود إلى المؤلفات المتأخرة لسترندبيرج ، إذ تحاول (مسرحية الحلم) علناً إلى أن تترجم منطق الحلم وحركته إلى دراما.()
التعبيرية : 1- نزعة فنية وأدبية ترمي إلى تمثيل الأشياء كما تصورها إنفعالات الفنان أو الأديب تجاهها لا كما هي في الحقيقة. ظهرت أولاً في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى وأثرت في الحركة السريالية وقد أثرت فيها فلسفة (بيرجسن) وروايات (دوستويفسكي) ومسرحيات (سترندبيرج) .
2-ترجمة المعاني والمشاعر الإنسانية وعرضت فكرة المؤلف من خلال التمثيل والإلقاء والحركة والإخراج لخلق الجو العام وتوصيله إلى جمهور المشاهدين().
- يتفق الباحث في التعريف الإجرائي مع ( سمير عبد الرحيم الجلبي) .
الفصل الثاني
المبحث الأول- مفهوم المكان تاريخياً :
يتمثل المكان المسرحي الإغريقي من خلال معمارية المسرح والمتكونة من مساحات مفتوحة يجتمع حولها الناس وفي وسطها إرتفاع يرمز إلى مذبح الإله ، إذ تقدم الأضاحي قبل كل عرض مسرحي أمام جمهور المشاهدين فيتوزعون كيفما إتفق على سفوح التلال المحيطة، وبعد إنهيار المقاعد الخشبية تحولت المصاطب التي يجلسون عليها إلى مقاعد حجرية ، وقد يجمع الباحثون على أن الاوركسترا، هو المكان المخصص للرقص ، وأهم جزء في المسرح الإغريقي – هو معمارية الأوكسترا هي دائرية الشكل ، وأن الجوقة كانت تؤدي عليها رقصاتها وأغانيها ،وهكذا بدأ مفهوم المكان عند الإغريق لأن المكان مصاحب للعمل المسرحي أي أنه بغير المكان لا وجود لعمل مسرحي (). 
 إن استخدام الإغريق للفضاءات المفتوحة كان بسبب طبيعة معمارية المسرح عندهم وكانت مبانيهم مفتوحة على سفوح الجبال بطريقة تمكنهم من استخدام الضوء الطبيعي من أجل تحديد أدوات العرض الأُخر التي كانت تتطلب أظهارها بشكل أو بصورة أكثر وضوحاً ، لذلك نجد شعراء الإغريق استخدموا الديكورات الضخمة ، بالإضافة إلى ذلك استخدموا الأقنعة والأحذية الكبيرة من أجل إظهار كتلة الممثل، وأن معمارية المسرح الإغريقي الدائرية هي التي تظهر للإنسان مدى معرفته للمكان وبيان أهميته لديه، وبالتالي أصبح المكان ثابتاً وغير متغير. 
إهتم الشعراء الاغريقيون بالمكان وتناولوا المكان بتشظياته الإبداعية وهم لا يعرفون عن المكان أي شيء بمفهومه الحالي لكن يعد المكان عندهم شيء حضوري لابد من وجوده بمعنى أدق المكان بديهي لديهم، وذو سمة جمالية ترابطية وقدسية لأنه علامة دينية يتجمع حولها الناس أي حول الرقعة الجغرافية المعدة سلفاً للتمثيل .
يؤكد أرسطو على وجود المكان في فلسفته من خلال وجوده مستقلاً عن الأشياء بكونه شيئا مستقلاً عن ذاته أي أن حلول أو تعاقب أجسام على محل واحد يمكن إثبات ذلك من خلال ملاحظة شغلنا لمكان معين وإنتقالنا منه إلى مكان آخر فإن ذلك يؤكد لنا أن المكان موجود مادمنا نشغله بالفعل ، فمثلاً عندما نصب الماء في الإناء فإن الماء سوف يحل محل الهواء لذلك يرفض أرسطو إعتبار المكان جسماً ، وهو يتساءل كيف يحل جسم في جسم آخر ، فمن المستحيل أن يكون المكان جسماً.() فهذه الظاهرة تدل على أن المكان شيء قائم بذاته .أكد (بوالو) عن المكان من خلال قوله : ( فليكن حادث واحد قد جرى في مكان واحد ، وفي يوم واحد ، شاغلاً للمسرح المليء بالنظارة حتى نهاية التمثيل ) هذه الكلمات تجمع على ما يسمى في عرف الدراما قانون وحدة المكان والزمان ووحدة الحدث ،وتستلزم وحدة المكان أن تحدث كل الحوادث المتمثلة على المسرح في مكان واحد، بيت أو قصر أو معبد أو ما يحيط بكل منها().
إصطبغ المكان المسرحي الروماني بالصبغة اليونانية في أغلب تصاميمهم المسرحية فقد أضافوا إلى فن العمارة نوعاً من الهندسة المعمارية الزخرفية التي لم تكن موجودة من قبل ، وذلك بتصميم الأقواس التي تميز بها بناء مسارحهم ، كما أننا نلاحظ أن الرومانيين لم ينشئوا مسارحهم على سفوح التلال كما كان يفعل الإغريق ، بل أقاموها على الأرض ، وذلك لكي تظهر فخامة المبنى وزخرفته من الداخل والخارج ، وكانت أعمال الرومان تتجه نحو الزخرفة والتفخيم بعكس أعمال الإغريق التي كانت تسودها البساطة والتنظيم () ،لذلك كانت أماكن العرض المسرحي الروماني مليئة بالزخارف ، وذات بناء تكثر فيه الأعمدة كونها تتكون من عدة طوابق ، فقد تعددت أماكن العرض المسرحي ، وأختلفت أنواعها فمنها المسرح البسيط ،ومسرح الملاعب ، والمسرح العادي. 
 وإنتقالا إلى مسرح العصور الوسطى إذ نجد أن المسرح إتجه إلى الكنيسة مما أدى بالتالي إلى تكوين فضاءات دينية تعبر عن طبيعة الجو العام للمسرحية التي إصطبغت بالروح الدينية من أجل ترسيخ الأفكار المسيحية وتعاليمها ، فاستخدموا الشموع داخل الكنيسة المغلقة لإضفاء فضاءات روحية دينية معبرة عن الجو المسرحي الديني . 
يرى الباحث أن مفهوم المكان أصبح واضحاً مروراً بالتقدم المسرحي الحاصل في تلك المدة وهذه المدة أثرت وأسست للفترات القادمة (المسرحية) من تطور في معمارية المسرح وما يحدث من تأسيس للمكان بتطوراته الفنية والهندسية .
 يعد المسرح الأيزابيثي وخاصة مسرحيات (وليم شكسبير) كانت تقدم في مسارح مكشوفة في الهواء الطلق وأُخر تتم داخل مسارح مغلقة في باحات الفنادق وتكون خشبة المسرح على شكل حرف (T)، وكانت المعمارية تمثلت بالأبهة والدقة من حيث البناء وكانت منصة التمثيل تحتوي على جزئين جزء علوي وجزء سفلي يكون على مقربة من الجمهور وعلى الرغم من أن أغلب مسرحيات شكسبير كانت تأريخية والديكورات المستخدمة في مسرحيات شكسيبر هي ديكورات بسيطة في بعض الأحيان يستعمل قطعاً من الأثاث أو الأدوات للدلالة على المكان، فهو يستعين بالشجرة دلالة على الغابة ، وكرسي دلالة على قاعة العرش .() 
أما المكان في عصر النهضة وتحديداً في ايطاليا فقد شهد تطوراً هائلاً في العرض المسرحي ونجد الطراز البنائي الزاخر في مفهومه للمكان وهذا ما نراه اليوم في المسرح الايطالي أو يسمى بمسرح العلبة في هذا الوقت كانت المعمارية في أوج أبداعها وكانت تشكل المعمارية قمة تطور الأبداع الحضاري وكذلك اللوحات المرسومة التي كانت في جدران المكان المسرحي وبالتالي تساعد على إظهار مفهوم المكان والتطورات التي حدثت في العصر دفعت المسرح إلى وجود تقنيات وتكنيك في العرض مثلاً المناظر المرسومة وتغيرها من مشهد إلى مشهد وكذلك ظهرت عدة أنواع للستارة المسرحية وإضافة إلى وجود المنظور المسرحي وكل هذه التطورات جعلت من الفنان حرية التعامل مع مجمل الموضوعات دون موانع أو كوابح مما أنتج الكثير من الأعمال الإبداعية التي بلورت مفهوم المكان عند المخرجين حتى هذا التطور أدلى بمدلوله إلى ظهور ما يعرف بالإطار المسرحي أي (مسرح العلبة) ،ومسرح العلبة دليل واضح على مفهوم معمارية المكان المسرحي ، وإضافة إلى ذلك تمثل المكان من خلال عناصر سينوغرافيا العرض بخلق نوع من الحميمية لأن الجمهور لديهم شعور بالإنتماء بعضهم إلى بعض ، وهذا نشأ من الإحتواء المحقق أثناء تواجدهم داخل حيز الممارسة المسرحية فالشفرات المكانية لا تقوم فقط بتحديد وتشكيل وبناء فضاء اللعب والمشاهدة ، إنما أيضا تتحكم في العلاقات بين المؤدين على خشبة المسرح والتفاعلات بين المودين والمتفرجين ()  . 
 إن العملية التي حققتها معمارية المكان هي التي حققت التواصل بين الجمهور وخشبة التمثيل ، لذلك لعب المكان دوراً بارزاً في العملية التواصلية بين الجمهور واللعبة المسرحية ، ومع تطور المسرح من كافة جوانبه وإرتباطه بالفنون المعرفية والعلمية الأُخر وخاصة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
إن ظهور المخرج كوظيفة مسرحية يعمل على ربط كافة خيوط العرض المسرحي وهذا ما دفع المخرجين إلى إيجاد فضاءات مناسبة تتفق مع طبيعة النهج الذي تسير عليه المسرحية ، فنجد (الدوق ساكس منغن) الذي أهتم بالدقة التاريخية والتي أراد من خلالها خلق صورة واقعية على المسرح وسعيه الى إيجاد الحلول للتناقضات التي ظهرت في المكان المسرحي بين الناظر المرسومة التي ظهرت مع ظهور علم المنظور ، وحركة الممثل الحي المتحرك في المكان داخلها ، فقد لجأ الى وضع الممثل في حركة تعبيرية تشريحية تجسد الأحداث الدرامية حيث اصبح للوجود الانساني الحي للممثل على خشبة المسرح () ،فبذلك عمد الدوق ساكس إلى توظيف كل الوسائل المسرحية في تفسير النص ، أي إظهار بيئة مسرحية واقعية عبر عنها من خلال إيجاد الحلول لتلك التناقضات التي عالجها في المكان المسرحي . 
إن إبداع (أبيا) في المناظر المسرحية دعاه إلى  إقامة علاقة سببية بين الأشكال في الفضاء ، تلك الأشكال التي يمتاز بعضها بالسكون وبعضها بالحركة().
المشكلة الأساسية في عمل (ابيا) تدور حول العلاقة بين الممثل المتحرك والأرضية الافقية والمنظر العمودي إذ لم يفكر الاسبقون بخلق علاقة بين العناصر الثلاثة ، فهو حاول أن يوجد مثل تلك العلاقة وذلك بإبتكار تصاميم على وفق مفاهيم المكان والكثافة والكتلة باستخدام منصات ومدرجات ومنحدرات تربط بين المنظر المرسوم والأرضية وتسمح للممثل كي يتحرك عمودياً وافقياً ، ومن أبرز إهتماماته التنظيرية إذ لاحظ عدم وجود وحدة متكاملة في عناصر العرض المسرحي ، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن السبب الرئيس في ذلك يعود إلى التباين بين الممثل ذي الأبعاد الثلاثة ، والمناظر المرسومة ذات البعدين ، وإذ إنه اعتقد بأن الممثل هو الوسيط بين الكاتب المسرحي والمتفرج ، وبأن الإيهام المنظوري هو شاهد الحاضر على الممثل الحي، لأن الممثل هو الشيء الحي الوحيد على خشبة المسرح ، وإن الديكور هو الشيء الميت ، لذا فقد هدف إلى إيجاد التناسق في جميع العناصر بعلاقتها مع الممثل() . 
وإنتقالاً إلى المسرح الألماني نجد في الصدارة المخرج الالماني (راينهاردت) الذي إهتم في البحث عن العلاقة الموائمة بين المشاهد (المتلقي) والممثل ، وكان يصطلح دائماً على تلك العلاقة بتعبير (الألفة) ، وعلى هذا الأساس كان يعمل على إيجاد فضاء مسرحي لكل إنتاج كان يخرجه ، إذ إتخذ من صالة (السيرك) مساحة لإنشاء الحركة التي أراد بها أن تقترب وتتشابه مع ما كان يعمل على المسرح الإغريقي(). 
أهم ما يميز المكان عند ( راينهارت ) هو التنوع فمجمل عروضه في سيرك أو في شارع أو حلبة ملاكمة أو كنيسة أو طرق عامة فهو لم يلتزم بالمسرح بمعمارية واحدة وهذا التنوع أكسبه ثراء في أسلوبه وإعجاباً وإبهاراً في نفوس الملتقين ().
  
مفهوم المكان مسرحياً : 
إن المكان شيء لا يمكن إخفاءه أو لا يمكن بدونه العيش فهو مرتبط بوجود الأشياء ، وبما فيها الإنسان – فلكل شيء مكان حتى وجود الألهة كان متحقق بوجود المكان الحاوي لها ومنه وجد الإنسان بين فسحة الكون وظواهره المتعددة إذ أخذ يتأمل أشكال المكان لكن لا يعرف بالمعنى الحقيقي للمكان الباحث عنه، وكون الإنسان يدافع بنفسه ليرى الموجودات ويخلق من خلاله علاقة بالنظامين الكوني والوجودي، والحقيقة إن معرفة الإنسان بالمكان لم تكن متأتية من معرفة سابقة فهو يجهل هذا المفهوم لكن البيئة هي التي سيطرت على الإنسان وجعلته  يبحث عن مكان آوى له وفقاً للمتغيرات البيئية (الأمطار ، البرد ، الحر )، وهي التي مهدت للإنسان معرفة ملامح بسيطة للمكان ، فالمكان هنا مكان معاشي. 
إن مسيرة الإنسان الحياتية ما هي إلا مرحلة إكتشاف في مستويات المكان ولا بد من الفصل بين مستويين أساسيين لمفهوم المكان هما:
أولا: المستوى الحسي: يتمثل بتشخيص الظاهرة المكانية على نحو حسي يتم فيه تقريب الظاهرة المكانية من مستوى الإدراك ، وكما هو في  الرسوم الأولى على جدران الكهوف، إذ إن المكان بصورة فنية يمثل شكل جوهره المنجز الفني للإنسان الكهوف التي حددت الموقف الذاتي له تجاه المكان الخارج().
ثانيا: المستوى الذهني: يتم فيه تحليل الإنطباعات المستخلصة عن المحور الأول بصورة نتائج كمعرفة أولية لعملية تفاعل الإنسان مع الطبيعة والأشياء والعلاقات الإجتماعية داخل الإطار الوجودي للذات().
ويعد المكان هو الصفة التي تحدد الشخصيات وأنماطها الحياتية ومستوياتها الإجتماعية ومن خلال المكان يحدد نوع الإنتماء للأشخاص أي بواسطة المكان يستدل على ثقافة الشخصية وإدراكها ووعيها وبذلك يصبح المكان هوية ، ويبقى الإنسان هو محور العملية المكانية فبواسطة المكان يمكن معرفة طابع الشخصية أو قراءة المكان قراءة صحيحة تدل على فهم الشخصية فجميع الأمكنة مختلفة عن بعضها وذلك أن تشابه الأمكنة يعني تشابه الشخصيات فهناك مكان ترفيهي ومكان ديني ومكان تعليمي وغير ذلك من الأمكنة .
      إن طابع المكان يدل على المكان نفسه وبمعنى أدق إن المكان هو الذي يحدد البيئة الداخلية، ويعد البيت مثلاً بوصفه مكاناً للإيواء وللسكن ويبرز إحتوائه أحلام اليقظة التي تساعد على إنشاء الذات حول جدرانه وزواياه ، ويأخذ المكان عند (باشلار) أبعاداً نفسية تنشأ عن طريق ما تبثه من مستويات هندسية ومعمارية وبذلك يصبح من جهة أخرى إنتماءً شمولياً للموقع، فالبيت هو واحد من أهم العوامل التي تندمج أفكارالانسانية وذكرياتها وأحلامها  ومبدأ هذا الدمج وأساسه هو أحلام اليقظة ، ليمنح الماضي والحاضر والمستقبل البيت ديناميات مختلفة() . 
ويمكن وضع حدود معرفية بين الفضاء المسرحي والمكان المسرحي ولكي نفرق بين الإثنين يجب أن نفهم أولاً الفضاء المسرحي – بكونه أحد العناصر المهمة في تكوين رؤية المخرج ، إذ يسهم في بيان تلك الرؤية عبر التحولات المستمرة التي يخضع لها الفضاء على مستوى الدلالة وعلى مستوى الشكل الدلالي ، وقد اختلفت مفاهيم  الفضاء المسرحي باختلاف المذاهب والنظريات المسرحية بدءً من الإغريق وحتى العصر الحالي ، فإذا كان مستوى التعامل المسرحي يعتمد على الفضاء بكونه مكاناً فإن الدراسات الحديثة في العلوم المسرحية قد أعطت أبعاداً جديدة على مستوى التعامل مع  المكان بوصفه فضاءً بل إن هناك من ذهب إلى وجود فضاءات متعددة في المسرح مثل (باتريك بافيس) ،وخرج الفضاء من كونه دالاً على ثنائية الزمان والمكان إلى دلالته على البعد الفلسفي والجمالي للحدث، خاصة مع ظهور المنهجيات الحديثة التي درست الفضاء المسرحي كونه علامة مركزية من علامات العرض المسرحي . 
مفهوم المكان فلسفياً 
ولعل أهم المحاولات التي قدمت تعريفاً محدداً ودقيقاً بين المكان والفضاء التي قدمها ( عبد القاهر الجرجاني )و( عبد الرحمن بن خلدون )(من المفكرين العرب الأوائل) ، إذ إقترح (الجرجاني) في القرن الرابع عشر ثلاثة تعريفات للمكان وهي ( المكان المبهم والمكان المعين ، والمكان المحصور)، وقال أن المكان عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده ، والمكان المبهم عند (الجرجاني) هو عبارة عن مكان له إسم نسميه به بسبب أمر غير داخل في مسماه كالخلف والأمام فأن تسمية ذلك المكان بالخلف أنما هو بسبب كونه الخلف من جهة وهو غير داخل في مسماه ، و المكان المعين هو عبارة عن مكان له إسم سُمي به ، بسبب أمر داخل في مسماه ()،ومن خلال هذه التعريفات الثلاثة للمكان نجد أن (الجرجاني) لم يهتم بالبعد الإجتماعي للمكان بعكس (ابن خلدون) الذي يقول ( إن مساحة البيت، وهو المسجد، كان فضاءً للطائفين  وهكذا أدخل في تعريفه للفضاء عنصر الحركة أي ركز على الوظيفة الإجتماعية للمكان )(). 
ويمكن تقسيم الفضاء المسرحي إلى ثلاثة أنواع : 
مواقع محايدة: وهي أماكن مفتوحة وخالية ، لا يميزها ملامح محددة ثابتة ولا ترتبط بأنماط استعمال محددة، وفي هذه المواقع قد يوجه العرض المسرحي جنباً إلى جنب مع أنشطة أُخر مثل الملاهي والألعاب الرياضية أو المتنزه بالكلاب أو رعي الأغنام . 
مواقع عارضة: وهي مواقع تقدم فيها العروض المسرحية بصورة متكررة لكنها غير منتظمة وعادة ما تكون أبنية عامة مثل الكنائس أو قصور الأمراء والملوك ، وفي أحيان كثيرة قد يقترب التصميم الداخلي لهذه المباني وتجهيزاتها من تصميم وتجهيز المسرح الدائم ، كالكنيسة مثلا أو قاعة المحاضرات إذ نجد صفوفاً من المقاعد مرصوصة في إتجاه يقود إلى بؤرة مركزية. 
مواقع مخصصة دائمة: أمكنة خصصت تماماً أو بصورة شبه تامة لهدف واحد، فإذا كان الهدف هو تقديم العروض المسرحية تحول الموقع إلى مسرح أو دار للاوبرا أو ما شابه ذلك، وعادة ما يتم تخصيص المواقع الدائمة للأنشطة المختلفة أما عن طريق إعلان رسمي عام, كتعليق لافته "مسرح"  على المبنى مثلاً ، أو عن طريق إحتفال علني كإقامة الصلاة في حالة الكنائس)(). 
لقد أهتم (هونزل) بالفضاء المسرحي من خلال قوله ( ليس هنالك علاقات تمثيلية ثابتة في المطلق ، فالديكور الدرامي مثلاً، لا يصور في أغلب الأحيان تماثلياً بواسطة وسائل فضائية ومعمارية أو تصويرية ، بل قد يشار إليه بايماءه ، (وكما يحصل في المايم أو البانتومايم)، أو بإشارات لفظية أو وسائل صوتية أُخر. لقد كنا مندهشين – هكذا يقول (هونزل) إذ اكتشفنا أنه لا ضرورة لفسحة الخشبة أن تكون مكانية ، لأن الصوت يستطيع أن يكون الخشبة ، والموسيقى تستطيع أن تكون الحدث الدرامي،والمشهد أن يكون النص)(). 
إن الانحياز للوظيفة في التكييف المعماري الذي ينتج من مادة إنتاج العلاقات الفضائية للمكان هو ما يكسبه الهوية والسمة المكانية التي يعاد إنتاجها عبر العمليات الثقافية والتقابلات الجمالية للإنسان وهي بالتالي تنتج عن الفعالية المسرحية للعرض والجمهور، لاسيما العرض بعناصر الزمان والمكان والأداء والجمهور بقراءاته البصرية المسبقة وآنية فعل التلقي وفك مغاليق شفرات الخطاب المسرحي المتكون من الخطاب بمستويات متعددة ، أي خطاب بصري متمثل بالإضاءة والأزياء والأثاث وغير ذلك من تشكيلات في الخطاب أما أن يكون سياسي أو اجتماعية أو تاريخي حتى تصبح المعمارية هي نتاج تشكل ذلك الخطاب . 
وإن أي شيء يحمل الصفة المادية لا يمكن أن يوجد في المكان فقط دون أن يكون هناك زمان ملازم لهذا المكان ، والعكس صحيح وهذا يعني أن المكان والزمان مرتبطان ببعضهما أرتباطاً عضوياً، إذ يصبح المكان هو انتظام تعايش الأشياء المادية ، وإذا ما تمعنا إلى أراء الفلاسفة المثاليين أنهم ينكرون الواقع الموضوعي لكل من الزمان والمكان . نجد (كانت) يعد المكان هو خارج نطاق التجربة التي يعيشها الفرد، لأن هذه التصورات المثالية عن الزمان والمكان مدحوضة بتجارب الناس العلمية اليومية كلها ويرى (روسو) أن السيطرة على المكان هي أحدى المبادئ الأساسية في السياسة ، ولما كان المعيار السائد حينذاك هو معيار الحكم المطلق الذي يعتمد على المركزية الكاملة، كان النقيض الطبيعي له هو العطلة التي تتمثل في عدد لانهائي من الخبرات الفردية المستقلة التي تتداخل دوائرها وتشتبك فيما بينها().
   إن الفضاء المسرحي غير المنظور ليس أقل حقيقية وأهمية من الفضاء المسرحي المنظور فالاعمال العظيمة مثل إغتيال ماكبث لدنكان قد تحدث بعيداً عن خشبة المسرح فيما أقترح بتسميته الفضاء المسرحي الخارجي على عكس الفضاء المسرحي الداخلي ، والفرق بينهما هو الفرق بين المساحة التي يمكن إدراكها والمساحة التي يمكن رؤيتها().
وتختلف مساحات العرض حسب نوع المسرحية سواء أكانت كوميديا أو مأساة فالمسرحية الكوميدية تميل إلى مكان مفتوحٍ بمعنى أنه له حرية الدخول والخروج من خشبة المسرح وإليها أو يسمح بتغير المشاهد مرات متعددة وباقي المسرحيات يلاحظ الانفصال بين خشبة المسرح والجمهور() . 
يعد المكان هو أساس مكون من حيثيات الخطاب المسرحي سواء أكان هذا الخطاب  نصاً مسرحياً أو عرضاً مسرحياً ، فإن دراسة المكان يتطلب قدرة معرفية من قبل القارئ أو المشاهد لمعرفة حال ومدلول الإشارة التي ترسلها مكونات المكان المسرحي ، نقصد بالدال والمدلول أي ( الدال هو صورة سمعية أو بصرية والمدلول هو تصور ذهني غير عادي)(). 
الدال في المكان هو الإطار الخارجي للمسرح والمدلول هو كل ما موجود في داخل المكان يرحل إلى فكرة معينة مثل وجود أسوار قلعة أي المكان يعني داخل باحة للقلعة أو مكان تأريخي ، ويمكننا إيجاد أكثر من دال حتى نستخرج مدلول واحد يخدم المكان .لهذا فإن المكان أصبح بالتالي حقل معرفي هام يهدف إلى تحليل  كافة هذه الإشارات التي بالتالي ترسل إلى المتلقي وعليه فإن المكان المسرحي يستعين بكافة الفنون والعلوم الأُخر مثل الفنون التشكيلية والعلوم المعرفية وغير ذلك من أجل تكوين دلالات مكانية جمالية . 
المبحث الثاني- مفهوم المكان في المسرحية التعبيرية:
التعبيرية :
هي من أكثر المذاهب علاقة بالفن المسرحي وأول ما ظهرت في فرنسا عام 1901 عندما صنف النقاد رسوم (فان كوخ) و (غوغان) على أنها إنطباعية لأن أصحابهم عبروا عن إنطباعهم عن المظهر الخارجي للأشياء كما ينظر إليها في لحظة معينة ، في حين أن أعمالا أُخر نسبت للتعبير ركزت على دواخل الأشياء وعلى تصوير الحياة من وجهة نظرهم الخاصة – لذلك نرى جماليات التعبير تستقر في العقل أكثر من إستقرارها في العين . 
   يتحدد تاريخ المسرح التعبيري ما بين سنة 1905 و 1929 ، إذ دشن مرحلة إزدهار الثقافة الجرمانية كما أعاد لألمانيا الزاهرة التي أتسمت بالعقلانية والديمقراطية والإنفتاح الفكري ،لذا فوجب على الأُدباء أما أن يختاروا  هذا الإنعزال أو أن يتبنوا أشكالاً فنية صاخبة وقياماتية مثل ( التعبيرية L,expressionnisme) التي حققت ثورة ضد المدرسة الطبيعية التي كانت تهتم بوصف الانسان والعلم مادياً وبطريقة شبه علمية ، مع الحرص على إختراق تابوهات الدين والأخلاق ، وأهتمت التعبيرية باللامنطقي والأسطوري والصوفي واليومي ، كما عارضت الشكل الخالص الذي نجده عند الرمزيين والتأثريين وخصوصاً في مجال الفن التشكيلي وأنطلاقاً من القناعة التالية : وهي أن وحدة النتاج يجب أن تكمن أساساً في نسقه الداخلي ، وأن لا ينحدر من قواعد خارجية لأن ما يهم هو الكينونة لا الظاهر ().
إن فكرة التعبيرية في الأساس هي أن الفن ينبغي أن لا يتقيد بتسجيل الإنطباعات المرئية بل عليه أن يعبر عن التجارب العاطفية والقيم الروحية،وكما كتب فرانز مارك (نحن اليوم نسعى إلى ما وراء قناع المظاهر التي تستتر وراء الأشياء في الطبيعة ، إذ تبدو لنا أهم من إكتشافات الأنطباعيين )().
تمثل التعبيرية العالم الخارجي من خلال الإنطباعات والأحوال الوجدانية للشخصيات ، ومنذ ذلك الحين أطلق المصطلح على جميع الأعمال الفنية التي خرجت عن النظام التقليدي – ولذلك نجد إنضمام بعض الفنانين تحت راية التعبيرية هؤلاء الفنانين هم مختلفين سواء في الأسلوب أو الأداء ، وكذلك أن التعبيريين قد عارضوا الرومانتيكيين لأنها لا تعبر عن مشاعرهم ،وكان التعبيريون يعتقدون أن الشخصية الحقيقية للإنسان ترفد تحت أقنعة مختلفة من السلوك التقليدي وإن وراء الواجهة الاجتماعية للشخصية عالم غريب شاسع الإطراف يظم العواطف البدائية والرغبات التي لا تظهر على السطح إلا نادراً ، وإن على الكاتب أن يستكشف هذا العالم ويجسد في تجسيدات خارجية بحيث تترجم الواقع النفسي الداخلي إلى أشياء محسوسة مشتركة بين البشر كما يتوفر التعاطف المطلوب في الدراما().
واأصطبغ الفن والأدب بمشاعر الحرب وإنهيار العالم وقد انعكست في الأعمال الفنية والأدبية في ذلك الوقت ، وكانت الموضوعات السائدة في الفن والأدب هي رؤى نهاية العالم والطوفان ويوم القيامة وكذلك هم دعوا إلى مغادرة الواقع والمسلمات المنطقية والفروض الواقعية وقد حاول النازيون أن يمحوا الأدب التعبيري من الذاكرة قسراً بأن أعلنوا أن (الفن مشوه) وبالتالي لم تتضح أهمية هذا الأدب إلا بعد عام 1945 ، ومنذ عام 1950 ظهرت مجموعات عديدة تظم الأدب التعبيري ، وما عدا ذلك فإن المسرح اليوم لا يعرض أعمالا تعبيرية إلا نادراً بإستثناء المسرحيات الكوميدية التي كتبها كارل شترنهايم ().
     لم تكن التعبيرية كظاهرة أو كاسلوب فني ، لتقتصر على جماعة ما أو فترة ما وكما يقول غاسية : (تتطابق مع الفن والثقافة الجرمانية ، إلا أنها ليست ظاهرة جرمانية ، شمالية ، لكنها أوربية ، بل عالمية في القرن العشرين)() ، فإننا نجد بعض ملامح التعبيرية لدى العديد من فناني نهاية القرن التاسع عشر ، ومن ناحية الزمان والمكان فلا زمان ومكان محدد للانطباعات النفسية والوجدانية وهي تعرض الرؤية المعالجة للمظهر العام الخارجي ، ورأى أدباء التعبيرية أن الفرصة الأخيرة لإنقاذ البشرية والعالم من الإنهيار ، هي تغيير الفرد نفسه فيتغير المجتمع بالضرورة وهذا ما تجلى بقول ك.بينتوس (إن العالم سيصبح صالحا فقط عندما يصبح الإنسان صالحا) ().
إن الأدب في المسرح التعبيري قد إستهدف بالدرجة الأولى التعبير الحر عن الشخصية الإنسانية ، لا من خلال الواقع التي ترفضه ، ولكن من خلال الحقيقة التي ترنوا إليها ، ويجب أن تكافح من أجلها. وإذا كانت جهود الكتاب التعبيريين قد إعتبرت فيما بعد جهوداً أقرب إلى العاطفية منها إلى الإيجابية والفعالية (). 
يرتكز العمل الأدبي المسرحي التعبيري على مبدأين واضحين في الحوارات هما التركيز والتكثيف من خلالهما يمكن إيصال المفهوم التعبيري ،لذا فنجد المشهد في المسرحية التعبيرية المعد للعمل به يحتوي على مزيج من التقنيات حيث اللون والضوء والصورة المتحركة والمنظر المتغير كما تتعلق بشكل أساسي بعناصر الشخصية ، ونجد الحوار في النص التعبيري قريب من الأسلوب التلغرافي (البرقي) ويوحي بان الكاتب لم يبق من الكلام الإنساني إلى الأشياء الأساسية، فالجمل تختفي لتحل محلها عبارات قصيرة أو كلمات معادة ثم يظهر المنولوج من جديد وهو يساعد كثيراً في إظهار الأمور اللاشعورية أو شبه الشعورية ، ولكن المنولوج التعبيري اقل ترابطاً واكثر تفسخاً ومجانية للمنطق من المنولوج التقليدي () .
والتجرد في المسرحية التعبيرية واضح في الحركة واللغة والمفردة من الإعتياد والواقعية أي تجريدها من البعد الطبيعي ، وفي مسرحية (الجماهير والإنسان) يستخدم توللر لغة سريعة متقطعة ويستغنى عن الحوار العادي مستخدما بدلاً منه أسلوباً خطابياً عنيفاً ... وتتداخل الفانتازيا مع الواقع وإحداثها جو غريب من الهستريا ، ويتضح ذلك في نهاية اللوحة الثالثة إذ تخاطب سونيا ، البطلة ، (من لا اسم له)  الذي يمثل روح الجماهير – من لا اسم له : صمتا أيتها الرفيعة ... فالقضية تتطلب ذلك ... ماذا يهم شخص واحد َ؟ ماذا تهم عواطفه ؟ ضميره ؟ لا يهم ولا يحب أن يهم سوى الجمهور ... الخ()  ، مما سبق دليل واضح على نمط اللغة التلغرافية وكيف اللغة تعرة بالاستخدام حتى يتحقق جو مشحون بالإرسالات أي جو ميكانيكي ، وتعد لغة إستطرادية ومختزلة للحوار وتأخذ مأخذ تعجبي إيقاعي ، وهم مبتعدين عن اللغة الذهنية والإشارية ، لتحل محلها لغة تحمل صيغة التفكير الإستطرادي ، والشخصيات ليس بأستطاعتها أن تعبر عن الذات أو تشير حتى إلى  البواعث .... وعد هذه الشخصية تمثل أنماطاً أصلية ،وتعبر عن الجوانب أو الصور المسخية (الكاريكاتيرية) للمجتمع من الخارج في مقابل سماته الأخلاقية الداخلية وهذا ما نجده في مسرحية البشرية () .
نجد الشخصيات في المسرحية التعبيرية هي بعيدة عن المفهوم العام للشخصيات أي الشخصيات السائدة في باقي المسرحيات فهي تفتقد الملامح الدقيقة والتصوير الدقيق للطباع والسلوكيات ضمن الممارسة اليومية ، ونجد تحول المسرح الى إسقاط ذهني أشبه بالجهاز العصبي تنتقل عبره الإيعازات التلغرافية البرقية الناجمة عن التفجرات الإنفعالية والحالات الوجدانية إذ مع تلك النبضات البرقية تنتظم كل الإعدادات المسرحية من منظر وإضاءة إذ تتركز الأهمية في المسرح التعبيري على المنظر والإضاءة أكثر من غيرها .
ويعد رسم الشخصيات في المسرح التعبيري رجوعاً إلى تكنيك العصور الوسطى المسرحية وخاصة في مسرحيات الأخلاقيات التي كانت تهدف إلى الموعظة ، ففي هذه الأخلاقيات لا نصادف شخصيات بالمعنى المفهوم للكلمة ، ولكن تجسيدات لمثل أخلاقية معينة أو لفضائل ورذائل الدين المسيحي مثل ، الجشع ، الكبرياء ، الرحمة ، العدل ، الكسل، وإن اسلوب الكاتب التعبيري لا يقر استخدام الحبكة التقليدية والبناء التقليدي في المسرحية ، ويقول (سترندبيرج) (إن الشخصيات تنفصم وتتضاعف وتتكاثر وتتبخر وتصبح أكثر صلابة وتنتشر وتتضح ولكن إحساساً واعياً واحد اًيحكم هذا وهو وعي صاحب الحلم الذي لا يعرف الإسرار ولا التباين ولا النوازع ولا القوانين ... )() 
يعتمد المخرج في العرض التعبيري على الإضاءة وتعدد ألوانها ولكل لون دلالة في طياته ونجد في الإضاءة ما تحمله من إشاراتها السياسية والأخلاقية ، يتميز الديكور بأبتعاده عن الديكورات التفصيلية المبهرة واستخدام الإضاءة لإضفاء صبغة في ثناياه جو نفسي واجتماعي قلق ومتوتر بالإضافة إلى وضيفتها الإعتيادية في الكشف والإظهار ، إن هدف المخرج التعبيري – سواء كان النص الذي يخرجه لكاتب تعبيري أو تقليدي – أن يصل بالمأساة  إلى أعمق أعماقها في التأثير ، وأن يمنح العرض أقصى درجة من التعبير ، بحيث تمس الجماهير مساً مباشراً ، والمخرج في سبيل تحقيق ذلك يحاول إن يجعل كل عنصر من عناصر العرض يمثل( صدمة ) في حد ذاته : الممثل ، الديكور ، الإضاءة ، الموسيقى .... بمعنى أخر لابد أن يكون كل من هذه العناصر قادراً بذاته على تحقيق صرخة الروح(). 
لقد إستفاد المخرجان في المسرح التعبيري من أراء (جوردن كريك) و(أدولف أبيا) فيما يتعلق بضرورة الإهتمام بالتقنيات المسرحية لتأكيد العنصر التعبيري في مسرحهم ، فقد قدم هذان المخرجان أراء مهمة للتعبيريين فيما يتعلق بفلسفة العرض المسرحي خاصة في علم الديكور والإضاءة والموسيقى ،ولقد جند المخرجون التعبيريون لكل التجهيزات المسرحية الحديثة التي يمكن أن تعاون على الخلق الفني ، سعياً إلى تجريد خشبة المسرح من شبهة الواقع ، بعيداً عن أي إتجاه وصفي ، بعيداً عن أي محاكاة أو حتى إستحياء من الواقع ، لقد حاولوا التوصل إلى (خلاصة المأساة)عن طريق: 1-أداء الممثل غير الواقعي (التجريدي)،2- رمزية الأشياء والخطوط والألوان والإضاءة ().
      يعد المكان في المسرحية التعبيرية عائم ومتأرجح متخذاً صفة محددة من كل إرتباط في الوقت نفسه ويمكنه الإرتباط بمضمون معين ويمتاز بالتلقائية الفطرية للفنون البدائية الممتزجة بما يحويه من اللون والظل والنور والتشريح والخطوط كل هذه التفصيلات  ترسم الجانب السايكولوجي في حياة وحركة الشخصية الرئيسة ، وتسخر الإضاءة لإخراج معاناة البطل مهما كانت طبيعته وتصوير عالمه الداخلي بما فيه من كوابيس وأحلام مخيفة ولا سيما ان التعبيرية هي تؤكد على شخصية واحدة وهذا يكون عن طريق الإضاءة الحادة النبضية أي إضاءة بقع وفلاشات قوية وتركز على البطل حتى توفر له مناخ وحشي مخيف حتى تحقق غايتها الشخصية التعبيرية ().
     ولهذا يوصف المكان بأنه ميزة فنية دلالية يحمل رموزاً وحاوي على رموز معاني الموضوع الذي يرمز إليه وبذلك يسند العرض وإضافة إلى ذلك كونه معبر على جوهر ما يطرأ على الأشياء من إنحدار أو هبوط أو إرتفاع أو تصاعد ، وبما أن المكان يمكنه الكشف عن الحياة الحبيسة أو إن صح التعبير المختبئة كونها إحدى خلايا البناء النفسي فهو يستطيع إن يوضح المشاعر والإنفعالات والأفكار لذلك هو يحمل ميزة دلالية يمكنها أن تحيل إلى الزمان بكافة مضامينه ، والمكان في المسرحية التعبيرية يحدد طبيعة العرض فهو سلطة مهيمنة على المكان نفسه ويتخذ المكان إيحاءات دلالية معينة كالفرح والحزن وغير ذلك ولا ينبني المكان التعبيري ضمن حدود تاريخية محددة أو ضمن معالم بيئية محددة أي أن  المناخ يوحي للمتلقي بشيء من الواقعية () .
    يصاغ المكان التعبيري من مفردات تعبر عن العالم الداخلي للشخصية وتعكس الطبيعة الجوهرية للصراع ، والأمكنة المجردة التي تحمل معانيها و رموزها الخاصة تميل إلى الثبات عندما ترتبط بالموضوع أو الحدث أو من خلال التأكيد عليها ، ويكره التعبيريون إلى هذه الدرجة الواقع الخارجي للأشياء ، ثم يلجئون إلى استعمال هذه التجهيزات المرئية ، ولكنهم يجيبون على ذلك بأنهم يستعملون هذه الأشياء ، لا لييسروا للمتفرج الإلمام بمكان الحادثة وإطارها كما يفعل الواقعيون بل لييسروا له الإتصال المباشر بالحدث ذاته ، الذي يشكل الحقيقة الأعمق للدراما () .
    يرى الباحث أن على المخرج أن يأخذ في الحسبان المكان المطلوب لكل حالة ونوعها من العرض المسرحي،واذا كانت المسرحية متكاملة من حيث المكان فإن أي إضافة قد تكون مضرة والمكان يأتي من نوع العمل المسرحي وطبيعته وإحتياجه. 
    المكان التعبيري ينتفي الإستقرار والتتابع بما يؤسس من حالة قلق وتحول وهي تمثل الطبيعة الإنفعالية في العرض التعبيري أو في التعبيرية ، وفي المسرحية التعبيرية نجد أحداثاً في غاية الغرابة ، التشويه قائم بحد ذاته وخاصة العناصر البصرية وجدران آيلة للسقوط تعبيراً عن الضغوط أو الدمار ().
    ويمكن الإشارة الى أحد المسرحيات التي غلفت الجدران بالجرايد حتى الأرضية فهي تعبيراً عن إنحسار الصحافة ، ونرى في أحد العروض أشجاراً تتحول إلى هياكل عظمية دلالة على الموت () .
   ويمكن القول بأن مسرحية (بشر الحافي) نجد شخصيات تتحرك بآلية إشارة أي أنها فقدت إنسانيتها وتحولها إلى الآلات ، وهذا واضح في الأشياء والأشكال والألوان كما ذكرت مشوهة لتؤكد على تمثيل واقع الحياة اليومية ( ويحاول مصمم الديكور ، على طريقة الرسام التعبيري جعل الحدث يدور في مناظر تكشف وتعبر بنفسها كوحدة مستقلة عن المضمون العاطفي للمسرحية فعند إخراج مسرحية (الآلة الحاسبة) لالمر رايس غطت المسرح أوراق هائلة الحجم تحمل أعمدة من الأرقام وذلك للتعبير عن المشكلة الأساسية التي يعانيها مستر زيرو وفي هذه الحالة يخدم الديكور مضمون المسرحية () . 
     إن الإضاءة عند التعبيريين مهمة أساسية فهي تكشف وتظهر الممثل وأدائه ، وحركاته كما تؤسس للعلاقات بين الشخوص وقوة حضورها على المسرح كما إن الإضاءة تكون ذات وظيفة متداخلة مع المنظر ، وكثير ما يستعمل التعبيريين في محاولاتهم لإيجاد نظائر للحركة أو للشخصيات في المسرحية أجزاءاً منفصلة وليس وحدات مسرحية متكاملة ، وكأن تكون العناصر المسرحية ، حبالاً مفلولة ، أو أن تتمايل الجدران وتتحرك ، أو قد نستعمل ألواناً غير طبيعية للأشياء () . 
وبما توفره الإضاءة من اللون والشدة والكثافة والتوزيع والمساقط محققة معالجتها للفضاء الذي يحوي التكوينات العمودية والأفقية ، فوظيفة الإضاءة في المسرحية التعبيرية هي تتبع الأحداث لا لتصفها وتوضحها ، ولكن لتفسرها في مراحلها المختلفة)() .
   إن سلطة المكان في المسرحية التعبيرية تجاوزت البعد الطبيعي في تقديم رؤية معبرة عن جوهر الواقع لأنه تنعدم في التماثلات السيمترية ، مقابل أن المكان التعبيري ناتج عن تناظرات جمالية قائمة على توتر في العلاقات المساحية وعبر ذلك التوتر يعاد تأسيس المكان خيالياً عبر مخيلة إبداعية منطقها الوعي – المتعة وإن خلق المنظر ناتج عن ضرورة واقع المسرحية ، فيكون التأسيس جهداً إبداعياً قصدياً تصميمياً ، (اترك المنصة للدراما – هذا هو التوجيه الأول والأخير دائماً ، وأما الوسائل التشكيلية أو التعبيرية التي يستعملها فتختلف بسبب الرؤية التي يريد أن يجسدها ، وعلى وجه العموم فإنه لا يزيد على تهيئة الفراغ المسرحي لكي يكمل خلقه لعب الممثل ، وشعاع الضوء ، ومخيلة المتفرج)() . 
    يعد المنظر عند المصممين التعبيريين إنتاجاً أنياً بفعل المخيلة واللعب المسرحي على الخشبة وعبر الإرتجال ويقول العذاري عن المنظر : إنه حالة رفض لكل ما هو واقعي الشكل والهدف ، وهي بحث دائم عما يختفي تحت شكل الظاهر للحياة من رموز وإيحاءات تجسد حياة البطل  ومواقفه في عمقها القلق )() ، وبالنسبة للممثل فإن الأداء التعبيري يقتضي التركيز والتكثيف ، والرمز ، كما يقتضي جهداً عصبياً كبيراً للحصول على ترجمة مكثفة للحقيقة الداخلية والممثل التعبيري حامل للفكرة مفسر لها ، ويقول أحد المنظرين التعبيريين (إن الممثل لكي يستجيب للإرادة الجديدة للفن ، يجب أن يتخلص نهائياً من الواقع ، وينفصل عن كل متعلقاته ، حتى يتحول إلى مجرد حامل للفكرة وللقدر)() .
ما أسفر عنه الإطار النظري من مؤشرات .
التعبيرية تمثل العالم الخارجي من خلال الإنطبـاعات والأحوال الوجدانية للشخصيات .
تشويش المسلمات المنطقية في التعبيرية من زمان ومكان فلا زمان ولا مكان محدد للانطباعات النفسية والوجدانية وهي تقدم صياغتها و رؤاها  ومعالجتها للعالم الخارجي .
تؤكد التعبيرية على الجوهر الإنفعالي والإستجابة الذاتية للشخصيات .
تجرد الحركة واللغة والمفردة من الإعتياد والواقعية أي تجريدها من البعد الطبيعي.
تجاوز التعبيرية مبدأ المحاكاة الأرسطية وتستبدله بتجسيد الحالة الإنفعالية للفنان إذ يكون ذلك التجسيد موضوع الإبداع الفني .
يلجأ إلى الإستغراق في عالم الذات الداخلي لتجسيد فعاليات الذات الإنفعالية والوجودية.
يلجأ الفنان التعبيري إلى تشويه الواقع عن طريق التبسيط والمبالغة والتفتيت وخلط الواقع بالرمز والحلم . 
إعتماد الإنبثاقات العاطفية والتفجرات الوجدانية في النبر والإنفعالية العالية.
في التعبيرية تتحول أية رؤية موضوعية إلى رؤية بالغة الذاتية بالغة الغرابة وربما بالغة القبح . 
في التعبيرية يتحول المسرح الى مركز سيطرة تنتقل عبره الإيعازات التلغرافية البرقية الناجمة عن التفجرات الإنفعالية والحالات الوجدانية إذ مع تلك النبضات البرقية تنتظم كل الإعدادات المسرحية من منظر وإضاءة حيث تتركز الأهمية في المسرح التعبيري على المنظر والإضاءة أكثر من غيرها .
يتسم المكان التعبيري بالتلقائية الفطرية ، فيما يخص اللون والظل والنور والتشريح والخطوط والمنظور إذ يشابه المنظر المسرحي التعبيري في كثير من خواصه التقنية والأسلوبية اللوحة التعبيرية إلا أنه في صياغة حادة من التجربة والرمزية .
الفصل الثالث
أولاً : مجتمع البحث :
    بعد إجراء جرد لمجمل العروض المسرحية المقدمة على مسرح كلية الفنون الجميلة –جامعة بابل للفترة( 2005-2007 )وعرض إستبانة()آراء الخبراء() لتحديد العروض ذات الاتجاه التعبيري وتم الإتفاق من قبل الخبراء على ستة عروض تصلح مجتمع بحث() .
ثانياً:عينة البحث :
        إختار الباحث عينة البحث ، وكما مبينة في الجدول رقم (1)، بالطريقة القصدية ، وللمسوغات الآتية : 
عروض تنطبق عليها المؤشرات التي أسفر عنها الإطار النظري أكثر من غيرها من العروض الأُخر . 
 توافر المصادر والنصوص الأصلية والتصوير الفيديو لهذه العينات مما ساعد الباحث في معرفة مدى التشابه والإختلاف بين العينة ومصدرها . 
 تواجد مخرجيها مما يتسنى للباحث إجراء المقابلات معهم . 
 لم يتم تناولها في الدراسات السابقة . 
 عروض خضعت لتكامل فني مستمر في أثناء إجراء تجاربها- عرضها- وإشتراكها في عدة مهرجانات . 
جدول رقم (1)
ت
المسرحية
المؤلف- المعد
المخرج
السنة
1
فتاوى للإيجار
موفق أبو خمرة 
د.عباس محمد إبراهيم
2006
2
ثورة الموتى
أروين شو-جاسم الحسني
جاسم الحسني
2007


    ثالثاً:أداة البحث : 
       إعتمد الباحث في أداة بحثه على (الملاحظة )وكذلك الإعتماد على مؤشرات الإطار النظري ، واستخدام استمارة  استطلاع ()وعرضها على عدد من الخبراء ()وقد تم إجراء تعديلات حسب ما أتفق عليه الخبراء بما يخدم البحث حتى تصبح بشكلها النهائي.
رابعاً:منهج البحث :
    إعتمد الباحث على المنهج الوصفي التحليلي .       
خامساً:تحليل العينات 
مسرحية (فتاوى للإيجار) 
  شعر : موفق أبو خمرة 
إخراج : عباس محمد إبراهيم 
لقد إبتدأ المخرج المسرحية ببث صورة وأحداث لأوضاع ومعالم العراق ولكنها مأطرة بأسلاك شائكة استخدمها المخرج لينقل لنا من خلالها صورة العراق السجين في تلك المرحلة التي عرضت فيها المسرحية ، كذلك عمد المخرج إلى توظيف بقع الدماء على العلم العراقي ليشير لنا في النفوس المتعبة حالة العراق الدامية والمريرة المصحوبة بفتاوى بعض المتمثلين بقناع الدين والمأجورين لبعض الجهات الحاقدة على أصحاب الحضارات وعماد الإنسانية ، ثم إبتدأت المسرحية بنهوض الموتى من مقابرهم .
إبتدأت المسرحية بنهوض الموتى من مقابرهم محاولين تجسيد قيم الصراع من خلال تمثيل العالم الخارجي لتلك الصراعات على الشخصيات من تصورات ورؤى باعتبارها تمثل طرفين الصراع فنجد أن المخرج يحاول أن يعطي بكل قطب من أقطاب الصراع بعده التعبيري عبر الإتكاء على مرموزات في جغرافية ودلالات الزي وتحولات المكان واستخدام المرتفعات للتعبير عن مستويات ذلك الصراع فنجده يشوش المسلمات المنطقية من ناحيتي الزمان والمكان ليؤسس لنا زماناً جديداً ومكاناً آخراً لا يتطابق مع الواقع فأثث المكان بالإعتماد على تكوينات سينوغرافية يستخدم فيها كما ذكرت (الأسلاك الشائكة) كمادة خام للتعبير عن دواخل الشخصيات وبالتالي يخلق لنا معادلاً للعالم الخارجي عن طريق المبالغة والتركيز على قيم القبح حتى يختلط التعبير عن الواقع بالرمز .
 حاول المخرج أن يشوه الواقع من خلال حواراتهم في التبسيط لما حّل لهم تارة والمبالغة فيه تارة أخرى وتفتيت الواقع من خلال عرضه بشكل مرمز وعن طريق رصد أحلامهم وما كانوا يتمنوا ولكن سلم الموت قد وقف حاجزاً بينهم وبين تحقيق تلك الأحلام . إذ سعى المخرج لتأثيث مكان العرض بمفردات أُخر تدل على هذا المنحنى التعبيري في إنجاز صيرورة المكان لذا نجده يقسم خشبة المسرح إلى ثلاثة مستويات :
المستوى الأول 
يكمن في عمق المسرح سلم أسود اللون ترتفع عليه الشخصيات التي تتسم بالقدرة على التسلط في فضاء الخشبة على الشخصيات الأُخر لذلك فإن صعود الشخصيات على هذا السلم وهبوطها تحيلنا إلى تغير وتحول في المكان بصورة قلقة وغير ثابتة بعيدة عن الواقع ؛ إذ استخدم أو رمز لهذه السلطة بوساطة المنبر اللعين بهذا السلم وقد أسميته سلم الموت لما جاز منه بقتل وذبح الأبرياء على طريقة المقنعين بثياب الدين .
أما المستوى الثاني 
فيتمثل بالسلم الموجود في منتصف يمين المسرح وهو سلم أبيض اللون يختلف تماماً عن السلم الأسود الذي نجده في عمق المسرح إذ إن دلالات اللون في السلمين تكشف عنصري الصراع وفي الوقت نفسه تفرز لنا قيم تعبيرية لتلك المستويات فنجد الشخصيات التي ترتدي اللون الأبيض تستخدم هذا السلم بالتعبير عن جوهرها الإنفعالي واستجابتها الذاتية لفعل الصراع فيصبح السلم الأبيض في صعوده وهبوطه نوعاً من التعبير من وجهة نظر مكانية ، إذ يخلق المستوى الثاني نوعاً من التعبير عن قطبي الصراع وتطور مستوى ذلك الصراع الى مستويات تتفق في خلق شخصيات تنسجم من ذاتها .
المستوى الثالث
الذي يشغل مقدمة المسرح وخاصة فتحة المسرح – الكمبوشة فتشكل مستوى آخر من مستويات الصراع إذ يجري التعبير عن نتائج ذلك الصراع بواسطة التوظيف التعبيري لتلك الفتحة إذ نجد أنها تتحول دلالياً إلى عدة صور تعبيرية تؤسس لنا جدلية التحول في المكان فنجد مع سياق الأحداث أنها مرة تتحول إلى قبر ومرة أخرى إلى بئر ومرة ثالثة إلى فضاء لقمع حرية الشخصيات وتعذيبها .
     وفي جانب آخر من المسرحية ينقلنا المخرج إلى داخل القبور لنشاهد الموتى يتلظون داخل قبورهم ليعبروا عن إنفعالاتهم وإرهاصاتهم النفسية . فالمكان خارج عن أعرافه الواقعية ليكون مؤسساً في حركته ولغته ومفردته على البعد الطبيعي في التصور والحركة وهذا يعني إن المسرحية تؤسس لغياب المحاكاة لمفهوم المكان الواقعي وهو ما يؤكد رؤية المسرح الموضوعية في التحول من الرؤية الواقعية إلى رؤية شديدة الغرابة فيكون المكان تعبيراً عن إسقاطات ذاتية بتشوه جدرانه وتكسرها وهي تعبر عن الذات المحطمة للشخصيات وهي في الوقت نفسه تجسيداً لروح الصراع الذي يحتدم بداخل الشخصيات في تناميها المستمر ويتجسد ذلك عبر الحركة الدائبة لأجسام الممثلين الذين يملئون خشبة المسرح بالفعل التعبيري الدال على هذه الموازنة الثنائية في عملية الصراع ، ولكي يؤكد هذا التصور التشكيلي المستحدث للمكان فإنه ينشر بعض الخرق البالية والممزقة على الأسلاك الشائكة ليعطي الإنطباع بأن دورة الصراع بين قيمتي الخير والشر (الأبيض والأسود) ما زالت مستمرة كذلك نجد إن المخرج يعتمد على بعض المفردات الإكسسوارية ليعزز من هذا المنحى التعبيري في تشييد رؤية المكان فنجد أنه يستخدم العصي في التعبير عن مرموزات أُخر مثل استخدام العصي كحصان وغيرها من الدلالات المصاحبة كما أنه يعتمد على خرقة كبيرة بيضاء في خلفية المسرح وكأنها تنذر بدلالات متعددة لعل أبرزها أنها تعبر عن كفن كبير يحيط بالشخصيات أو أنه شراع لسفينة تبحر بواسطتها تلك الشخصيات ويمكن تأويل قطعة القماش البيضاء مع تنامي الحدث وتطور دلالاته التعبيرية ، ومن أجل أن تعزز رؤية الإخراج هذه السمة التلقائية والفطرية للمكان فإنه يعتمد على إضاءة خاصة ترسم الجانب النفسي للشخصيات إذ إنها تعبر عن معاناتها وتصور عالمها الداخلي ورغم الفقر التقني بقاعة العرض فيما يتعلق بالإضاءة إلا أنها تخلق لنا مناخاً رمزياً يتسم بالدهشة ويحيلنا إلى عوالم تكمن بداخل الشخصيات نفسها ، وإذا تمعنا النظر في العرض نجد المكان بعيد عن الواقع وكذلك المكان مبهم هل هو مقبرة أم ساحة للذبح أم مكان لحساب الأرواح ومن خلال تشكيل المجاميع بصورة مبعثرة أراد المخرج أن يخلق جواً من اللامبالاة وقصدية القتل العمد وتناثر أشلاء الضحايا بذلك يصبح المكان عبارة عن تمثل ذهني وإنفعالي للأحداث والمواقف أي إنه يخلق إنطباعاً صورياً عن الحالة النفسية التي تعيشها الشخصيات كذلك يعتمد في صياغته لمفردات المكان على تلك المناظر والخطوط المائلة والمشوهة والمنكسرة عبر استخدام مادة الأسلاك الشائكة التي تعطينا هذا الإحساس وتترك نوعاً من القبح الذي يمنح العرض بعده التعبيري فالمكان في المسرحية لا يتأسس على وفق مرجعيات تاريخية محددة أو بيئية صارمة إنما هو يحاول إن يؤسس أطره التاريخية النابعة من الحدث نفسه أي إن البيئة النفسية هنا هي التي تخلق المحدودة المكانية بداخل العرض .
وتعود الشخصية لتصرخ مجدداً لإيقاض النائمين من سباتهم الأبدي وهذا الصراخ (النداء) موجه إلى الأحياء الهدف منه صحوة كل الخانعين الخائفين المنعزلين وكذلك نهوض الموتى مرة أخرى لنقل ما حل بهم من بلاء إلى مسامع المتلقين ولعلها رسالة أراد بها المخرج الوصول إلى بر الأمان والتكاتف ضد كل عنونة للقتال والإرهاب.
ولكي يعمق المخرج المنحى التعبيري في المكان فإنه يعتمد على جسد الممثل بإعتباره طاقة تعبيرية مؤثرة في صياغة الحركة على خشبة المسرح لذلك نجد أنه يستخدم المجموعة في أغلب التشكيلات الحركية التي تأتي متزامنة مع تطور الأحداث إذ إننا نشهد تعبيرات حركية متنوعة تتوازى مع حركة الشخصيات الفردية وهذا ما يخلق من التماثل الحركي أولهما حركة الشخصية المنفردة بإعتبارها تشير إلى المكان وجغرافيته وما ينتجه من دلالات تعبيرية أثناء حركة تلك الشخصية والمستوى الثاني يأتي عبر توزيع كتل مجموعة الممثلين في فضاء المسرح إذ نجد أن المخرج يميل إلى تحشيد عدد كبير من الممثلين في فضاء العرض ليعطي لنا إحساساً بإمتلاء المكان وهو ما نجده في توزيع المخرج لهذه المجموعة على منطقة وسط يمين المسرح إذ تتحلق حول السلم الأبيض في أكثر حراكتها التعبيرية كذلك فإن حركة المجموعة تتنوع بين الحركة السريعة والمتوسطة والبطيئة لتخلق لنا إيقاعية المكان بينما تحتل المجموعة التي تمثل قطب الصراع الثاني (اللون الأسود) وسط يسار المسرح إذ تكون معادلاً للمجموعة التي ترتدي اللون الأبيض بينما تشغل الشخصيات الرئيسة عمق المسرح وتخلق تواصلاً مكانياً بين عمق المسرح ومقدمته من خلال الحركة المستمرة ذهاباً وإياباً والتركيز على فتحة المسرح (الكمبوشة) في هذه الحركة ، ولا يكتفي المخرج بهذا التوزيع الجغرافي للمجاميع والشخصيات ليتسم المكان بطابعه المميز وإنما يجعل ثمة عملية تداخل بين المجموعتين والشخصيات الرئيسة إذ تنتقل كل مجموعة إلى مساحة أخرى وكل شخصية إلى مساحات متعددة ويجري ذلك بحسب تطور الحدث وتنامي الصراع وأفعاله المختلفة فعمل المخرج إلى حمل الشخصيات العبوات وهي مرمزة بدلالة إلى بلد النفط (العراق) غير أن المفتي يستهين بكل هذا ويسخر منه بإطلاق ضحكات مسمومة وقاتلة وإذا به ينفذ بيده القذرتين عمليات القتل والإبادة لا من منبره فحسب ولا بكلماته المسمومة إذ إنه يقتل بيده ليثبت مدى تعسفهم إتجاه أبناء دينهم الأوحد.
ومن أجل تعزيز الخاصية التعبيرية في صياغة الشكل العام للمكان في المسرحية فإنه يعتمد أيضا (المخرج) على التوزيع المتناسق للكتل البشرية على الخشبة معتمداً على أسلوب التوقف في الحركة والفعل وهو ما يعرف (ستوب كادر) أي مشهد متوقف و مشهد متحرك ضمن المشهد الواحد ، من أجل التركيز على أفعال محددة بعينها أي إنه يحقق حركة الفعل المسرحي ضمن محيط ساكن مما يخلق جدلية في الحركة والسكون ضمن الفعل المسرحي وهذه الجدلية هي التي تسهم أيضا في خلق إيقاع المكان لذلك نجد أن سمة التوقف والحركة هي الغالبة في فعل المجاميع ضمن فضاء العرض .
وإن الحركة بعيدة عن المألوف ، أما الموسيقى فقد وضفها المخرج بطريقة ظربية لتعبير عن المأساة الحاصلة على العراق وموتاه المظلومين ، وبتكرار كلمة (ونصبر) تأكيداً على صبر العراقيين ومدى تحملهم لما مر عليهم ، وما يمر من خلال إصدار فتاوى جديد تندد بحياته ويعود المخرج ليضع مجاميع تشكليه جديدة وبجلوس يدل على الخضوع ليصرح مرة أخرى قبل إنتهاء المسرحية إلى المظلومية التي حلت عليهم.
ونلاحظ كذلك أن المخرج ينوع في التكوين العام لمفرداته المتعددة التي تخلق مكان الأحداث وخاصة تعامله مع الممثل فإنه يستخدم التكوين الموضعي بأشكال متعددة فمرة نجد الممثل واقفا وأخرى منحنياً وثالثة نائماً أو زاحفاً وهكذا بحسب تطور إيقاع المكان ، ويرافق ذلك استخدامه للتكوين المتنوع الذي يعتمد على الإنتقال المستمر من منطقة إلى أخرى على خشبة المسرح ، الأمر الذي يظهر ترميز الجسد وبعده على الحركات الواقعية .
وبالنهاية يقوم المخرج بإنتفاضة جماعية ضد المفتى وزبانيته لينهي المسرحية بإنتصارهم وأقصد الشهداء ضد كل القوى الظلام والطغيان وصوت أنشودة (منصورة يا بغداد) وتنتهي المسرحية بإنتصار حقيقي لكل قوى الظلم والطغيان.
 مسرحية ( ثورة الموتى )                                       
 تأليف : أروين شو
  إعداد وإخراج : جاسم الحسني  
تؤسس أحداثها المسرحية العامة على المزج بين الأفعال الواقعية والأفعال التعبيرية فهي تطرح لنا واقعاً مأساوياً يتمثل في الحرب ونتائجها على الشخصيات وهو منحى واقعي يصور لنا قدرة الحروب في الفتك بالإنسان لكن هذا الحدث الواقعي سرعان ما يذوب بداخل الحدث التعبيري نجد أن أزمة المسرحية تقوم على رفض مجموعة من القتلى الجنود الأمريكان الدفن بعد موتهم وهو إختراق ثيمي يصور التجاور الأسلوبي بين الأحداث الواقعية والأحداث التعبيرية ، فالمسرحية على الرغم من أنها تتحدث عن عالم خارجي هو عالم الحرب إلا أنها تغور في ذلك العالم عبر ما ترتكز عليه من إنطباعات والإنفعالات والأحوال الوجدانية للشخصيات وهذا يعني أن المسرحية تبدأ بتجاوز البديهيات الزمانية والمكانية لتقترح بديلاً جديداًُ من ناحية الزمان والمكان إذ يتأسس على ذلك الإستغراق الكبير في عالم الذات الداخلي من أجل تجسيد فعاليات ذلك العالم وهي بذلك تعيد صياغة العالم الخارجي إذ تعتمد على تجريد العالم الواقعي من إشتراطاته ومسلماته لصالح الفعل التعبيري الذي تنعكس مدياته على المكان ودلالاته في العرض .
إن المكان المتحول في العرض لا يعني الإنتقال الجغرافي فقط كما هو الحال في المسرح الواقعي بل يتعدى ذلك إلى التحول الدلالي للمكان فنجد أن المشهد الإفتتاحي للمسرحية الذي يظهر فيه الجنود وهم يقومون بحفر قبورٍ للجنود الموتى إنما يعطون دلالة جديدة عندما تأخذ عملية الحفر معنيين متوازيين فالقبور التي يتم حفرها هي في واقع الحال كانت بالأصل خنادق للقتال يختبىء فيها الجنود من خطر الموت لذلك تنشطر الدلالة المكانية إلى (القبر / الخندق) فإذا كان القبر يدل على الموت فإن الخندق يدل على الحياة بإعتبار أن الخندق يحفظ الحياة عندما يختبئ الجندي فيه وهو ما يعطي توازياً آخر بين المكان كمعطى تعبيري في العرض وبين الجانب الثيمي الذي ينشطر هو الآخر إلى معنيين متناقضين ولكنهما متداخلين معاً كان موت الجندي في الحرب أمراً طبيعياً فإن الأمر الغير طبيعي هو أن يرفض أؤلئك الجنود عملية دفنهم وهذا يعني موقف رافض من أولئك الجنود لما يجري في مأساة الحرب لذلك نجد أن النص بالأصل يغادر مبدأ المحاكاة الواقعية ويؤسس شكلاً تعبيرياً لتلك المحاكاة ينعكس بصورة  واضحة على طبيعة الحركة في العرض ولغته ومفرداته البصرية إذ تتجرد من مرجعياتهم الواقعية لتدخل إلى عالم التأويل والتجاوز على المرجعيات سابقة الذكر ، فإذا كانت الرؤية الموضوعية في المسرح الواقعي هي السائدة فإنها في هذا العرض تتحول إلى رؤية بالغة الغرابة بل إنها تظهر لنا شكلاً جديداً من أشكال القبح الإنساني إذ تتصادم إرادتان متساويتان في الوسائل وهذا ما يؤدي بالتالي إلى تنوع واضح في المكان إذ وظف المخرج مساحة المسرح الدائري ووزع على جانبها أحداث شخصياته وخاصة وجودها المكاني إذ نجد أنه قام بعزل المشاهد بواسطة توزيع ديكوراتها على شكل نصف دائرة مع عدم وجود كواليس مسرحية يمكنها أن تحدد تلك القطع الديكورية لذلك يستخدم أنواع مختلفة من الوسائل التقنية التي من شأنها أن تعزز صمود الرؤية التعبيرية في العرض ، ولعل في مقدمة تلك الوسائل استخدام الإضاءة في الكشف عن جغرافية المشهد فنجد أن المخرج يعمد إلى التعتيم على كل المشاهد الأُخر ويضيء مشهداً واحداً يركز على أحداثه بينما يعتم على المشاهد الأُخر وهذا ما يمنح المشهد الذي تم التركيز عليه حضوراً بصرياً واضحاً أمام المتلقي ومع التنوع في اللون تصبح الدلالة التعبيرية أكثر حضوراً في المشهد إذ إن المخرج يعتمد اللون الأحمر طيلة المناقشة التي  تتم بين الجنود أثناء مناقشة عملية الدفن من قبلهم بينما يستخدم اللون الأصفر عند قيام الجنود الموتى بالدفن إذ  نجد أن استخدام الإضاءة هي تعبير عن دواخل الشخصيات فكان اللون الأحمر معبراً عن ثورة الشخصيات المتمثلة بالجنود ضد الواقع الذي يهين قيمة الإنسان وكذلك يشير إلى دموية المكان إما اللون الصفر فكان معبراً عن شبح الموتى الذي يحاصر الشخصيات المتلاشية بين الجثث ، فكانت الإضاءة معبرة عن دواخل الشخصيات ودلالة المكان .
وهذه الإنتقالات في الضوء هي التي تعطي لجغرافية الحدث تنوعاً بصرياً يشكل الإيقاع العام للعرض إذ إن مناخ العرض يصبح مجموعة من التداخلات الرمزية التي تفرزها لغة اللون وهي ذات صفة رمزية تنبثق من التركيز على الإنفعالات الذاتية للشخصيات وماساتها العامة فهذين اللونين يعبران عن الجانب النفسي في حياة الشخصيات إذ تصبح الإضاءة عنصر من العناصر الفعالة في المعالجة التقنية التي يستخدمها الإخراج ، إذ إن الإضاءة تصبح كاشفة عن العالم الداخلي لأبطال المسرحية فتصور لنا مناخ الشخصية المتوحشة والمخيفة عبر هذا التجاور بين عالم الحياة وعالم الموت ومع أن المخرج يستخدم مفردات واقعية مثل أكياس الرمل لبناء الخندق ومجازف الحفر إلا انه يكسر هذه الحدة الواقعية التي نجدها في تلك المفردات عندما يعمد إلى وضع شبكة للصيد في خلفية الخندق ليعطي لنا انطباعاً بأن جميع الشخصيات الموجودة في المسرحية سواء تلك الشخصيات الحية أم الميتة هي في واقع الحال في شرك اللعبة التراجيديا التي يفرزها فعل الحرب الدموي لذلك تصبح حتى المفردات الواقعية في هذا المشهد عبارة عن مرموزات بعالم تعبيري يعكس الطبيعة الجوهرية للمكان فيكون المشهد عبارة عن فضاء تعبيري لحلم أو كابوس مثير أو مزعج فيخرج المكان من دلالته الواقعية إلى أفقه التعبيري فيصبح دالاً على الإنفعالات النفسية للشخصيات وعالمها الداخلي وهو ما يمنح المكان تلقائية وفطرية تجعل منه نسقاً فاعلاً من أنساق العرض المسرحي أما الإنتقالات المكانية التي تكتشف تطور الحدث (رفض الجنود الموتى لعملية دفنهم ) على المستوى العام سواء في قيادة الجيش أو تمثلات ذلك الحدث في عالم الصحافة إذ نجد أن التحولات الجغرافية للمكان تذهب باتجاه غرفة الجنرال أولاً ومن ثم غرفة رئيس التحرير ثانياً والعودة إلى الخندق ثالثاً وهذه التحولات كلها تسهم في دفع الحدث التراجيدي إلى الإمام لذلك نجد أن المخرج لا يهتم بالتفاصيل الدقيقة للمكان بل إنه يستعير بعض المفردات الواقعية لخلق نوع من الإيحاء وهذا ما يجرد المكان من سبغته الواقعية وهذا ما يطرح الإيقاع العام للعرض .
على الرغم من عدم قدرته على الغوص في عالم الشخصيات الداخلي أكثر إلا إنه يخلق منظراً كاشفاً للتشويه الداخلي الذي يحصل في المكان عبر تلك الخطوط المائلة والمستقيمة التي تهيمن على حركة الشخصيات وأفعالها فيفرز لنا عناصر سينوغرافية غير كاملة وغير متماثلة وبشكل مقصود وهذا يجعل من تلك الدلالات التي يبثها مكان العرض أن تحقق لنا بيئة محددة هي بيئة العرض الذي ينشدها المخرج .
ويستخدم المخرج آلية أخرى من الآليات التقنية التي تعزز حضور المكان بشكله التعبيري في العرض إذ نجد الشخصيات النسائية تكون في داخل المشهد العام منذ بداية المسرحية ولكنها تكون شخصيات غير متحركة وغير فاعلة حتى يحين موعد دخولها في الحدث فالمخرج يدرك لعبة التحول في المكان إذ إنه يكرر هذه التقنية أكثر من مشهد إضافة إلى أنه يعزز هذه التقنية باستخدام  وضعيات محددة للأجساد الممثلين عندما يعطون ظهورهم للجمهور دلالة على أنهم غير داخلين في الحدث الذي يدور أمامهم وهي تقنيات تتماشى مع طبيعة الفضاء المفتوح الدائري حيث لا تكون هنالك كواليس يمكن أن يختفي الممثل وراءها فيكون كل شئ معلناً وغير سري وكأن اللعبة المسرحية مفضوحة أمام الجمهور وما يعزز هذا الكشف في اللعبة المسرحية هو التداخل في مستويات الحركة بين الحياة العسكرية التي تمثلها الشخصيات النسوية التي تأتي إلى مكان دفن الموتى من أجل إقناعهم بضرورة الخضوع بأمر الدفن وكان هذه الشخصيات النسوية تريد أن تطمر مأساتها الكبيرة مع دفن أجساد موتاه وهذا يؤكد على تلك الديناميكية الواضحة في حركة الشخصيات النفسية وهو ما يعزز من تركيز الجانب الموضعي على أزمة الشخصيات الداخلية .
الفصل الرابع
النتائج 
      1- برزت تلغرافية المكان في مسرحية (فتاوى للإيجار)من خلال الصورة الأولى للمكان بإظهار معالم العراق وهي مؤطرة بالأسلاك الشائكة فإمتاز المكان المسرحي بدلالة تعبيرية غامضة تمتلك إحالات دلالية واضحة لإيصال فكرة السجن ،أما في المسرحية (ثورة الموتى) فنجد تلغرافية المكان قد تجسدت في وضع المخرج شبكة الصيد في خلفية الخندق للدلالة على أن الجميع سقط في شرك الحرب الرافض لها والمساند فالكل يجب أن يشارك في هذه اللعبة اللعينة.وبذلك فقد عبر المكان عن حالة صريحة بأسلوب تلغرافي مبهم ذي إحالة نسبية مثلت إحدى دلالات المكان في المسرح التعبيري .
     2-إبتعد المكان عن الواقعية في مسرحية (ثورة الموتى) من خلال الغوص في الذات للتعبير عن العالم الخارجي إذ تحدث المكان بصراحة عن العالم الخارجي وبواقعية من خلال الجنود والقتلى إذ تغلغل في خفايا الذات وعبر عن موقفها الداخلي الرافض لهذه المأساة مظهراً الواقع الذي أتسم بالحلمية عبر الإحالات للدلالات المكانية المعبرة كما يمكن القول بأن التعبير عن دواخل وخفايا الشخصيات قد تجسد من خلال إستخدام اللون الأحمر المعبر عن ثورة الشخصيات ضد واقع الحرب ،واللون الأصفر تعبيراً عن شبح الموت ، أما في مسرحية (فتاوى للإيجار ) فقد استخدم المخرج أسلوباً تعبيرياً يبتعد عن واقعية المكان من خلال استخدامه الأسلاك الشائكة وقبور ليصبح المكان خارجاً عن أعرافه الواقعية ومعبراً عن الصراعات الداخلية للشخصيات .
 3- برز إنتقال المكان في مسرحية (ثورة الموتى) من حالة مبسطة إلى حالة أخرى مبالغ فيها فالخندق تحول إلى قبر ليعبر عن بساطة الحياة التي تتحول إلى مبالغة الموت ،أما في مسرحية (فتاوى للإيجار) فالعصى على بساطتها تتحول إلى كائن هو الحصان وقطعة القماش البيضاء تتحول إلى كفن وبذلك تجسدت دلالة إنتقال المكان من التبسيط إلى المبالغة لبيان رمزية مكانه .
4- ظهرت المناظر المسرحية مشوهة ففي مسرحية (فتاوى للإيجار)بدت الجدران مكسره ومفتته أما في مسرحية (ثورة الموتى)فأن تشويه وتفتيت المنظر المسرحي كان من خلال الجثث المتناثرة واستخدام (ستوب كادر) في حركة الممثلين مما يظهر تقطيعا ً لأشلاء المنظر المسرحي للتعبير عن إنكسار الذات الإنسانية ومعاناتها وتحطمها .
5- إعتمدت تلك العروض على التحوّل العلاماتي في بناء المكان تماشياً مع حركة الفعل المسرحي بحيث لم يكن هناك منظراً ثابتاً ،كما يمكن القول بأن التنوع الدلالي في تحولات المكان قد وفر رؤية جمالية ساهمت في تفعيل الخطاب المسرحي وأثرت على أداء الممثل الذي إضطر إلى التعامل مع مفردات المكان ليس كونها مفردات واقعية بل مفردات تعبيرية قابلة للتحوّل .
6- إن وضوح السمة التعبيرية في المكان لهذه العروض حدد المخرجين في تأسيس حركة إخراجية تستثمر الطبيعة الجمالية لهذا المكان بما يتوافق مع تعبيريته .
7- خلقت المفردات المختلفة في تأثيث المكان نوعاً من الإيقاع الجمالي الذي أسس لشكل ذلك المكان مقترحاً تعبيريته عبر الحركة الديناميكية لتلك المفردات .
8- تفاوت مستوى إنجاز المكان التعبيري ومستوى تنوعه الدلالي في العروض بحسب فاعلية المخرج في التعامل مع مفردات المكان ، فمنها ما ظل ضمن تصوراته الايقونية ، ومنها ما تحوّل إلى علامات إشارية أو رمزية .
9- خضع التنوع الدلالي للمكان التعبيري في تلك العروض إلى اشتراطات المكان في المسرح التعبيري ، إذ لم يكن يشير إلى أمكنة جغرافية محددة ، بل كان يشير لدواخل الشخصيات وتطور فعلها السيكلوجي . 
الاستنتاجات 
توصل الباحث إلى الاستنتاجات التالية :
1- تنوعت التجارب المسرحية في التعامل مع المكان بين الإبقاء على واقعيته وبين اعتباره أحد الفرضيات التجريبية في العروض المسرحية .
2- إختلف المكان في المسرح التعبيري عن غيره في المسارح الأُخر كونه يشير دائماً إلى معطيات الحدث النفسية دون الإشارة إلى المحددات الجغرافية. 
3- لم يكن المنظور في المكان التعبيري واقعياً بل كانت دائماً الخطوط والكتل تخترق قوانين الخط والكتلة كونها تشير إلى خطوط مكسورة أو كتل مشوّهة لتبرز بشاعة الثيمات التي تتناولها التعبيرية من الناحية الثيمية .
4- عبر المكان التعبيري دوماً عن جمالياته بواسطة تحولاته الدلالية التي أعطت لرؤية المخرجين تأثيراً واضحاً على الجمهور .
5- ساهم الممثل دوما بالتعاون مع الكتل الديكورية في خلق المكان التعبيري عبر طريقة تعامله التي تبتعد عن الواقعية .
6- لعبت الإضاءة وتحولاتها التقنية بحسب العصور دوراً كبيراً في إضفاء المناخ العام على المكان التعبيري عن طريق مساقط الإضاءة وطبيعة الأجهزة المستخدمة .
7- هدفت العروض التعبيرية دائماً وعبر إعتماد التنوع الدلالي في المكان الى التأثير النفسي في الجمهور من خلال المجاورة في مناطق الحلم واللاوعي .
8- أمتاز المكان في المسرح التعبيري بطرح حالة صريحة بأسلوب تلغرافي مبهم يمتلك إحالة نسبية الوضوح.
9- يعبر المكان عن الصراعات الداخلية للشخصيات في المسرح التعبيري .
التوصيات
يوصي الباحث بما يلي :
1- توفير المستلزمات التقنية التي من شأنها تعميق رؤى المخرجين في الكلية لتقديم عروض جمالية تنتمي إلى عدّة مذاهب فنية وبضمنها التعبيرية مثل أجهزة الإضاءة والديكور والأزياء وغيرها .
2- دراسة تأثير المذاهب الفنية في تطور الرؤى الإخراجية في المسرح التعبيري والبناء الفني للعرض .
المقترحات
1- تجليات المكان في المسرح التعبيري العراقي .
2-جماليات التعبير في العروض التعبيرية المسرحية .
3- دلالات المكان في المسرح التعبيري الالماني.
4- تمثلات الذات في العروض المسرحية التعبيرية . 
هوامش البحث

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption