أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

السبت، 12 يونيو 2021

توفيق الحكيم .. الأديب والسياسة (2)/ نفيسة دسوقي

مجلة الفنون المسرحية


توفيق الحكيم .. الأديب والسياسة (2)

« رأيت أحمد عبد العزيز عندما جاء إلى دار أخبار اليوم في زيارة خاطفة ليعود بعدئذ إلى حيث يواجه قدره .. رأيته وأصغيت إليه وهو يتحدث ببساطة عن الحياة والموت .. حديثا لا نستطيع نحن الفانين أن نسبر له غورا أو ندرك له قرارا .. لكأن ذلك الحاجز بين العالمين قد انهدم تماما أمام وطنيته الدافقة وإيمانه العارم .. فهو يتحرك بجهاده في مناطق غريبة .. تجهل لغتها كلمة موت .. مناطق علوية من غير شك لمعنى عظيم استحوذ عليه وجعله من خدامه وفرسانه .. (هذا هو البطل) .. قلتها في نفسي .. وهو إلى جانبي يتكلم بصوته الهادىء النبرات .. من يكون البطل غير الذي استطاع أن يقهر في نفسه فكرة الموت .. ذلك الذي استطاع أن يقول للموت .. لن تنال مني .. فقد تحولت إلى معنى قائم فوق الزمن، يشيع في الناس الحياة .. ويبعث في النفوس عقيدة» .. من كلمات «توفيق الحكيم» بجريدة أخبار اليوم في نعي الشهيد أحمد عبد العزيز قائد قوات الفدائيين المصريين في حرب فلسطين سنة 1948 والذي استوحى الحكيم  شخصيته بمسرحيته «ميلاد بطل».

عاصر توفيق الحكيم خلال رحلته الأدبية خمس حروب خاضها الجيش المصري بدءا من حرب فلسطين 1948 وحتى حرب أكتوبر 1973 إلى جانب العديد من التغيرات السياسية التي مر بها المجتمع المصري وعلى رأسها ثورة يوليو 1952 وهى في مجملها أحداث وتغيرات أثرت دون شك على محتوى ومضمون إبداعه .. الناقد المسرحي فؤاد دوارة يواصل رحلته في الإبحار داخل عالم توفيق الحكيم في كتابه «مسرح توفيق .. المسرحيات السياسية» .. في محاولة للوقوف على أهم سمات مسرح توفيق الحكيم السياسي


الحكيم وشئون السياسة

كتب توفيق الحكيم خلال حياته الفنية ما يزيد عن «ثمانين» مسرحية من بينها «ست وثلاثين» مسرحية سياسية غلب عليها نمط المسرحية ذات الفصل الواحد -خمسة وعشرون مسرحية من الست وثلاثين- وقد أرجع فؤاد دوارة ذلك لإعتياد الحكيم نشر مسرحياته بالصحف ذات المساحة المحدودة بطبيعة الحال وهو ما أثر ليس فقط على حجم المسرحية ولكن على موضوعاتها وأسلوب معالجتها فجاءت أغلب تلك المسرحيات تميل للبعد عن التعقيدات الفنية والرموز الفكرية التي كانت شائعة بغالبية مسرحيات الحكيم الأخرى.

عالج الحكيم شئون السياسة العالمية في خمس عشرة مسرحية هجا فيها الحروب وما تتضمنه من صور وحشية وحذر من آثارها المدمرة على الحضارة الإنسانية ودعا إلى إحلال السلام والتفاهم بين الدول محل التوتر ونادى باستخدام العلم سبيلا لتقدم الإنسانية بدلا من تسخيره لصنع أسلحة الخراب والدمار، كما نبه  إلى ضرورة الإهتمام بقضايا الشباب باعتبارهم صناع المستقبل ولفت النظر إلى طبيعة الدور الذي يلعبه بعض رجال السياسة والمال في إفساد وتحطيم المثل العليا التي من المفترض أن يؤمن بها الشباب.

طرح توفيق الحكيم في أربع مسرحيات له نظم الحكم السائدة بالعالم وهاجم الحكم الإستبدادي الفردي وسخر من النظام الملكي ولم تنج الديمقراطية من سهام نقده وقد أرجع دوراة موقف الحكيم ذاك من الديمقراطية لما قد شاهده من عمليات تزوير للإنتخابات خلال فترة عمله كنائب بالأرياف وهو ما تناوله بعمله الأدبي المتميز «يوميات نائب في الأرياف».

يوميات نائب في الأريافانتقد الحكيم في تسع عشرة مسرحية مختلف صور الفساد السياسي وتميزت المسرحيات التي كتبها قبل ثورة 1952 بالمباشرة والواقعية في حين تنكرت مسرحياته فيما بعد الثورة وهزيمة 1967 داخل عالم الأبنية الرمزية والحكايات الشعبية والخرافية واعتمد الحكيم على تقنية «الملهاة» كأسلوب لمعالجة غالبية أعماله المسرحية السياسية.

«براكسا أو مشكلة الحكم»
صدرت مسرحية « براكسا ” أو مشكلة الحكم» عام 1939 عقب تعرض توفيق الحكيم لأزمة سياسية حادة نجمت عن نشر حوار له انتقد فيه الحياة النيابية بمصر ما دفعه للتوجه نحو الكتابة السياسية فكانت تلك المسرحية التي استوحى عالمها من مسرحية «مجلس النساء أو النائبات» للإغريقي «أرستوفانيس» الذي يعد من أكبر هجَّائي عصره وسياسييه.

«خرجت براكسا من منزلها في ساعة مبكرة من الصباح لتوافي صاحباتها في الموعد الذي ضربته لهن أمام بيتها، وهى ترتدي ملابس زوجها وكذلك فعلت صاحباتها اللائي بدأن في الحضور واحدة بعد الأخرى وحين أكتمل عددهن شرعت براكسا في افهامهن تفاصيل الخطة التي وضعتها للاستيلاء على السلطة ثم توجهن معا إلى المجلس .. بعد إنصرافهن خرج من البيت (بلبروس) زوج براكسا  مرتديا ملابس زوجته لأنه لم يعثر على ملابسه ويقابله صديقه (كريميس) وقد عاد لتوه من المجلس فيحكي له ما رآه هناك وكيف أن حشدا كبيرا من الرجال الغرباء وصلوا مبكرين واحتلوا المقاعد الأمامية وألقى أحدهم خطبة بليغة طالب فيها بتسليم كل شئون الحكم إلى نساء المدينة، فوافق الحاضرون وسط حماسة ذلك الحشد من الغرباء».

احتفظ الحكيم بنفس البيئة الإغريقية «اليوتوبية» غير أنه في نقده لبعض الأوضاع السياسية قد اكتفى بالتلميح دون التصريح فبات نقده للسياسة المصرية يعتمد على الشكل المجازي غير المباشر وهو ما كان يتطلب من القارىء أن يسقط ما يقال عن المجتمع الإغريقي على واقع السياسة المصرية المعاصرة.

هجوم على الديمقراطية
رفض الحكيم حكم الفرد المستبد بنفس القوة التي رفض بها الديمقراطية الزائفة وفي المقابل لم يقدم بمسرحيته تصورا بديلا  لشكل نظام الحكم الذي يطمح له وعلى لسان شخصية الفيلسوف نراه يشير: «هناك أشياء ينبغي للبشر أن يتركوا أمرها للسماء .. مسألة الحكم واحدة منها .. وإن البشرية أحيانا لترتاح قليلا إذ تلقى تبعة حكم الأرض على اختيار السماء» .. غير أنه بذات الوقت حرص على أن يلوح بنوع من الحكم يقوم على التوازن ما بين الحرية القائمة على الديمقراطية وقوة الحاكم الفرد وحكمة الفيسلوف المفكر مضيفا أن هذه القوى الثلاث المتضادة لابد لها أن تسير أحدها إلى جوار الأخرى دون أن تطغى قوة منها على الآخرييْن: «لابد لنا من أصبع تحرك خيوطنا الثلاثة ونعرف سر التألف بيننا، وتلعب بنا لعب الساحر بتفاحات ثلاث ينثرها ويجمعها فوق يده دون ان تتصادم أو تلمس واحدة الأخرى».

براكساتمثل أهم ما أخذه فؤاد دوارة على تلك الأفكار السياسية التي طرحها الحكيم بمجمل أعماله المسرحية في إسرافه في الهجوم على الديمقراطية وهو إسراف تجاوز – وفقا له-  في بعض الأحيان حدود نقد التطبيقات إلى المبدأ ذاته، إلا أن هذا المأخذ لم ينل من قيمة الأفكار السياسية التي طرحها الحكيم بمسرحه فإذا كان المسرح العربي قد عرف مسرحيات محمود دياب وفتحي رضوان وصلاح عبد الصبور والشرقاوي وألفريد فرج وسعد الله ونوس وغيرهم الكثير فإن ذلك ما كان ليتحقق لولا التمهيد الكبير الذي قامت به مسرحيات الحكيم فهي التي جعلت من المسرحية السياسية شكلا مألوفا في الأدب المسرحي العربي وهو أمر لم يكن متاحا خلال ثلاثينيات القرن الماضي حين بادر الحكيم بنشر مسرحياته السياسية الأولى.

الجمعة، 11 يونيو 2021

توفيق الحكيم .. الأديب والسياسة (1)/ نفيسة دسوقي

مجلة الفنون المسرحية


توفيق الحكيم .. الأديب والسياسة (1)


«إني لا أطيق أحدا يحقر الأفكار والكلمات، إن الكلمات هى التي شيدت العالم. إن محمدا لم ينشر الإسلام بالذهب بل بالكلمات، وعيسى لم ينشىء المسيحية بالمال بل بالكلمات. الكلمات الصادقة والأفكار العالية والمبادىء العظيمة هى وحدها التي قادت الإنسان في كل أطوار وجوده، وبنت الأمم والشعوب في كل أدوار تاريخها. ما من حركة وطنية أو قومية أو إنسانية قامت أول أمرها على شىء غير المبادىء» .. من كتاب «حماري قال لي» لتوفيق الحكيم.

الكلمة مسئولية وعليها يقع العبء الأكبر في تطوير المجتمعات ودفعها نحو المستقبل وما من أديب غاص بعمق المجتمع إلا وكان له علاقة ما بعالم السياسة .. الناقد المسرحي فؤاد دوارة في دراسته «مسرح توفيق الحكيم .. المسرحيات السياسية» يبحر داخل عالم توفيق الحكيم في محاولة للتعرف على طبيعة العلاقة التي ربطت ما بين توفيق الحكيم وآفاق عالم السياسة من خلال تحليل مسرحياته السياسية التي لم يلفتت إليها الكثير من النقاد.

مسرح توفيق الحكيم .. المسرحيات السياسية
توفيق الحكيم و«الضيف الثقيل»
استهل فؤاد دوارة تقديم دراسته بالإشارة إلى أن أغلب الباحثين الذين انشغلوا بمسرح توفيق الحكيم – فيما عدا قلة نادرة من بينهم دكتور علي الراعي ودكتور محمد مندور- قد أغفلوا الوقوف على مسرحه السياسي مكتفين بدراسة عالمه الفكري وربما يرجع ذلك لكون توفيق الحكيم ذاته قد حرص على عدم الإنتماء لأي حزب سياسي على عكس غالبية أدباء جيله إلى جانب رفضه المشاركة في النشاط السياسي العملي في مقابل انشغاله الشديد بقضايا الفن والآدب وتأكيده على مبدأ استقلال الأديب وحريته الفكرية وهو ما اكسبه بنظر البعض صورة الفنان الشارد عن الحياة والمجتمع المنصرف إلى تأملاته وشطحاته الفكرية وربما رسخت بعض عناوين أعماله مثال: «من البرج العاجي .. تحت المصباح الأخضر .. حماري قال لي .. قالت العصا» تلك الصورة الذهنية المتمثلة في صورة «الأديب الشارد».

على عكس الصورة الذهنية الشائعة عن توفيق الحكيم كأديب شارد جاءت ذكريات طفولته مشبعة بالعديد من الصور الدالة على تغلغل نفوذ الإنجليز بمصر حيث ولد توفيق الحكيم في 9 أكتوبر سنة 1898 ما جعل ذكرياته تأتي مسكونة بصور توغل نفوذ الإنجليز بمجمل شئون مصر بما في ذلك مجال القضاء الذي كان والده أحد رجاله..  ويروي توفيق الحكيم عنه وكيف تأخرت ترقية والده لكونه أبى أن يحكم بما يخالف ضميره فجاء حكمه على عكس ما أراد الإنجليز ما كان سببا مباشرا في تأخر ترقيته.

انصرف توفيق الحكيم عقب ثورة 1919 لدراسته بمدرسة الحقوق العليا ثم بجامعة باريس إلى جانب متابعة تجاربه الأولى في التأليف المسرحي والقصصي وجاءت أولى أعماله المسرحية «الضيف الثقيل» التي كتبها نهاية عام 1919 وقال عنها: «كانت من وحي الإحتلال البريطاني .. كانت ترمز إلى إقامة ذلك الضيف الثقيل في بلادنا بدون دعوة منا وبدون رغبة في الإنصراف عنا» لتبدأ بتلك المسرحية رحلته مع عالم المسرح السياسي.



قضى توفيق الحكيم ثلاث سنوات بباريس ما سمح له التعرف على حياة الأوربيين ومشكلات العمال الفرنسيين واستغلال أصحاب المصانع لجهودهم وذلك من خلال علاقته بالعامل الفرنسي «أندريه» الذي امتدت علاقته به بعد عودته إلى مصر وتبادل معه العديد من الرسائل التي جمعها بكتابه «زهرة العمر» كما كتب روايته «عصفور من الشرق» التي جاءت كتجسيد لخلاصة تجاربه بفترة إقامته تلك بباريس ما بين عامي 1925 و1928.

الفنان والسياسة
لم يحترف توفيق الحكيم العمل بالسياسة كما هو معروف عنه لكنه دائما ما كان يشير إلى عمق العلاقة التي تربط ما بين الأديب والفنان بشكل عام وعالم السياسة: «ما من فنان أيا كان يمكن أن يتنصل من مسئوليته نحو عصره ومجتمعه وأنا شخصيا لا أستطيع أن أتصور فنانا بهذا الشكل خصوصا في عصرنا الحاضر».

كثيرا ما أكد توفيق الحكيم على أن الكُتاب كانوا دائما ما يمهدون للإصلاحات والإنقلابات الإجتماعية ويستشهد في ذلك بكتابات: «ديكنز .. ويلز .. شو .. بريستيلي» وغيرهم من كبار الأدباء حول العالم ولئن كانت حركة الإصلاح الإجتماعي في مصر قد تأخرت فذلك من وجهة نظره «سببه تقصير الكتاب والأدباء .. إني اتهم بملء فمي الأدب بهذا الجرم!».

الأديب أو الفنان لدى توفيق الحكيم «ليس هو المصلح بل هو صانع المصلح .. كل أولئك المصلحين من ملوك وزعماء وساسة، ما كونهم وهيأهم لرسالات الإصلاح غير أدب الأدباء وشعر الشعراء وفن الفنانين» ولا يعني هذا أن يتوجه الكاتب فيما يكتب إلى السلطان دون الجماهير ذلك أنه – ووفقا لتوفيق الحكيم -«بعض أعمال الأديب أو الفنان من الممكن أن تكون ذات شطرين، فبينما يكون من أهدافها تكوين المصلح ولفت نظره إلى ما ينبغي فإنها يجب أن تتوجه إلى الجماهير في نفس الوقت، بطريق مباشر لتؤثر فيها تأثيرا عميقا واسع النطاق».



غير أن هذا كله لا يعني ضرورة إنشغال الأديب بالسياسة العملية فاعتناق الأديب لمبادىء حزب معين- وفقا لتوفيق الحكيم – يلغي وجود الأديب «ويحرمه من مباشرة سلطة الفكر وهى المراقبة والمراجعة على الجميع بما فيها ذلك الحزب وغيره .. فواجب رجل الفكر أن يحافظ على كيان الفكر وأن يصون وجوده الذاتي حرا مستقلا وأن يصمد به في وجه كل عدوان لأنه هو الضمان الوحيد على هذه الأرض الآن تجاه انجراف قوة العمل نحو الإنحراف الطاغي المدمر» .. لذا أصر توفيق الحكيم على الاحتفاظ باستقلاله الفكري ومن ثم لم ينضم لأي حزب سياسي رغم تعدد الظروف المواتية والمغريات التي لا حصر لها.

«أهل الكهف» .. بوابة توفيق الحكيم الأولى لعالم الشهرة
نشر توفيق الحكيم سنة 1933 مسرحيته «أهل الكهف» على نفقته الخاصة في طبعة محدودة أهدى معظم نسخها لكبار الأدباء والنقاد والصحفيين فإذا بغالبيتهم يرحب بها فيكتب عنها مصطفى عبد الرازق والعقاد والمازني وطه حسين وغيرهم وبذلك يتردد اسم توفيق الحكيم بكبريات الصحف المصرية وهو لم يزل يعمل وكيل نيابة  بريف مصر.

سهلت تلك الشهرة التي حاز عليها توفيق الحكيم جراء نشره مسرحية «أهل الكهف»  له من أن يتمكن في العام التالي 1934 من الإنتقال للعمل بالقاهرة مديرا للتحقيقات بوزارة المعارف وهو ما اتاح له فرصة متابعة الكتابة بشكل منتظم فتوالى صدور كتبه ومسرحياته وتعددت مقالاته وأحاديثه بالصحف والمجلات.



صلاة الملائكة
«يتصاعد إلى السماء دخان الحرب المشتعلة على الأرض ومعه أصوات صلاة استغاثة، فيقرر أحد الملائكة الهبوط إلى الأرض لمعاونة أهلها، فيتنكر في هيئة قروي بسيط، ويلتقي بفتاة فقيرة فقدت أهلها في الحرب، وراهب هارب بعد أن أحس بالعجز عن حماية الآلهة، وعالم يحاول أن يغرق علمه في الخمر لكي لا يستخدمه الطغاة في تأجيج نيران الحرب .. يتجه الملاك للقاء الطاغييْن اللذين أشعلا نار الحرب ويتهم الطاغيان الملاك بمحاولة اغتيالهما ويقدمانه للمحاكمة ويتقرر إعدامه رميا بالرصاص، فلا يملك إلا أن يعود إلى السماء حيث يجد الملائكة يصلون لأجله بعد أن طالت غيبته، فيطلب منهم أن تكون صلاتهم من أجل أهل الأرض المساكين».

يؤكد فؤاد دوارة على أن فكرة المسرحية ليست بجديدة كونها كثيرا ما ترددت في كثير من الأساطير والمسرحيات اليونانية والهندية القديمة حيث تظل الصلة قائمة دائما ما بين السماء والأرض، بين البشر والآلهة فلم يكن توفيق الحكيم أول كاتب حديث يلجأ لهذه الفكرة في مسرحه فقد سبقه عدد كبير من كتاب المسرح حول العالم كان منهم «جوته .. طاغور» وغيرهما.

طاغيا مسرحية «صلاة الملائكة» لتوفيق الحكيم وفقا لفؤاد دوارة هما «هتلر وموسوليني» اللذين اشعلا نار الحرب العالمية وإن لم تنص المسرحية على ذلك صراحة وقد حاول الحكيم في مسرحيته أن يحقق لها طابع الشمول الإنساني الذي يسم المآسي الكبرى فاستخدم القوى الخارقة ممثلة في الملاك الذي هبط من السماء للأرض كما أدار أحداث مسرحيته في زمان ومكان غير محددين ولم يطلق على شخوص مسرحيته أي أسماء بل جعلها أقرب إلى الأنماط أو الأقنعة «الملاك .. الفتاة .. العالم .. الراهب .. الطاغيان».

في «صلاة الملائكة» يدعو توفيق الحكيم إلى الصلح بين العقل والقلب ليستطيعا باتحادهما معا مواجهة الطغيان وحماية البشر فيوجه إليهما خطابا شديد التأثير على لسان الملاك: «كفا تنابذا .. لماذا لا تتفقان؟ .. كلاكما مؤمن .. وكلاكما راهب .. فما الدين إلا إيمان القلب، وما العلم إلا إيمان العقل .. آه .. لو اتحد العقل والقلب من قديم ضد الغريزة الحيوانية لكان للإنسانية اليوم شأن آخر».

 المسرحية تقوم على رصد تلك العلاقة ما بين الجوع والفقر بالحرب، فالفقر والجوع لدى توفيق الحكيم هما السبب الرئيسي في اشعال الحروب ومع ذلك فإن الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الفقر والجوع للشعوب ويزداد الأمر سوءا إذا ما كان هناك طاغية فأنه يؤجج نار الحروب من أجل ترسيخ قواعد حكمه.

غير أن «ملاك» توفيق الحكيم لم يفقد الأمل في صلاح أهل الأرض رغم كل ما تعرض له من عذاب فها هو يعود للسماء حاملا تلك التفاحة الخضراء التي منحته إياها الفتاة الطيبة وهو يردد نشيدها العذب: «يا شجرة الحب للكائنات .. ان دمعك دمع السماء» .. وللحديث بقية.

ذاك الـذي عـرض نــفــسه للــبيــع !! / نــجـيب طــلال

مجلة الفنون المسرحية


       ذاك الـذي عـرض نــفــسه للــبيــع !!  

خـــارج الـــســـوق:

قبل انتشار وباء ( كوفيد 19) والمشهد الثقافي والإبداعي في بلادنا؛ تتضبب معالمه وأهدافه ؛ حتى  أمسى مصابا بعـِلَّة الخرس والبكم واللامبالاة من لدن دعاة الكتابة والتنظير والتفكير؛ ومن طرف ما يسمى تجاوزا( مثقف)؟  علما أنهم لم يصابوا بالكساح لكي لا يهرولون نحو الموائد وفتات العوائد المالية من كتابة شطحات فكرية  في بعض المجلات وتنميق الكلمات المنافقة لروح الابداع والفن في بعض الجلسات ؛ بحيث ساد المال عن أخلاقية الفكر والقيم التنويرية؛ وبالتالي لا يسعنا إلا أن نشير بأنه  لا شيء أسوَء من القـَلم الخائن لقضيته ؟ فكم من قضايا وأحداث تمظهرت في النسيج الفني والإبداعي؛ وخاصة إبان وبعيد انتشار الوباء ( الكوروني) وبالتأكيد تحتاج لتفعيل تدويني؛ ولبوح منطقي وعقلاني، وذلك من أجل إثارة النقاش وتبادل الأفكار حجة بحجة. بعيدا عـن المزايدات أوتصدر (الآنا ) المريضة . لكن الصمت أمسى لزوم مالا يلزم ؛ كظاهرة فريدة أصابت النسيج الثقافي؛ وانعَـدمت الكتابة التحليلية والتساؤلية والإشعارية والفكرية ، ولاسيما أن (الكتابة عندي فرض كفاية ؛ إذا كتب غيري وأجاد عن الموضوع فلا أجد كتابتي إلا تكرارا؛ وبالتالي فعزوفي عن الكتابة عنها ليس موقفا، بل إيمانا بأنه ليس لدي ما أضيفه لقضية واضحة ومحسومة وصريحة.
الكتابة ليست إثبات موقف بل إضفاء قيمة معـرفية  (1) وبناء على هاته الرؤية ؛ فمؤخـرا : أعلن أحدهم عـرض نــفــسه للــبيــع !! ( 2) وكنت شخصيا أنتظر كتابات ونقاشا مثمر تجاه ( الحدث/ النازلة) لأنه موضوع يغـري للنقاش من عـدة مجالات ومن بينها الفقه الإسلامي وأحكامه  واستحضار أفكار وفتاوي الفقهاء والعلماء تجاه النازلة؛ التي بحق عجيبة في خضم العجائب ؛ والتي تم طرحها بعـد سنة ونيف من توقف المشهد المسرحي عن الحركة؛ وإغلاق القاعات ودور الثقافة ، وتمظهر التهافت والهرولة نحو صندوق تدبير الجائحة ؛ والبعْـض التزم الصمت لأن لهم مداخل ومشاريع وبعض منهم مارس ألاعبه الشيطانية ليعيش في مستواه المعتاد وآخرون تصارعوا عما يسمى الدعـم ( الاستثنائي) الذي خلف  نصوصا مسرحية وسيناريوهات سينمائية بالحجة والإثبات ؛ لمن يرغـب الكتابة في المجالين ! 
إذن ؛ فتوقيت إعلان ذاك الـذي عـرض نــفــسه للــبيــع ؛ هو اللغـز الأهم !! وهَـذا الحدث المضحك والساخر ! أعيد بي لسنة1986 حينما قمت بإخراج مسرحية ( رجل رهَـن نفسه ) للكاتب العراقي – المهدي السماوي- في إطار الإقصائيات الوطنية لمسرح الهواة؛ لكن اللجنة الوطنية  اقصت العمل بناء على تقريروهْـمي ( ليس هناك في زماننا وفي بلادنا من يبيع أو يرهن نفسه ) ؟ والذي خاض غمار مسرح الهواة ممارسة وتجربة ومشاركة في الإقصائيات  من يوم تأسيس الجامعة الوطنية لمسرح الهواة 1975 إلى حدود اغتياله في ظروف غامضة ( ؟ )  يعْـرف جيدا استراتيجية والبعد الإيديولوجي  للمهرجان الوطني . والمصادفة ؛ أن المخرج عبد المجيد نجدي من مدينة الجديدة؛ بدوره أخرج نفس العمل؛ وتم إقصاؤه ؟ ولم يعـرف السبب؟ وبما أن أخبار المسرح سواء الإقصاءات والإقصائيات وكذلك القضايا كانت تتداول ( صحفيا )  حدث تواصل بيني وبينه هاتفيا قبل بروز الهاتف( النقال) ووصلنا لقناعة أن العمل أقصي و رفض لأسباب في عمق إيديولوجية ( النص) لكن الأهم عندنا مسألة ( الرهـن) هل يجوز للمرء رهـن نفسه  ؟ بداهـة هـو سـؤال فقهي بالأساس رغـم أنه يندرج ضمـن قانون العقود والالتزامات والقانون المقارن . وبالتالي الرهن جائز انطلاقا من قوله تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [س/البقرة: 283  ] ولهذا فالرهْـن هو ذلك الاتفاق الذي يتم بين طرفين ، وفق عقد قانوني ، يمنح فيه الطرف الأول ملكية خاصة به للطرف الثاني ، مع بقاء احتفاظ الطرف الأول المالك الأصلي للشيء بملكيته ، وذلك يكون وفقاً لشروط معينة .علما  أنه لا يصح رهن ما لا يجوز بيعه مما يتم إطلاق مسمى ( الرهن ) على العقار لا غير كالأرض والسكن ونحوه ولا يمكن أن يباع ( المرهون) إلا بإذن صاحبه و بتسليم المال الذي عليه والقاعدة  القانونية تشير بأن الراهن له الحق في منع البيع. هنا لا يمكن للمرء أن يرهن نفسه مقابل المال ؛ ولكن النص ( رجل رهن نفسه) يحمل دلالات عميقة لحٍـربائية الانتهازيين والإمبرياليين ؛ وإدانة صريحة للعملاء الذين يرهنون عقولهم للآخر؛ ويتركون أجسادهم في أوطانهم؛ وربما أن المبدع – المهدي السماوي- تأثر بنص فاوست ؛ لكن الإشكالية أن الرهن ليس هو البيع ؟

داخـــل الــســوق : 

فلو أعلن ذاك الـذي يعتبر نفسه مسرحي ! أنه يرهن نفسه ضد إغلاق القاعات ؛ لكان الأمر عادي؛ ويندرج في مزحة أو حالة غضب عفوية ؛ أوتمقص دور [فاوست] الذي باع نفسه للشيطان، [مفيستوفيليس] مقابل الحصول على قدرة فائقة، ومعرفة عالية يستطيع من خلالها أن يفعل بها ما يعنّ له من الخوارق ؛ في فتح القاعات والمسارح أمام المسرحيين والسينمائيين ، لكان طرحه مقبولا  
 ولكن الإشكالية في إعلان(تجارة) عـرض نــفــسه للــبيــع !! والبيع لغة: نقل الملك بعوض، ويطلق على إعطاء السلعة وأخذ الثمن. وذلك بناء على عقد إلزامي في شأن المقايضة بين البائع والشاري. 
ولقد عرف المشرع المغربي عقد البيع في الفصل 478 من قانون  العقـود والالتزامات بأنه :"عقد بمقتضاه ينقل أحد المتعاقدين للآخر ملكية شيء أو حق في مقابل ثمن يلتزم هذا الأخير بدفعه له.
من خلال هذا التعـريف يتبين لنا أن المشرع المغربي يشير إلى أهم خاصية لهذا العقد والمتمثلة في التزام البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشتري، مقابل ثمن نقدي"
إذن فصاحبنا أعلن عن بيع نفـسه ؛ باعتباره ملكية / سلعة / منقول/ لأن  نقل الملكية من البائع إلى المشتري يعَـد من أهم الخصائص المميزة لعقد البيع . وبالتالي ليس عبثا أن يطرح نفسه داخل السوق للمساومة مقابل (المال) ولكن عمن كان يراهن لشرائه من السوق هل ( على) مواطن أوروبي أم خليجي أم  أمريكي أم مواطن ( ما )  مولوع بالسبايا ؟ لأن البائع لا يطرح سلعته اعتباطيا بما فيهم أصحاب ( الخردة/ الجوطية) بل ارتباطا بالماركوتينك وما يتداول أكثر رواجا في السوق بيعا وشراء .
 إذن لنقبل بأن الحاجة والفقر هي الدافع الأساس لبيع المرء نفسه أو بيع أبنائه في الماضي والحاضر وهناك أمثلة عدة على أرض الواقع وقعت لتسديد الديون أو توفير لقمة العيش لبقية أفراد العائلة.. بحيث هناك مواطن مصري :أعلن صاحب مخبزين عن مزاد لبيع اطفاله لسداد مخالفات متراكمة عليه(... ) حيث أعلن عن بيع أبنائه التسعة بينهم جنين لا يزال في رحم أمه لسداد 100 ألف جنيه (حوالي 17 الف دولار)(... ) ووزع إعلانًا على كل معارفه حدد فيه أوصاف أبنائه مثل النوع والسن واللون، وعرض بيعهم لأعلى سعـر(3) لكن إذا باع الفقير ابنته فهل يكون لها حكم الإماء ؟ هذا سؤال انطرح في سياق طلب (فتوى) والتي كانت مفادها: فلا يجوز بيع الحُـر -ابنًا كان أو ابنة أو غيرهما-، وقد اتفق على ذلك أهل العلم قاطبة، والعقد على ذلك يقع باطلًا باتفاق فلا يجوز لك شراؤها، لأنها حرة، وعقد بيعها باطل، بالإجماع (4) هـنا نهي مطلق؛ بناء على مقتضيات الشريعة والقوانين الدولية ممارسة النخاسة التي كانت في العصور القديمة . لكن صاحبنا عرض نفسه برغبته لإحياء نعْـرة النخاسة . فهل الحاجة دفعته لبيع نفسه وإن كان البيع باطلا قانونا ؟ فكما نعـلم ويعلم ( البائع) أنه موظف بوزارة الثقافة ينال أجرا قارا ؛ وله جميع الحقوق بناء على مقتضيات  الوظيفة العمومية . وبالتالي فإعلان بيْـع نفـْسه أنه ( ماركة) غير مسجلة تجاريا . بمثابة ( بوز/تخريجة / مزايدة: لينتزع الإعجاب ( ربما )  لكن تخرجته  خاطئة / بليدة ؛ تستدعي عمليا  الشفقة والرثاء. لأنه على علم  بكواليس وتحـركات( الوزارة ) متى سيتم إعلان فتح القاعات والمسارح . وبالتالي: نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة؛ تتعلق بسيادة نظام أدى تدريجيا؛ إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة ....  فتسيَّدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية ؛ وكل ذلك لخدمة أغراض السوق بالنهاية  (5) ولهذا فطرح نفسه للبيع مسألة غير بريئة تماما (؟) ربما اندفع لتقديم إشهار بطريقة غير مباشرة لموقع QXL : الذي سمح لمن يريد ببيع نفسه والمزايدة عليها.. وأول حالة بيع من هذا النوع كان عام 2002 لشابة بريطانية تدعى كاي هاموند (24 سنة من بيرمنجهام) عرضت نفسها للبيع بحجة عدم وجود وقت تتعارف فيه على الجنس الآخر.. والغريب أن 38 ألف رجل دخلوا المزاد الذي انتهى بشرائها بمبلغ 251 ألف جنية استرليني غير قابلة للاسترجاع في حال قرر الرجل فصل العلاقة (حسب موقع BBC في 29 يناير2002)!!(6) وإن كان هذا مستبعدا، فأين كان ( البائع) منذ سنة وأزيد؛ والعديد من الفنانين يبحثون عن إنقاذ حياتهم من الفاقة والحاجة ؟ فلماذا لم يوقع ضمن لائحة المطالبين بفتح القاعات ؟  وإن كانت له فعلا غيرة وحرقة تجاه الفن المسرحي؛  فلماذا لم يعلن عن بيع نفسه أمام قبول مهزلة تقديم العروض أمام كراسي فارغة ؟ وإن كان لنا رأي آخر في موضوع (7) ولكن ها هي انفتحت كما قَــالــتْ جــدّ تي من قــبرها : قِــيل أن  القاعات والمسارح فُـتِـحتْ؛ فــماذا أنتم فــاعــلون أيها المسْــرحـيون ؟؟(8) ففي غياب الدعم المتهافت عليه ؛ ستبقى القاعات فارغة ؛ وأتحدى من سيقدم عَـرضا مسرحيا خلال هذا الشهر الذي هو بوابة لفصل ( الصيف) . 
ففي إطار النازلة العجيبة للمدعو ( المسرحي) الذي من المفروض أن يكون شامخا ذو عزة وكرامة ؛ ولاسيما أن المبدع كيفما كان مستواه؛  مرآة وصوت الشعْـب المقهور والمعذب في محنه وهمومه وتطلعاته !
فما عسانا نقول اتجاه مسرحيين وفنانين – مغاربة -  لم يجدوا حتى ثمن مشروب قهوة ؛ في الأيام العادية ؛ فبالأحرى في زمن الوباء واجتياحه ؟ ولم يقدموا على محاولة بيع أنفسهم ؛ وذلك تقديرا لكرامتهم ؛ واحتراما للفن الذي يقدمونه كيفما كانت نوعيته ومحتواه. فكم من مسرحي  عاش الفقر المدقع ونام في الطرقات : كعبد الرحيم إسحاق/ عبدالنبي الرياحي/ حوري الحسين/ جلول الأعرج/ مصطفى الجبيلي/حميد عمور/.../ أسماء كثيرة لا يعْـرفها – رحمهم الله ؛ فلم يبع أحد منهم نفسه ولا استعطى لمخلوق . ولكن لنقدم له نموذج مفاده:  بعد أقل من أسبوع من إعلان الفنان المغربي، عزيز حسني، تدوينة على الفيسبوك  عن عجزه التام لتغطية تكاليف عملية جراحية، و أنه سيبيع أغراضه الشخصية لتغطية تكاليفها، خرج الفنان الكوميدي المسرحي، عثمان جميل، بتصريحات مؤثرة عن وضعيته المعيشية(.....)وجد نفسه مضطرا  لبيع مواد التنظيف من أجل ضمان قوته اليومي بشوارع سلا. (9) دون التوسع في قضية الفنانة زهور السليماني/ عائشة مهماه/ وعـرمرم من المسرحيين الإكفاء والموهوبين من فاس/ مكناس /وجدة/ أسفي/.../ يعيشون البطالة والفقر الذي لا يوصف ، فهل فكر أحدهم بيع نفـسه ؟ وإذا عدنا لتعـريف البيع عند ابن عرفة ؛ وخاصة البيع ألأعم الذي هو: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة. فلا يدخل في عقد البيع: النكاح، والإجارة، والكراء. والمراد بالأعم مطلق المعاوضة( 10) ونختم بما قـــالــته جَـدتي من قــبرها : عجَـبا لذاك الذي أراد بيع نفـسه ( فمن سيشتريه)  ربما  ؟ وربما يحن لزمن النخاسة ؟ أين العـفة والشموخ ؟ أين الفكر المبدع ؟ إنــه التردي السافر والانحطاط المدمر لما تبقى من قطرة دم للمشهد المسرحي والفني !!(11)

الإحــالات :
1) نظام التفاهة للآن دونو- ترجمة وتعليق مشاعل عبدالعـزيزالهاجري ص16 ط1/2020  دار السؤال /لبنان  
2) انظر جريدة الصباح المغربية في 25/05/2021 أوصحيفة المغرب اليوم في 27/05/2021
3) 3. مصري يعلن عن بيع اطفاله في مزاد صحيفة 'المصري اليوم' بتاريخ 11/05/2009
4) انظر إسلام ويب رقم الفتوى279250 في 4 ربيع الأول 1436 هـ - 25-12-2014 م
5) نظام التفاهة للآن دونو- ص13/14
6) هل يمكن للإنسان بيع نفسه؟ مقالة لفهد عامر الأحمدي في جريدة الرياض ع16396 في15 مايو 2013م
7) طالع موضوعنا: في أفـق تنظير للمسرح الكـُوروني ؟ في صحيفة كتابات بتاريخ 09/04/2021
8) انظر جداريتنا بتاريخ 02/05/2021
9) موقع عبير في 14/ سبتمبر/2018
10) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير مع تقريرات الشيخ عليش لأحمد الدرير/ محمد عرفة الدسوقي/ محمد عليش الجزء الثالث ص 2 دار الفكر بدون تاريخ
11) انظر لجداريتنا بتاريخ 25/05/2021
 

الخميس، 10 يونيو 2021

صباحاً وظهراً وليلاً الفاسد تحت التبريد والشعب يستمع لراديو محمد حسين حبيب

مجلة الفنون المسرحية


صباحاً وظهراً وليلاً الفاسد تحت التبريد والشعب يستمع لراديو محمد حسين حبيب

وائل زكريا مصطفى / سورية

لن استطع مشاهدة العرض بشكل دقيق ولكن حاولت ان اتمعن واركز في سماع الراديو والتي تُبث من العراق وتحديداً من الموجة البابلية فكانت الاصوات تتخبط ببعضها وكل صوت على حدا وكانت اهم نشرة اخبارية وعلى مستوى الدول العربية وهدفها ايصال الرسالة للرئيس تحت مسمى (( نحن لسنا عبيد )) فوجدت الإبداع اشتعل من الشرارة الاولى لعدة موجات  وصرخات قاتلة بوجه الفاسدين والطغاة.. اكتفي بهذه المفردات واقول بملىء فمي انحني لكل شخصية في هذا العمل المتكامل واقبل رأس المخرج الدكتور  محمد حسين حبيب الذي استطاع توظيف العمل بطريقته الخاصة وانفرد بها.... احييكم عمل يجب ان ننحني له بكل فخر واعتزاز.... فليسمع العالم راديو الدكتور محمد الرجل الذي استطاع ان يذيع نشرته الاخبارية بكل شجاعة وعلى قولة السوريين (( تئبر ئلبي شفيت غليلي)) .... تحية وتقدير لكادر العمل .


"غصة عبور" أزمة مثيرة لشخصيات عالقة على جسر بين ضفتين

مجلة الفنون المسرحية

الأربعاء، 9 يونيو 2021

أفتتاح مهرجان المسرح الشبابي بدورته الخامسة ( دورة الفنان غانم حميد ) برعاية نقابة الفنانين

مجلة الفنون المسرحية

أفتتاح مهرجان المسرح الشبابي بدورته الخامسة ( دورة الفنان غانم حميد ) برعاية نقابة الفنانين

افتتح السيد نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي مساء الثلاثاء 8 / 6 في محافظة النجف الأشرف مهرجان المسرح الشبابي بدورته الخامسة ( دورة الفنان غانم حميد ) الذي تنظمه رابطة عيون الفن الثقافية بالتعاون مع فرع نقابة الفنانين العراقيين فرع النجف وبدعم كامل من المركز العام - بغداد ودعا السيد النقيب وهو رئيس اللجنة العليا للمهرجان في كلمته الافتتاحية الادارات المحلية في المحافظات الى الاهتمام بالفنون لأنها تمثل الواجهة الحضارية للمدن والدول وأكد ان هذا هو وقت الشباب وان النقابة تقف في الصف الأول لدعم هذه النخب الفنية المحترمة ، وقام السيد النقيب بتكريم شخصية المهرجان لهذا العام متمثلة بالفنان غانم حميد بدرعٍ خاص من منظمة عيون الفن ومديرها الفنان فارس الشمري رئيس المهرجان كذلك تكريم عدد من الشخصيات الداعمة لهكذا فعالية فنية وحضر المهرجان بصحبة السيد النقيب النجمة آسيا كمال نائب نقيب الفنانين العراقيين وجمع غفير من الفنانين المبدعين من النجف ومن مختلف المحافظات العراقية العزيزة .. المهرجان يستمر لأربعة أيام وبالتعاون ايضاً مع كلية الفنون الجميلة - جامعة بابل .

الثلاثاء، 8 يونيو 2021

( التجريب ... سيولة ) محاولة نقدية لقراءة مسرحية (الراديو) تأليف : كين تساور - ويوا واخراج: د. محمد حسين حبيب / سنان علي حسين

مجلة الفنون المسرحية 
   ( التجريب ...  سيولة )
محاولة نقدية لقراءة مسرحية (الراديو)
تأليف : كين تساور - ويوا   واخراج: د. محمد حسين حبيب  
تمثيل أحمد عباس, محمد حسين حبيب, مهند بربن, علي عدنان التويجري, حسنين الملا, علي العميدي.
مؤثرات صوتية : علي عادل
إضاءة : علي زهير.
فكرة العرض :
 أربع جدران( غرفة) هي جغرافية بلد...بلد (يموت الفقير... ليعيش الغني) نعم هو العراق ... الوطن... لكي يعيش فيه ( الهامش) المهوس بالقيمية والأخلاق الموروثة وهذا عصياً عليه مغادرتها , فكان الاجدر به اللجوء وإذابة تلك القيم والأخلاق, والرفعة العلمية, والوقوف تحت مظلة القصور وهيمنة دعاتها. وإلا فالعيش محالٍ. فالفكرة جاءت صريحة الى الفساد المؤسساتي داخل المنظومة السياسية, ولن يغيب الفساد الاجتماعي منها ايضاً. عصر سائل يناهض الراكز. تهافتت فيه القيم والأخلاق.
نص العرض :
أبا المخرج أن يكون النص المقروء هو ذاته. بل أصر على أن يحل محله نص العرض, لتكون المغايرة والمغادرة للنص الأصلي هي ثيمة رئيسة في نص العرض مزجتها ماكنة أخراجية نابضة بالمزاج الشاعري التجريبي, الضاحك, المنفعل, ليرسم لنا جغرافية الوطن الذبيح في تلك الغرفة  الصغيرة. كالتي يعيش فيها كمٌ هائل من الناس في ذلك الوطن, فقد أبانت لنا زوايا الغرفة بأن المخرج قام بعملية تفكيك النمط التأليفي, ليخلق مناخات مرتفعة وهابطة, بطريقة جُمعت فيها أساليب المدارس المسرحية كخيوط متناثرة لتصف مدى البؤس الذي يقبع فيه الهامش اليوم. فلم يتقيد المخرج بأسلوب سالف, بل خرج برؤيته التجريبية ليذيب تلك الأساليب وتصبح (سائلة) كما وصفها عالم الاجتماع ( زيجمونت باومان) , فالحياة السائلة هي تلك اللوحة التي جسدها لنا كادر عمل مسرحية ( راديو) من خلال آدائته. فلا يوجد ضابط للأداء غير ذلك الشعور السيكولوجي بالوجع الحياتي الذي ينطلق من المؤدي على الخشبة ( من الداخل الى الخارج) فالحياة بالنسبة لهم وخصوصاً العيش في تلك البقعة لا تعني لهم شيء فبالتالي هم قابعين تحت مفهوم ( المركز / الهامش). فالعرض عبارة عن تجريب لا ينتمي إلى أسلوب معين, وهذه هي أهم سمة جمالية من سمات التجريب.
 التمثيل : 
تجري الأحداث وتتحرك متسمة بكشف النقاب عن مكامن الخلل فمن اللحظة الأولى لرفع الستار وظهرت لنا وجوه الممثلان ( أحمد و حبيب) مباشرة على خشبة المسرح وهم يقطنون تلك الغرفة البائسة ويتحدثون فيما بينهم بحديث غير مجدي يحمل في طياته إلى دلالات تعبيرية. إذ نشعر بهم أنهم قد عادوا بنا الى أسلوب المدرسة التعبيرية, التي طرحت العواطف بشكل مباشر وفي صيغ مادية, أما فلسفة مسرح العبث وتشاؤمية الإنسان من طبيعة الوجود, فلم تكن غائبة, ولكن البحث عن الوجود هنا مختلف ومنظم, أختلف عن رؤية العبث واللامعقول, فالممثل (علي العميدي) الذي كان يجلس أما الراديو ويتلاعب بأنامله بموجات الصوت هي اللوحة التي توحي لنا مباشرتاً (بلامعقولية الحياة) معبراً بذلك عن يأسه, بآداء فلسفي عميق, قد حملت دلالات كثيرة بحاجة إلى فك رموزها المشفرة من قبل المتلقي فهو ينطبق مع مقولة الناقدة الفرنسية (آن أوبر سفيلد) عندما وصفت نص العرض( بالنص المثقوب). ليأتي المخرج ويعمل على لجم تلك الثقوب, فقد كشف لنا المخرج مؤخراً عن تفسير تلك الرؤية أو الإحساس لدى الممثل (العميدي) أما الحوار فنرى بين الحين والآخر تلك اللغة الحوارية ( الساخرة) التي ترتبط خيوطها بالفكرة الرئيسة (الأم). ليكون الهذيان واقع معاش لا مناص منه, فتلك الباحة الصغيرة هي واقعنا المرير, فنص العرض يبدو أن المخرج قد أجهز على اختيار هكذا طاقات تمثيلية مسبقاً, وكانه يسير على خطا المخرج (بروك), عندما كان يختار نصاً مسرحياً معيناً, يختار ممثليه للوهلة الأولى. وبعدها يطلب من ممثليه أن يتعشقوا روحياً مع النص بقوله ( أريد من الممثلين أن يتسرب النص المسرحي لداخل أجسادهم), نعم تسرب النص داخل أجسادهم, فقد اتحفنا الأداء الحواري وخصوصاً حوار الممثلين ( أحمد ومحمد) ذلك الحوار الساخر المتهكم ذات البوليفونية الناقدة. اما انتقالات ( حبيب وأحمد و بربن) المتكررة من الفصحى الى العامية, فقد لامست مشاعرنا, لأن هذا الخروج والتلاعب الممزوج بالسخرية يحمل دلالات كثيرة منها أن يقف الحدث الدرامي على فك شفرة من شفرات الفكرة الرئيسة لتكون واضحة للمتلقي  فمثلاً كلمات الخروج ( فاسدون, سماسرة, محتال, وين الطابوكة) وهذا يعطينا انطباع أن الممثلين لم ولن يتقيدوا بالنص المكتوب ولا بشيء محدد سلفاً, بل حاولوا ايجاد طريقة تتناسب مع دوافعهم الخفية, والصورة السمعية لدى المتلقي وهذه هي طريقة ممثلي ( أغستوا بوال) فمعاني الكلمات وآدائها ماهي إلا لحظة تشخيصية وبأسلوب ساخر ناقداً لأداء المنظومة, ولا ننسى ( جائزة هينكن) فهي رسالة مهمة للانتهاك الصارخ لجغرافية البلد من قبل الآخر.
الجمهور:
لم يترك المخرج جمهوره عاجز, عن التأويل, بل راعى ورسم بشكل جميل آلية التلقي  ليصبح عنصراً من عناصر العمل المسرحي , ليصبح مشاركاً في  لجم وغلق تلك الثقوب الموجودة داخل نص العرض, فلم تكن آلية التلقي نخبوية فقط, بل تركها المخرج هي الأخرى( سائلة) على المتلقي البسيط, بل وضعه في موضع الصدارة لفك الشفرات الملامسة لواقعه الحياتي. فالمتلقي يجد نفسه في عالم ليس افتراضي يصعب تفسيره, بل في عالم واقعي, هو جزء لا يتجزأ من ذلك العالم, فالمخرج أراد كما أسلفنا أن يكون العرض مزيجاً بين أفكار وفلسفات مسرحية مختلفة, والهدف هو أيصال الفكرة لدى المتلقي باعتباره عنصر مهم وهذا لا يعني أن المخرج قد أوقع نفسه في خانة الأفكار السالفة لتلك المدارس المسرحية, كونه ينتمي لفضاءات ما بعد الحداثة التي اذابت الفعل الدرامي, بل كان يهدف لخلق مناخ تواصلي يقتحم قدرة المتلقي على استقبال ثيمة العرض, وهذا يسجل له, كونه سار على مفهوم ( هابرماس) في نظرية العقل التواصلي, القائمة على التداول والتواصل, ومغادرة (العقل الأداتي). فالأهم والمهم أن العرض قد تلقفته ذائقة المتلقي, الذي هو عماد المسرح.
السينوغرافيا :
هي الأخرى تصميماً وتنفيذاً تبدو منسجمة بكل عناصرها مع رؤية المخرج, فقد لعبت دوراً فاعلاً في تنامي الأحداث الدرامية  ويبدو لنا أن هذ الانسجام والتفاهم بروحية الفريق الواحد, أنعكس على جمالية العرض المسرحي, فقد كان للموسيقى أهمية لا تقل أهمية عن باقي عناصر العرض, فمثلاَ الممثلان( احمد ومحمد) وعندما خاطب ( محمد ) الموسيقى بدء الأداء ينحى منحى الكوميديا الجميل ذات الانطباع النفسي بالمتعة لدى المتلقي فالموسيقى  هي الأخرى جاءت  مكملة لتشكل مع بقية العناصر
 تكاملية في العرض المسرحي. )) 

جوهر السينوغرافيا / *أ.د حسين التكمه جي

مجلة الفنون المسرحية 


جوهر السينوغرافيا  / أ.د حسين التكمه جي 

لعل مصطلح السينوغرافيا أضحى يأخذ اتساعا واضحا وجليا في مجال الدراسات المسرحية فضلا عن العروض المسرحية , وبما أنه مصطلح حديث العهد لدى المسرحيين العرب , لذا شكل في هذه الآونة اختلافا ت وأراء متضاربة حول مفهوميته ,فقد طلب الكثير من المسرجين تديد السمكات المميزة لمفهوم السينوغرافيا . 
ولعل البعض لم يعد إلى جذره ومرجعياته العلمية , أو ربما سقطت بعض الآراء بالذاتية المفرطة , وربما اندرج بعضها في بث أراء مجردة ليس إلا , مما أفاض علينا بتحديدات تباينت كثيرا دون تحديد المصطلح بشكله العلمي الدقيق , ذلك  ما جعل المصطلح معوما نوعا ما , فعدم التحديد الإجرائي يضع الباحثين والدارسين في متاهة , لذا صار لزاما أن نبحث في تحديد ماهية المصطلح بعد أن نطرح كل الآراء التي جعلته عائما وكما يأتي : 

1 – الرأي الأول ينحصر من أن  السينوغرافيا هي الإخراج. 

2 – والرأي الثاني يرى أن  المصطلح يجمع بين العنصر السمعي والبصري  . 

3 –والرأي الثالث يرى أن  المصطلح يصب في الجانب التشكيلي بوصفه يستخدم نظام الكولاج . 

4 – والرأي الرابع يعتقد أن المصطلح   هو بصري بحت . 

نحن أمام أربعة أراء مختلفة ومتنوعة وقد يبدو للوهلة الأولى أن كل منها يصب في المسار الصحيح , غير أن عملية البحث والتقصي العلمية ربما تقودنا إلى الاستنتاج الصحيح وتحديد ماهية المصطلح , وعلى وفق ما تقدم ينبغي أن نناقش كل رأي على حده لبيان صحته من عدمها . 
بدءا ذي بدء نؤكد بأن مصطلح   (scenegraphic) هو مصطلح فرنسي ورد إلينا من السينما الفرنسية بوصفه ( منظر ) فهو مصطلح لا يعني الإخراج المسرحي , ذلك لكون الإخراج يعني في اللغة الانكليزية ( direction  )  كما أن كلمة مخرج تعني ( director ) في حين أن كلمة اسم مصمم السينوغرافيا تعني سينوغرفر
scenegrapher) )  ومن هنا يظهر أن المصطلح لا يعني الإخراج المسرحي كما يعتقد البعض . إذ أنهم يرون أن المخرج المسرحي هو من يرسم الفضاء الصوري .

أما بخصوص كونه سمعي فسنبين أدناه أن الأمر خطأ شائع يمكن مناقشته بكل روية لبيان صحته من عدمه . 
إن الفرق بين السمعي والبصري , هو أن الأول يسمع عن طريق الأذن ويتسلم الدماغ الذبذبات الصوتية السمعية ليحولها إلى عملية إدراك حسي أي فهم ويترجمها إلى دلالة أو صورة مجردة لا يمكن رؤيتها من قبل الآخرين ويمكن رؤيتها فقط من قبل الشخص الذي أصغى إلى السماع , وهذه الصورة الحسية في علم النفس مختلفة على مستوى التصور والتخيل لدى جميع الأشخاص أي أن الفرد الذي يجلس بالصالة بجواري سيسمع ما اسمعه أنا إلا انه سيتصور صورة غير الصورة التي أتصورها أنا ومختلفة كليا عن الصورة الذهنية المجردة التي يتصورها مجاوري في السماع ويأتي هذا وفقا للصور الذهنية التي يستحضرها الدماغ في ذاكرته والتي لا يمكن على الإطلاق تحديدها أو عدها أو تحديد نوعها وشكلها , وبهذا سيحول العنصر السمعي من (الأنغام والألحان والمؤثرات الصوتية ) إلى صور حسية مجردة في الدماغ , فصوت القطار مثلا سيجعلني أتخيل قسرا صور حسية لمحطة قطار أو شكل القطار القادم , إلا أن ما أتخيله أنا لا يتخيله غيري من المشاهدين في الصالة ,وهذا اختلاف بالضرورة العلمية لا يشكل رؤية ثابتة لدى كل الأفراد , أنما فقط يحدث نوعا من الإحالة التخيلية إلى مكان مفترض وليس مادي من الذاكرة ,لكن له جذور واقعية  وهو ليس حقيقيا بالمرة , ربما قد يورد عددا لا متناهي من التأويلات الصورية لذات المكان المقصود . 
كما هو الحال في الموسيقى أو المؤثرات الصوتية كصوت المطر أو البرق أو صرير الباب , كل ذلك يخضع لمفهوم مهم وأساسي هو ( الإحالة  - referral ) *    والإحالة هي تخيل حسي قسري ذلك لن التخيل قسري اما الخيال فهو ابداعيو فالتخيل  يفرض على الذات من الخارج إلى الداخل فهو شكل تحدده الذات الفاعلة لنفسها , فكل ما يورد إلى المخ من قصص أو موسيقى أو أصوات أو مؤثرات سمعية يحيلها المخ إلى صور مجردة , مما يعني أن الجانب السمعي  لا يشتغل إطلاقا على المستوى السينوغرافي , ذلك أن الفعل المعروض على خشبة المسرح فعل قصدي بصري ومادي يمكن للعين رؤيته دون تخيل مسبق , وليس اعتباطي فالمخرج والمصمم هنا  لا يضع الأشياء والمفردات إلا بشكل قصدي كونه يعالج فكرة أو ثيمة بعدة عناصر مجتمعة تصب في مجرى الكل لإيصال المعنى , وبهذا نكون قد أسقطنا الجانب السمعي من السينوغرافيا لكونها تخضع إلى الإحالة السمعية وليس إلى الصورة البصرية المادية فكلام الممثل وحديثه عن الطعام والقصص يحقق استجابة سمعية وفق النظام الإشاري الموجود في الدماغ فهي إحالة , فكل فرد يسمعه يضع في ذهنه نوع الطعام وأكيد هو ليس نوع الطعام الذي يتخيله الممثل البتة و المقصود أصلا .
سيما أن الموسيقى والمؤثرات الصوتية بحسب رأي ( شوبنهاور )  " تمثل عالم الزمان الخالص , وهي لا تعبر عن شيء في هذا العالم , أنما تعبر عن أعمق ما في القوة الباطنية لحركة الكل في الدماغ "  (1) . 

في حين يذهب ( جورج سانتيانا ) إلى أنها " عمليات لا شعورية مرتبطة بالتخيل واللذة لا تحددها قوانين عقلية وإنما غايتها في ذاتها " (1) . 
أما ( ستونليتز) فيرى أن الموسيقى والمؤثرات " تحفز المدرك على تذكر حادث سابق " (1) . أي أن تقوم مقام الإحالة في استذكار زمكانية متخيلة فوق الواقع لا شعورية مرتبطة بالتخيل أي قوة باطنية , فهي بهذا الوصف ليست صورة مرئية مادية تستقبلها العين بمفهوم ( الآن وهنا ) . 
في الجانب الأخر نناقش أهمية المصطلح من كونه ( تشكيلي ) . وذلك أمر مهم بوصفه يطرح عدة نقاط التقاء واختلاف , تتصدر نقاط الاتفاق بأن المصمم السينوغرافي ( السينوغرفر ) ينبغي أن يملك رؤية تشكيلة للصورة البصرية بوصفه شكل يؤدي إلى معنى أو محتوى كونه بصري بحت , والمسرح يستدعي على الدوام حضور المصممين التشكيلين في بناء المنظر المسرحي , غير أن الصورة البصرية للعرض المسرحي لا تستند فقط على التشكيليين , أنما هناك عناصر أخرى مهمة في بناء الصورة منها ما هو تقني أو ميكانيكي أو تكنولوجي او فيزيائي,أو فيزيقي كجسد الممثل مثلا , كونها متممات أساسية في بناء الصورة البصرية.
أن الصورة البصرية في العرض البصري التي يحددها مجال الرؤية في المسارح المغلقة أو المسارح المفتوحة هي في الحقيقة مجال رؤيتنا وخبرتنا الإدراكية لما يحتويه الفراغ أو الفضاء المسرحي بشقيه السلبي والايجابي , وأن ترابط هذه المفردات المنظورة داخل الصورة هو ما يحدده المخرج ومصمم السينوغرافيا معا , وقد يثار تساؤلا عن ما هي الأسباب التي أدت إلى بناء الصورة حصرا بين المخرج والسينوغرفر, والجواب ينحصر في أن المسرح التقليدي كان يتطلب عددا من المصممين والمنفذين من العاملين في المجال التقني من اللذين يمكن حصرهم كمصممين ( الإضاءة , المنظر المسرحي , الأزياء . الماكياج الموسيقى , المؤثرات الصوتية والحركة) هؤلاء جميعا هم من  يعتمد عليهم المخرج  في  بناء الصورة , وهم يشكلون أكثر من رأي وربما تكون رؤاهم الفنية متضاربة أحيانا مما يخلق مشكلات عديدة على مستوى الإيقاع البصري أو اللوني أو عدم التوازن أو توافر شكل مسرحي يغيب عنه المعنى الخ , مما تطلب وجود شخص واحد مهني وفني يقوم بكل هذه المهمات التصميمية والتنفيذية ضمن رؤية مشتركة واحدة  بمعية المخرج , دون وجود مشكلات تؤثر على سير العرض , وللسبب ذاته استبدل الكل بشخص واحد هو مصمم السينوغرافيا الذي أطلق عليه ( السسينوغرفر  stenographer) . عليه فإن المصطلح من الناحية العلمية ليس تشكيليا بحتا على الأعم الأغلب . 

إذن ما ذا يعني جوهر السينوغرافيا , أن هذا المصطلح ورد عن طريق السينما , وان أول من أورده هو ( لوي دي جانيتي ) في كتابه ( فهم السينما ) والسينما تعني الصورة المرئية , فالمصطلح يتكون من مقطعين  ( scene   ) وتعني المشهد , و
( graphic   ) وتعني ( التصوير ) فالمصطلح يعني ( تصوير المشهد ) (3)
ويمكن تعريفه من كونه : فن معالجة الفضاء المسرحي ألقصدي  بالأشكال المتعددة الأغراض والمعبرة عن الفكرة الدرامية , إذ أنه ينطوي على الاختيار الدقيق الواعي لخطوطه وألوانه وأضاءته ومساحاته وكتلته وعناصر التنوع والتوازن والتركيز والتنافر بين أجزائه , كما انه لا يخلو من إشارات ورموز ودلالات توحي بالمعنى  أو تشير إليه . 
وعلى وفق ما تقدم يتضح جليا أن السينوغرافيا تعني رسم المشهد أو صورة العرض البصرية , بمعنى أدق فأن جوهر السينوغرافيا (  بصري بحت ) فهو كل ما يسقط على شبكة العين من عناصر الصورة المرئية والتي تتكون من ( الممثل الزي الماكياج المنظر الأثاث الضوء واللون والظل والظلال والحركة ) أي كل ما هو مرئي على خشبة المسرح وليس كل ما هو متخيل عن طريق السمع .وبهذا يمكن القول إنه صورة العرض الإيجابية في الفراغ ,انه بصري بحت بكل معنى الكلمة , على الرغم من أن كل عنصر من عناصره يحتفظ بقيمته الفنية , وان اختلاف الصورة في المسرح عن الصورة التشكيلية يؤدي إلى وجود خصائص لكل منهما , الصورة التشكيلية أو اللوحة مبنية على سطح مستوي هو سطح القماش أو الكنفاز , كما إنها تعتمد على الوهم من خلال قواعد المنظور والظل والضوء والظلال وتدرجات اللون , فضلا إنها تفتقر إلى العمق الفراغي من كونها ليست ثلاثية الأبعاد إلا من خلال قدرة الرسام , أن الصورة البصرية في المسرح حقيقية وليست وهمية, و الشخصيات تسبح في فضاء العرض بلحمها ودمها , لها عمق فراغي حقيقي , بل أنها تنبض بالحياة , وهي ليست جامدة بل متحركة وسيالة على الدوام كونها تخضع لزمن معين ومكان معين وحضور جمالي متحول . 
نستنتج مما سبق أن جوهر السينوغرافي هو الجانب البصري الذي تشاهده العين . فهو إذن ليس سمعي وليس تشكيلي وليس إخراج مسرحي إنما هو  صورة بصرية مكتنزة بالمعنى والدلالة .
كما يمكن لنا أن نحدد العناصر المرئية ضمن مفهوم السينوغرافيا ( المنظر المسرحي , الفراغ المضاء من الخشبة , الممثل وأزياءه وماكياجه وأكسسواراته , الضوء واللون والظل والظلال , الشاشات بأنواعها "الداتشو " والسايكلوراما ,الأثاث بما فيها السجاد والموكيت , الصور المتحركة والثابتة , المعلقات في فضاء الخشبة ,الحركة المسرحية وتشمل الإيماءة والإشارة والجسد والرقص والبانتومايم والشغل المسرحي , الفراغ والعمق الفراغي , المصابيح الضوئية بأنواعها والايقاع البصري .

*جامعة بغداد / كلية الفنون الجميلة 

السبت، 5 يونيو 2021

المسرح الجزائري .. التاريخ والتحولات والرؤى

مجلة الفنون المسرحية


 المسرح الجزائري .. التاريخ والتحولات والرؤى


زبيدة بوغواص


المسرح الجزائري ما فتئ يشق طريقه منذ النشأة الفعلية التي أرخ لها الدارسون بسنة 1926، بمسرحية «جحا» لعلي سلالي، معيار هذا الحكم هو نجاح هذه المسرحية من حيث التلقي، والعامل الفني.
 اعتمد الأداء على الفعل والحركة والصراع الذي هو جوهر الدراما كما رأى أرسطو، ولامست مستوى الجمهور الفكري واللغوي، من حيث إن المسرحية تحمل عنوان يشي يما احتفظت به الذاكرة الجمعية الجزائرية، فهي مأخوذة من التراث الشعبي وحكايات جحا، وقد جاءت بلغة يفهمها الشعب الجزائري وهي اللغة العامية وكأن علالو قد أدرك أن واقعية اللغة وأن المسرح دون جمهور ليس مسرحا ، وهو الجمهور الذي يجب أن نقارب له الواقع عن طريق الحكاية واللغة ومختلف مظاهر الفرجة التي ألفها، فمزج الحدث الدرامي بالرقص والغناء والفكاهة، وما يذكره محي الدين باش تارزي في مذكراته أن الجمهور احتضن العرض، لأنه أول مرة يسمع ويتفرج عرضا مسرحيا بلغته التي يفهمها، ووضع علالو الحجر الأولى لمسرح جزائري، واستطاع أن يخلق عادات مسرحية في أوساط الجماهير الجزائرية.
    لعل القول إن المسرح الجزائري كانت نشأته الفعلية هي سنة 1926، هذا لا يعني أنه لم تكن هناك مرجعية مسرحية في تاريخ الجزائر الثقافي القريب من هذه الفترة ، ولعل الإشارة تكون إلى مسرحية «نزهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة ترياق بالعراق» للجزائري (إبراهيم دانينوس) التي من المرجح أن تكون طبعت عام 1848، ويعتقد الباحث البريطاني (فيليب ساداجروف/Philip sadajerov) المحاضر بقسم الدراسات العربية في جامعة «أندنير باسكوتلاند» والمتخصص في الأدب العربي أن هذه المسرحية تتميز بنفس الأهمية من حيث الريادة، وإن لم تكن الأولى في العالم العربي بالنظر إلى مسرحية «البخيل» التي اقتبسها مارون النقاش والتي عرضت عام 1848 ببيروت»، وهو من عثر على مخطوط المسرحية بمدرسة اللغات الشرقية والمسرحية، وهذا ما أورده أحمد بيوض في كتابه المسرح الجزائري.
 من المرجعيات الهامة في تاريخ المسرح الجزائري تلك المحاولات مع الأمير خالد الذي نشأ في كنف الأسرة الجزائرية المسلمة والتي وقفت في مواجهة العدو الغاصب ابتداء من محي الدين والد الأمير عبد القادر، فكان من أبرز الذين أرسوا دعامة الفن المسرحي في الجزائر، وحاولوا إدراجه ضمن الوسائل التمثيلية في الأوساط الشعبية، عبر تمثيل مسرحيات مقتبسة من المسرح العالمي، ثم إنشاء نوادي وجمعيات ثقافية كانت بمثابة جبهة مقاومة لثقافة الآخر الفرنسي، وقد أسهمت في تنمية الفعل المسرحي في الجزائري ، وقدمت تلك الجمعيات عروضا بنصوصها الدارمية من ذلك مثلا مسرحية «في سبيل الوطن» أول عرض مسرحي ناطق باللغة العربية قدم في ديسمبر 1922 بقاعة الكورسال بالجزائر العاصمة بالمفهوم الحديث للمسرح، اقتبسها محمد منصالي من الدراما التركية.
   مما يذكره محي الدين باشتارزي أن فرقة التمثيل كانت تضم كل من باش تارزي ومحمد منصالي وإبراهيم دحمون، وعبد العزيز لكحل ن وهي تهدف إلى الثورة على كل أشكال الانغلاق، وذهنية الولاء والتوسع ورفض الفكر الآخر، وقد حضر العرض المسرحي الطلبة والأصدقاء، والمهتمين بالمجال الثقافي، ونحن نخصص هذا الجمهور لنستخلص أن إقبال الجمهور كان محتشما بسبب اللغة التي يفوق مستواها هذا الجمهور الأمي الذي مارس عليه الاستعمار الفرنسي سياسة التجهيل.
     انطلاقا من هذه النشأة التي عرفت بمرحلة الرواد الثلاث وهم: علي سلالي، ومحي الدين باشتارزي، ورشيد القسنطيني الذين جعلوا من الخشبة وسيلة للتعبير عن كل مظاهر التسلط الذي كان يمارسه الاستعمار الفرنسي في حق هذا الشعب المحتل ماديا وفكريا ونفسيا، قدموا مسرحيات تشي بهذا الواقع البائس، وهو ما يظهر على مستوى العنونة، مثل مسرحيات رشيد القسنطيني:»بابا قدور الطماع» و»فاقو» و»الله يسترنا»، ومسرحيات محي الدين باشتارزي نذكر «فاقو» و»على النيف»بني وي وي» «الخداعين» و»الكذابين»و «ما ينفع غير الصح» وغيرها، وقد كانت تعتمد في كثير من الأحيان على الارتجال والفكاهة والطابع الكوميدي، وهو النشاط المسرحي المستمر الذي أثار انتباه السلطات الاستعمارية بعد أن حقق استحسانا لدى الجماهير، مما أدى إلى عرقلته، ومطاردة أهله والانسحاب والسجن والنفي.
   تضحيات قدمها هؤلاء للمسرح الجزائري الذين عملوا على ترسيخ تقاليد مسرحية على الرغم من الحصار، وتوالت الأعمال المسرحية الثورية التي تحرض على التحرر، وكانت رمزية تأخذ من التاريخ لتشخص الواقع  وقد نذكر مسرحية «حنبعل» التاريخية لتوفيق المدني سنة 1948، حيث شخص الممثل حوارا لا نخاله إلا موجها إلى الاستعمار الفرنسي يقول فيه: ويل لكم أيها الظالمون...إن شعب الأحرار قد قال كلا..نعيش أحرارا أو نموت»، إنه الصراع التاريخي والأبدي التي تعيشه الشعوب المقهورة مع الآخر المحتل، وهي الصورة التي جسدت الواقع الراهن الذي كان يعيشه الشعب الجزائري، تماما كما هو الحال في لحظة تاريخية قد مرت بين القرطاجيين أهل تونس وبين روما.
  كانت سنة 1948، من السنوات العجاف في تاريخ المسرح الجزائري، وما يذكره مصطفى قزدرلي أن الرقابة الاستعمارية قد لغت ذروتها على تحركات رجال المسرح وأعمال المسرح في هذه الفترة ، مما دفع بهم إلى الهجرة ، ويذكر سيد علي كويرات وهو قد كان أحد أعضاء فرقة الأوبرا الذين هاجروا إلى باريس قوله: «كنا نجوب شوارع باريس وبواسطة دربوكة وطار نقدم أناشيد وأغاني وطنية مطعمة بمشاهد مسرحية هادفة، لقد كنا مناضلين ولم نكن فنانين فقط»، هذا الاعتراف التاريخي هو الرهان من أجل نقل صورة عن الكفاح الوطني، لتتواصل العروض المسرحية قبيل الثورة في كل مدن الجزائر، منها مسرحيات مثل «النيغرو والأبيض» ولد الليل» التي شارك في تمثيلها مصطفى كاتب.
   مع اندلاع الثورة التحق الكثير من رجال المسرح بالثورة التحريرية، موازاة مع إيقاف السلطات الاستعمارية لعروض دار الأوبرا، وأعمال الجمعيات، إلا أن هذه الإجراءات لم تستطع الوقوف أمام النشاط المسرحي، فقد كانت هناك عروض تقدم داخل السجون، وكان المسرحي حسن حسني يقدم عروضا كوميدية داخل السجن، وتتواصل النشاطات خارج الجزائر، فقدمت مسرحيتان عام 1957 « أحلام فدائي» ، و»نحو النور» ضمن الوفد الجزائري الذي شارك في مهرجان الشبيبة الديمقراطية بموسكو، وبرهن المسرحيون الجزائريون على قدرتهم على جعل العمل المسرحي وسيلة نضال ضد الاستعمار الفرنسي، وكان نتيجة ذلك أن تكونت فرقة جبهة التحرير المسرحية في تونس، وقدمت عروضا منها «نحو النور»، وأبناء القصبة»، و»الخالدون»، و»دم الأحرار» وبرع فيها كل من مصطفى كاتب، وعبد الحليم رايس،  وقد سافرت هذا الفرقة إلى كثير من الدول العربية والأجنبية تعرض صور من النضال الجزائري، وتشارك في تحريره عن طريق فن المسرح، حتى أن بعض المسؤولين في الصين اعترف قائلا: «أن آلاف الصحف لا تعرض مثل مسرحيات فرقة التحرير الوطني من حيث الأهداف النضالية التي انتهجتها الفرقة» حتى عام الاستقلال عام 1962.
   ما بعد الاستقلال يمكن القول إنها مرحلة تميزت بالنشاط على مستوى الإنتاج، وهذا بفضل مصطفى كاتب، عد الحليم رايس، ولد عبد الرحمان كاكي، أحمد عياد، عبد القادر السفيري، عبد القادر علولة، وغيرهم من المسرحيين الذين كتبوا باللغة العربية، بالإضافة إلى آخرين كتبوا باللغة الفرنسية، ومنهم كاتب ياسين، وآسيا جبار، وهي الفترة التي أطلق عليها أحمد بيوض بالفترة الذهبية، وهي أعمال تراوحت بين التأليف الترجمة والاقتباس، ولازمت مختلف التحولات التي مست الحياة الاجتماعية السياسية والثقافية في الجزائر، ومن تلك التحولات النهج الاقتصادي الاشتراكي الذي تبنته الجزائر بعد الاستقلال، بهدف محاربة الظلم وتوزيع الثروة بالمساواة بين أفراد الشعب الواحد، وهي القضية التي آمن بها المسرح الجزائري وعبر عنها في كثير من المسرحيات، من ذلك مسرحية «كل واحد وحكمه» لولد عبد الرحمان كاكي، عبر من خلال شخصياتها وأحداثها وبرمزية فنية عن الاستغلال، وأعطى صورة سوداء عن النظام الرأسمالي، وما تعانيه الطبقة الكادحة، من ذلك أيضا مسرحية «المايدة»  و» الخبزة» و» الأجواد» واللثام» و»القوال» لعبد القادر علولة، وقد اعتمد فيها علولة على فلسفة الثورة الاشتراكية، ومبدأ الأرض لمن يخدمها.       
  حتى المسرحيات ذات البعد القومي قد حملت الهم المحلي الجزائري، وهذا ما عبر عنه كاتب ياسين في مسرحية «فلسطين المخدوعة» من أيديولوجية تدعو إلى ضرورة التغيير من خلال المشهد الذي يصور فيه أحداث أكتوبر بمصر، حيث الوعي بالوضع الاقتصادي المتأزم، وليواصل كاتب ياسين الدعوة إلى النظام الاشتراكي من خلال مسرحية « الرجل صاحب النعل المطاطي» بطرقة فنية يوظف فيها شخصيات من التاريخ والواقع السياسي من رؤساء دول وحكومات، وزعماء الاشتراكية، ومسرحة «الهارب» للطاهر وطار التي عبرت بأفكارها عن الأيديولوجية التي تبنتها الجزائر والمتمثلة في الاتجاه الاشتراكي، وكذا حالة الغربة التي يعيشها الفرد الجزائري ضمن صراع الأنا والآخر الفرنسي.
المسرح الجزائري بهذه المعالجة للموضوعات المأخوذة من الواقع الاجتماعي للمواطن الجزائري شهد تحولات على مستوى المعالجة الدرامية، حين تحول إلى وسيلة نقد للوضع القائم في البلاد من سوء التسيير، إلى الانتهازية، والإفلاس الاقتصادي، وحتى التنبؤ بتغيير سياسي، وهو ما حدث فعلا بعد أحداث أكتوبر 1988، وهي المرحلة التي شكلت صعوبة للمسرح الجزائري، من نواحي عديدة، منها اغتيال رجال المسرح (عز الدين مجوبي، وعبد القادر علولة)، والأزمة المالية التي تعرضت لها المسارح الجهوية مما أثر على الإنتاج الكمي والفني للمسرح الجزائري.
  بالنسبة لهذه المرحلة من حيث نوع الخطاب المسرحي، يمكن القول إن الانفتاح السياسي على التعددية قد أدى إلى انفتاح المسرح الجزائري على التعدد في إنشاء الفرق المسرحية والتعاونيات الفنية والثقافية، وفي ظل هذا الانفتاح أيضا تغير الخطاب المسرحي الجزائري، من حيث إنه ارتبط بالتاريخ، وبانتقاد السلطة، ولعل من التجارب التي مارست هذا النوع من الخطاب نذكر تجربة عبد القادر علولة وتعاونية القلعة بأعلامها مثل أمحمد بن قطاف وشريف زياني عياد، وأحمد أقومي، وصونيا وغيرهم.
 إنها الثيمات التي عبر عنها المسرح الجزائري، وقد حاول المسرحيون الجزائريون مسايرة الظاهرة المسرحية كظاهرة ثقافية حضارية من الضروري أن تفرض نفسها محليا وعالميا، لهذا فقد اجتهدوا في إيجاد النصوص التي تعبر بعمق عن الحدث الدرامي، والشخصيات التي تثير الصراع، الذي يؤدي بدوره إلى الإحساس بالدهشة أما العمل الفني، فتميز الخطاب المسرحي الجزائري بثائية التأليف والاقتباس، خاصة التأليف الجماعي الذي تبنته الفرق المسرحية، وهذا بدافع أزمة النص المسرحي الذي أثار الكثير من الآراء حول الظاهرة، إلى حد الاختلاف حول صحة هذا الحكم، ويذكر جروة علاوة وهبي في كتابه «ملامح المسرح الجزائري» أن من أهم الأسباب التي جعلت الفرق المسرحية والمسرحيين الجزائريين يلجؤون إلى التأليف الجماعي حالة التشكي من ندرة النصوص، وتصاعد ظاهرة الاقتباس والترجمة من الربرتوار المسرحي العالمي، وهو في الوقت نفسه ينتقد جروة وهبي هذا الاتجاه في الكتابة المسرحية، على أساس أنها لا تحقق وحدة الموضوع وعضوية النص، وعليه فقد وجه حكما نقديا مفاده أن النصوص المؤلفة جماعيا اتسمت في  القيمة الفنية بالضعف سواء على مستوى اللغة والحوار الذي اتسم بالابتذال واللغة ومفرداتها التي ابتعدت عن الذوق الفني والأدبي، وهو ما جعل تلك العروض التي تعتمد على هذا النوع من التأليف في كثير من الأحيان تتسم بالفوضى والتهريج وعدم التناسق ين أجزاء العمل الدرامي.
  أما الاقتباس فهو الظاهرة التي اتسم بها المسرح الجزائري منذ نشأته سواء من التراث الشعبي والأدبي والتاريخي، أو من المسرح العالمي، ولنا في مسرحية جحا لعلالو مثال على ذلك، وهي ظاهرة استمرت ورافقت المسرح الجزائري عبر مراحله المتقدمة، وهي جديرة بالاهتمام، لمعرفة حقيقة مسرحنا ويستطيع النقد المسرحي أن يمنح هذا المسرح ما يضيف له وفق أسس أكاديمية وفنية، ما يقال في الاقتباس أن التجربة بينت أن المسرح الجزائري عرف الاقتباس بألوان متعددة (النص، الفكرة، الشخصية، الصراع...)، إلا أن هذه الظاهرة المشروعة فنيا قد أسهمت بشكل واضح في إثراء المسرح الجزائري بأعمال لامست العالمية من ذلك مسرحية «القراب والصالحين» لكاكي التي حاول فيها أن يلامس البيئة الجزائرية عن طريق التحوير والتمسرح، والمزج بين الحداثة والتراث الشعبي حيث إن القراب والصالحين هي رموز شعبية للأولياء والخصوبة والنماء.
   مع بداية الألفية، شهدت مرحلة تنظيم في ربروتوار العرض المسرحي، ومستوى الكتابة المسرحية شكلا ومضمونا، حيث أخذت تقارب الواقع الجزائري، ويقدم له قراءات برؤية عميقة، والالتفات إلى الاتجاهات الحديثة في المسرح العالمي، كنوع من التجريب الدرامي، وهو ما نجده قبل هذه المرحلة في نصوص عبد القادر علولة الذي نزع إلى التيار الملحمي، والاحتفالية العربية، كما اهتم المسرح في هذه الفترة بمسرح الطفل، حين قدم مسرح وهران الجهوي مسرحية» النحلة»، ومسرحية «كنز لويزة».
  من هنا يظهر لنا أن المسرح الجزائري منذ نشأته الأولى كان مسرح ثورة، لأن الفنان هو موقف، فلا يستطيع أن يظهر أو يبرز لنا وجوده وفعله إلا من خلال الموقف، ولهذا يسمى المسرح الجزائري في كل مراحله بمسرح المواقف، يقول «سيد علي كويرات: «لقد كنا مناضلين، ولم نكن فنانين فقط» ولعل هذه العبارة تلخص وظيفة المسرح الجزائري في كل فترة من فترات تاريخ الجزائر، ويقول مالك حداد: «إننا لا نخضوا الحرب ضد فرنسا بل نخوضها من أجل وطننا» ، ويقول مرولود فرعون في روايته «ابن الفقير»:
-هل الفأس ثقيلة يا أبي؟
-ليس أثقل ما في حياتنا».
     المسرح هو الفن الذي يستوعب المجتمع بداية من وظيفة التطهير، والتحريض، وتنمية الذوق الفني، وبهذه الأهمية للمسرح، وفي ظل التحولات المحلية والعالمية، وفي هذه اللحظة التي نسجل فيها تاريخ وتحولات المسرح الجزائري، نسجل حركة مسرحية جزائرية تحاول أن تخطو خطوات جادة إلى الأمام، من خلال منجزات ورؤى تدعو إلى ما بعد الحداثة،  إلى مسرح يهتم بالجسد وبلغته في عالم فقدت فيه اللغة وظيفتها، وبالعالم الرقمي الذي أضحى لغة الثقافة والتواصل، وهي الرؤى التي لا تخرج على تطور الحركة النقدية العالمية، والإنجازات المحلية التي أضحت تهتم بالتكوين في المسرح، وهو ما يظهر من خلال أقسام الفنون الدرامية في الجامعات الجزائرية، وكان من أهم مخرجاتها طلبة يعشقون المسرح، ويمارسونه، داخل مدرجات الجامعة، وخارجها، ضمن الفرق المسرحية، والمشاركة في مختلف الفعاليات الفنية المسرحية، ويبقى التأكيد على أن المسرح هو ظاهرة جتماعية، والدعوة إلى إدراجه في المنظومة التربوية، وهو الفعل الذي سيرسخ هذا الفن لدى الجمهور.
عن مجلة «فواصل»- العدد 3

 

الجمعة، 4 يونيو 2021

اطروحة عن العلاج بالدراما وتطبيقاته في المسرح العراقي المعاصر

مجلة الفنون المسرحية


اطروحة عن العلاج بالدراما وتطبيقاته في المسرح العراقي المعاصر
Date
كلية الفنون الجميلة بغداد

ناقش قسم الفنون المسرحية اطروحة عن العلاج بالدراما وتطبيقاته في المسرح العراقي المعاصر للطالب محمد حماد رجه

  بما إن المسرح فعل جماعي لا يتم إلا من خلال اشتراك مجموعة من الأفراد في تقديم الفعل المسرحي في شكل تفاعلي تكاملي في إنشاء تكوينه الجمالي، وعليه يمكن أن يكون وسيلة علاجية يحصل منها المريض النفسي على جرعة علاجية من خلال عملية فنية مسرحية أدائية شفائية واحدة، هذا من جانب ومن جانب آخر فإن هذا النوع من المسرح يسعى الى تخليص المجتمع من الأمراض الاجتماعية التي تضر ببنيته الاجتماعية، عبر تقديم الاستشفاء لعدد من أفراده، فضلا عن تقديم المقترحات العلاجية لتخليص المجتمع وتطهيره من أمراضه، التي تشكلت فيه منذ زمن، وأصبح بعضها نسق سلوكي يقبله المجتمع على اعتبار أنه أمرا مسلما به، من قبل المجتمع، وفرض قبوله والتعايش معه، فيأتي المسرح بالعلاج الجماعي لينقي المجتمع من الأمراض

يضم الاطار النظري خمسة مباحث هي المبحث الأول/ اوركولوجيا العلاج بالدراما، المبحث الثاني/ العلاج بالدراما تقنيات ومفاهيم، المبحث الثالث/ العلاج بالدراما اجراءات وآليات، المبحث الرابع/ جماليات العلاج بالدراما في المسرح المعاصر

و خرج الباحث بمجموعة من النتائج التي تمخضت عن تحليل نماذج العينة منها:يؤسس العلاج بالدراما فرضيته الاجرائية على؛ اللعب كونه يمزج بين خاصية التجريب الآمن، والوهم لأنه يعمل على تحقيق الصدق في اللعب الدرامي، والإيهام المسرحي لمنحه إمكانية الموازنة بين الحقيقة والوهم، والإفادة منها في اللعبة الدرامية ومن ثم في الحياة الواقعية، لضبط التوازن النفسي بين الفرد والمجتمع.

واستنتج ان  جميع أنواع المسرحيات تحمل خصائص علاجية لأن من نتائج الفرجة المسرحية التنفيس الانفعالي الذي يمنح الذات الاسترخاء وتجدد النشاط.

الأربعاء، 2 يونيو 2021

رسالة دكتوراه عن اشتغال المؤثرات السمعية لكشف الدلالة المضمرة في العرض المسرحي العراقي

مجلة الفنون المسرحية


رسالة دكتوراه عن اشتغال المؤثرات السمعية لكشف الدلالة المضمرة في العرض المسرحي العراقي

كلية الفنون الجميلة بغداد

ناقش قسم الفنون المسرحية اطروحة دكتوراه عن اشتغال المؤثرات السمعية لكشف الدلالة المضمرة في العرض المسرحي العراقي للطالب  علي عباس حمد سلمان السوداني

يرى الباحث ان للدلالات المضمرة في العرض المسرحي العراقي أهمية كبيرة فهي تؤثر في بنية ومفاهيم خطاب العرض ورسالته ولا سيما أن هنالك ثمة متغيرات في مدى استيعاب الجمهور لمفهوم وماهية العرض المسرحي ودلالاته ورموزه وإشاراته وإيحاءاته التي تجسد على خشبة المسرح وبالأخص حينما يكون العرض مثلا (دراما دانص) غير لفظي أو أن المتلقي لايفهم لغة العرض المسرحي.

ويهدف البحث الى تسليط الضوء, على المخرجات المتحققة نتيجة لعملية اشتغال المؤثرات السمعية لكشف الدلالة المضمرة في العرض المسرحي.

وتضمن الإطار النظري ثلاثة مباحث, الأول هو: اشتغال المؤثرات السمعية في العرض المسرحي, أما المبحث الثاني فهو: المضمر في العرض المسرحي عبر المؤثرات السمعية  أما المبحث الثالث فهو: المؤثر السمعي وإنتاج الدلالة في العرض المسرحي,

بعد ذلك عرض الباحث النتائج التي توصل إليها وناقشها وكان من بينها: حينما تكون المفردات في العرض المسرحي لا سيما في بدايته وما بين المشاهد وفي ختامه أو أثناء الصمت أو حينما يلقي الممثل حواره, فإن هذه المفردات ستعمل على تأكيد وإبراز ثيمة وثوابت خطاب العرض المسرحي ورسالته لا سيما المضمرة منها وفتح الشفرات وتحريك المشاعر الوجدانية لدى المتلقي والتي يسعى مؤلف ومخرج العرض إلى إيصالها بصورة فلسفية وواضحة المعاني لتمنح العرض طابعه الخاص والمميز, وهذا ما تضح جليا في أغلب مشاهد العرض المسرحي (الحسين الآن).

الثلاثاء، 1 يونيو 2021

التجريب في المسرح / د.حسين التكمه جي

مجلة الفنون المسرحية


التجريب في المسرح   /  د.حسين التكمه جي 

ثمة الكثير من المشكلات التي واجهت مفهوم التجريب والتي شكلت بدورها رأي عام بين المسرحيين الأوربيين والعرب , ذلك لعدم  وجود تعريف شافي ووافي لمصطلح التجريب ,على الرغم من وجود العديد من الدراسات والبحوث والكتب ورسائل  الماجستير وأطاريح الدكتوراه في هذا المجال , وبسبب اختلاف وجهات النظر بات من الصعوبة بمكان تحديد مفهوم التجريب وتعريفه اصطلاحيا . 
بداية كانت جل التجارب المسرحية والابداعية تصب في مجرى المسرح الطليعي , ان كانت على مستوى النص او العرض او التمثيل او التقنيات  ., ثم ما لبثت ان تقدمت الدراسات والبحوث لمفهوم جديد هو التجريب الذي شغل العديد من الشباب والمسرحيين حتى انعقاد مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي عام 1988, وهذا لا يعني ان المهرجان هو بداية التجريب أنما كانت المرحلة السابقة مليئة بالتجريب المسرحي , وعلى هذا الأساس لا يزال مصطلح التجريب غامضا ومبهما ولعله كان على الدوام مثار جدل واختلاف لكثرة الآراء والتعريفات  التي صبت به والبالغة اكثر من اربع وعشرون تعريفا . 
وعلية توفرت لدي دراسة مهمة عن التجريب حينما حاولت حصر التجريب في ثلاث محاور مهمة , يمكن ان نحدد من خلال كل محور وتوجهه الاصطلاحي لمفهوم التجريب على أوسع نطاق , كما سأحاول التقليل من التجارب واكتفي بالإشارة دون التفاصيل .
1- المحور الأول  
هو ادخال العرض المسرحي والنص في مختبر تجريبي او تجربة معملية , بعد وضع فرضيات محدده مسبقا ثم يصار الى اجراء التمارين المستمرة على كافة المستويات الشكل والمضمون والمعنى , يصار اثناء التمارين توكيد العيوب والمعوقات والغائها وبقاء العناصر الناجحة , ويصار الى بحث مستمر وتقديم رؤية جديدة او وسائل مستحدثة او تغير من أسلوب التقديم , خاصة في المسرح الأوربي والتي كانت فحواها الاحتجاج على التراث والتنوير والعقلانية ومحاولة العودة بالمسرح نحو الحلم والاسطورة , ولعل هذه التجارب المسرحية المعملية لم تكن واسعة وكثيرة بل انها محدودة وقلية منها تجارب مايرهولد في الاستوديو التي انتجت بدورها المسرح الشرطي , ثم تجارب بيتر بروك في المساحة الفارغة , وكذلك تجارب غروتوفسكي في التمثيل والمسرح الفقير , وسبقهم ستانسلافسكي في نظرية التمثيل , ومن ثم المسرح السياسي والملحمي عند بسكاتور وبرشت , ولعل هذه التجارب كانت محصورة في المسرح الأوربي , وعممت على انها تجريب في حين يرى البعض من النقاد انها من المسرح الطليعي واختلف اخرون بوصفها تخضع للمسرح المعاصر, ولأهميتها فقد قلبت موازين العرض بصيغ جديدة ومبتكرة ما زالت نتائجها تعمل لغاية اليوم . 
2-المحور الثاني  
  اما المحور الثاني يخضع لمفهوم جديد من مفاهيم التجريب الا وهو ( كسر مألوف والاتيان بمألوف جديد ) وهذا يعني التمرد على القواعد والنظم الثابتة في المسرح , كما هو البحث عن وسائل جديدة تغاير تماما الوسائل الفنية القديمة برؤية جديدة , ويشمل أيضا البحث التجريبي عن صيغ مستحدثة بالاجتهاد على جميع عناصر العرض وكسر وتهميش النظريات السابقة والبحث عن مسرح تتفرد فيه الدلالة والعلامة وبناء الصورة , وقد شمل هذا التوجه مخرجين عالمين أمثال مايرهود ادور كوردن كريج وادولف ابيا والفريد جاري وفاغنر في الدراما الموسيقية واعمال بسكاتور وبرشت في المسرح الملحمي والتعليمي الفكري , ثم تبعهم فيما بعد تداخل الدادائين والمستقبلين وكذلك المسرح المعاصر عند مسرح الشمس والبيئي والحي والانثوبولوجي والمسرح الأسود التشيكوسلوفاكي واعمال بكت ومسرح العبث واللامعقول ,ويعد هذا التجريب ثورة على الكائن الإنساني والانتقالات الحضارية والتاريخية ونتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية وما صاحبهما من احباطات واحلام في مجال الفكر والثقافة , ولعل من الضروري ان نؤكد هنا ان نصيب المسرح العربي منها ضئيل جدا وربما انحصر بمحاكاة تلك التجارب او التأثر بها ومحاولة نقله في المسرح العربي . 
2- ا المحور الثالث 
يقوم على ان التجريب ما هو إلا ( الإضافة والاكتشاف ) وهذا يعني ان كل إضافة واكتشاف جديدين على مستوى العرض والنص والتمثيل والتقنيات او ظهور نظرية جديدة غيرت من مجريات العرض هو تجريب , وعلى أساس هذا المحور بات التجريب يأخذ اتساعا كبيرا ويعود بنا الى بداية نشوء المسرح,  ثسبسيس يعد مجربا بوصفه استخدم القناعين الدالين الضاحك والباكي واسخيلوس  بإضافته للجوقة ممثلا واحدا  وسوفوكليس  بإضافته ممثلين اثنين للجوقة  , او اضافات ستانسلافسكي في نظرية التمثيل واعداد الممثل ونظرية العرض في الفعل المتغلغل والفكرة الحاكمة , او ظهور الرمزية بوصفها ثورة على الواقعية , ثم دور مايرهولد في الغاء نظرية معلمة والاتيان بنظرية الفعل الخارجي الى الداخل والمنظر التركيبي والبايوميكانيك  وظهور التعبيرية واعمال الفريد جاري في اوبو ملكا ,واكتشاف نظرية المسرح الملحمي وإلغاء ما جاء به ارسطو  واعمال ارتو في العودة الى البدائية والطقسية ,وبروك في المساحة الفرغة والبحث عن لغة عالمية مشتركة , وغرتوفسكي في نظرية المسرح الفقير , واكتشاف تيارات مسرحية جديدة جديدة كالأسود والبيئي والشمس والدمى والها بننك والفود فيل ومسرح الهواء الطلق وصولا الى الواقعة والمسرح المفتوح والشامل ومسرح كانتور والدعوة الى البدائية والطقسية والانماط الأصلية بعد ظهور فلسفتى نيتشة وكروتشة التي الغت العقل وجعلت الحس بيلا له . 
والتجارب لا تعد ولا تحصى ولعل هذه التجارب أفاد منها المسرح العربي تحت شعار الإضافة والاكتشاف وغزو المجهول , فقد ظهرت في الوطن العربي تجارب كبيرة ومهمة بعد كسر الركود والملل ومناقشة القضايا السياسية , منها تأصيل المسرح العربي والمسرح الاحتفالي لعبد الكريم برشيد وتجارب عديدة لعدد من المخرجين كتجربة صلاح القصب وإبراهيم جلال وسامي عبد الحميد والطيب الصديقي وسمير عصفور وفاضل الجعيبي وكرم مطاوع وربيع مروة وروجيه عساف واخير محمد شرشال في جي بي سي  .
وعلى وفق ما تقدم ان التجريب شمل اتجاهين في التعامل الاتجاه الأول ما يمكن ان نحصره بفردانية العناصر , كمثل الممثل مع الضوء او الزي مع البيئة المناقضة او الموسيقى والمؤثرات مع السينوغرافيا . اما الاتجاه الثاني فقد شمل التجريب من النص الى العرض بشمولية التجريب على جميع العناصر , ولهذا لا يمكن القول ان اكل العروض تجريبية فاذا شمل التجريب بعض العناصر نقول انها ملامح للتجريب واما ان شمل النص والعرض فهو عرض تجريبي بامتياز .
اما التعريف الاجرائي  للتجريب فهو :
التجريب : هو كل ما يرتبط بأواصر الإضافة والاكتشاف أو كسر مألوف والإتيان بمألوف جديد .

الخميس، 27 مايو 2021

مسرحية «عرش النفايات» إخراج عمر بن سلطانة: مسرح الطفل : ممارسوه كـ «سيزيف» يسكنهم الحب والرغبة في البناء

مجلة الفنون المسرحية
مسرحية «عرش النفايات» إخراج عمر بن سلطانة: مسرح الطفل : ممارسوه كـ «سيزيف» يسكنهم الحب والرغبة في البناء

مفيدة خليل

المسرحية الدرس، هكذا يمكن توصيف مسرحية عرش النفايات الموجهة للاطفال، مسرحية يمكن ان تعوض مشاهدتها الاف الجمل والكلمات التي تقدم في الكتاب المدرسي

عن مخاطر النفايات وتأثيرها السلبي على الارض والغلاف الجوي والمائدة المائية، العمل المكتوب بدقة وحرفية صنعتها دنيا مناصرية وقدمه للركح ممثلون شغوفون جمعتهم الفكرة والركح وأخرجه الى الجمهور مخرج واعد له رؤية مسرحية وفرجوية مختلفة عمر بن سلطانة وانتاج فضاء ثقافي ولد في حي شعبي هو فضاء «جرين تياتر»، وفي المسرحية اجتمعت كل مقومات النضال الفني لإرساء مشروع بديل وصادق فولدت مسرحية «عرش النفايات».
هي مسرحية محترفة موجهة للاطفال، عمل مشحون بالقيم الانسانية والتثقيفية ورحلة في عوالم عجائبية تشجع الطفل على الخيال وتحفزه على حب الاخر و معرفة دوره في الحياة ووواجباته تجاه الكرة الارضية و محيطه وحقوقه في هذا العالم، مسرحية يتماهى فيها الجانبان المعنوي والتقني قدمها مجموعة من الحالمين بقدرة المسرح على البناء والتاسيس.

فرجة مسرحية مختلفة تحمل الطفل الى عوالم الخيال
المسرح فعل تثقيفي وممارسة للحياة، المسرح مدرسة للحالمين والباحثين عن الافضل انسانيا، المسرح ممارسة لفعل نقدي وتكريس لأفكار تصنع جيلا واعيا بحقوقه وواجباته تجاه نفسه ووطنه، ومسرح الطفل اصعب من مسرح الكهول لأنه يمس شريحة مجتمعية جدّ حساسة و«عرش النفايات» عمل نجح في الوصول الى قلوب الاطفال ورسائله جميعها تخدم الطفل وتساعده ليميز بين الحق والواجب ويعرف كيف يتعامل مع النفايات الكثيرة الموجودة في كل المنازل.

تمازجت التقنيات المسرحية لتقديم عمل مسرحي يبهر الكهل قبل الطفل، في «عرش النفايات» اجتمعت المقومات التقنية لتقديم مضامين المسرحية، عوالم الفرجة تمازجت وتماهت لتقديم عمل يجمع الفرجة والنقد ويطرح العديد من الرسائل التربوية والتوعوية بسلاسة، الموسيقى جزء اساسي في العمل هي الفاصل بين المشاهد و المرافق للانفعالات النفسية والفكرية للشخصيات، الموسيقى الهادئة تعبر عن لحظات الانفراج والقوية عنوان للحظات التوتر التي تعيشها الشخصية وكذلك تعبيرة عن انفراج الاحداث، الاضاءة ايضا تكاد تكون شخصية مسرحية مستقلة بذاتها، الاضاءة تختلف حسب الفعل والحركة، الاضاءة توفر الجانب الحقيقي للحركة المسرحية كما تساعد الطفل ليرحل الى عوالم الخيال فتتارجح بين الواقعي والتخيلي مع استعمال متقن لتقنيات الفيديو لتكون الملامح السينوغرافية متناسقة مع حركات الممثلين واتقانهم للشخصيات.

في عالم عجائبي تدور حكاية المسرحية «مملكة النفايات» هي الفضاء العجيب الذي تجتمع فيه كل النفايات بعضها يحلم بالعودة الى الحياة من خلال منطقة التدوير وإعادة الرسكلة ونفايات اخرى تحلم بالسيطرة على العالم عبر التسلل في المياه لتلويثها ومنه قتل الاشجار وأخرى تتسرب الى الجو لإنقاص الاوكسجين لقتل الانسان وبذلك تصبح النفايات سيدة العالم والمتحكمة فيه، في العمل صراع الحياة والموت، صراع الخير والشر يحمل الطفل عبر تقنيات السينوغرافيا والإبهار الى العالم العجائبي فالنفايات اكداس على الركح بعضها حقيقي وآخر عبر تقنيات الفيديو و الممثلين تماهوا مع شخصياتهم الغريبة، فعلى الركح اجتمع المغامر ايمن خبوشي بشخصية «بطارية» يبدو كبطارية حقيقية في الحركة والماكياج والمتلوّن رامي الشارني بشخصية صعبة جدا «زئبق» شخصية مركبّة ومربكة اتقنها الممثل جيد «الزئبق» مادة سامة يمكن استنشاقها في هواء الغرفة بعد كسر «ترموميتر» على سبيل المثال وهي مادة سامة جدا سريعة التاثير على الجهاز العصبي للانسان، و شخصية «كيس» جسدها الممثل المتميز حمدي عبد الجواد شخصية تجمع الكوميديا والتراجيديا، شخصية محورية تتأرجح هي الاخرى بين الخير والشر فالكيس البلاستيكي لم يختر ان يرمى به الى الارض او في البحر وليس شريرا كبقية النفايات وشخصية «فلاشة» قدمتها الممثلة جميلة خنفير وشخصية «الكيس الكرتوني» و «شادي» قدمهما الممثل حسام مبروك، خمستهم اجتمعوا ليصحبوا الطفل الى مغامرة عجيبة تتصاعد فيها الاحداث لتنقل صراعا خفيا يحدث يوما في سلة المهملات يصنعه الانسان ويساهم في جذوته دون وعي بخطورته.

مسرح الطفل: فرجة وتوعية
«عرش النفايات» مسرحية تتوجه للأطفال بالعديد من الرسائل اولها عدم جمع كل النفايات في سلة واحدة، فهناك نفايات خطيرة مثل البطاريات والاجهزة الالكترونية يجب وضعها في مكان خاص بها لأنها تسرب مواد سامة متى رميت في الارض او البحر ونتائجها المضرة بالمائدة المائية والأشجار تدوم لمئات الاعوام، كذلك على الطفل عدم رمي الاكياس البلاستيكية لانها الاخرى خطرة على الارض والتربة وتساهم في التلوث وهناك طرق عديدة لاعادة رسكلتها واستعمالها، تاثير تجميع النفايات في سلة واحدة وخطورتها على الماء والهواء والتربة و المواد السامة التي تبعثها تلك البطارية الصغيرة التي نرميها دون وعي في الارض وكمية السموم التي نرسلها بارادتنا الى البحر للقضاء على الثروة السمكية جميعها افعال يصنعها الطفل الانسان دون وعي لتكون المسرحية بمثابة الدرس التثقيفي والتوعوي، درس يقدم للطفل في عالم عجائبي يجمع الاتقان في التمثيل مع استعمال وسائل السينوغرافيا و الابهار لتصل الرسالة الى الطفل مباشرة بعيدا عن الدروس التربوية الجافة احيانا، في المسرحية ينبهون الطفل إلى خطر التلوث ويدعونه ليكون كما شادي يحارب النفايات والتلوث بعد ان كان صانعه والمساهم في انتشاره، في المسرحية لعب على الجانب النفسي من خلال تانيب الضمير و سيطرة الخير على الشر داخل الطفل، محاولة لتوعية الاطفال بخطر التلوث على الارض والطبيعة والانسان قدمت بطريقة فنية ممتعة ومميزة.

من رسائل المسرحية ايضا الجانب الانساني «لا ترم بالملابس الا تعلم ان هناك دكاكين للملابس المستعملة وهناك من يستحقها» كما يقول هادي لشقيقه، فالعمل ينهى الطفل عن رمي ملابسه الصالحة للاستعمال ولعبه في سلة المهملات ويدعوه ليتبرع بها الى مستحقيها، طريقة اخرى ليتعلم الطفل العطاء ويبتعد عن الانانية و حب الذات، في المسرحية الكثير من الرسائل التربوية و الثقافية والانسانية، عمل كتبته فنانة تؤمن بقدرة المسرح على التغيير ومدى تاثير مسرح الطفل في متابعيه، وهو عمل مسكون بالحب و الاصلاح ومحاولة للمساهمة في فعل مسرحي نقدي يعلم الطفل ثنائية الحق والواجب كما ينقذ الطفل من فكرة العالم الوردي ويدفعه الى التعرف على صراعات الحياة الصغيرة لبناء شخصيته وعوالمه فالمسرح مدرسة.

مسرحية ( الراديو ) على مسرح كلية الفنون الجميلة جامعة بابل

مجلة الفنون المسرحية

مسرحية ( الراديو ) على مسرح كلية الفنون الجميلة جامعة بابل

تقدم كلية الفنون الجميلة جامعة بابل قسم الفنون المسرحية / عرض مسرحية ( الراديو )تأليف الكاتب الافريقي ( كين تسارو – ويوا )
اخراج : د. محمد حسين حبيب
تتحدث المسرحية عن معاناة الانسان وهو يعيش تحت سياط القهر والاستلاب والحكومة الفاسدة وما يترتب عن مثل هذه المعاناة من مواقف عكسية بوصفها ردات فعل سلبية ازاء مايجري من خناقات حولية مستمرة ، الامر الذي يكشف فيه الانسان عن طاقته التي لها حدود محاولا التشبث باية وسيلة واقعية او حالمة للتخلص من هذا الفضاء المرير والموجع .
 وسيكون موعد العرض يوم الاثنين 31 / 5 ولمدة اربعة ايام الساعة11 صباحا وعلى مسرح كلية الفنون الجميلة جامعة بابل

تمثيل : احمد عباس ، و محمد حسين حبيب ، و مهند بربن ، و علي عدنان التويجري ، و حسنين الملا حسن ، و علي العميدي .. 
الاضاءة : علي زهير المطيري 
المؤثرات الصوتية : علي عادل عبد المنعم 
مدير المسرح: ابراهيم عبد الله
مع الالتزام بتعليمات السلامة الصحية وارتداء الكمامات ، والدعوة عامة للجميع

الأربعاء، 26 مايو 2021

أحترق كالعنقاء" تجربة مسرحية مبهرة في كركوك / عواد علي

مجلة الفنون المسرحية

"ناشئة الشارقة" تدرب الشباب على مهارات التخيل الإبداعي الفني بتقنيات مبتكرة ضمن المرحلة الأولى لمعرض "الفن للجميع"

مجلة الفنون المسرحية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption