أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأربعاء، 7 يناير 2026

قراءة نقدية في مسرحية كازانوفا عندما تُحاك المشاعر تحت مكينة الخياطة: كازانوفا بين الرمزية والخيال

مجلة الفنون المسرحية


قراءة نقدية في مسرحية كازانوفا عندما تُحاك المشاعر تحت مكينة الخياطة: كازانوفا بين الرمزية والخيال

*آمنه بنت محمد البلوشي 


رغم شغفي بالمسرح وحرصي الدائم على متابعة تجاربه المختلفة، حالت ظروف السفر دون حضوري معظم عروض مهرجان الكويت المسرحي الخامس والعشرين، فبقيت مسرحية واحدة فقط شاهداً مباشراً على هذه الدورة، حملتني إلى عالمها، وفتحت لي نافذة للتأمل والقراءة الجمالية والفلسفية. وربما كانت هذه المحدودية في المشاهدة سبباً في تعميق التجربة لا اختزالها، إذ جعلتني أتابع تفاصيل العرض الوحيد الذي حضرتُه بشغف مضاعف، وبتركيز أكبر على كل حركة وصوت ورمز.
من هذا المنطلق، جاءت مسرحية «كازانوفا» لا بوصفها عرضاً عابراً، بل كتجربة مسرحية مكتملة، اختزلت في فضائها الصغير أسئلة كبرى عن الإنسان، والخيال، والرغبة، والقيود اليومية.

قدمت مسرحية «كازانوفا» في مهرجان الكويت المسرحي الخامس والعشرين على مسرح الدسمة، من خلال فرقة المسرح العربي، وانطلق العرض بجملة افتتاحية شدّت انتباه المشاهد:
«عندما تُحاك المشاعر تحت مكينة الخياطة»، ليصبح المشهد المسرحي منذ اللحظة الأولى فضاءً يجمع بين الروتين اليومي والعمق النفسي، وبين ملمس الخيط ونسج المشاعر كرمزية أساسية لبنية النص.

جاءت المسرحية من تأليف وإخراج محمد الرباح، ومن بطولة غدير حسن، سارة العنزي، آمنة عبدالله، ومحمد المطاوعة، بمشاركة فريق فني متكامل:
•تصميم الأزياء: أسماء عيسى
•السينوغرافيا: فهد المذن
•مساعد الأزياء: شوق صالح
•إشراف الموسيقى: حسين الرئيسي
•تأليف الموسيقى: كوثر الشمري
•مدرب لغة الإشارة: أستاذ عبدالله العنزي
•مساعد المخرج: هيا السعيد
•المخرج المنفذ: سليمان المرزوق
•الإشراف الفني: أستاذ فيصل العبيد
•رئيس فرقة المسرح العربي: أستاذ أحمد الشطي

ساهم هذا الفريق في تحويل المشهد المسرحي إلى فضاء بصري وسمعي متكامل يعكس الرمزية والصراع النفسي للشخصيات، حيث أصبح كل عنصر من عناصر العرض، من الديكور إلى الموسيقى، من الأزياء إلى لغة الإشارة، جزءاً من السرد الفلسفي والجمالي للمسرحية.

البعد التاريخي والرمزي لشخصية كازانوفا

تاريخياً، كازانوفا هو الإيطالي الشهير جيوفاني جيوسيبي كازانوفا، المعروف بـ “شخصية العاشق”، وقد ورد ذكره كثيراً في كتب روبرت غرين. ومن أقواله الطريفة:
“النساء، أعطهم وعوداً لا تتحقق، فهم يسرحون مع الخيال” 
في المسرحية، يُستعار الاسم رمزياً وفلسفياً، ليعكس صراع الإنسان مع رغباته الداخلية، وابتكار بدائل خيالية لملء الفراغات الوجودية، بعيداً عن الرومانسية المباشرة، مع لمسة من الفكاهة التي تخفف ثقل الرمزية وتخلق تواصلاً مع المشاهد.

الحبكة والمشهد النفسي

تدور الأحداث في مشغل خياطة صغير، حيث ثلاث نساء، يتشابك عملهن اليومي مع مشاعرهن وأفكارهن، لتطرح المسرحية تساؤلات فلسفية:
•هل يمكن أن نخيط كل تفاصيل حياتنا لنعيش على وتيرة الحلم؟
•وكيف يمكن للفراغ والخيال الداخلي أن يملأ الصراعات التي تفرضها الحياة اليومية حين تُغلق الأبواب؟

اللغة والحوار

تميزت المسرحية بلغة شاعرية غنية بالرمزية والإيحاءات، إذ أصبح كل حوار وكأنه خيط آخر ينسج المشهد الروحي للشخصيات. ورغم ذلك، لوحظت بعض الفقرات الحوارية الرتيبة والمتكررة التي أثرت على إيقاع النص العام وأدت أحياناً إلى شعور بالملل. في المقابل، كانت لغة الإشارة مثل الصوت المبحوح، تضيف طبقة تعبيرية صامتة تكشف عن الصراعات الداخلية والاختلافات بين الشخصيات، ما يمنح المشاهد فرصة للتأمل فيما هو غير مسموع ومرئي.


الديكور والأزياء

شكل الديكور والملابس امتداداً محورياً لفلسفة المسرحية، إذ يعكس المشغل الضيق شعور الشخصيات بالقيود اليومية، بينما تحمل الألوان، الخيوط، الأقمشة المتشابكة، والإكسسوارات الرمزية دلالات مباشرة على الصراعات النفسية والمزاجية للشخصيات. كل عنصر بصري أصبح لغة مسرحية متكاملة، ويجعل كل حركة على ماكينة الخياطة جزءاً من التعبير النفسي والفلسفي، مع إبداع فهد المذن، أسماء عيسى، وشوق صالح والفريق الفني في صياغة مساحة بصرية متوازنة وغنية بالرمزية.

الموسيقى والإيقاع الفني

قدمت المسرحية موسيقى تغذية سمعية وبصرية لطيفة، تعزز الجو الشعوري واللغة الشعرية، لكنها شهدت بعض المفارقات في تصاعدها الفني، حيث لم تتوافق دائماً مع اللحظات الدرامية، ما أثر على وضوح الفكرة المحورية المتمثلة في فلسفة الصراع الداخلي والتوتر النفسي للشخصيات. هذا الاختلال الموسيقي، إلى جانب بعض الرتابة في الحوار، أضعف أحياناً الإيقاع العام للنص المسرحي، رغم إشراف حسين الرئيسي وتأليف كوثر الشمري الذي أضاف بعداً موسيقياً متكاملاً ومتناغماً مع الرمزية.

الربط الفلسفي بمسرحية «بيغماليون»

يمكن قراءة «كازانوفا» في ضوء مسرحية جورج برنارد شو «بيغماليون»، التي تتناول تحول شخصية إليزا دوليتلاجتماعياً ونفسياً عبر التعليم والتدريب. على الرغم من اختلاف السياقات، إلا أن كلا المسرحيتين تشتركان في عدة أبعاد:
•الهوية والتحول: في بيغماليون يتحقق التحول عبر اللغة والتعليم، وفي كازانوفا عبر الخيوط الرمزية والخيال الداخلي.
•الخيال مقابل الواقع: كلا العملين يظهران كيف يسعى الإنسان إلى إعادة تشكيل ذاته في مواجهة قيود المجتمع أو الواقع اليومي.
•الحرية والقيود: النساء في المشغل محدودات المكان لكنه يمنحهن مساحة للخيال، وإليزا محدودة بالقواعد الاجتماعية لكنها تستطيع تجاوزها بالوعي والمهارة.
•العلاقات الإنسانية وصراع الذات: كلا المسرحيتين تطرحان التوتر بين من يُشكّل الآخر وبين من يسعى للحفاظ على استقلاليته الداخلية.


الأطروحات الفلسفية

تطرح المسرحية أسئلة عميقة حول الحياة والخيال والرغبات:

•هل يمكن أن نخيط كل تفاصيل حياتنا لنعيش على وتيرة الحلم؟
•إلى أي حد يمكن للخيال الداخلي والرمزية أن تعوض عن القيود والفراغات اليومية؟
•هل تكفي اللغة الشعرية والجماليات البصرية والموسيقية لإيصال صراع الذات، أم أن الإيقاع الدرامي المتوازن ضروري للحفاظ على تماسك الفكرة؟
•كيف يمكن للغة الإشارة أن تتحدث بأبلغ من الكلام المباشر في التعبير عن الصراعات الداخلية؟
•هل يكفي الرمز والتصوير المسرحي لتعميق الفهم، أم أن التفاعل الحيوي بين الشخصيات والمشاهدين ضروري لإدراك الفلسفة الكامنة في النص؟
•كيف يمكن لمسة الفكاهة المستمدة من شخصية كازانوفا التاريخية أن تخفف ثقل الرمزية وتزيد من تواصل المشاهد مع النص؟ 


تجمع مسرحية «كازانوفا» بين العمق النفسي والجماليات المسرحية والفكاهة والرمزية، وتقدم تجربة فنية متكاملة تعكس صراع الإنسان مع ذاته ورغباته، والهوية، والحرية، والخيال، مع استلهام الفكر النقدي من أعمال مثل «بيغماليون»، ولمسات فريق العمل المبدع بقيادة محمد الرباح، فهد المذن، أسماء عيسى، شوق صالح، حسين الرئيسي، كوثر الشمري، عبدالله العنزي، هيا السعيد، سليمان المرزوق، فيصل العبيد، وأحمد الشطي، التي أثرت بصرياً وسمعياً على كل مشهد، وجعلت المسرحية تجربة متكاملة على مستوى الأداء والجماليات والفكر الفلسفي.


*ناقدة في الأدب العربي
ayaamq222@gmail.com

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption