أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 17 ديسمبر 2020

د. عقيل مهدي: المسرح هو برهة فنية خاطفة دالة على امتداد حياة

مجلة الفنون المسرحية


د. عقيل مهدي: المسرح هو برهة فنية خاطفة دالة على امتداد حياة تضم سنوات أعمارنا

حاوره : علاء المفرجي - المدى

ولد المخرج د عقيل مهدي يوسف في الكوت عام 1951 ، أنهى البكالوريوس بجامعة بغداد كلية الفنون الجملية قسم الفنون المسرحية عام 1972 حصل على شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة فيتس / بلغاريا عام 1982-1983

تدرج بالوظائف بدءاً من مدرب فنون في كلية الفنون الجملية مروراً بأستاذ في قسم الفنون المسرحية ومن ثم رئيساً لقسم الفنون المسرحية ، وانتهاءً بمنصب عميد كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد .

أصدر د. عقيل مهدي العديد من الكتب العلمية الأكاديمية في جملة من الاختصاصات والمخاصب الفنية منها: الجمالية بين الذوق والفكر، التربية المسرحية في المدارس، نظرات في فن التمثيل، الواقعية في المسرح العراقي، مسرح ما بعد الحداثة، متعة المسرح، جماليات المسرح الجديد، التعريف الجمالي، العملية النقدية، - السؤال الإبداعي.. وأسس نظريات التمثيل، التقاط الجمال، والفضاء الجمالي للمسرح

والفنان المخرج العراقي الكبير عقيل مهدي محطة مبهرة من المحطات التي سجلتها الذاكرة المسرحية العراقية بفخر وكبرياء ، لأنه ارتقى منصات البوح من خلال فضاءاته الجمالية ، واستنباطاته الفلسفية.

حاورته (المدى) عن تجربته الطويلة في المسرح مخرجاً ومؤلفاً وناقداً.. أستاذ الجمال في المسرح.. والذي نهجت على خطاه أجيال من المسرحيين.

- تنتمي الى جيل المخرجين الأكاديميين او ما يعرف بالجيل المسرحي الأكاديمي الثالث الذي ضم اسماء مهمة في الحركة المسرحية العراقية ومنها المبدع الراحل (عوني كرومي) و(صلاح القصب) و(فاضل خليل) و المخرج (عادل كريم) .. هل استطاع هذا الجيل أن يؤسس تجربة خاصة به في المسرح العراقي.

• يمكن تسمية تجربة د. عوني , د. صلاح , د. فاضل , د.عقيل ,د. عادل بالمسرح ( الأكاديمي الثالث ) التي جاءت بعد تجربة الأساتذة الرواد ؛ مثل إبراهيم جلال , جعفر السعدي , جاسم العبودي , سامي عبد الحميد , بدري حسون فريد ، وهم من طلبة ( حقي الشبلي ).

ونحن بدورنا ممّن تدرّب على أيديهم في فنون العرض المسرحي . وقد انفرد كل واحد منا ببعض الخصائص والسمات مثلاً عوني , اتخذ مثاله من ( بريخت ) بشكل واضح في مسرحه الألماني الملحمي . صلاح من مسرح الصورة بإتجاه المعنى المفهومي حين تعامل مع نصوص شكسبير وتشيخوف أو مع نص روماني ( أحزان مهرج السيرك ) وسواها . 

أما أنا وفاضل وعادل ، فقد أفدنا من المسرح البلغاري ) وعروض فيليبوف ، وستيانوف ، بمعنى نحن درسنا في بلدان أوروبا الشرقية , كان فيها في ألمانيا بريخت وسبقه جوته وفلاسفة كبار. وفي رومانيا كان مسقط رأس ( تزارا ) مؤسس الدادائية والسريالية فيما بعد , وكذلك (مارتن أسلن ) روماني الأصل , وأنا وفاضل وعادل في بلغاريا ، كان أيضاً من المؤثرين على ( الثقافة العالمية) ومن أصل بلغاري هو ( تودوروف ) و (كريستفا ) .

فضلاً عن تعاملنا كلنا مع مؤلفين عرب وعراقيين , عادل مع الكلاسيكية ( الإغريقية ) ، وأنا في نصوصي التي قمت بتسميتها وإخراجها بمسرح ( السيرة الإفتراضية ) , وفاضل تعامل مع نصوص عربية وعالمية ، ولكنه ركّز على تجربته مع يوسف العاني ، وبهذا مثّل كل منا تجربته المسرحية الخاصة .

- أستطيع أن اقول إنك أسست لمسرح السيرة في المسرح العراقي، أنْ لم أقل كنت رائداً فيه، وتناولت في مسرحياتك شخصيات مسرحية وفكرية وثقافية وأدبية فكانت عروض رائعة كمسرحيات بدر شاكر السياب، يوسف العاني يغني، جواد سليم، حقي الشبلي، علي الوردي، وحاولت أن تتفاعل بمسرحياتك مع الوقائع التاريخية على أسس جمالية جديدة.. ماذا تعلق على هذا الرأي؟

• تقوم تجربة ( السيرة الافتراضية ) على استعارة درامية جمالية وعرض مسرحي جديد تتجاوز فيه المنطق الحرفي للواقع وتقوم بتغريبه بإقتراح بديل ( مسرحي ) عن صاحب السيرة الذي جعلته في تجربتي محوراً رئيساً في العرض مع تقديم ( البطل – الضد ) الذي يسعى لإفشال مشروع الشخصية الإيجابية المنسجمة في إبداعها المتفرّد ومجالها الاجتماعي الخاص في منطقها الإنساني ضد عبثية الانحراف المشوّهة للقيم المستقبلية الحرّة ، فهو يناضل من أجل ترسيخ الإيجابيات في وجدان المتفرجين من خلال الدراما والعرض . 

تراهن السيرة الافتراضية على أصول ومصادر ومرجعيات تخص ( صاحبها ) ، وتصبح ( بؤرة) لبناء سلسلة من ( تأويلات ) متدفقة بأبعادها المتخيلة المحفزة وتقنياتها الفنية لتحقيق هدفها المسرحي جمالياً في كيفية بناء العرض بنسق رؤيوي خاص لتجسيد هذه الشخصية وتأطيرها الإفتراضي بذرائع اقترحها من خلال منظور الحاضر لتلك الأبعاد التاريخية لكبار الأعلام والرموز ( العراقية ) الملهمة وتأتي معها رموز عربية وأخرى أجنبية بمواقفهم المتقاطعة ، حيث يُعاد تركيبهم برؤية فنية خاصة ، وبالتالي أسعى لتحقيق ( إنزياحاً ) عمّا يسمى ( بالوقائع التاريخية ) الخارجية ، سواء كانت بواقع بيولوجي أو يومي وأبتداع فضاء فني جديد تتجسّد فيه شخصية البطل ، مثلاً في مسرحية ( علي الوردي وغريمه ) حوّلت أفكاره الى كينونة بشرية ( فنية ) وهذا حتّم عليّ توظيف ( التوليف) الذي يرتفع بالشخصية الى أفق آني مُعاش الآن واليوم في زمن ما بعد التغيير في العراق ، حيث يظهر ( الوردي ) وهو يخوض نضالاً ضد التعصب والإرهاب والعنصرية ، ولكن في ( زمن قادم ) يخص قيام أفعال إرهابية ، زمن الاحتلال الاميركي – الدولي ، الذي يمثّل كشفاً جديداً بإضافة معنى معاصر على ( القديم ) الذي كان يعيشه الوردي فعلاً .

- هل تشكل علاقـــة المخرج بالمؤلف ، وضعاً مقلقــــاً ؟ قلت ذلك بمقال لك.. هل لذلك علاقة بمسرحيتك ” علي الوردي وغريمـه ” ماذا تقول؟

• نعم تشكلّ علاقة ( المخرج ) بــــ ( المؤلف ) وضعاً مقلقاً ، وبالأخص في مسرحية ( علي الوردي وغريمه ) ، فمن الناحية ( الظاهراتية ) ينبغي أن أقوم بإنشاء وتركيب العرض إخراجياً وذلك من خلال ( تعليق ) الوجود التاريخي، والجغرافي في ( الزمان ) و ( المكان ) لأضعه بين قوسين لأجعل تجربة الإخراج قادرة على ممارسة حرية واسعة الآفاق بأساليب فنية مكثفة ودالة بقصدية ، تنقل ( ماهية ) علي الوردي الاجتماعية ، الى أبعاد حسّية ( للظاهرة ) المادية التي يمثلها ، فيصبح تأمل العالم منبثقاً من خلال شعور هذه الشخصية المحض ، وبأصالة متفردة وبشعور حدسي يخاطب جمهوره بوعي فكري في لبوس مسرحي مفترض للتبصّر مع الجمهور في حاضرنا المعاش ببؤره المتشظية وصراعاته المحتدمة الماحقة من خلال متابعة مجرى أحداث عرض مسرحي ( مستقل ) و ( حرّ ) بالممكنات المتخيّلة والمعبرة عن هدف نموذجي أعلى لشخصية الوردي في بنية اجتماعية ومعرفية خاصة به . 

وهنا تنبثق معضلة إخراجية تخص المشابهة الشكلية الخارجية ما بين الوردي والممثل الذي يؤدي هذا الدور ، في حين قامت فرضية الإخراج على التقاط الجمال الروحي ( الموحي ) و ( المحتمل ) وليس الرهان على مشاكلة خارجية لفرد ، توفاه الله ولم يعد يعيش في زماننا الحاضر هذا .

الأمر الذي اقتضى مسرحياً ابتكار صراعات وأحداث وحوارات وأفكار ، ومعايير متقنة بإنفتاح مستقبلي لجعل الجمهور يستلهم ذلك الثراء التقدمي الملتزم لشخصية علي الوردي المتميزة ، وما يمثله ( غريمه ) من انحدار في الوعي وانحطاط في سلوكه الإجرامي الهدّام .

وأنا ( مخرجاً ) أعدتُ اكتشاف دلالات ما كتبته أنا في هذا ( النص ) وكأنها كانت مخفية عني ومضمرة في الكتابة قبل ولوجي في (إخراج العرض) بنيةً وتركيباً .

- قلت مرة "إن طريقتي في تدريب الممثل تقف على تشريح النص , في جلسات الطاولة إذ أركز على الهدف الأعلى للعرض" ما هو برأيك الهدف الأعلى للعرض؟

• يخضع ( تدريب الممثل ) عادةً الى تجارب تخص مناهج إخراجية متنوعة ، وكان ستانسلافسكي ومن سبقه أو جاء من بعده يحرص على ( جلسات الطاولة ) التي يجتمع فيها ( المخرج ) مع ( كادر العرض ) المرتقب ، ليقوم بمناقشة وتوضيح رؤيته الإخراجية ، وما يتطلبه من ممثليه والتقنيين العاملين معه من واجبات ومهام بتركيز على توفّر عنصر الجمال والحق والخير لتأكيد القيم الوطنية بأبعادها الإنسانية .

فالعرض هو ( برهة ) فنية خاطفة دالة على امتداد حياة تضم سنوات أعمارنا وتمتدّ الى أمكنة متباعدة أو متقاربة لكنها بالضرورة ينبغي أن نجعلها مرئيةً ومسموعة فيما يشبه ( لقطة ) ضوئية تؤبّد حقيقة الحياة وتنقلها من غبشها وغموضها الموارب لتظهرها الى ( العلانية ) وتحوّلها من ( وقائعيتها ) الى منظور مسرحي مترع باللذة والمتعة و(بتخييل ) نحرص على أن يكون استثنائياً وليس تقليدياً خارجياً ، أيّ في البحث عن شعرية متوهجة ومزهرة بالعطر لتعلو بالمتفرج من ( نثرية ) كامدة ، موصولة بوجدان المتفرج وتأمله الفكري والروحي ، وبموقف نقدي فاعل ، وأنا أطلب من الممثلين البحث عن أساليب أداء تعتمد الطلاقة في طرح حلول متعددة وتضم التنوع في مرونتها والاختلاف في المعالجة بأصالة متجددة ومتفردة ، وهذا يقتضي تركيب سلوك شخصية البطل مسرحياً سواء في هيأته وسماته الشكلية ، أو في حركاته وتعبيراته الخاصة أو في بنية العرض ونهجه الفني المطلوب . 

هنا يتصدر ( الهدف الأعلى ) للنص مثلاً ، يتحقق هذا حين يكون الموقف النضالي هو البارز في شعرية الجواهري أو السياب وكذلك الموقف التشكيلي عند جواد سليم و سعد الطائي وأيضاً المسرحي عند حقي الشبلي والعاني وسامي عبد الحميد وكل هؤلاء هم أبطال لمسرحيات السيرة الافتراضية التي كتبتها وأخرجتها وينطبق الحال على اسماء الشخصيات الأخرى في تجربتي المسرحية هذه.

- زامنت المسرح العراقي سنوات طوال.. هل تستطيع أن تحدد لنا تحولات مسرحنا، وتحديد الفترة الذهبية للمسرح العراقي.؟

• الفترة الذهبية هي قطعاً ما جاء به ( حقي الشبلي ) ، ( جيل الرواد ) تلامذته وما قدموه منذ فترة الستينيات وظهور مؤلفين ومخرجين كبار كالمؤلف المسرحي العاني وطه سالم وعادل كاظم وجليل القيسي ومحي الدين زنكّنة ، وآخرون لا يسع المجال لذكرهم .

وأيضاً ما نمثله نحن من جيل مسرحي جديد وبتواضع هو الجيل الأكاديمي من أساتذة جاؤوا بعد تلامذة الرواد في كلية الفنون حصرياً ولا يعني ذلك غضّ النظر عن المبدعين المسرحيين خارج الأكاديمية ، لكننا هنا بصدد الحديث عن كلية الفنون وأكاديمييها الذين عرّفوا جمهورنا وطلبتنا بأوجه متعددة لفترة رصينة واضحة .

- كان الفنان الرائد يوسف العاني يقول: إن مسرحنا ولد ملتزماً، ما هي برأيك المؤثرات التي جعلت بداية مسرحنا بهذا الالتزام؟

• يذكرنا ( يوسف العاني ) بأن مسرحنا ولد (ملتزماً) وهو ما كان يردّده في حياته المسرحية والعامة أيضاً .

إن أصل هذا الرأي يعود الى ما سبق ان أعلنه (جان جاك روسو ) في ( مقولته ) : 

" بأن كل شيء يرتدّ في النهاية الى ( سياسة ) " 

وهذا الموقف الأيديولوجي والممارسة العملية النضالية جعلت مسرحنا الجاد يقوم بالرهان على الوقوف الى جانب قضايا مجتمعنا وينتصر لإرادة الشعب في نضالها ضد الطغاة ، والسلطات القمعية والتصدي للتخلف والانكفاء عن مسايرة ( ركب الحضارة والمعاصرة والحداثة ) . 

ربما تكون ( بداية ) مسرحنا قد انعقدت بهذا ( الالتزام ) لمقارعة الاستبداد والاحتلال والتخلف الاجتماعي وكل هذه المواقف كانت تؤججها وترصنها الأحزاب الثورية في داخل الوطن المتأتية من مواقف تخص الاستقطاب الدولي ما بين ثورات الشعوب ضد الكولونيالية والنازية والفاشية بهدف مغادرة العبودية والعرقية ومبتعدة عن اللون والدين والعقائد واللغات .

- ماذا تقول عن المشهد المسرحي الآن؟

• إن موقفنا ( الآني ) من المشهد المسرحي الراهن يمتاز بــ تحشد رغبات شبابنا المسرحي وتراكم طاقات فنية من أجيال مختلفة وهي منتظمة بنوايا ثقافية خالصة ووجود مواهب إبداعية متعددة لكنها تصدم ( ببوابات ) مغلقة في الغالب ، مما يولّد احتكاكات وصدامات لو تُركت على حالها ، لربما سيتولّد منها شرر الرفض وعدم القبول والانصياع ، للأمر الواقع وهذا ما ينبغي إعادة التفكير فيه في اجتهادات واقعية عملية لوضع الحلول الناجعة لهذا الموقف الملتبس من خلال دعم الفرق الرسمية والأهلية وبناء مسارح متنوعة في فضاءات معمارية هندسية معاصرة ووضع برنامج متكامل سنوي لترسيخ التجربة المسرحية انطلاقاً من مسرح الطفل ووصولاً الى المسرح المحترف الجاد والرصين .

- هل استطاع شباب المسرح العراقي أن يواصلوا ما حققته الأجيال السابقة للمسرح؟

• يتوجب على جيلنا وجيل الشباب المسرحي إعادة النظر بشكل دائم تجاه المناهج الإخراجية التقليدية وطرق التأليف الدرامي ، والقيام بتفكيك ( الخطاب المسرحي القديم) ، ونقد أدواته الفنية وأساليب بناءها في العرض المسرحي لمواكبة متغيرات اتجاهات الجمهور وما يعن له من طرح أسئلة سياسية ومجتمعية وفنية راهنة ، وكذلك اقترانها بذلك التفاعل الاقليمي والدولي والوطني ( المحلي ) في خضم تداعيات تعقدت فيها إشكاليات جديدة من نمط متصاعد في أزماته المختلطة في مسالكها وأهدافها ، إذ ينبغي على العاملين في المسرح عدم الارتهان الى تحيزات مسبقة ( غير موضوعية ) ومقطوعة مسرحياً حتى عن مواكبة (التجريبية ) الرصينة في العالم والتفهّم الواعي والحقيقي لما أنجزه رواد هذه التجارب الحداثية الرصينة في المسرح العالمي أمثال ؛ بروك ، جروتوفسكي ، مينوشكين ، باربا وسواهم . 

فالمطلوب إذن البحث عن دليل مسرحي إرشادي ، يقوم على المعرفة والتفرّد الإبداعي الملموس وعقد حوار إيجابي جاد ، مع منجزات ( مسارح الأمم ) المتقدمة والمتحضرة حتى تتفتح ( الكلمات كالأزهار وينتشر رنينها كما الشذى ، ليشرق العالم) حسب كلمات ( هولدرلين ).

"فرد عود".. سيرة موسيقى تعبر عن وطن جريح

مجلة الفنون المسرحية

نافذة على مسيرة المسرح العراقي / جوزيف الفارس

مجلة الفنون المسرحية
ستة مشاهد مسرحية لشكسبير


نافذة على مسيرة المسرح العراقي / جوزيف الفارس 

لوعدنا الى الماضي من تاريخ مسرحنا العراقي , وتصفحنا البحوث والدراسات وتقييم النقاد لما كان عليه مسرحنا وبالذات فترة الستينات وما بعدها , لشاهدنا ان هناك حضورا لمسرح متطور , ولا سيما بعد انهاء اساتذتنا الرواد دراستهم وعودتهم الى الوطن , من امثال المرحوم الاستاذ ابراهيم جلال والمرحوم جعفر السعدي والاستاذ المرحوم بهنام ميخائيل والاستاذ جعفر علي وجاسم العبودي, وتوقفنا عند بداية عودتهم واستعرضنا ماقدموه من اعمال تميزت باساليب حديثه وابداع في الاخراج ابهرت النقاد بعروضهم المسرحية .
فمن منا لا يتذكر مسرحية عقدة حمار من تاليف الكاتب الكبير الاستاذ عادل كاظم واخراج الاستاذ ابراهيم جلال ؟ ومسرحية فوانيس من تاليف الاستاذ طه سالم واخراج ابراهيم جلال و مسرحية الطوفان من تاليف عادل كاظم واخراج ابراهيم جلال ومسرحية القرد كثيف الشعر من تاليف يوجين اونيل واخراج الاستاذ سامي عبد الحميد ومسرحية يوليوس قيصر لشكسبير واخراج الاستاذ المرحوم جعفر السعدي وهاملت من اخراج المخرج المبدع والمتالق في عالم الاخراج الاستاذ حميد محمد جواد والذي ترك اسلوبا حديثا في الاخراج المسرحي قل نظيره , ومسرحية عدو البشر من اخراج الفنان الكبير الاستاذ بدري حسون فريد  .
ومن منا لا يتذكر ماقدمه المخرجون العظام من الاسماء الانفة الذكر واخرين من كواكب الاخراج المسرحي امثال الاستاذ سامي عبد الحميد في مسرحية انتكونا والحيوانات الزجاجية , والمرحوم الاستاذ قاسم محمد  . 
ان ماقدمه اولائك العمالقة من اعمال مسرحية , ابهرتنا واثرت في نفوسنا وزادتنا خبرة وتجربة  واطلاعا ,عما جلبوه معهم من الثقافة الاكاديمية في الفنون المسرحية , اضافة الى ماقدموه من اعمال مسرحية تميزوا من خلالها عن اقرانهم من المخرجين العرب , جسدت قدراتهم الابداعية الاخراجية في المحافل المسرحية والمهرجانات المسرحية العربية , من خلال ماحصدوه من الجوائز المعنوية والتقديرية  .
هذه المسيرة التي تالقت وزادت القا , من خلال تجارب وعروض مسرحية اضفت على واقعنا المسرحي واقعا اكاديميا , وخلق جيل مثقفا ومتاثرا باساليبهم الاخراجية الابداعية والحديثة برؤية معاصرة اضفت على حركتنا المسرحية العراقية تاريخا لامعا متطورا ومتقدما عن تجارب المخرجين الاخرين من زملائهم في الوطن العربي .
ونحن ابناء جيل الاربعينيات كنا محظوظين بتلمذتنا على ايديهم واكتسابنا من الخبرة والثقافة الاكاديمية , مما تمخظ عن تخريج دفعات من الاكاديميين البارزين في حقل التمثيل والاخراج المسرحي من امثال المرحوم  الدكتور عوني كرومي , والدكتور عبد المرسل الزيدي , والدكتور صلاح القصب , والدكتور فاضل خليل .
هذا الرعيل الثاني من حملة الشهادات العليا رسخوا مفاهيم مااكتسبوه من اساتذتنا الرواد من حقول تجاربهم  واعمالهم  واطروحاتهم , زادتهم القا ونجاحا .
كانت للعروض المسرحية انذاك اهداف سامية وانسانية ووطنية , وقد تعرض الكثير من استذتنا الى الاظطهادات والظغوط النفسية من قبل حكام انظمة تلك الفترة , مما خلقت في نفوس اساتذتنا عاملان لواقع حالهما , الجرأة والخوف , فكانوا يعيشون ازدواجية مابين الاقتحام والحذر , خوفا من ملاحقة الانظمة انذاك لهم ومحاربتهم بشتى الوسائل الوحشية  ووضعهم تحت رقابة صارمة تحد من انشطتهم وتحركاتهم , فعلى سبيل المثال , حينما عرضت مسرحية عدو الشعب لهنرك ابسن في معهد الفنون الجميلة وكانت من اخراج الفنان الاستاذ الكبير بدري حسون فريد , فمن اجل التلطيف والمداعبة قال الفنان المرحوم طعمه التميمي بلهجة لا تخلو من المزاح ( استاذ شنو رأيك انجيب ويانا البطانيات ومن بعد العرض حتى كبل للتوقيف ؟ ) .
وكذالك مسرحية يوليوس قيصر , حينما عرضت , فبالرغم من كونها مسرحية كلاسيكية شكسبيرية تحكي عن صراعات اشراف روما فيما بينهم ونامرهم على عرش قيصرها سيزار الا ان الاستاذ المرحوم جعفر السعدي قرب احداثها من احداث العراق المعاصرة انذاك والمتشابهة بالظروف التامرية على كرسي الحكم والانقلابات العسكرية المتلاحقة , بحيث اضفت على العرض المسرحي متعة الفرجة والمتابعة الشيقة لاحداث العمل المسرحي , حيث نجح هذا العرض المسرحي ولامست فكرته وجدان واحاسيس الجمهور العراقي انذاك . 
كان لاساتذتنا الرواد ملكة في اختيار النصوص الجيدة , وملائمتها للظروف الاجتماعية والسياسية والظرفية على السواء ,وكان من اهداف اختياراتهم , انها ملائمة لواقع الشعب العراقي ولمعاناته , والغرض من ذالك توصيل الافكار التقدمية والعواطف الوجدانية برؤية معاصرة تطرحها الاحداث المسرحية , بصراع متنامي فيها شيئا من الحبكة تساعد على خلق عنصر التشويق والشد مع تتابع احداث العرض المسرحي وعلى سبيل الذكر والمثال على ذالك , مسرحية الحصار من تاليف الاستاذ الكبير عادل كاظم واخراج الفنان الكبير الاستاذ بدري حسون فريد والتي تالق في بطولتها الاستاذ الفنان المبدع المرحوم ابراهيم جلال , ومسرحية البيك والسائق لبريشت , ومسرحية البقرة الحلوب من تاليف الكاتب المبدع طه سالم , وكثيرة هي النصوص والاعمال التي شهد لها النقاد وابهرت المعنيين بالفنون المسرحية , وكان لها حضورا جماهيريا واسع النطاق.  وجاءت الفترة المظلمة والمأساوية للمسرح العراقي بعدما كان اشعاعا ومنبرا يتطلع اليه مثقفي المسرح العربي والعالمي هذه الفترة التي اطلق عليها بعض المتطفلين على الفن المسرحي , بالمسرح الجماهيري الكوميدي , والبعض الاخر اطلق عليه بالمسرح التجاري , , ان هذه الفترة القاسية لم تكن من سمات المسرح العراقي , بقدر ماكانت فترة مظلمة وقاسية بحق المسرح والمسرحيين وهدم كل معالم التطور والابداع في الاعمال التي قدمها روادنا من اساتذتنا الاجلاء , , هذه الفترة والتي سميت فيما بعد بالمسرح التجاري , اي العروض التجارية , وفي الحقيقة ان هذه العروض والتي سميت بالمسرحيات التجارية , هي تسمية خاطئة لعدم  معرفتهم  عن حقيقة المسارح التجارية سوى ان  جل اهتمامهم كان تسطير الطوابير من الجمهور المشاهد على نوافذ التذاكر الذي جاء ليقظي سويعات من الضحك على الهرج والتهريج . بقي ان تعرف عزيزي القارىء ان حقيقة المسرح التجاري ومفهومه الصحيح هو مسرح ليس بمؤسساتي ولا يمت باية صلة الى الدولة ولا الى اية مؤسسة اعلامية او ثقافية حكومية , انما هو مسرحا اكاديميا بعروضه ويعتمد انتاجيا على التمويل الذاتي  , وما يطرح من على خشبته , هي بالحقيقة عروضا مسرحية ملتزمة باهداف وعناصر ومقومات ومواصفات النصوص المتكاملة المضمون والشكل , وكانت تقدم باساليب اخراجية تكنيكية فيها الكثير من الابداع والجمال والتالق ينافس العروض المؤسساتية , بل وفي معظم الاحيان يتفوق بعروضه على مثيلاته من العروض المسرحية المؤسساتية من الفرق القومية والجماهيرية والخاضعة للدولة , وهذه العروض في المسرح التجاري تكون خاضعة لرقابة جماهيرية , ومتابعة النقاد  المسرحيين لها لتشخيص العروض السيئة وتشجيع المثقفين منهم  بالدعم المعنوي والاعجاب والتأكيد على جودة هذه العروض المسرحية . ان ماكان يطرح من خلال المسرحية التجارية نموذجا للدراما الحقيقية , كوميدية , ساخرة تحمل مضامين انسانية وافكارا تقدمية , وطبيعة شخوصها من الواقع الجماهيري , مجسدة  احاسيسه باسلوب كوميدي وساخر , هو هذا المفهوم الصحيح للمسرح التجاري, مسرح اكاديمي يختلف بتجربته عن تجربة الفترة المظلمة من تاريخ المسرح العراقي ولا سيما في فترة الحرب العراقية الايرانية , حينما كانت تعرض مسرحيات رديئة بافكارها , وبذيئة بحواراتها , مستعرضة من خلال عروضها الرقصات البعيدة عن المهارة الفنية , والاغاني ذات الكلمات التي لا ترتقي بنظمها الى رقي الشعر الحديث والحانها مادون المستوى والتي لا تمثل الاصالة للفن الموسيقي الاصيل . كتب محسن ابراهيم في الشبكة عن المسرح التجاري الرديء (((لم تكن قاعة المسرح توحي لك انك ستتمتع بطقوس المشاهدة المسرحية , موقعها وسط سوق بيع الاقراص الرخيصة والمبتذله, وفضائها الضيق وخشبتها التي لا تتسع لبضعة ممثلين ما يؤدي الى فوضى التواجد على خشبة المسرح , وغالبا ما يبدأ العرض المسرحي بصراخ خلف الستاره ويدخل الممثل راكضا , مشهدا ما غالبا يتكرر في اغلب هذه المسرحيات فضلا عن وجود الراقصة والتي لا تمت للعرض المسرحي وبنية النص . وهذا ماكان واضحا في عدة مسرحيات , حينما يتعاقد المنتج مع احدى المطربات لتحضر في منتصف العرض المسرحي ومن ثم تغادر من دون ان تترك اي اثر في بنية النص وكأنها اقحمت من اجل زيادة التدافع على شباك التذاكر . كل الاشياء لا تمت للمسرح بصلة , بدأ من الديكور وتوزيع الانارة والصوت ))))  ان مثل هذه العروض الرديئة لم تضيف شيئا الى العروض السابقة من فترة العصر الذهبي لنهضة المسرح العراقي , بقدر مااسائت الى مسيرة ونشأة هذا المسرح العظيم  والذي كان يوما منارا وفنارا للمتعطشين للعروض المسرحية الجيدة , وهكذا اصاب الاحباط ضمن هذه الفترة من مسيرة المسرح العراقي و قتلت امال وطموحات الكثير من الشباب المثقفين اللذين قاطعوا هذه العروض  المسرحية للفترة  المظلمة من مسيرة المسرح العراقي , وضحيتها كان الجمهور المشاهد والمتراصف بطوابير طويلة على شباك التذاكر , بغية مشاهدة ماكان يحلم به من عروض ترتقي الى مستوى الابداع والجمال , ومضامينها مضامين جوهرية ترتقى الى وجدان الانسان المثقف  , الا ان من بعد انتهاء العرض المسرحي , يخرج لاعنا تلك الساعة التي ساقته قدماه الى شباك التذاكر , ونادما لا على ثمن التذكرة بقدر ماكان نادما على صرف وقته في عرض فاشل لم يرتقي الى مستوى ماكان يحلم به . فالمسرح عزيزي القارىء وكما يقول منير كسرواني (( هو مساحة التغيير للمجتمع لا للترفيه , على المسرح ان يحقق التواصل باعلى درجاته بين الممثل والجمهور , فان استعمل المخرج او الكاتب الاسلوب الساخر او الكوميديا لتكون في خدمة اهداف المسرحية , المسرح حياة , وان سقطت مرة واحده فتسقط الى الابد , لانها مسالة حياة او موت )) . 
في هذه المرحلة بالذات اي مرحلة مابعد الحرب العراقية الايرانية برزت كوكبة من المؤلفين والمخرجين اخذت على عاتقها زمام المبادرة بالنهوض بالمسرح العراقي وفض عنه تراب المرحلة المأساوية , واعادته الى  حيث ماكان عليه من الرقي والسمو, الا انها لاقت معوقات فوضوية , من خلال الاوضاع الغير اعتيادية وانشغال الراي العام بالاوضاع الاقتصادية والسياسية الجديدة وكانها تنبىء عن احداث غير مطمئنة , انما كان ماكان ودخل العراق في حرب الخليج ( عاصفة الصحراء ) وهنا كانت الطامة الكبرى ( مارضينا بجزه هنوب جزه وخروف ) حيث اثرت هذه الظروف الغير الاعتاديه على كل مفاصل الحياة , الاجتماعية والثقافية والاقتصادية , والتحاق معظم الفنانين للخدمة العسكرية , وانحلت الفرق الجماهيرية ( المسرح العمالي والمسرح الطلابي والشبابي والفلاحي ) وتجمدت اعمال الفرقة القومية . 
مابعد هذه المرحلة من تاريخ العراق وتغيير نظامه بنظام جديد , اصبح لزاما على الفنان المسرحي ان يعيد اوراقه وان يستفيد من الماضي المشرق لتجربته المسرحية , وان يستلهم من التاريخ والحضارة حاضرا ومستقبلا مسيرة تهدف الى اعادة التكوين الصحيح , لا فيما يتعلق بسلوكية الفنانين, وغسل افكارهم وترسيخ اهدافهم , وانما يتخطى كل هذا الى ايجاد تكوينا جديدا يقدم رؤية فنية معاصرة للمجتمع الذي عانى ماعانى من ظروف الحرب , وابعاده عن المشاهد المأساوية والمسامع التعبوية من وسائل الاعلام المختلفة لتلك الفترة الغير المستقرة .
لذا كان لزاما على الفنان المسرحي واجبا في البحث عن اساليب جديدة وعروضا مسرحية تلتزم بقضايا الانسان العراقي , وطرح القضايا المصيرية ومعالجة ما تركته اثار ومخلفات الحرب المدمرة من حالة نفسية معقدة , هدمت كل مابناه الرواد والاجيال المتلاحقة . اصبح لزاما في البحث عن صرح مسرحي اكاديمي يعالج الاوضاع الراهنة باساليب اكاديمية لا تخلو من عناصر ومقومات الاساليب الحديثه لمسرح يخدم المفاهيم الانسانية والافكار المتحررة , مسرحا خارجا عن المالوف وعن التقلبيد الكلاسيكي , لا يخضع الا للمستجدات للنظريات الحديثة والمبنية على الرؤيا المعاصرة للمسرحيين العراقيين في التاليف والاخراج .
وهكذا بدات المرحلة الجديدة مابعد الحرب العراقية الخليجية واثار الدمار الشامل للبنية التحتية حيث شملت الحياة الاقتصادية والثقافية والحياتية للانسان العراقي , حيث تدهورت حالة الامن والاستقرار , واصبحت هموم المواطن العراقي البحث عن قوت يومه , واصبحت الحياة اليومية للفرد العراقي لا تطاق من جراء تهديم معالم الحضارة وصرح الثقافة والفنون , حيث امتدت الى مفاصل الحياة الاقتصادية , حيث اصبح المواطن العراقي لا يبحث الا على مايسد رمقه وجوعه , وهذا مالحق بالفنانين العراقيين عامة , والمسرحيين خاصة , مما اضطرتهم الظروف القاسية  والتي لا يطاق تحملها مقارنة مع ماكانت عليه الظروف الشبه المستقره مافبل الحرب , مما اظطر معظم الفنانون ان يبحثوا لهم عن ملاذ امن للعيش بامان واستقرار تاركين كل مابنوه لاهواء الغرباء واللذين جاؤو لتهديم معالم الحضارة والاعمار , وتخريب البنية التحتية للشعب العراقي , وشاع الفساد والخراب , واتسعت رقعة الظلم والظلام , وتخلخلت الاوضاع الداخلية , مما جعل جل اهتمام المعنيين والمسؤولين في النظام الجديد عن استتاب الامن والاستقرار الداخلي , -----ولكن من دون جدوى-----
وهكذا انسدل الستار عن المسرح العراقي وتوقفت حركته ومسيرته بعد ان هجره معظم الاساتذة من المخرجين والكتاب المسرحيين والمعنيين بالفن المسرحي  الى بلدان عربية واجنبية اكسبتهم هوية جديدة بدلا من الهوية العراقية , انما بحقيقة اصالته بقي متعلقا بجذره الذي لا ينتمي الا الى الارض التي نبت منها , وهو يعاني مرارة الهجره , والحنين الى ارض الاباء والاجداد .  



الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

الدورة 32 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء:

مجلة الفنون المسرحية


الدورة 32 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء:
  
اعتادت الدار البيضاء أن تحتفي بعرس مسرحها الجامعي مع إطلالة الصيف وانتهاء الموسم الجامعي، بدء من 1988 لكن ومع الظروف الاحترازية التي يعيشها العالم حاليا أجلت الدورة 32، والتي تقرر اللجنة المنظمة أن تقيمها في الفترة الممتدة من 21 إلى 27 دجنبر 2020، عن بعد، ايمانا باستمرارية مشروع فني وثقافي وتواصلي بين شبيبة العالم؛ إذ يخلق الحدث مؤتمرا فوق العادة تناقش وتتصاهر وتتلاق فيه الثقافات
 ستشارك في هذه الدورة عدة دول من كل القارات بعروض مسرحية لكل من الدول التالية: المكسيك، فرنسا، لبنان، تونس، فلسطين، سوريا، ساحل العاج، كوريا الجنوبية، إيران، ألمانيا، اليونان، المغرب. بالإضافة إلى تنظيم محترفات تكوينية ومساهمة في المائدة المستديرة المنظمة حول محور الدورة التي ستحتفي بـ"المسرح والحلم" لتحقيق دورة حالمة تترافع من أجل الحلم ومع الحلم وبالحلم سيما والمسرح له علاقة جدلية بالحلم بصفته إبداعا إنسانيا يوظف المخيال وآليات الحلم في كل أبعادها وصولا إلى تحقيق حلم العرض المسرحي الذي كان فكرة تم رؤية ومر من مراحل حالمة متعددة إلى أن أصبح فرجة تحلم بالتواصل مع المتلقي. هي دورة جديدة ومتميزة ومختلفة ستقام عن بعد بإحساس القرب، تلتزم بالمعهود المهرجاني. 
يحافظ المهرجان على بنيته العامة المنسجمة مع أهدافه المتمثلة أساسا في خلق فضاء للتكوين واللقاء والتعارف بين شباب العالم والإسهام في الخلق من مدينة الدار البيضاء ملتقى للفنانين والمبدعين ومحبي الفرجة المسرحية من كل بقاع العالم، والاستثناء هذه السنة أن هذا الحدث والتفاعل سيكون عن بعد لنواصل الرسالة ولإعطاء صورة طيبة عن المغرب كبلد للانفتاح والتسامح والتعايش بين الثقافات والديانات؛ كما اعتادت كل الدورات، كما يقدم المهرجان تحية تقدير وامتنان لفعاليات وطنية ودولية ساهمت بخدماتها الجليلة في المجال الفني والثقافي والمسرحي تحديدا من خلال لحظات اعتراف وتكريم واستحضار.
تؤسس هوية المهرجان، باعتباره مشروعا ثقافيا جامعيا، لثقافة تفتح آفاقا عالمية لشبابنا بإعطائه فرصة الانفتاح على الآخر والتفاعل معه، والإقبال على كل الممارسات والإبداعات الفنية، ومنها المسرح، لاكتساب مهارات شخصية ومهنية تفتح لهم فرص الانخراط والمساهمة في كل المشاريع والأنشطة التنموية في البلد. كما يواصل المهرجان انفتاحه الفني والثقافي على مختلف الجامعات المغربية وعلى العالم، الأمر الذي جعل منه فاعلا مهما في كل التحولات والتطورات التي عرفها المسرح داخل المغرب وخارجه، على مستوى الرؤية والتقنية والتدبير وأيضا على مستوى الدراسة والبحث والإبداع. 
إن الرغبة في تطوير ونجاح الممارسة المسرحية داخل الجامعة المغربية هي الهدف الذي يحفز المنظمين على السير قدما بالمهرجان لضمان استمراره وتوسيع مجال إشعاعه باعتباره وجها مشرقا للفنون بالمغرب، يعطي صورة طيبة عن الجامعة المغربية باعتبارها فضاء للإبداع والخلق والانفتاح على العالم بكل مكوناته. يضاف إلى هذا الدور الفعال الذي يقوم به المهرجان في تنشيط دبلوماسية ثقافية جامعية موازية من شأنها التعريف بالمغرب وبمختلف مظاهر نموه وتقدمه.

للتنسيق والاتصال: أحمدطنيش؛ هاتف0661788203   العنوان الالكتروني presstanich@gmail.com

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

صدور العدد الجديد (26) من مجلة المسرح العربي

مجلة الفنون المسرحية



صدور العدد الجديد (26) من مجلة المسرح العربي

إسماعيل عبد الله: لم يعرف المسرح إرباكاً كما عرف في ظل جائحة كورونا، والفنانون يجتهدون كي لا يغيب المسرح وفنون أخرى
صدر عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة العدد 26 من مجلة المسرح العربي، وافتتح العدد بكلمة رئيس التحرير الأستاذ إسماعيل عبد الله تحت عنوان "الجوهر الثابت والشكل المتحرك المتغير في المسرح" جاء فيها «لم يعرف المسرح إرباكاً كما عرف في ظل جائحة كورونا التي قاربت على إتمام العام الأول من عمرها، و لا يكمن السبب الرئيس في حدوث هذا الإرباك في المسرح، بل في تعامل المؤسسات مع بروتوكولات صحية أدت إلى توقف دوران عجلات العديد من القطاعات الإنتاجية، بما فيها الفنية، وانطلقت منذ البداية اجتهادات هنا وهناك كي لا يغيب المسرح وفنون أخرى، حيث شرع الفنانون بتجربة كل أنواع الترويج و التواصل من إعادة عرض الأعمال المسجلة إلى إنجاز أعمال جديدة في تشبيك لأداءات منعزلة المكان متحدة في الزمان، و بادر البعض لإقامة المهرجانات التي تعتمد تقديم العروض مسجلة للتنافس، أو حية بحضور نفر محدود جداً من المشاهدين، فيما ذهب البعض إلى تنظيم العروض في الهواء الطلق مع محاولة تطبيق البروتوكولات الصحية المفروضة من الجهات المعنية بمواجهة الجائحة». 
وضم العدد الجديد من مجلة المسرح العربي العديد من المواد والمقالات. حيث نجد في قسم الدراسات المعنون (الذهاب إلى فضاء الفرجة) دراسة د.محمد نوالي بعنوان "الميتالغة المسرحية وخطاب الأنتروبولوجية على هامش كتاب "المسرح والانتروبولوجية" لحسن اليوسفي"  كما ورد في هذا القسم حوار أجرته سمية جياش مع المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد تحت عنوان "الاحتفال في فضاء قرية صغيرة اسمها الدنيا" فيما كتب د.أحمد محمد عبد الأمير "خيال الظل الرقمي.. مايم سايبورك: تجارب الظل الرقمي في المسرح العربي"
وخصصت المجلة قسما لملخصات البحوث الفائزة بالمراتب الثلاث الأولى في المسابقة العربية للبحث العلمي المسرحي (2016)، وهي على التوالي: "المسرح الجديد: من تحلل نظرية الدراما إلى تشكل جماليات ما بعد الدراما" د.عبد المجيد أوهرى  / "المسرح العربي: من الإقصاء الشمولي للآخر إلى فضاء الهجنة" د.عادل القريب / " المسرح والحداثة المفقودة.. محاولة في التركيب" د.أمل بنويس. وقد سبق كتمهيد لهذه البحوث، في القسم نفسه، مقالتين: الأولى لأسامة إفراح بعنوان " المسرح العربي بين الذات والآخر: الندوة المحكمة لمهرجان المسرح العربي" ومقالة لمنال جلال تحت عنوان "نجاح باهر لأول ندوة محكمة في تاريخ المهرجان: البصمة المغربية طبعت مسابقة البحث المسرحي للشباب".
وفي قسم المتابعات كتب د.راضي شحادة "مسرح الحكواتي.. مهاد التكوين" و "شاهدت مرتين مهرجان فلسطين الوطني للمسرح". أما قسم آفاق الذي عُنون ب (أيها المؤدي.. فكر على قدميك) فقد ضم أوراقاحول الأداء والتمثيل، أخذت من الندوة 

الفكرية لمهرجان دمشق العاشر للفنون المسرحية التي انتظمت حول "الممثل وحركية الإبداع المسرحية" وهي "عمل الممثل على النص" رياض عصمت و "الممثل في تصور النص / الممثل أمام النص" خالدة سعيد و"النص المسرحي اللبناني ومدى إدراكه لمهمة الممثل الإبداعية" بول شاوول. وضم قسم (سيرة كتابة: الإنفلات من قبضة الفراغ) مقالا ليوجين يونيسكو بعنوان "قسمات الكوميديا السوداء أو المسرح المضاد" إعداد وترجمة د.سعيد كريمي.
وفي القسم الأخير من المجلة المعنون برؤى، نجد ملفا مهما بعنوان (كيف يتعامل المسرحيون مع مصاص دماء المسرح أرسطو طاليس؟) ومحور دراساته ومقالاته كتاب "أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي" للباحثة المسرحية الفرنسية فلورانس دوبون والذي ترجمه وقدم له المسرحي العراقي د.محمد سيف. وجاءت مواد هذا الملف كالتالي: "ليس من السهل ألا تكون أرسطيا" فلورانس دوبون ترجمة د.محمد سيف / "رحلة موجزة في أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي وترجمته" د.محمد سيف / "حوار مع الباحثة الفرنسة فلورانس دوبون" حاورها د.عمر فرتات / "مرافعة فلورانس دوبون ضد أرسطو" د.خالد أمين / "محاولة في تحرير المسرح الغربي والتحرر منه" أ.بوسرحان زيتوني / "فلورانس دوبون ومحمد سيف يحرران المسرح من أدبيته" د.بشار عليوي / "محاكمة أرسطو.. قراءة في كتاب فلورانس دوبون" أ.الحسين الرحاوي.

الأحد، 13 ديسمبر 2020

«باليه باراد»: أفكار جان كوكتو ورسوم بابلو بيكاسو الراقصة

مجلة الفنون المسرحية


«باليه باراد»: أفكار جان كوكتو ورسوم بابلو بيكاسو الراقصة

 *مروة متولي 

عندما نشاهد «باليه باراد» نفهم المكتوب عن كل ما صاحب عرضه الأول في باريس عام 1917، من معارك وخلافات نقدية، ومشادات كلامية وبدنية أيضا، والجيد إنه باليه من فصل واحد، لا تزيد مدته الزمنية عن 22 دقيقة، وتعود شهرة هذا الباليه وأهميته إلى الأسماء الكبرى، التي اجتمعت على إبداعه، فمصمم الرقصات هو ليونيد ماسين، والموسيقى لإريك ساتي، أما مؤلف الباليه أو صاحب فكرته فهو جان كوكتو، الشاعر والناقد والفنان المسرحي والسينمائي، ونصل في النهاية إلى الرسام صاحب الشهرة الواسعة والمكانة الرفيعة بابلو بيكاسو، الذي قام بتصميم الملابس والمناظر والمجسمات، وطغى بفنه على كل شيء آخر، وتغلّب بألوانه وتأثيراته البصرية المفهومة وغير المفهومة، على الفكرة والموسيقى وخطوات الراقصين، فلا يشعر المرء بأنه استمع إلى موسيقى ساتي، أو تابع حركات ماسين، أو شرد مع فكرة كوكتو، وإنما يشعر فقط بأنه شاهد رسومات بيكاسو، وهذا يكون صعبا على غير متذوقي الفن التشكيلي، أو من لا يفهمونه بسهولة.
كما أن مشاهدة هذا العمل لن تكون ممتعة بالطبع لهواة الباليه الكلاسيكي، أو الحديث أيضا، لأنه يفتقد إلى الدراما والحكاية والخيال والمشاعر، التي يفيض بها الباليه الكلاسيكي بخطواته وحركاته الحالمة، وكذلك قوة التعبير، وطلاقة الجسد الحر في الباليه الحديث.
كما أن الموسيقى في «باليه باراد» كفيلة بالتشويش على أي مشاعر إن وجدت، فإن ضوضاء ساتي ومؤثراته الغريبة وضرباته المزعجة، وصمته المريب أحيانا، لا تسمح بالتركيز ومحاولة الاندماج مع أي من عناصر الباليه الأخرى، ويعتبر بعض النقاد إريك ساتي من عظماء الموسيقيين، رغم كل شيء، وربما يحب البعض سماع مؤلفاته الأخرى الشهيرة.

تقوم فكرة «باليه باراد» على العلاقة بين الفنان والجمهور، فأبطال الباليه هم مجموعة من الفنانين، الذين يقدمون عروضهم على مسرح متنقل، أو داخل خيمة ينصبونها في مكان ما، ويسعون إلى جذب أكبر عدد من المتفرجين لمشاهدة عروضهم، وهم يبدون كمزيج من لاعبي السيرك وفناني التياترو، ولا يزيد عدد الراقصين في هذا العمل عن ثمانية، ثنائي الأكروبات المكون من رجل وامرأة، وثنائي الحصان الذي يختبئ داخل مجسم الحصان برأسه المكعب، والفتاة التي ترقص منفردة وترتدي ما يشبه ملابس البحارة، والمهرج أو الساحر الذي يرقص منفردا أيضا، بالإضافة إلى الشخص المختبئ داخل مجسم تكعيبي شديد التعقيد، ولا نرى منه سوى القدمين واليد التي تمسك بالعصا، وهو بالطبع لا يستطيع الرقص، ولا يؤدي سوى بعض الخطوات البسيطة، وهناك رجل آخر داخل مجسم تكعيبي أيضا، وإن كان أقل تعقيدا، يمسك بورقة مكتوب عليها باراد، ويتحرك على المسرح بخطوات شبه راقصة، تدل على أنه يعلن عن العرض الذي يقدمونه، وينادي على الجمهور الذي لن يظهر ولن يأتي، وسيفشل الجميع في جذبه وإحضاره إلى عرضهم، حيث يخرج أحدهم من الخيمة ويؤدي جزءا من استعراضه في الشارع، أملا في أن يخلق رغبة المشاهدة في نفس الجمهور.

تقوم فكرة «باليه باراد» على العلاقة بين الفنان والجمهور، فأبطال الباليه هم مجموعة من الفنانين، الذين يقدمون عروضهم على مسرح متنقل، أو داخل خيمة ينصبونها في مكان ما، ويسعون إلى جذب أكبر عدد من المتفرجين لمشاهدة عروضهم.

لكن الباليه يبدأ بالرجل المختبئ داخل المجسم التكعيبي، بخطواته القليلة المقيدة، التي تبدو بهلوانية بعض الشيء، بعد ذلك يخرج المهرج أو الساحر بشعره الطويل المضفر، وماكياج الوجه الذي يوحي بأنه من الصين، وتدل بعض حركاته الراقصة على أنه يؤدي بعض الألعاب والخدع السحرية، لكنه يبدو كمهرج أحيانا، ثم يغادر المسرح ويدخل الرجل المكعب الآخر، الذي يمسك بالورقة الإعلانية المكتوب عليها كلمة باراد، ويمسك بما يشبه البوق ويدور يمينا ويسارا لينادي الجميع، وهو لا يتمكن من الرقص أيضا بسبب المجسم التكعيبي، وعندما يغادر المسرح تخرج من الخيمة الفتاة التي تؤدي رقصة منفردة، وتؤدي بعض الخطوات القريبة إلى الكلاكيت والمحاكاة الجسدية لمشية شارلي شابلن، وطريقة الاستعراض الهزلية إلى حد ما، وبعد أن تنتهي من رقصتها، وتغادر المسرح، تصمت الموسيقى تماما ويدخل الحصان، ليؤدي بعض الحركات مثل التحية الشهيرة التي تؤديها الأحصنة في الغرب، والانحناء بالرأس مع ثني الساق الأمامية، ثم أداء بعض الحركات بشكل مضحك، كالوقوف على الساقين الخلفيتين. وتعود الموسيقى مع دخول ثنائي الأكروبات، ونشاهد ما يمكن تسميته بالرقصة الثنائية في هذا العمل، حيث تؤدى بعض حركات الباليه الأساسية، التي يتم كسرها عمدا أو قطعها، وعدم السماح باكتمالها، من أجل تغليب الطابع الأكروباتي على الرقصة، وبعد الانتهاء من هذه الرقصة يختتم الباليه باجتماع كل الراقصين على خشبة المسرح، أو في الشارع، بالإضافة إلى الرجلين المكعبين، ويؤدي كل من الراقصين أقوى الحركات التي قدمها في عرضه المنفرد، ربما للدلالة على ازدياد اليأس، وتكرار المحاولات البائسة لجذب الجمهور، الذي لم يأت أبدا.


يبدو أن فكرة العلاقة بين الفنان والجمهور، كانت تشغل بال جان كوكتو، وهي فكرة رائعة كان يمكن التعبير عنها حركيا بشكل أكثر درامية، يدل على مدى معاناة الفنان الذي يحتاج إلى الجمهور احتياجا معنويا طوال الوقت، ويزداد الأمر سوءا وبؤسا، إذا كان الاحتياج معنويا وماديا أيضا، كما هو حال أبطال «باليه باراد» فالعروض التي يقيمونها وينتقلون بها من مكان إلى آخر، والاستعراضات التي يؤدونها هي مصدر رزقهم، بالإضافة إلى كونها الموهبة والشغف والحياة وكل هذه الأمور التي تمثل الجانب الروحي الجميل من الفن، ومن المفارقات أن «باليه باراد» لاقى الرفض نفسه، وعانى معاناة أبطاله عندما عرض لأول مرة، والغريب في هذا العمل هو طغيان عنصر الملابس بصورة غير مسبوقة في فن الباليه، فقد تطغى الموسيقى أحيانا، أو الحكاية الدرامية، لكن المعتاد أن يطغى الرقص في أغلب الأوقات بطبيعة الحال، لكن بيكاسو انتصر على الجميع بحضور لا يقاوم، وتأثير كبير، ربما يكون متذوقو الفن التشكيلي أكثر قدرة على فهمه وتفسيره، لكن حتى من لا يعرف عن بيكاسو سوى بعض المعلومات الأولية عن فنه التكعيبي ومرحلته الزرقاء، سيشعر بأثر اللون الأزرق، سواء في ملابس ثنائي الأكروبات أو الرجل المكعب، وكذلك بأثر الألوان الأخرى وتصميمات بقية الملابس، ومجسم الحصان برأسه التكعيبي الغريب، كل ذلك سيشعره طوال الوقت بأنه يشاهد رسوما أو شخصيات خرجت من إحدى لوحات بيكاسو، وبأنه يطالع في النهاية لوحة مكتملة تضم الجميع.

----------------------------------------------------------
المصدر : القدس العربي 

السبت، 12 ديسمبر 2020

كتاب «الغجري» للمسرحي المصري مراد منير: سيرة التمرد والحلم الأبدي

مجلة الفنون المسرحية



كتاب «الغجري» للمسرحي المصري مراد منير: سيرة التمرد والحلم الأبدي

محمد عبد الرحيم

 تختلف تجربة المخرج المسرحي مراد منير ـ مواليد بور سعيد في 23 مارس/آذار 1947 ـ كثيراً عن تجارب غيره من المخرجين والمسرحيين المصريين، خاصة أبناء جيله، بداية من أفكار واعتقادات انتهجها، وحاول التعبير عنها وتأكيدها من خلال إخراجه لنصوص وعروض مسرحية، تقف في مواجهة السلطة، وتحاول كشف زيفها بكل الطرق، في مقابل الانتصار للفرد وحريته.

يتجلى ذلك في عروض «الملك هو الملك»، «الأيام المخمورة»، و»مغامرة رأس المملوك جابر» لسعد الله ونوس و»الدخان» لميخائيل رومان و»اتنين في قفة» لألفريد فرج و»منين أجيب ناس» لنجيب سرور، إضافة إلى التواصل الدائم في عروضه مع التراث الشعبي المصري، الذي تجلى في مسرحية «لولي»، وهي من أشهر المسرحيات الاستعراضية في المسرح المصري.
عن رحلة الحياة هذه، وفي لغة حيّة تتشابه وتجربة الفنان، صدرت حكاية مراد منير ـ عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة، في 440 صفحة ـ الذي اختار لها عنوان «الغجري.. مذكرات مخرج مسرحي»، ليحكي عن بدايات النشأة والتكوين، وصولاً لما هو كائن.

البدايات

«جدي.. بشخطة واحدة أجبر أبويا إنه يسلمه كل اللي يكسبه من عمله، فعِشنا تحت خط الفقر. وحب بقى يكمل جميله، فأعطى كل ميراثه لعمي الذي يصغر أبي. وهكذا استطاع جدي أن يصنع معجزة طبقية.. أصبح عمي مليونيراً وابويا شحات». هذا العم كان يمتلك محلاً لبيع الأحذية، وذهب الطفل بعد وصيه والده بأن يأتي بحذاء جديد من أجل العيد، إلا أن العم امتنع حتى يسدد الأب ثمنه. فماذا فعل الطفل؟ «الجزمة دي قعدت في علبتها، لغاية ما حطيتها بشوكها، فوق قبر عمي». من هذه الحكاية يبدأ مراد منير سيرته، في حدة وبدون مواربة، هذه الشخصية العنيدة، هي التي ستتجلى في ما بعد، وتصبح مسؤولة عن اختياراتها، وأيضاً عن ثمن هذه الاختيارات.

وجد مراد منير ضالته في مسرح سعد الله ونوس، الذي كان يتوافق وأفكاره تماماً، بداية من «رأس المملوك جابر»، وحتى «الأيام المخمورة»، مروراً بأشهر هذه العروض، «الملك هو الملك».

سمير العصفوري ومحمود ياسين

التقى مراد منير مع المخرج سمير العصفوري في جمعية الكتاب المقدس، حيث كان العصفوري يعلم الأطفال والشباب أسس التمثيل المسرحي، ولم ينكر منير فضل العصفوري وتفانيه في تعليمه ورفاقه.. «كنتيجة لتدريبات الأستاذ، أصبحت أهم ممثل طفل في بور سعيد، فاستعانت بي مدارس إعدادية وثانوية في عروضها». بعد سنوات، وفي عام 1966، يأتي منير إلى القاهرة ليلتحق بمعهد الفنون المسرحية، ويذهب مباشرة للعصفوري في مسرح الجمهورية، وقد أصبح مخرجاً شهيراً، لكن الرجل لا يتعرفه، ويوكل إلى أحد تلاميذه مهمة تدريبه، حتى يستطيع الوقوف أمام لجنة الامتحان، لكن الشاب ورفاقه سخروا منه، فذهب إلى الفنان محمود ياسين ـ كانت له معه تجربة في مسرح الطليعة في بور سعيد ــ فآواه الرجل وقام بتدريبه حتى وقت الامتحان. لكن اللجنة المتوحشة ـ ما عدا عبد الرحيم الزرقاني ـ أطاحت بأحلامه، فغادر القاهرة ليلتحق بكلية الحقوق.

الستينيات

كأي شاب من فئة متوسطة أو فقيرة في ستينيات القرن الماضي، كان عبد الناصر بالنسبه له رمزاً وأباً ــ وكل تعبيرات الستينيات ــ «حين وقعت ما أسماه بالنكسة لم أكرهه، وجدت له ألف عذر وعذر.. هكذا أنت حين تحب، وحين أرسل جنودنا إلى اليمن، قلت: هو عارف بيعمل إيه. لكن حين صدرت الأحكام في قضية قيادات الجيش الذين هُزموا، غضبت ووقعت في حيرة كبيرة. هل أثور ضد مَن أعتبره أبي؟».
يعبّر منير بكلماته هذه عن جيل كامل وجد ضالته وحصر أحلامه في شخص عبد الناصر، ولم يستطع التصديق بأن عبد الناصر من الممكن أن يُهزم. نلحظ ذلك في كتابات مؤلفي تلك الفترة، أو حتى بعدها، والقِلة القليلة منهم حاولوا نقد النظام، على رأسهم صنع الله إبراهيم ورؤوف مسعد. فنغمة التقديس هذه كانت سمة ذلك الجيل، القابع في ظل الزعيم.

الأخوة اليسار

ومن الستينيات إلى السبعينيات، وثورات الطلبة التي تتعجل الحرب.
ويشير منير هنا ــ كان ممثلاً لكلية الحقوق في اتحاد طلبة الجامعة ــ إلى قادة اليسار من الطلبة، فهو لم ينتم إلى تنظيم رسمي، وبينما يقف بينهم يخطب في باقي الطلبة ـ لقطة من فيلم أبيض وأسود، لكنها كانت حقيقة ـ دفعه أحد المندسين من الطلبة، فلم يعره أحد من قادة الغد اهتماماً، بمعنى.. إنه لو حتى بيشاركهم الأفكار نفسها، لكنه لا ينتمي إلى تنظيم، فلا يهتمون به. بعدها بسنوات يقول: «ذات مرّة قلت لقائد كبير في الحزب الشيوعي المصري، وكان صديقاً لي، لو عاوزين تاخدوا السلطة، جندوا محمود الخطيب نجم الأهلي، لأن ملايين بتحبه وتصدقه، هيضم لكم ملايين.
ضحك، لأني كنت بهزر طبعاً. كنت أشير إلى القاعدة الضيقة التي ترتكز عليها الأحزاب اليسارية، والتي تغلق الأبواب على نفسها وتشكك في الآخرين». وتستمر رحلة الرجل.. من سجن القلعة، للعمل في مسرح الكنيسة، ثم السجن مرّة أخرى، والعمل في دار الثقافة الجديدة، ومصادقة نجيب سرور وأمل دنقل ورواد مقهى ريش، والعمل من خلال مسارح الثقافة الجماهيرية.

الجمهور والنقاد

وجد مراد منير ضالته في مسرح سعد الله ونوس، الذي كان يتوافق وأفكاره تماماً، بداية من «رأس المملوك جابر»، وحتى «الأيام المخمورة»، مروراً بأشهر هذه العروض، «الملك هو الملك». يوضح منير محاولته تمصير «رأس المملوك جابر» على سبيل المثال، فيقول: «حوّلت الحكواتي السوري لشاعر ربابة مصري، ألغيت المقهى وحوّلته إلى (ضمَة) حيث يتحلق الممثلون حول شاعر الربابة، يغنون ويعلقون على الأحداث بتلقائية، تجنبت زرع الممثلين في صالة العرض كما فعل ونوس، لأنها وسيلة ستبدو مكشوفة للجمهور الذكي، بدلت مشهد قص شعر البطل، إلى احتفال طهور شعبي»، لكن رغم تفاعل الجمهور مع هذه العروض، وهو أمر ليس يسيراً في مسارح الدولة، خاصة أن تلك العروض كانت تُنتَج في عاصفة المسرح التجاري، إلا أن سدنة النقد كان لهم رأي آخر .. فكيف يجرؤ على تغيير ما كتبه سعد الله ونوس. وفي عرض آخر، بعنوان «لولي» يقول: «طالب بعض النقاد بمحاكمتي، لإهدار المال العام ولانحلالي الأخلاقي، الذي سمح لي بأن أجعل بطلتي تخوض ثلاث علاقات فاشلة في عرض واحد». وبما أن الرجل لا يبحث سوى عن جمهور، ولا يعمل إلا من أجله ومن خلاله أيضاً، كأسلوب في إخراج عروضه المسرحية، فيتساءل «مَن ساندني؟ إنه الجمهور، الذي كان يتدفق ليشاهد عروضي كل ليلة، مُلتفاً حولنا، فكان دائماً هو السند لنا والعزاء، ودافعنا للاستمرار».

______________________________
المصدر : القدس العربي 

الجمعة، 11 ديسمبر 2020

(فرد عود) مسرحية جديدة من تأليف وإخراج الفنان د. حسين علي هارف تعرض السبت 12/12/2020 في المسرح الوطني ببغداد

مجلة الفنون المسرحية 


كتب – عبدالعليم البناء

(فرد عود) مسرحية جديدة من تأليف وإخراج الفنان د. حسين علي هارف تعرض السبت 12/12/2020 في المسرح الوطني ببغداد 

د. حسين علي هارف: (فرد عود) مستوحاة من مؤلفات وسيرة الفنان نصير شمة الإبداعية
*المسرحية ليست مسرحية سيرة بالمعنى التقليدي المتداول لأننا أخذنا سيرة وطن من خلال سيرة فنان
*العرض تجربة جديدة في مسرحة الموسيقى لأنني انطلقت من أجواء وروحية المؤلفات الموسيقية للفنان المبدع نصير شمة
*كتبت الحوار والمشاهد بالروح الشعرية الشفافة ذاتها التي تميزت بها المؤلفات التي عبرت عن تراجيديا الواقع بتراجيديا الموسيقى وهناك مفاجأة في نهاية العرض لن أفصح عنها الآن!
طه المشهداني: أجسد شخصية مازالت متواجدة بيننا بل يعرفها العراقيون والعرب والعالم لأنجازاتها الفنية الكبيرة

مسرحية جديدة من تأليف وإخراج الفنان الأكاديمي الدكتور حسين علىي هارف، الذي سبق له أن كتب وأخرج العديد من النصوص المسرحية للكبار وللأطفال وللفتيان. وتحمل هذه المسرحية عنوان (فرد عود) ، وهي مسرحية مونودراما مستوحاة من معزوفات وسيرة الموسيقار الكبير نصير شمة، وتمثيل الفنان المبدع طه المشهداني ،وعزف حي للفنان المتألق محمد العطار، وتقنيات وإدارة مسرحية للفنان علي جواد الركابي، ومن المؤمل أن تقدم هذه المسرحية في المهرجان السنوي للإبداع العربي (دورة الموسيقار العالمي سفير السلام نصير شمة)، الذي تقيمه مؤسسة عين للثقافة والإعلام يوم السبت المقبل (12/12/2020) في المسرح الوطني في العاصمة بغداد، وسط أجواء إحتفالية مميزة ومتنوعة، بحضور وزير الثقافة والسياحة والآثار الدكتور حسن ناظم، وبمشاركة نخبة من الأسماء اللامعة من العراق والدول العربية في مختلف مجالات الثقافة والفنون والإعلام.


تعد مسرحية ( فرد عود) أول مسرحية تتناول سيرة الموسيقار العالمي والمثقف العضوي (قولاً وفعلاً) الفنان القدير نصير شمة الذي قرن إبداعاته الموسيقية بمبادرات ثقافية وإنسانية ومجتمعية متنوعة داخل وخارج العراق فباتت محط أنظار الجميع من منظمات عراقية وعربية ودولية إنسانية وثقافية ومجتمعية وقد استلهم الفنان والمخرج الأكاديمي حسين علي هارف هذه السيرة الذهبية في عمله المونودرامي اهذا لذي توقفنا فيه عند محطات عدة لنسلط الضوء على طبيعة ونوعية معالجاته المسرحية تأليفاً، وإخراجاً، وتمثيلاً..
سألت د. هارف: ما الذي تنطوي عليه فكرة المسرحية وهل تندرج في إطار مسرح السيرة ؟ فقال:" موضوعة المسرحية مستوحاة من معزوفات وسيرة الفنان نصير شمة الإبداعية (لا الحياتية)، إذ إعتمدت التقاطات فنية وبنيتها بقالب مونودرامي لإطلاق العنان للكشف عن معاناة الفنان نصير شمة (كإنموذج للمثقف العضوي) واغتراباته داخل الوطن قبل وبعد هجرته، من خلال البوح الموسيقي والمؤلفات التي كانت تتماهى مع الواقع السياسي والإجتماعي للوطن".
وأكد: " المسرحية ليست مسرحية سيرة بالمعنى التقليدي المتداول لأننا أخذنا سيرة وطن من خلال سيرة فنان. لم أُعن كثيراً بمحطات إجتماعية وحياتية بل بمواقف وانفعالات نصير شمة مع ما حل بالوطن، والتداخل والتماهي مع أوجاع الفنان وهمومه مع أوجاع الوطن وهمومه..هي إذاً سيرة إبداع .. سيرة وطن، سيرة موسيقى عبرت عن وطن جريح".
عن الذي يميزهذه المسرحية عن غيرها من المسرحيات النظيرة أوضح الدكتور حسين علي هارف:" مايميز تجربتي المونودرامية (فرد عود) هو توزعها على محطات درامية (مشهدية) متنوعة ومتحولة من مشهد لآخر، وكأن كل مشهد هو عرض مونودرامي مستقل برغم وجود رابط درامي و فكري (داخلي) متين، وقد وضعت لكل مشهد مستقل إسما وعنواناً مثل : بوح العود)، و( بوح الطفولة)، و( بوح الحرب)، و(بوح ملحأ العامرية)، و(بوح اليد تغني) ".
وتابع : " الشيء الجديد الذي أزعم أنني طرحته هو أن هذا العرض هو تجربة جديدة في مسرحة الموسيقى، لأنني انطلقت من أجواء وروحية المقطوعات الموسيقية للفنان المبدع نصير شمة، وكتبت الحوار والمشاهد بالروح الشعرية الشفافة ذاتها التي تميزت بها تلك المؤلفات التي عبرت عن تراجيديا الواقع بتراجيديا الموسيقى".
سألت المؤلف والمخرج الدكتور هارف :هل جرت عملية مواجهة ومحادثة مع الموسيقار نصير شمة للبحث والتركيز على المحطات المهمة في مسيرته وبالذات المنطوية على صراع درامي ؟ فقال مؤكداً:
" لم أقم بإجراء محادثة أو مقابلة مباشرة مع الصديق الفنان نصير شمة برغم وجود محادثات بسيطة بيننا على الواتس اب وبعض المكالمات التلفونية، لكنني بشكل أساس عمدت الى الإستماع الى مقؤلفاته الموسيقية وتحليلها درامياً ، ومن ثم الإستماع بتركيز الى الكثير من لقاءاته التلفزيونية والإذاعية التي كشف فيها عن إرادة حرة وواعية في جعل الموسيقى وسيلة دفاع عن الحياة، ومحاربة الموت والخراب والحرب والطغيان، كما كشف فيها عن توظيفه الواعي والصادق للموسيقى في التعبير عن مواقفه الإجتماعية والوطنية، فضلاً عن تداعيات الصراعات التي عاشها في طفولته، وشبابه، ورحلاته، وأسفاره المضنية، هذه المعاناة المتماهية مع معاناة الوطن الذي شهد الكثير من الحروب، والحصارات، والإحتدامات ".


عن الكيفية التي تم فيها استثمار وحضور العزف الحي للعود بواسطة الفنان العازف محمد العطار وهل سنستمع لبعض من مؤلفات الموسيقار نصير شمة موظفة في سياق العرض يقول هارف: " أنا متذوق للموسيقى وقد أمدني المسرح بثقافة موسيقية وحس موسيقي، كما أنني من عشاق آلة العود، وقد قمت بتوظيف العود والعزف الحي عليه في العديد من أعمالي المسرحية التي كانت تدخل في إطار مسرحة القصيدة، بدءً من أول تجربة إخراجية لي عام 1984 بمسرحية (أمسية مع نجيب سرور) التي حصلت من خلالها على جائزة أفضل مخرج وأفضل عرض في مهرجان منتدى المسرح، وفي مسرحية (كلمات غير متقاطعة) عام 1992 التي قدمت في مسرح المنصور في مهرجان بغداد للمسرح العربي، واستخدمت العود (عزف حي) في أوبريت (بغددة) الذي أخرجته في يوم بغداد 2017 ، وكذلك في تجربة مسرح المقهى (سالوفة مسرحية) التي قدمت في رمضان 2019 في مقهى رضا علوان".
وأضاف موضحاً:" في (فرد عود) آثرت، وللمرة الخامسة ، أن يكون للعود مع العزف الحي حضور حي وفعال، و أن يكون هو بطل للعرض الى جانب عازف العود، فاستعنت بعازف عود ماهر ومبدع رشحه لي الفنان نصير شمة، وهو الفنان محمد العطار مدير بيت العود العربي في بغداد، وأحد تلامذة الفنان نصير شمة بل هو أحد افضل تلامذته كما علمت، وسيقدم محمد العطار في سياق وبين ثنايا العرض أجزاء كبيرة من مؤلفات فناننا الكبير نصير شمة، ضمن السياق الدرامي الذي سيقوم بتجسيده الممثل المبدع والمتفاني طه المشهداني، الذي سيقدم أداءً متناغما ًمع الأداء الموسيقي المبهر لعازف العود".
مسرحية (فرد عود) سيتم عرضها في مهرجان عيون للإبداع العربي ال12 (دورة الموسيقار العالمي سفير السلام نصير شمة) ، وفي هذا الصدد قال الدكتور حسين علي هارف:" نعم ..عرض مونودراما (فرد عود) سيقدم في مهرجان عيون يوم السبت 12/12/2020على خشبة المسرح الوطني في إفتتاح هذا المهرجان، احتفاءً بالفنان نصير شمة الذي تحمل هذه الدورة اسمه". موضحاً: "الى جانب الفنان طه المشهداني (ممثلاً و بطلاً للعرض)، والفنان محمد العطار (عازفاً وبطلاً للعرض)، هناك فريق تقنيات مسرحية سيرافقني مؤلف من الفنانين (علي جواد الركابي ومحمد رحيم ) ..وهناك مفاجأة في نهاية العرض لن أفصح عنها الآن ..!."
وختم الدكتور حسين علي هارف: " لقد كتبت (فرد عود) إكراماً لفنان عراقي محب لفنه ووطنه ..،(فرد عود) هي مونودراما مستوحاة من سيرة موسيقى ومن أحلام عازف الخشب، وأزعم انني إجتهدت في تقديم تجربة في ما يمكن تسميته ب (مسرحة الموسيقى)، لأنني أؤمن بأن الموسيقى هي روح المسرح وأهم عناصره التعبيرية ".
من جانبه قال بطل العرض الفنان المبدع طه المشهداني: " للمونودراما طريقة خاصة في تقديم العرض فهي تعتمد على الممثل ومنظوماته الحسية والفكرية والجسدية والصوتية، و(فردعود) أجسد فيها شخصية مازالت متواجدة بيننا، بل يعرفها العراقيون والعرب والعالم وذلك لانجازاتها الفنية الكبيرة .. إنه نصير شمة ذلك الطائر الذي حلق في سماء العالم من خلال رحتله منذ الطفولة مع آلة العود التي عشقها وعشقته هي بدورها" 
وأوضح : " حاولت هنا أن لا أقلد الفنان نصير شمه في الشكل والمضمون الصوتي ولا طريقة ادائه في الحياة، وذلك لضرورات درامية علمية يستند عليها المسرح وطريقة العرض إذ أن الأحداث كانت قد حدثت من قبل وهذا ما يميز هكذا عروض، ولم أجسد كل تفاصيل وأفعال الشخصية الدقيقه  إلا في لمسات معينة وقد ساعدني المخرج في ذلك كثيراً، في حين كانت آلة العود تتدفق أنغامها وسطوتها على أحاسيسي ..".
وأضاف مؤكدا: " العرض احتفاء بأحد أبرز مبدعينا وإن شاء الله لن يكون الأخير فهناك الكثير من المبدعين يستحقون أن نحتفي بهم .. شكرا لكادر العمل لأنهم وضعوا ثقتهم بمحبة فضلاً عن تعاونهم الفذ من أجل ان يخرج هذا العرض الى النور..".

الخميس، 10 ديسمبر 2020

مسرحية «قمر» للمخرجة نرجس عباد: عرض فقير يطالع وجه اليمن غير السعيد

مجلة الفنون المسرحية


مسرحية «قمر» للمخرجة نرجس عباد: عرض فقير يطالع وجه اليمن غير السعيد

باريس - حميد عقبي
 
تناضل الفنانة المسرحية اليمنية نرجس عباد لتقديم مسرحيتها «قمر» للمشاركة في عدة مهرجانات عربية، منودراما عن نص للكاتب المسرحي السعودي عبدالله عقيل، كانت قد عرضتها قبل عدة شهور في مدينة عدن، وللأسف لم تستطع عباد أن تكرر عرضها في ظل قحط مسرحي يبدو أنه سيطول، والكل ينتظر مهرجان المسرح اليمني الثاني، بدعم من الهيئة العربية للمسرح، ولكن الظروف الأمنية المرتبكة أدت لتأجيله، وهكذا يعيش المشهد المسرحي اليمني شللا تاما، في انتظار أن يعود السلام والأمن وتنتهي الحروب والصراعات.

مسرح فقير

تحملت الفنانة نرجس عباد عدة مهام في هذا العرض، فهي الممثلة وهي المخرجة والمعدة للنص، نحن مع مسرح فقير ويخلو من بهرجة الديكورات والعناصر التكميلية، ربما هذا الخيار أملته الظروف الإنتاجية الصعبة، وهو أيضا لم يسبب خللا جوهريا لأبجدية العرض، وهكذا أصبح يوجد فضاء رحب للممثلة كي تتحرك، ترقص، تبكي، توجد عدة حبال متدلية، تمكنت المخرجة من توظيفها لتفجر عدة دلالات مهمة، كما أنها كانت عنصرا مهما من اللعبة المسرحية.


النص كتبه الكاتب المسرحي السعودي عبدالله عقيل، ولا أعتقد أنه فكر عند كتابته أن يعالج نصه، ليعرض يمنيا ولم يعدل في نصه ليتناسب مع الحالة اليمنية، لكنه رحب بمبادرة عباد، وساهم في دعمها وأعطى للمخرجة حرية التصرف، ولعل من مميزات النص، أنه كان مرنا ويتميز ببعده الإنساني، بذلت عباد جهدا إبداعيا متميزا لتنحت منه عرضا، يكاد يكون معبرا عن واقعها، عاكساً حلما إنسانيا لأي امرأة تبحث عن ذاتها وكينونتها، وتحاول أن تحرر نفسها من كل القيود.

بداية ديناميكية

منذ لحظة ظهور قمر، نجدها تتحرك وتركض وتبحث عن شيء ما، نسمع الشخصية تغني وتلامس الحبال الممدودة، تملأ الفضاء المسرحي، وكأنها تلك الممثلة نرجس المتشوقة لخشبة المسرح، فالحركة هنا أشبه بعناقات مشتاق يسعى لمشتاق، لم تعتمد عباد على مقدمة ذات تدرجات منطقية لخلق حالة درامية، ونسجت لوحتها الأولى بذكاء، لخلق علاقة وثيقة مع المتفرج من اللحظة الأولى، بعيدا عن أي ثرثرة مملة، نجد أنها تزج بالشخصية وبناء في دهاليز الألم، والبحث ولسنا مع وصف أولي لبناء الشخصية، الشخصية قمر مخلوقة وناضجة وجاهزة لدخول حلبة الصراع، الذي رسمها لها قدرها، لكنها منذ اللحظة الأولى تعلن (لا) الرفض، ولا الاستسلام، وتستل علامات الاستفهام لتقذفها بسرعة ككرت من حمم البركان الداخلي الثائر في دواخلها. تتكرر كلمة (أبحثي)، تلعب الألحان والدقات الموسيقية دورا مهما مساعدا لخلق كيمياء التوتر، نسمع لهاث الشخصية، وهي تنظر إلينا كأنها تريدنا شهودا، منذ اللحظة الأولى تهدم المخرجة الجدار الرابع، فهي لا تريد شخصيتها وحيدة ومنعزلة، يكفيها ما حلّ بها، وهي هنا أيضا لتطرح الأسئلة وتضعنا في مأزق أكثر صعوبة، وتستكشف جهلنا، أسئلة وشكوك في كينونتها وغياب للآخر (هو)، تسأل نفسها إن كانت وصيفة أم عشيقة؟ هنالك أيضا (هم) الذين يكتمون أنفاسها ثم يقولون لها تنفسي، ثمة قيود تقيدها وجروح ظاهرة وباطنة، وكأنها أيضا ممنوعة من التصريح العلني، وثمة خوف يجعلها تهمس تارة وتتراجع بجسدها إلى الخلف، العمق المسرحي يظل محدودا، والمساحات ضيقة وكأننا مع إضاءة ترسم لنا بقعة من الأزرق بالعمق، كأنه سراب يحسبه الظمآن لون الماء، كأن الجميع يحضها على البحث وهي لا تريد إلا أن تعثر على نفسها.

 يرسم العرض صورة لواقع هذا البلد الذي تعصف به الحروب والصراعات بعد أن غربت شمس الاستقرار، لا نحتاج لوقت كبير لنستكشف كمية الحزن الذي يمزق الداخل، وكذلك يرسم تمزقات العالم الخارجي فهو أيضا في حالة ضياع.

الوجود

عن أي بحث يتحدثون عنه؟ قمر ليست وحيدة هنا وليست حكواتيا ولا بهلوانا جاء ليضحكنا في هذا العرض، تتحول الحبال لمادة تخلق منها المخرجة ذلك الديكور المفقود، بحركة خفيفة وتلقائية، تصنع قمر من الحبال قفص الاتهام، أو قضبان سجن، خلق وهدم، لعبة تصاغ بعفوية لتخلق حالة فيزيائية جسدية وحالة ميتافيزيقية، تجعلنا نغوص مع ألم الشخصية، نرجس هنا كممثلة كست جسدها بزي محتشم، ربما توليه الظروف وكذلك هو حال الشخصية، لكننا مع توظيف الوجه بأشكال جمالية مدهشة، ففي كل حالة علينا أن نتأمل وجه قمر كمرآة للروح الضائعة أو بعبارة أصح الروح التي يراد لها أن تضيع وتتحطم وتزول من هذا الوجود.

الجسد

تارة خلف الحبال المتدلية، وتارة بينها أو أمامها، تهزها، تتمسك بها، تعبث بها، تعزف عليها لحن ماسآتها، ثمة شخصيات وأشياء غير مرئية تعبث بهذا الجسد، تشده، تدفعه، تجره يمنة ويسره، نحن مع جسد لين وثمه قوة مغناطيسية، كأنها تريد أن تعيد هذه المخلوقة لغياهيب الظلمة، وتحاول منعها من الحياة والكلام والبوح، تواضع الإمكانيات لم يمنع من خلق مسرح صوري، يميل لصياغة لوحات فنية يهطل الأحمر في لحظات كدلالة على الثورة والقوة الداخلية والأنوثة.

في بلد الحروب والعنف

عدة مفردات قوية تضخم شعورنا بأننا في فضاء تصليه أجواء وطقوس العنف، يبدو أن هذا العرض يرسم صورة لواقع هذا البلد الذي تعصف به الحروب والصراعات بعد أن غربت شمس الاستقرار، لا نحتاج لوقت كبير لنستكشف كمية الحزن الذي يمزق الداخل، وكذلك يرسم تمزقات العالم الخارجي فهو أيضا في حالة ضياع. تنوع الإيقاعات منحنا نافذة لتذوق فرجة مسرحية، سعت أن تشد بعضها بعضا لبناء معماريات صورية وفراغ المكان أعطى للشخصية حرية أكبر للحركة، ورغم ذلك تتحرك الشخصية خارج الخشبة وهي تغني بتهكم عن هذا العالم، قمر المرأة والحلم الطفولي، تركض، ترقص، تلعب، تختفي، تعلن رغبتها في الهروب، في لحظة القوة ثمة من يكسرها ويحطم الرغبة، يخيم الحزن، تتبعثر قمر، تعلن أنها منهكة، ثم نجدها تنهض معترضة لما يحدث، أهي تخاطبه هو السجان، من هو؟
يعود الواقع ومواقف للحياة اليومية، حيث الانتظار والحلم بسفر إلى مكان يسوده الأمن، وثمة أحلام لبسطاء كشراء لعبة، ثم تكون أغنية «أرقصي يا قمر» وهي رقصة، ودعوة للرقص، بمعنى دعوة للحياة والحرية، بعد الرقص والفرح، نغوص في ظلمة كاملة، كأنها تقودنا لمرحلة جديدة، حيث فعلا نتعايش مع لوحة حزائنية، ويلفظ اسم الموت صريحا بل كأننا نراه حاضرا بقسوته ورعبه، تحاول الموسيقى أن ترسمه، كذلك الإضاءة التي تتلاعب بالأحمر، وهنا تخلق المخرجة عباد تشويهات متعمدة، لتعلن بصراحة «تبا للحرب» ويأتي تصريح قمر ليلعن الكون، ويبكي الأطفال، هنا تصرخ قمر «أنا ميتة حية».
في زمن قصير بحدود نصف ساعة تقول نرجس عباد، ما يجب أن ُيقال وتختتم مسرحيتها بأغنية سلام، فالسلام يظل المطلب الأول والأخير.
كانت خلف قمر، مجموعة متمــيزة من الفنانين، أشرف عليها الفنان عبدالله مسعد العمري، تصحيح لغوي عمر عبدالله صالح، ألحان أنور مصلح، أزياء ومكياج خالد مقيدح، مصمم تعبير حركي علي المحمدي، مصمم ديكور داود راجح، تمثيل وإخراج نرجس عباد ونص عبدالله عقيل. وجاء العرض بدعم كل من الهيئة العربية للمسرح والمنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح.
----------------------------------
المصدر :  القدس العربي 

مسرح الفقير / جوزيف الفارس

مجلة الفنون المسرحية
الإرتجال عند "جيرزي غروتوفسكي" كوبنهاغن 1996


مسرح الفقير /  جوزيف الفارس

وهكذا الحال كان مع الكثير من هواة المسرح ولا سيما المخرجين المبتدئين في هذه المسيرة , والذين لا يملكون من الخبرة ماتؤهلهم لتقديم اعمال مسرحية ذات مواصفات منها , عدم توفر عناصر ومقومات الانتاج المتكامل , وهذه المشكلة اصابت معظم الهواة , وانماعالجها معظم مخرجينا كثيرا ماكنا نتعرض في مسيرة حياتنا الفنية لمشاكل انتاجية لعروضنا المسرحية , واسبابها , ضعف الامكانيات المادية , والتي لا يمكنها تغطية كلفة الانتاج لعروضنا المسرحية , ونتيجة لهذا يصيبنا الاحباط على ما نحن مقدمين عليه , ورد فعل انعكاسي لحماسنا الذي يبدأ بالتهاوي ويؤدي بنا الى الغاء الكثير من الاعمال المسرحية . في بداية مسيرتهم الانتاجية ومن خلال مختبراتهم وتجاربهم الذاتية والفكرية , فتوصلوا الى نتيجة رائدة بظهور  بوادر جميلة كانت السبب في حل الكثير من هذه المعظلات والتي كانت الحجر العائق في تقديم العروض المسرحية , فانبثقت مدارس ذات خصوصية اتسمت بتجربة رائدة من خلال مختبرات الرواد من مؤسسي ظاهرة جميلة اتسمت بالبساطة والجمال في ان واحد وهي مدرسة ( المسرح الفقير ) وشواهد على صحة هذا ,  شواهد عديدة من تصريحات الرواد يشرحون من خلالها عن تجارب حقولهم الفنية , ويعرضون نماذج حية لمثل هذا المسرح الوليد والذي اعتمد اسس تجريبية على براعة الممثلين واستغلال مرونة اجسادهم وحلاوة اصواتهم وتالق ابداعاتهم في فن التمثيل , واجادة ادوارهم وهم يجسدونها من على المسرح والذي جعلهم  يستغنون عن الكثير من السينوغرافية المسرحية , باستثناء  البسيط منها ,والاكتفاء ببعض الرموز من الاكسسوارات المسرحية والملابس البسيطة , والاستغناء على الديكورات الضخمة , وعلى بهرجة الاضاءة , مما ساعدت على تسهيل مهمة انتقال بعض العروض المسرحيةمن والى اماكن مختلفة لتقديم عروضهم المسرحية  .
المهم والاهم في مسرح الفقير
ان من المهمات الاساسية في مسرح الفقير هو الاعتماد والتركيز على الممثل وعدم اعطاء الاولوية والاهتمام للديكور وللاضاءة وللملابس والمكياج ( المكياج ---- والذي غالبا ماكان اعتماد الممثل على شكله الطبيعي باستثناء بعض الخطوط المرسومة على تجاعيد وجهه لتساعده على لغة التعبير للاحاسيس الداخلية والمشاعر الانسانية التي يجسدها من خلال رد فعله للكلمة المنطوقة في التمثيل ) .
ان قوة التمثيل والاداء الجيد هما عاملان اسساسيان للسيطرة على مشاعر المتلقي وخلق الاندماج مابين الاثنين ( الممثل والمتلقي ) في مسرح الفقير هذا الاندماج الذي يساعد الممثل على خلق عالم الوهم وتقريب الصورة الكاملة والموحاة اليه من خلال ادائه وابداعاته  , لنقل المتلقي الى الاجواء التي تحيط بالعرض المسرحي من الواقع الوهمي من السينوغرافيا المسرحية ومن دون وجودها على خشبة المسرح .
كان ستانسلافسكي وعبر مختبراته التجريبية يؤكد على اهمية اداء الممثل لدوره ( حرفية الممثل في تمثيل الدور ) في معايشة الممثل الحقيقية للواقع مستمدا منه تجارب حياتية يختزنها عند الحاجة على خشبة المسرح .
وكذالك اعتمد غروتوفسكي رائد المسرح الفقير على الكلمة وتحرير شحناتها الحسية عند الممثل , وتجسيد فعل الكلمة في التمثيل لتجسيد رد فعل الممثل لتساعد على نمو الشخصية المسرحية وخلق الصراع مابين الشخصية الرئيسية ومابين بقية الشخوص المسرحية والتي تبدأ بالتنامي والتطور للثيمة الاساسية من خلال العرض المسرحي , لخلق اجواء يجسد الممثل من خلالها الخيال والواقع الوهمي الغير المنظور في العرض المسرحي من على خشبة المسرح .
ومن تجاربي في مثل هذه العروض المسرحية ( المسرح الفقير ) اعتمادي على المسطحات الخشبية ( الفلات )ذات الاشكال الهندسية المجسمة مثل ( المربع والمستطيل ) ووضعها بشكل متناسق لتجسيد جمالية المجاميع وتحريكها على ضوء  المساحة الفضائية في خشبة المسرح وكما كانت في مسرحية ( الغريب ) والتي اخرجتها للمسرح العمالي في العراق , ومسرحية ( مارزيا ) لفرقة مسرح كنيسة مارزيا في سدني , ومسرحية ( توما الشكوك ) لفرقة مسرح كنيسة مارتوما الرسول في سدني , هذه المسطحات الخشبية تساعد على تجسيد جمالية التكوينات الجسدية للممثلين , وتحريكها من والى مختلف المواقع والتي تحتمها جمالية الحركة المسرحية في العرض المسرحي , وغرضي كان من هذه المسطحات الاستغناء عن الديكورات الضخمة والتي كانت قد تكلف الانتاج مبالغ ضخمة , الا انني لم استغني عن الموسيقى والاضاءة والموسيقى التصويرية والملابس والمكياج , بعكس ماكان معمولا به في مسرح الفقير , حيث ان المخرجين في هذا المسرح استعانوا عن الديكور الضخم بديكور بسيط  , وعن الموسيقى التصويرية , والتعويض عنها باصوات الممثلين والكورس وبالحان كورالية تعبر عن جمالية المشهد , وتساعد على تجسيد المضمون وايصاله الى المتلقي , وهذا الاسلوب استخدمه بروك في معظم اعماله المسرحية , منتهجا اسلوب سلفه المخرج البولندي غروتوفسكس وعبر تجاربه المختبرية للوصول الى هدفه في استخدام الممثل وادائه الجيد في العرض المسرحي , ليعوض عن الكثير من مستلزمات الاكسسوارات والديكور والاضاءة وغيرها من عوامل ومقومات الانتاج المسرحي ( السينوغرافيا المسرحية ) وقد استخدمها في العراق الاستاذ المخرج المتالق المرحوم جعفر علي في اخراجه لمسرحية بيتر بروك .
الممثل في مسرح غروتوفسكي 
لو بحثنا في مسيرة وتجارب غروتوفسكي المسرحية , لوجدنا بانه كان ينتهج اساليب جديدة في تدريب الممثلين , مكرسا جل اهتماماته في الاعداد والتدريب , هدفه من هذا خلق ممثلين يتعاملون مع التجارب الحياتية , معتمدين على احاسيس رد فعل الكلمة المشحونة بالفعل للممثل وعلى رد فعل المتلقي لهذا الفعل , لقد كرس تروتوفسكي وقته على التدريبات العملية المختبرية في تمارينه اليومية مع الممثلين ( الذين كانوا مدعومين من قبل الدولة ) وبهذا تيسرت الكثير من التطبيقات المختبرية , بحيث تمخضت هذه التمارين والاستنتاجات المختبرية لاعداد الممثل ان يستغني عن الديكور التقليدي , والاكتفاء ببعض المستلزمات والتي قد تساعد الممثل على تفريغ شحناته الفعلية وتجسيدها من خلال جمالية صوته ومرونة جسده , اضافة الى هذا كله كان في عمله هذا , هو تاكيد على المتفرج ( المتلقي ) ودراسة ردود افعاله الانعكاسية من خلال عرض المشاهد المسرحية والتي كتبت خصيصا لمثل هذا الاسلوب الجديد من تجربة مختبر تروتوفسكي المسرحية والتي فيما بعد سميت هذه التجربة الرائدة بالمسرح الفقير .
مميزات هذا المسرح  
دعى تروتوفسكي باسلوبه ومدرسته هذه الرائدة بتجربتها , الى ثورة على المسرح التقليدي , نابذا كل مقومات وعناصر السينوغرافيا المسرحية , اي الاطار التقليدي للعرض المسرحي , لقد قام بثورة على بعض المفاهيم التقليدية للعروض المسرحية والتي كانت سائدة انذاك , معتبرا بان تعامل المتلقي ليس مع الشكل والاطار المسرحي والذي صنعه الديكورست , ومصمم الاضاءة وواضع الاكسسوارات , بقدر ماكان تعامله مع مصداقية الممثل في التعبير وتجسيده للكلمة لانها الاصل في توصيل المضمون للمتلقي , وفي الوقت نفسه كان يعتبر الكلمة هي وساطة الاتصال بين المجتمع وافراده , ولهذا اعطى جل اهتماماته ل فن التمثيل , بعدما صرح وفي عدة مناسبات ومحافل ثقافية وصحفية , وعن طريق الوسائل الاعلامية , بان دور الفنون المرئية في المسرح ( التشكيلية , والزخرفية ) ما هي الا حاجة من الاحتياجات الغير الضرورية للعروض المسرحية , بقدر ما اكد اعطاء الاهمية للممثل ولجسده ومرونته , ولجمال الاصوات وقوتها والتي كان يؤديها الممثل من على المسرح , حتى انه استعاض عن المؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية باصوات الممثلين وابداعاتهم في محاكاتهم لهذه المؤثرات الصوتية  والموسيقى التصويرية , وقد جاء تاكيد غروتوفسكي على صوت وجسد الممثل معتبرا اياه عمود التواصل مابينه ومابين المتلقي , مما جاء اصراره هذا بوقوفه ضد المسرح المعاصر والمهتم بالديكورات الضخمة والفخمة والتي هدفها هو التسلية لا غير , حيث بدأ بفترة الاصلاح في اساليب العروض المسرحية وبتقنياتها الفنية , مؤكدا على ان الممثل هو العنصر الاساسي لهذا المسرح الجديد والذي سمي --- بمسرح الفقير .


الأربعاء، 9 ديسمبر 2020

نقابة الفنانين العراقيين والهيئة العربية للمسرح في معرض العراق الدولي للكتاب

مجلة الفنون المسرحية


نقابة الفنانين العراقيين والهيئة العربية للمسرح في معرض العراق الدولي للكتاب

بغداد

تشارك نقابة الفنانين العراقيين بالتعاون مع الهيئة العربية للمسرح في معرض العراق الدولي للكتاب الدورة الأولى دورة مظفر النواب للمدة من ٩ إلى ١٩ كانون الأول ٢٠٢٠ على أرض بغداد السلام. 
إذ جاءت المشاركة بأكثر من ١٢٠ عنوان ومصدر في المسرح  مطبوعة بجودة عالية وذات مواضيع علمية منتقاة عبر مسابقات ولجان علمية رصينة ومتميزة وسيتم بيعها بأسعار مخفضة ومدعومة تكريماً للقارئ العراقي. 
نقابة الفنانيين العراقيين والهيئة العربية للمسرح يتشاركان الحلم الى جانب مؤسسات ودور نشر رصينة ومائزة للمساهمة الفاعلة في نشر واعلاء شأن الكتاب الفني وقيمة الحرف فكرياً. 
الجدير بالذكر ان معرض العراق الدولي للكتاب في دورته الأولى تقيمه مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون.

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

المسرح يسدل ستاره ويفشل في اختبار كورونا

مجلة الفنون المسرحية
 
المسرح يسدل ستاره ويفشل في اختبار كورونا

الرباط  - العرب

حال المسرح لا تقل ضراوة عن حال الفنون الحية الأخرى، التي لا تستقيم في غياب عرض وفضاء يعج بجمهور، فهي تعيش نفس الوضع منذ انتشار فايروس كورونا الذي غير ملامح حياة البشر.

 لم يكن واردا أنه سيأتي يوم يتعطل فيه المسرح، ويسدل ستارته ويتوقف نبضه، ولم يكن واردا أن يحرم عشاق أبي الفنون من متعة العروض، أو يخرس صوت المسرحيين الذي طالما جلجل فوق خشبات المسارح ودور العرض، ويدخلون قسرا في متاهة قلق عبروا عنه بمرارة.

لم يحتفل المسرحيون هذه السنة بيومهم العالمي، ولم يتمكنوا من الاحتفاء به وبالتقالید الثقافیة التي تخصص له في كل دول المعمورة، ولا بيومهم الوطني (يوم 14 ماي)، على طريقتهم المعهودة منذ إقراره سنة 1992.

حال المسرح لا تقل ضراوة عن حال الفنون الحية الأخرى، التي لا تستقيم في غياب عرض وفضاء يعج بجمهور، فهي تعيش نفس الوضع منذ انتشار فايروس كورونا (كوفيد – 19) الذي غير ملامح حياة البشر وقلص من نشاطه وطقوسه، فأجهز على كل فعالية فنية ثقافية تحتاج اليوم أكثر من أي وقت إلى جرعة حياة.

فإذا كانت كورونا قد أثارت قرائح شعراء وألهمت روائيين وقاصّين وكتّابا وتشكيليين، فكتبوا وأبدعوا وأنجزوا أعمالا تعبر عن الفترة وبعيدا عنها، أو أكملوا مشروعا كان في غرفة الانتظار، فإنها حاصرت المسرحيين وأيضا أهل الطرب وصناع الفرجة، وجمدت أعمالهم ورهنتها داخل نفق لا يعرف خط نهايته، فدخلوا في عطالة جعلت مستقبلهم مفتوحا على كل الاحتمالات.

هذا الواقع أثر على سفينة المسرح، هذا الفن الذي لا يمكن اختزال وظيفته في مجرد عرض يقدم فوق الخشبة لإمتاع الجمهور وكفى، أو في نشاط مناسباتي يؤثت برامج المهرجانات والتظاهرات، بل هو فن راق يحقق للمسرحي دهشة الأداء ويهديه شعورا مغايرا يتنفس عبره إبداعا بشغف لا يلين أمام جاذبية فنون أخرى، لارتباطه وجدانيا بالخشبة، كما أن أبا الفنون خلق كأداة لإصلاح أعطاب المجتمع والتعبير عن قضاياه ومعالجتها.

بينما قدّم كتّاب أدبهم ورسامون لوحاتهم وسينمائيون أفلامهم عبر الإنترنت فإن المسرح لم يتمكن من ذلك

ولأن الحاجة أم الاختراع، لم يبق الفنانون مكتوفي الأيدي في انتظار نهاية الأزمة، فابتدعوا طرقا تؤمن مداخيل وأيضا تضمن الاستمرارية في المشهد الفني، فقام مطربون بتسجيل مقطوعات غنائية وتصويرها بطريقة الفيديو كليب ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، مستغلين في ذلك فضاءات مختلفة حتى بيوتهم وأسطح المنازل وبعض الأماكن المتاحة في هذه الظرفية التي تزداد فيها حدة الجائحة، بعد أن نالت منهم ماديا واجتماعيا ونفسيا، في غياب حفلات ومهرجانات فنية، محلية ووطنية ودولية، شكلت دوما فرصا لتقديم أعمالهم للجمهور.

كما تحدى بعض السينمائيين فايروس كورونا وموانعه، وبادروا إلى إخراج مشاريعهم السينمائية من أدراج المكاتب بعد طول انتظار، ونزلوا إلى مواقع التصوير، كالمخرج المغربي ربيع الجوهري الذي أنهى تصوير فيلمه “سيكا” بمعية المنتج مصطفى بوحلبة، وهو الفيلم الذي صوره بمدينة ورزازات مباشرة بعد انتهاء مرحلة العزل الصحي، مع الأخذ بعين الاعتبار كل الشروط الوقائية، مساهما في تحريك السينما بالمنطقة.

وتبقى هذه المحاولات المتفرقة بمثابة طوق نجاة للبعض، وقد يشارك فيها الممثلون المسرحيون الذين يشتغلون، من حين لآخر، في السينما التي مهما أبهرتهم أضواؤها تظل عروض الخشبة هي الأصل لكنها تعطلت وأوقفت مشاريعهم.

كما قدمت الكثير من المهرجانات السينمائية العربية بشكل افتراضي، وقد نجح كذلك الفنانون التشكيليون أيضا في الاعتماد على الإنترنت لنشر أعمالهم ومن بينهم الفنان السوري سموقان الذي يؤكد أن جائحة كورونا وما فرضته من إجراءات احترازية غيرت رأي الكثيرين من الفنانين التشكيليين السوريين تجاه المعارض الإلكترونية واضطرتهم إلى خوض هذه التجربة الافتراضية الجديدة.

لكن الوضع المسرحي مختلف عن غيره من الفنون، فالمغرب مثلا يولي أهمية للمسرح عبر تخصيص دعم للفرق المسرحية، وبناء المسارح، وتنظيم عدد من المهرجانات على امتداد السنة في مختلف المدن، من قبيل مهرجان القصر الدولي للمسرح، والمهرجان الوطني للمسرح، ومهرجان خنيفرة للمسرح التجريبي، ومهرجان الدار البيضاء الدولي للمسرح، ومهرجان المسرح الفردي، ومهرجان الخلخال لمسرح الشارع، والمهرجان الدولي بزاكورة، والمهرجان الوطني للمسرح الأمازيغي، لذلك سببت الأزمة شللا كاملا للفعل المسرحي.

لم يحتفل المسرحيون هذه السنة بيومهم العالمي


وقد تستمر تأثيرات الجائحة كما يؤكد رئيس النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية، مسعود بوحسين، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، حيث يرى أن تداعيات الأزمة لها وجهان، الأول مرتبط بما هو اجتماعي لمهن الفنون الحية بصفة عامة، والثاني بما هو ثقافي والخسائر التي لحقت مجال الإنتاج في هذه الفنون، ما قد يؤثر على استعادة مكانتها مستقبلا.

واعتبر بوحسين أن الجانب الثقافي يهم، أساسا، إنتاج أعمال فنية ثقافية في مجالات متعددة تقتضي حضورا ضروريا للجمهور، ولها مكانتها المهمة والضرورية كأنشطة ثقافية واقتصادية في ذات الوقت.

ويرى أن “السياسات الحكومية هي المسؤولة عن البحث عن حلول مناسبة للقطاع عموما”، مذكرا أن النقابة، التي تظل هيئة وقوة اقتراحية وترافعية، تقدمت بمجموعة من الاقتراحات والتدابير في وقت مبكر، كخطوة استباقية، ونبهت إلى أن كل ما يهم الفنون الحية، التي تعتمد على الجمهور، سيتلقى “ضربة قوية” سواء على مستوى الإنتاج أو المستوى الاجتماعي، “ولم يتم التعامل مع الموضوع بالجدية اللازمة” حسب رئيس النقابة.

وكحلول لأزمة الفنانين، يقترح مسعود بوحسين تقديم العروض أمام عدد محدود من الجمهور شرط الحفاظ على عناصرها الحية، ونقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد أيضا على السينما، وعلى القطاع السمعي البصري، عبر تسجيل عروض مسرحية وبثها في القنوات التلفزيونية، وذلك من خلال إبرام اتفاقية بين الوزارة الوصية المكلفة بالثقافة والقطاع التلفزيوني.

ويرى رئيس النقابة أن فنون العرض عموما نصفها مشلول في الوقت الراهن، و”الأزمة قائمة في غياب حلول واضحة”، مؤكدا على وجود “حاجة ملحة للخروج من عنق الزجاجة”، وذلك لن يتم، في رأيه، إلا عبر إعادة النظر في الآليات القانونية والمؤسساتية لتدبير ملفات القطاع الثقافي عموما.

وتظل بعض الاقتراحات حلولا على المدى القصير لاحتواء ما يمكن احتواؤه من مصاعب تواجه اليوم أهل فن الركح والفنون الحية، وربما ستكون حافزا للجلوس إلى طاولة النقاش وبحث موضوع دعم الفنانين في الأزمات، كما فعلت ألمانيا، فمن رحم المصاعب تولد الحلول.

بيان للمسرحيين العرب : تأجيل الدورة الثالثة عشرة من مهرجان المسرح العربي

مجلة الفنون المسرحية 



"بيان للمسرحيين العرب"

تأجيل الدورة الثالثة عشرة من مهرجان المسرح العربي

سنصنع معاً فرح المسرح من جديد ونمضي إلى آفاق تليق بأحلامنا وطموحاتنا جميعاً.

نعتز بأن مهرجان المسرح العربي وعبر دوراته الثنتي عشر قد أصبح واحداً من أهم مواعيد المسرح والمسرحيين في الوطن العربي وعلى امتداد العالم، ولم يكن هذا ليتحقق إلا من خلال الجدية والشفافية والسعي الدؤوب لتحقيق أحلام وطموحات المسرحيين، وبما وفره المهرجان من عدالة التنافس وتوفير الدعم للمتنافسين من خلال تذليل عقبات تقليدية تواجه المسرحيين كلما أرادوا المشاركة في مهرجان هنا أو هناك، وتوج ذلك كله ما قدمه المسرحيون العرب من عصارة فكرهم وعظيم جهودهم وإبداعاتهم مما جعل المهرجان منصة للجمال، وقد ساهم المهرجان بشكل واضح في تطوير وسائل التنظيم والإعداد والإعلام في عديد المهرجانات التي تسعى لتطوير أدواتها، وارتبط المهرجان بعديد التعاونات مع مهرجانات عربية ودولية أتاحت للعروض الفائزة فيه للحضور عبر تلك المهرجانات، إضافة إلى تقديم المهرجان لأهم الورش التدريبية وأكبر المؤتمرات الفكرية، وتميز المهرجان باحتضانه لمجريات المرحلة النهائية من منافسات جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي؛ لقد اكتسب المهرجان في دوراته إيقاع وجماليات المدن العربية المختلفة التي احتضنته، ليصبح وجوده في هذه المدن، أكثر من فعاليات مهرجانية وأكبر من شكل من أشكال التعاون ليصل إلى أن يكون حدثاً منتظراً تسعى لاحتضانه العواصم لما يتركه من أثر كبير في المشهد الثقافي.

وقد كنا في الأعوام السابقة وفي مثل هذه الأيام نعيش على وقع إعلان العروض التي تأهلت لمسارات المهرجان، وبالتالي إعلان البرامج الكبرى التي يتضمنها، إلا أننا في هذا العام يؤسفنا أن يكون إعلاننا هو تأجيل انعقاد الدورة الثالثة عشرة والتي كان من المفترض أن تحتضنها المملكة المغربية من 10 إلى 16 يناير 2021.

لقد عشنا في حالة رصد لكل العوامل الصحية التي سببتها جائحة كورونا في مدها وجزرها، ورصد لارتباك الإنتاج المسرح في الوطن العربي والعالم، وكذلك رصدنا كل الآراء والمقترحات التي قدمت لنا والتي كانت تصب كلها في حرص الجميع على انعقاد المهرجان، لكن الوقائع الصحية والوقائية والفنية كلها تؤكد صعوبة انعقاد المهرجان الذي كان يستضيف حوالي خمسمائة مشارك عربي إضافة إلى مئات المشاركين من البلد المضيف بما يشمله الأمر من سفر ووقاية وشروط حجر وصعوبات الإقامة وتعدد الفضاءات المغلقة أمام الفعاليات؛ من هنا وبعد أن صار الأمر في باب الصعوبة الشاملة، نتأسف أن نعلن عن هذا التأجيل، مؤكدين لكل المسرحيين أننا معاً سنصنع فرح المسرح من جديد ونمضي إلى آفاق تليق بأحلامنا وطموحاتنا جميعاً.

وفي هذا المقام لا يسعنا إلا أن نرفع التحية عالية لوزارة الثقافة والشباب والرياضة في المملكة المغربية على استعدادها وتعاونها وتفهمها، لنضرب موعداً جديداً للدورة في وقت لاحق.

وسنبقى نردد مقولة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي "نحن كبشر زائلون ويبقى المسرح ما بقيت الحياة"

عشتم وعاش المسرح

 


السبت، 5 ديسمبر 2020

حين يكتب سارتر عن فلوبير في (أحمق العائلة)

مجلة الفنون المسرحية

 

 حين يكتب سارتر عن فلوبير في (أحمق العائلة)

احمد الزبيدي - تاتو

لا يزال الكتاب الذي ألفه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بعنوان (احمق العائلة) والذي تناول فيه أدب وسيرة حياة الكاتب غوستاف فلوبير،يشكل مادة للبحث والتحليل باعتباره من الكتب الرائدة في مجال النقد الادبي،
وقد تناول الكاتب الانكليزي جوليان باتريك بارنز (المولود في العام 1949 والحائز على جائزة مان بوكر لعام 2011) هذا الكتاب في مقالة نشرتها المجلة البريطانية الشهيرة لندن ريفيو اوف بوكس.
يصف الكاتب جوليان بارنز هذا الكتاب بانه عمل رائع ويثير الاعجاب،ذو اسلوب مكثف لكنه مكتوب بسلاسة،في الظاهر يبدو عليه كتاب سيرة ذاتية عادي،لكنه في الحقيقة ينسج من خلال السيرة الذاتية لفلوبير دراسة نقدية لجميع اعمال فلوبير،ويتذكر كاتب المقالة في معرض وصفه لعبقرية سارترما قاله الرئيس الفرنسي ديغول عن سارتر في عام 1968 حين طالبه بعض مستشاريه باعتقال الفيلسوف ـ على خلفية الاضطرابات التي سببتها مواقفه من الاحتلال الفرنسي للجزائر، ودعوته إلى العصيان المدني ـ ردّ الرئيس ديغول حينها: فولتير لا يُسجن.
من بدأ مشروع هذا الكتاب؟ انه روجيه غارودي على مايبدو فقد اقترح على سارتر في عام 1954 ان يتناول الاثنان سيرة حياة فلوبير واعماله،(انا من وجهة نظر ماركسية وانت من وجهة النظر وجودية)هكذا قال غارودي لسارتر،وشرع سارتر في كتابة مؤلفه الكبير هذا وقد تحدث عن الغاية من تأليفه في صفحات الكتاب الاولى (ماذا نعرف عن فلوبير بعد كل هذا الزمن الطويل؟انه اكثر مما نتخيل،هناك الكثير من الوثائق والادلة والشواهد التي تحتاج الى غربلتها،وتفحص الاراء المتناقضة عن فلوبير والفرضيات المشكوك فيها والاستنتاجات المتسرعة)،اذا فسارتر امام مشروع ضخم لسيرة حياة مبدع كبير،حينها قرر سارتر ان يستخدم التحليل الماركسي للخلفية الاجتماعية لفلوبير،وان يعتمد التحليل الفرويدي لدراسة شخصيته،وما بينهما من ثغرات يمكن ان يتم ملؤها بافتراضات تخيلية مبنية على وقائع محددة،وليس غريبا ان مثل هذا العمل الضخم قد اخذ من سارتر اكثر من عقد من السنين من حياته.
ولكن لماذا فلوبير؟يذكر سارتر انه قد تأثر في طفولته  بفلوبير وغوته وقد تسممت افكاره بنزعتهم التشاؤمية،لكن (مراسلات فلوبير) هي التي نقلته من الكراهية الى الحب،وعلاوة على ذلك فقد قدمت له مادة ضخمة للتحليل النفسي لشخصيته.
وهناك ايضا عوامل ذاتيه لاختيار سارتر تأليف كتاب عن فلوبير،كان سارتر يرغب في عمل مقارنة بين طفولته وطفولة فلوبير،ولكن المقارنة لم تكن لصالح سارتر كما يكشف عن ذلك كتابه (الكلمات)،كلا الكاتبين نشأ في عائلة بورجوازية تقليدية  تمارس الفضيلة دون ان تؤمن بها،كان سارتر قد تعود على شكوى جدته من جهة الام التي كانت تكررها حين بلغت السبعين من العمر من زوجها الاناني الذي استولى على طعامها لنفسه في اول ليلة من شهر العسل وكان ذلك في العشرين من عمرها اي قبل نصف قرن،وكيف كانت حياتهما مليئة بالحقد والضغينة،او رواية جده من جهة الاب عن اكتشافه في اليوم الثاني لزواجه ان عائلة زوجته التي كان يظنها ثرية كانت في حقيقة الامر قد اصابها الافلاس،ومنذ تلك اللحظة لم يكلم زوجته ابدا،ولا يتبادل معها سوى الاشارات اذا اراد منها شيئا،وعاشا على هذا الحال لاكثر من اربعين سنة،وقد نشأ كلا الكاتبين (سارتر وفلوبير)في مثل  هذا الجو من العلاقات العائلية التي تسودها النزاعات والمشاكل،وكان جد سارتر كثيرا ما يذكره بوالد فلوبير،اما جدة سارتر فقد كانت تشبه الى حد كبير مدام بوفاري بطلة رواية غوستاف فلوبير الشهيرة.
كان سارتر يحب ان يجادل في ان هناك اختلافا جوهريا ومهما بينه وبين فلوبير،فقد كان في طفولته طفلا محبوبا ومدللاً،على العكس من فلوبير الذي لم يكن محبوبا في طفولته، وحتى لو سلمنا بصحة هذه الفرضية التي يقول بها سارتر كما يقول كاتب المقال جوليان بارنز فان هناك الكثير مما يجمع بين الاثنين،وكما يذكر سارتر في كتابه الكلمات فانه عاش سعادة مزيفة في ايام طفولته بل ان من يقرأ كتابه (احمق العائلة) يكتشف ان تلك السعادة لم تكن سوى منّة من اهله،وكم كانت هذه العائلة البورجوازية ظالمة له وتعامل هذا الطفل الذي سيصبح في المستقبل فيلسوفا بكل قسوة وانانية،في حين كانت معاملة عائلة فلوبير له اقل وطأة. 
يستمر كاتب المقال في عرض هذا الكتاب المهم والذي يعد معلما من معالم تاريخ النقد الادبي في العالم ومحاولة مهمة في التحليل الاجتماعي والنفسي لسيرة حياة واعمال كاتب مهم مثل غوستاف فلوبير،مما يشير الى ان اسهامات جان بول سارتر في الفلسفة والفكر والادب لا تزال تحتفظ باهميتها رغم مرور كل تلك السنين.
تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption