مونودراما (السيد خادم الكلب) تأليف : بلعربي خالد
مجلة الفنون المسرحية
الشخصية الوحيدة: الخادم
النوع: كوميديا سوداء ساخرة
(إضاءة خافتة. يدخل الخادم وهو يحمل صحنًا فارغًا، ينظر إليه طويلًا ثم ينظر إلى الجمهور.)
الخادم:
هل تصدقون أن الإنسان قد يعمل طوال عمره ليصبح خادمًا… لكن ليس لإنسان؟
أنا لم أكن خادمًا لوزير، ولا لملك، ولا حتى لرجل أعمال متكبر… أنا كنت خادمًا لكلب!
نعم… كلب!
لكن لا تتسرعوا في الحكم، فهذا ليس كلبًا عاديًا… هذا كلب ورث الملايين!
(يضحك بسخرية.)
كان صاحبه رجلًا غنيًا جدًا، جمع الأموال أكثر مما جمع الأصدقاء، وعندما اقتربت نهايته اكتشف أنه لا يوجد أحد يستحق أن يرثه… لا ابن، لا قريب، لا إنسان يثق به.
فماذا فعل؟
كتب وصيته العظيمة!
(يتقمص شخصية المحامية.)
"أوصي بكل أملاكي لكلبي الوفي، فهو الوحيد الذي أحبني دون طمع."
يا لها من حكمة عظيمة!
الكلب لا يطلب منك مالًا… فقط يطلب منك أن تطعمه، يعضك أحيانًا، وينظر إليك وكأنك أنت المذنب!
وترَك تعليمات للمحامية:
"ابحثي عن شخص يخدم كلبي حسب شروطه الخاصة، ويعامله كما يحب."
ومن هنا بدأت الكارثة.
تقدم للوظيفة كثيرون… أطباء، طباخون، خدم محترفون… لكنني كنت الوحيد الذي حصل على المنصب.
لماذا؟
لأنني كنت أعرف الكلب منذ صغره.
كنت أراه في الحي، ألعب معه، وأعرف عاداته.
والحقيقة يجب أن تقال… تلك الكلاب التي عشنا معها لم تكن كلابًا ضالة كما يظن البعض.
كانت تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
تعرف من يملك المال، ومن يخفي الخبز في البيت، ومن يشتري اللحم ومن يشتري العظم فقط.
كانت تعرف قوت يومنا ومدخراتنا… وربما كانت تعرف حساباتنا البنكية أكثر منا!
(يجلس وكأنه يستعد لحكاية طويلة.)
في البداية… كانت الحياة جميلة.
كنت أستيقظ مبكرًا، أرتدي ملابس الخدمة، وأبدأ عملي المقدس.
أحضر قطعة اللحم…
بدون عظم طبعًا.
فالكلب الثري لا يأكل أي شيء.
أغسلها، أتبلها قليلًا، أضعها على نار هادئة حتى تصبح طرية.
ثم تبدأ المرحلة الأصعب…
أقطعها إلى قطع صغيرة جدًا.
لماذا؟
حتى لا يتعب فم السيد الكلب!
نعم يا سادة… كنت أخاف على أسنانه أكثر مما أخاف على أسناني.
ثم أحمل القطعة بكل احترام…
وأضعها في فمه مباشرة.
(يقلد إطعام كلب.)
تفضل يا سيدي…
امضغ براحتك…
أنا هنا فقط لأخدمك.
لكن هل تعرفون ما هو المضحك؟
أن لعابي كان يسيل!
اللحم أمام عيني، ورائحته تملأ المكان…
لكن ممنوع!
ممنوع أن أتذوق.
بل حتى أن أستنشق الرائحة كان يعتبر مخالفة.
كان هناك قانون غير مكتوب:
"أنف الخادم لا يحق له الاستمتاع برائحة طعام السيد."
كنت أعيش مع قطعة اللحم ثلاث ساعات… أطبخها، أقطعها، أحملها، أطعمها… وفي النهاية لا أعرف حتى طعمها!
كنت أشعر أنني أب يطعم ابنه… لكن الابن هو الذي يأكل راتب الأب!
(يصمت قليلًا.)
ومرت الأيام…
حتى جاء ذلك اليوم الذي لن أنساه.
كان يومًا مختلفًا.
ربما شعر الكلب بالشفقة عليّ.
ربما تأثر بتعب عيني وأنا أنظر إلى الطعام.
ربما حدثت معجزة في عالم الكلاب.
ترك لي…
قطعتين من اللحم!
(يفتح عينيه بدهشة.)
نعم… قطعتين كاملتين!
بالنسبة لي كان ذلك كنزًا.
كنت أنظر إليهما وكأنني وجدت ذهبًا.
قلت لنفسي:
"يا رجل… قطعة واحدة فقط. لن يحدث شيء."
نسيت العقد.
نسيت الوصية.
نسيت أنني أخدم كلبًا يملك الملايين.
أخذت القطعة…
اقتربت بها من فمي…
(يتذوق في خيال.)
يا لها من لحظة!
لحظة واحدة شعرت فيها أنني إنسان.
لكن…
الكارثة!
كان الوصي موجودًا.
رآني.
لم يقل: "أحسنت، لقد تعبْت كثيرًا."
لم يقل: "شكرًا على خدمتك."
بل صاح:
"خنت الأمانة!"
خيانة؟
أنا الذي كنت أطعم الكلب بيدي؟
أنا الذي كنت أحرم نفسي من اللحم لأجل راحته؟
أنا الذي كنت أعرف مزاجه أكثر من صاحبه؟
طردني فورًا.
لا راتب.
لا مكافأة.
لا تقاعد.
حتى سنوات خدمتي للكلب لم تشفع لي.
ذهبت إلى السيد الكلب…
قلت له بعيني:
"ساعدني… قل لهم إنني خادمك المخلص."
نظر إليّ…
حرّك ذيله…
(يصمت ثم يضحك بمرارة.)
لكن ليس تحية.
كان يشير إلى الباب!
حتى الكلب وقّع قرار فصلي بذيله!
(ينهض ويحمل الصحن الفارغ.)
وهكذا انتهت مسيرتي المهنية.
تعلمت درسًا مهمًا:
في هذا الزمن… قد ترث الكلاب القصور، وقد يعمل الإنسان لخدمة الكلاب.
لكن أخطر شيء…
أن يكون كلب غني…
لأكنه قد يسامحك إذا أخطأت في حقه…
أما البشر الذين يحرسون ثروته…
فلن يسامحوك أبدًا إذا أكلت قطعة من لحمه.
(ينظر إلى الصحن.)
والآن…
إذا وجدتم وظيفة لا يوجد فيها كلب مدير…
أخبروني.
أنا مستعد للعمل.
لكن لدي شرط واحد فقط…
أن يكون الطعام للموظف قبل ..
(إظلام تدريجي.)








0 التعليقات:
إرسال تعليق