أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الأحد، 9 يناير 2022

بمناسبة يوم المسرح العربي: قراءة في رسائل يوم المسرح العربي( 2008 - 2022 ) / د. محمد حسين حبيب

مجلة الفنون المسرحية 
بمناسبة يوم المسرح العربي:  قراءة في رسائل يوم المسرح العربي
( 2008 - 2022 )

    اذا كانت جميع مساعي البحث عن هوية (للمسرح العربي) ومنذ اكثر من نصف قرن قد وصلت الى طريق مسدود، فالاحتفال بيوم خاص (بالمسرح العربي) يأتي تعويضا – بزعمنا - عن تلك المساعي, أو مكملا لتلك (الهوية) الغائبة التي نمسك بتلابيبها فعلا ليوم واحد من كل عام.
المكان: (الشارقة)
الزمان: (العاشر من يناير / كانون الثاني) من كل عام
الحدث: الاحتفال بيوم المسرح العربي
  من فكرة تأسيس (الهيئة العربية للمسرح) التي اطلقها حاكم الشارقة الدكتور سلطان القاسمي, تم تحديد هذا الاحتفال سنويا من قبل الهيئة, بأن يكون هناك يوم خاص لمسرحنا العربي ويتم فيه تكليف احدى الشخصيات المسرحية العربية المعروفة بعطائها الابداعي, بكتابة رسالة خاصة بمناسبة هذا العيد المسرحي العربي, كما هو الحال مع تقاليد الاحتفال بيوم المسرح العالمي سنويا.
  وفعلا كانت الانطلاقة الاولى من الشارقة مع اول احتفال في العاشر من يناير/كانون الثاني 2008. وكانت حينها اول رسالة خاصة بهذا اليوم كتبها الفنان د. يعقوب شدراوي, من لبنان. فما الذي حوته هذه الرسالة - والرسائل الاخرى تباعا - من مضامين وأفكار وتوجهات وأهداف ونتائج؟ تسعى هذه القراءة للكشف عنها.
  بعد موجز سريع وجامع لتطور حركة المسرح الاجنبي يفصح شدراوي عن نيته ولوج منطقتي (التسلية) و(التأمل), مبنيا لنا في نظرة سريعة عن احتراق رجل المسرح من أجل الحياة .. من أجل الناس .. ومثاله رجال كثيرون يقف في مقدمتهم (وليم شكسبير) الكبير, الذي لا يمكن تصور يوم واحد سيأتي علينا لنقول فيه: اننا شبعنا من شكسبير .. ثم يتأمل شدراوي وبموجز تاريخي سريع ايضا كيفية وصول المسرح الينا كعرب وصولا متأخرا, من المرسح الى المسرح, كان التحول, وكانت الاحلام والحكايا تولد مكانا للعب وللرقص ليس الا ... لكن مع الانتباه الى ضرورة اكمال ما بدأه الاخرون حفاظا على رسالة المسرح الانسانية دائما من اجل الاجيال اللاحقة. فما المطلوب فعله بعد كل هذا؟ .. يقول شدرواي:
"فماذا علينا أن نفعل اليوم وما هي الخطوات المطلوبة للقيام بما علينا، نحن الباقين أحياء، أن نقوم به لإبلاغ الرسالة للاجيال الطالعة؟
المطلوب ليس أن نقيم ندوات نكثر فيها الكلام من دون التوصل إلى نتائج محددة. المطلوب ليس ان نلف وندور حول المشكلة بل أن نقتحمها.
المطلوب في عصر العولمة والانترنيت، وتعميم الثقافة المعلبة وخراب المدينة بمعناها الانساني الحميم.
المطلوب بداية العمل على اعادة تشكيل حياة البشر الروحية سعياً إلى حضارة تليق بشعب كامل لكي يبني ثقافة قادرة على الغاء التعفن والترهل."
اشارات ونقاط ضوء عملية يستشعرها شدراوي ويتفحص ثمارها .. التركيز على الجانب العملي ذلك ان المسرح قد فرض نفسه حاجة اجتماعية ثقافية توعوية بامتياز .. وان الجمهور هم الهدف الاسمى لكل ما يقدم مسرحيا وتحديدا الطبقة الوسطى منهم لانهم الاهم جماهيريا وفق شدرواي نفسه .. ليتوقف عند وصايا مهمة منها ما تحقق فعلا بعد عام 2008 ومنها ما ينتظر, فيقول في نقاط :
" 1 - محاولة العمل على ضخ الحياة من جديد في الطبقة الوسطى وتسهيل سبل نموها وتنشيطها من حيث هي عماد كل حراك اجتماعي نهضوي. هذه الطبقة التي قال عنها يوريبيدس : هي وحدها تحفظ النظام، وتمسك برمق الحياة.
2- العمل على ان يخرج من رحم هذه الطبقة جمهور لديه قابلية استقبال الاعمال الابداعية وتمثلها ونقدها. ويضيف ايضا: "وما تاج هذا العمود إلا حرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية التنقل، وحرية الابداع، والحق في الاختلاف."
شدراوي – كما المسرح وكما جميع المنتمين – هو ضد الحرب .. ضد الموت المجاني والدمار .. وهو ايضا – كما المسرح وكما جميع المنتمين – مع الانسانية الحقة ومع الكرامة والحرية ابدا. ليصل الى تساؤله المهم والخطير في جملة نصت على التالي:
" رسالتنا: أن يطفح عملنا بالمغزى العظيم، إذ نشعر بان الناس بحاجة لأعمالنا".
مهم جدا ان نبحث في كيفية الوصول الى ذلك الهدف الصعب .. الناس بحاجة لاعمالنا .. ما السبل الكفيلة فعلا لتحقيق هذا الهدف السامي؟ كيف يمكن ان يكون المسرح مرتبطا بحياة الناس وبشكل يومي؟ كيف يمكن فعلا ان يشكّل المسرح عامل قلق لدى الناس اذا مر عليهم شهر واحد او ربما اسبوع واحد, وهم لم يروا فيه مسرحية واحدة؟ .. أيمكن تحقيق ذلك فعلا؟
اما الرسالة الثانية التي كتبتها السيدة سميحة ايوب من مصر, وألقتها في القاهرة 10/1/ 2009 في افتتاح مهرجان المسرح العربي الأول. كان الرجوع الى التاريخ ايضا, لكن لا التاريخ العام بل الى الخاص منه, الى التجربة الذاتية والفنية للفنانة ايوب عبر ماضيها وعلاقتها بخشبة المسرح المصرية, برغم ما تعرضت له هذا الخشبة من صعود وتراجع عبر مسيرة حافلة بالتحولات المرتبطة بالواقع المصري الموغل اثرا بواقع المسرح ومدياته الابداعية, فكانت نهاية كل مسرحية انما بداية لمسرحية جديدة اخرى وهكذا.
تقول ايوب: "كان حلماً ورسالة.. رفعته أجيال على أكتافها، واحترق فيه مَنْ احترق، وتعذب فيه مَنْ تعذب، لكن السعادة سادت الساحة بأكملها."
وتضيف: "من يعش على جنبات المسرح.. يتنفس المسرح، ولكنه يجهل أو يتجاهل شيئاً واحداً.. هو إسدال الستار.. فحياة المسرحي بلا ستار.. النهاية.. إنها رحلة ممتدة إلى الأبد.. موغلة في الآتي..". وايضا هناك البحث عن حلم جديد .. حلم بناء قاعة مسرحية في كل مكان .. في كل قرية وشارع ومدينة .. انها فكرة السعي الى الترويج واشهار المسرح .. اشهار الحياة الحقة ايضا كما سعى وتأمل شدراوي في رسالته السابقة .. لان المسرح في النهاية صناعة للبهجة .. صناعة للاحلام المؤجلة الى حين.
وتأتي رسالة الأستاذ عز الدين المدني من تونس التي ألقاها يوم 10/ 1/ 2010 في تونس في افتتاح مهرجان المسرح العربي الثاني بوصفها الرسالة الثالثة .. رسالة جمعت ما بين السيرة الذاتية والسيرة التاريخية مع مراعاة التنويه على المعنى المفاهيمي لفن المسرح من منطلق المنحى التفردي لهذا الفن برغم انه يخاطب الجماعة .. فضلا عن ما ينماز به الفن المسرحي من مكانة وتجدد وفحوى زئبقية يصعب الامساك بها دائما .. يقول المدني:
"وكيف لا يكون فن المسرح من أعز الإبداعات الفكرية وهو يتبدّل ويتغيّر ويتجدد على الدّوام، فلا يستقر على حال تتكرر، ولا على قاعدة تتكلس، ولا يتجمد في قانون إجرائي يمارس في كل عرض وفي كل عهد وفي كل عصر! فقاعدته الوحيدة حينئذ ألا تكون لها قواعد! إذ هو يتساءل عن كيانه فيراجعه في كل حين وآن، ويتساءل العاملون في وظائفه عن مفارقته بشكل مستمر: فما كان اليوم إيجابياً يصير في عيونهم وعيون الناس سلبياً غداً."
هذا اضافة الى ان المدني راح يكشف وبجرأة واضحة عن أمراض وعن العلل الخبيثة التي تسللت إلى فضاءات مسرحنا العربي بسبب: "أولئك الذين يسبحون في الرداءة والضحالة والتفاهة والسمسرة والتجارة الفاسدة .. " مضيفا قوله وبقسوة: "لقد حصل فعلاً ذلك في هذا الزمن الذي تردّى فيه فن المسرح العربي إلى أسفل سافلين، فصار مبتذلاً ملطخاً قذراً كمنديل الطبّاخ لأنه في متناول من هبّ ودبّ من بني آدم لا من العارفين، وصار محتقراً مبخوساً لأن عون الفرقة المسرحية يكتب ما شاء له أن يكتب من المسرحيات السّخيفة قصد الإضحاك من أجل الإضحاك لا غير، ولأن كهربائي الركح قد تكلف بإخراج مسرحية غبيّة في منتهى الغباوة والبلادة بحجة أن الجمهور (عايز كده)، ولأن عامل الميكانيك يمثل دور صلاح الدّين، وصار نجماً بينما لا دراية له بفن الممثل فضلاً عن فن المسرحة، ولا بأي شيء سوى تبديل زيوت السيارات القديمة ..." لكن الرد والتصدي لامثال اولئك هو الابداع والتواصل والبحث والتشجيع واجتذاب سبل للعطاء ابدا .. فيقول المدني:
"الإبداع في عروقه بحث واستقصاء مثابر، فما أحوج المسرح العربي إلى البحث، وإلى بناء مؤسسات للبحث، وإلى دفع الكتّاب والمخرجين إلى البحث، وتشجيعهم على البحث بالأموال والتراتيب. ذلك أن الإبداع هو بحث في قول ما لا يقال وفي رؤية ما لا يرى وفي سماع ما لا يسمع حتى يكون الفعل الإبداعي بكراً ومبتكراً في المعاني والجماليات معاً، بمعنى غير مسبوق، مختلفاً عن السابق، ذا سمة الغرابة، طريقاً بعيداً كل البعد عن الابتذال والأشياء الممجوجة والشائعة كقاسم مشترك بين البشر، حديثاً ذا شوكة حداثية حادّة، ينبض بالجدّة في خصوصيته، في تفرده، في اختلافه، في فتح دروب وآفاق لا تخطر على البال..".
ومن ثم يستقرىء المدني اسباب (الهجرة) من المسرح الى التلفاز ويستعرض مسوغاتها بموضوعية وواقعية, اذ يبحث عدد من الفنانين الى الشهرة السريعة عبر التلفاز او السينما لكن هذا النوع من الشهرة المؤقتة والسريعة تموت سريعا ايضا, ولان هذه الشهرة لا تعوض قيمة الفن الحقيقي وقيمة الفنان المسرحي الحقيقي مستقبلا .. لينتقل المدني الى (الحرية) .. الى تلك القاعدة الاساس لفن المسرح .. من مبدأ اننا لم نعرف المسرح تاريخيا الا حرا. وبحسب جان جاك روسو (ولد المسرح حرا) وبتناص واضح يقول المدني:
"أليس المسرح يوحي للمواطن العربي بالديمقراطية أي بحرية التعبير وباحترام رأي الآخر؟
والفن يربأ عن نفسه أن يكون وصياً على أفكار الناس ويتبرأ من أن يكون وليّاً ولا بوقاً للدعاية ولا استعلاء أخلاقياً ولا مكابرة سلوكية على الإنسان.
ذلك أن فن المسرح حرّ: حريته في النفس وفي الفكر وفي الخيال وفي الجماليات وفي المواضيع ولا مزية لأحد عليه ولا على فن المسرح."
ومن العراق كانت الرسالة الرابعة للأستاذ يوسف العاني التي ألقاها يوم 10 / 1 / 2011 في بيروت, في افتتاح مهرجان المسرح العربي الثالث .. فمن خبرة 67سنة مسرح و58 مشاركة مسرحية دولية جاءت هذه الرسالة بتنوعاتها السيرية والموضوعية الراصدة وتساؤلاتها عن واقع حال المسرح العربي .. مبتدئا العاني التعبير عن لحظات سعادته الان بهذه الوحدة وبهذا الانتماء العربي فيقول:
"أرى اليوم أمامي لبنان بمسرحه والخليج بمسارحه ومصر بمسرحها العريق والعراق بإصرار مسرحييها على العطاء وسوريا بتواصل عطائها ومسرح الأردن بنشاطه، أرى فضاءات المغرب العربي المتعددة لأعود إلى مشرقه.. أراه كله موحداً تحت شعار مبارك: المسرح العربي.." ومباشرة يضيف قاصدا الاستفزاز بقوله: "ولكن أرجو ألا يستفزكم تساؤلي: هل لدينا حقاً (مسرح عربي)؟ .."
وعبر سرد سيرته الفنية بايجاز وحلمه القديم بالوحدة العربية, وبسبب ما تعرّض له شخص العاني ومسرحه الى الرقابة والقمع والمنع .. "صارت السياسة التي تُعنى بالإنسان في كل مكان جوهر مسرحي." اي جوهر مسرح العاني في العراقي .. ومن ثم تلاحقت الخبرات العربية في عدد غير قليل من المؤتمرات والمهرجانات المسرحية التي بدأها العاني منذ عام 1957, لتلبي الحاجة الفنية ولتصقل الخبرة المسرحية .. فضلا عن تلاقح الخبرة ما بين الاجيال المسرحية المتعاقبة وهذه هي اساس ديمومة المسرح فعلا .. فيقول العاني:
"الاستفادة من الرعيل الأول بما اغنوا وبما أبدعوا.. وأن نتبنى الشباب بصدق حماستهم المثقفة.. بما يقدمون من محاولات إبداعية مطورة لما كان.. وألا نقف موقف المتعالي على الكفاءات الجديدة .. فهي مفتاح المسرح الآتي..".
ثم ليصل العاني الى تأكيده على محاولة التخلص من الكمي على حساب النوعي في انتاج عروضنا المسرحية .. منتقلا الى تاكيده ايضا الى عدم العزلة عن الاخر .. ومحلقا الى منطقة الحلم .. بقوله: "فأنا وعمري المسرحي الآن قد بلغ السابعة والستين بسنواته الطويلة وتجاربه الكثيرة والتي تنوعت وتغيرت وتناقضت وتآلفت.. جعلتني محكوماً بالحلم بعد أن اجتزت مرحلة الأمل وصار علي أن أنقل حلمي إلى كل المسرحيين العرب.. وإلى الهيئة العربية للمسرح بالذات لتعمل أو تحاول أن تعمل وأقول: تحاول أكثر من مرة لإزالة السدود والحدود.. وأكرر تحاول لكي يتحقق المسرح العربي الواحد: مدرسة وفناً وفكراً.. دون عزلة عن مسارح العالم بل بتميز جدير به وأصالة عريقة فيه بعد أن نتواصل بيننا ونصل إلى أفضل ما يقدمه أشقاؤنا في هذا البلد أو ذاك.. أن نتبادل الرأي ونكتشف الرؤى سواء ما كان جديداً منها أو التي ما زالت تبحث عن السبل الخلاقة للمسرح الآتي لنا وأن تظل الصراحة في الطرح أساساً صادقين مع أنفسنا أولاً .. كي نصل – مهما طال الزمن – إلى سمات وملامح وجذور في الشكل والمضمون ليكون مسرحنا بعد هذا (مصدراً) مسرحياً جديداً لا على صعيد مسارحنا وحدها.. بل على صعيد المسرح العالمي كله."
اما الرسالة الخامسة فألقتها السيدة سعاد عبد الله من الكويت في يوم 10 / 1 / 2012 في عمّان – الأردن حيث انعقاد المهرجان المسرحي العربي الرابع .. وايضا كانت السيرة الذاتية, وايضا كانت الذكريات .. فتقول: "نعم، في ذلك الصباح البعيد، الذي سجل تاريخ ميلاد علاقة، أصبحت وثيقة، ودونت أسمي ورسمي، وكتبتني ضمن من سبقوني في هذا العالم المبهر المبهج (عالم المسرح)، وهبتني ذلك الانتماء الحميم إلى مسرح، هو الكون كله، في لحظة مدهشة، تمسك الأنفاس، وتفجر الحياة الجديدة" .. لتنتقل عبد الله من صبيحة المسرح المدرسي الى ذلك الحلم – كما هو حلم يوسف العاني – بوصفه المنقذ لواقع حال حياتنا العربية التي هي بحاجة الى ربيع مسرحي دائم .. فتقول:
"لأن المسرح هو أبو الفنون جميعها، ولا بد أن يقوم ابناؤه منتفضين على واقع الحال، ليعيدوا صياغة عالم يخرج من رحم المأساة سالماً معافىً وشامخاً، كما كان دائماً، فيقدم الخير والجمال لتدب خطى الفرح فوق خشبته من جديد، وليعود نشيد الحياة وصراخ الأمل... فإن حياتنا العربية، في ربيعها الذي تأخر كثيراً، تستحق أن يكون المسرح رديفها، بل أن يغدو صوتها الصادق الصدوق دائماً.."
ومن رحم معاناة الفكر والبحث المسرحي ولدت الرسالة السادسة للسيدة ثريا جبران من المغرب والتي تمت قراءتها بالانابة عنها يوم 10 / 1 / 2013 في الدوحة حيث انعقاد مهرجان المسرح العربي الخامس .. والتي انمازت هذه الكلمة / الرسالة عن بقية الرسائل بأمور عدة منها: ان طريقة السرد الذاتي كانت مختلفة اذ تم توظيف السرد بطريقة منولوج داخلي درامي طويل وكأنه نص مسرحي مونودرامي بالامكان الاشتغال عليه واعداده عرضا مسرحيا مونودراميا مهما, بحكم الصياغة والاسلوب اللذين احتكمت اليهما كاتبة الرسالة .. الى جانب تمثل عدد من المفاهيم المسرحية عبر هذا المونولوج الداخلي الحزين والفاضح لكل المسكوت عنه مسرحيا وسياسيا واجتماعيا .. تقول جبران:
"لقد كان المسرحُ، بالنسبة إِليَّ، وسيظل فَنَّ الحقيقة بامتياز. ولكنَّ حقيقةَ المسرح، بالتأكيد، ليست كحقيقة الخُدَع السينمائية، ولا حقيقة التلفازات التي تحجُب الرؤية، ولا حتى حقيقة المطابخ السياسية السائدة، حيثُ تُعَدُّ الوصفاتُ والتَّوابِل، وتُطْبَخُ الطَّبْخَاتُ على نار هادئةٍ في المختبرات والكواليس الدولية – كما كتب الشاعر الراحل مُحمَّد المَاغُوطْ – ثم يأكُلها الكبار في الغرب والشرق، بينما يكتفي العَرَبُ بغَسْلِ الصُّحُون! (أفَكِّر هُنا بالأخص، في العَرَب الذين لا يريدون العودة إلى التاريخ بعد أن خَرجُوا منه .."
وايضا تقول: "المسرحُ ليس تصفيقاً، وإنما هو تَفَاعُلُ صِدْقٍ مع صِدْقٍ. وهذه مناسبة، لأَلْتَمِسَ بأَلاَّ تُصَفّقُوا كثيراً إنْ دَعَتْكُم مُجَامَلاتُ إلى التصفيق. وإنْ صَفَّقْتُم – ولا بُدَّ – لا تُصَفِّقُوا تَصْفيقاً خَاطِئاً. لَكَمْ أَعجَبَني ما قَالَهُ الروائي الأَلماني غُونْتَرْ غْرَاسْ (نوبل للآداب 1999، الذي كَتَبَ كذلك بعْضَ المسرحيات): «التَّصْفِيقُ الخاطِئُ من الجهَةِ اليُمْنَى يُغْرِي التَّصْفيق الخاطئ من الجهة اليُسْرَى!».
المسْرَحُ إِنصاتٌ وصَمْتٌ وتَأَمُّلٌ وسكينَة. فضاءٌ للأَمل، وحتَّى حين يَيْأَس المسرحُ يكونُ يَأْسُه خلاَّقاً ومُدْهِشاً وحيّاً، وليس عَدَميّاً أو سلبياً.
المسْرَحُ ثقافة واستثمار ثقافي، خيالٌ وتقْنية وصناعة حضارية وإِنسانية.
المسرحُ هندسةٌ للأرواح الجديدة."
تكررت جملة (المسرح ابو الفنون) في اكثر من رسالة سابقة, لكنها هناك جاءت الجملة حاملة معها مسوغاتها وكما جاءت بالنص: "المَسْرَحُ أبو الفنون، كائنٌ حيٌّ ينْتَبِهُ إِلى التناقُضات فَيَقُولُها، وإِلى التَّوازُنَاتِ فَيُضيؤُها، وإلى الاعْوِجَاجَاتِ فَيُعرِّيها، وإلى الهزائم فَيُسَمِّيها." .. ولماذا المسرح هو فن الحقيقة بامتياز؟ لان: "لا خُدَع سينمائية في المسرح يمكنُها أَنْ تُمجِّدَ الحرُوبَ، وتُضَخِّمَ البُطُولاتِ الكاذِبَة. على العكس، يَعْتني المسرح بمَعْطُوبي الحروب، وبالمهزومين والمظلومين والمَكْلُومين. ويُعطِي الصوتَ لِمَنْ لا صَوْتَ له، وينْتَصرُ للجنون الذي يَقُولُ الحِكْمةَ وينْطِقُ بالمَوْعظةِ الحَسنَة."
ولان ظاهرة مسرح المناسبات الدينية او السياسية قد استشرت في اكثر من دولة عربية, نفت جبران استحالة استمرار هذه الظاهرة ونواياها المؤقتة التي تعمل ضد خطاب المسرح ورسالته الانسانية ونصت بالقول: ".. فلا مجال لمسْرَح المناسبات والمواسم. لقد كان مسرحُنا العَرَبي الحقيقي ثورياً قبل الثوراتِ العَرَبية الجديدة. ولا شَكَّ أنه كان مصدراً من مصادر وَعْيِها، فَسَبقَ الثَّوْرةَ إِلى فِكْرَتِها."
وبمقابل ان المسرح هو فن الحقائق بامتياز دائما, تشير جبران الى انه هو فن الشك ايضا .. لانه يعبر ايضا عن الشك بامتياز ايضا, لا الشك العابر .. بل الشك الذي يوقظ الوعي ويوقظ السؤال.
وحتى اصبح ( المسرح قلب المدينة النابض ) عام 2014 وهو عنوان رسالة اليوم العربي للمسرح جاءت بقلم الدكتور سلطان بن محمد القاسمي .. وقد قرأها يوم 10/1/2014م على قاعة مسرح قصر الثقافة في الشارقة .. وهي الرسالة السابعة والاخيرة في كتابنا هذا لكنها ليست الرسالة الاخيرة مستقبلا , لاننا بانتظار القادم والجديد دائما طالما هناك من هو ينتمي باخلاص وحب الى هذا الفضاء الرحب والمقدس والشريف ( المسرح ) .
جاء في مقدمة رسالة القاسمي ما نصه : " المسرح ميدان رائع للتعبير عما تزخر به الحياة الاجتماعية من اذواق العصر والافكار والطموحات الجديدة . " ... ثم يستدرج مباشرة الى ما مر به واقعنا العربي من ابتلاء بما يسمى الربيع العربي معيبا على الحكومات العربية التي لم تسع " الى استخدام المسرح لتربية الراي العام لان تلك الوسيلة قد استهلكت بسوء استغلالها واصبحت غير مجدية " .. لكن الشارقة اصبحت ومنذ مدة ليست بالقصيرة تسعى لتعزيز هدفين مهمين هما : ( احتفالي ) و ( تربوي ) وما بين الاحتفال والتربية يكون المسرح ويكون الفكر الخلاق .. فيقول :
" فالاعياد تمجد مدة يوم حدثا تاريخيا قريبا او بعيدا , اما المسرح فانه يعكس الاحتفال ويمدد اثاره في ربوع البلاد . وتدل المسرحيات على هذا الهدف المزدوج باحداث تاريخية واحداث وطنية وتسليات وطنية وارتجالات شعرية ولوحات فنية . "
  ويختم القاسمي رسالته بدعوة مدوية لجميع اهل المسرح العربي ان : " تعالوا معنا لنجعل المسرح مدرسة للاخلاق و الحرية " ... و ما احوجنا فعلا اليوم الى اخلاق مسرحية نستنهضها مجددا او نقوم المعوج منها لان المتربصين وعدد من الطارئين يرديون اخماد وتمييع هذه الاخلاق هدفا بموت مسرحنا العربي .. و ما احوجنا فعلا اليوم الى تعزيز مفهوم الحرية مسرحيا لنمد من خلالها الاواصر المفاهيمية لحياتنا الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية والحفر عموديا لحرية خلاقة تنسجم وتاريخنا العربي بوصفه الموروث و الارث و التراث الحضاري والثقافي الذي نفخر به اليوم ومستقبلا .
  وتجلت رسالة الفنان المسرحي يوسف عيدابي ليوم المسرح العربي عام 2015 في دعوته الى الاستيقاظ في زمن الغفلة والموت ، كاشفا عيدابي هنا عن معاناة الشعب السوداني وسعيهم التاريخي المعاصر من اجل مجتمع متماسك واحد ، لكن هيهات وسط هذه الانفلاتات التحزبية المنشطرة والمفككة التي من شانها تزايد القلق والخوف والاضطراب حاليا ومستقبلا ، فكان عيدابي ان دعا لمسرح جاد وفكري جماهيري من اجل بلاده وناسها ، فيقول : " لا نريد مسرحاً للنخبة أو لفئة قليلة في بلداننا التي ترزح تحت نير الحروب والجوع والفقر والمرض.  في مثل بلادي الكليلة العليلة الممزقة، المقطوع شطرها – الغابة جنوباً، والمنفصل شقها – الصحراء شمالاً، لا نريد للمسرح إلا أن يكون إداةً  إجتماعيةٍ ووسيلة للمقاومة والكفاح ضد التفرقةِ والاحتراب.  على المسرح أن يكون في مناطق النزاع والشقاق، وفي أماكن العلم والتنمية، فرصةً للتسامح والتعايش والحوار؛ بل ولتقريب شقة الخلاف والاختلاف "
  كذلك يكشف الكاتب عن الظروف المجتمعية المضطربة وماذا يتحتم على المسرح ان ياخذ دوره لكي يكون طليعيا ومستيقظا ، " فيا أهل المسرح استيقظوا " .
  ومن فلسطين ياتي صوت مسرحي مائز في معاناته ومعانات بلاده ، هو الفنان زيناتي قدسيه ليكتب رسالة المسرح العربي لعام 2016 ، تحت عنوان مائز هو الاخر هو ( لم يعد امامنا خيارات ولانملك رفاهية الوقت ) وهو يتحدث في رسالته مع المتمسكين بصناعة الجمال ، ضد المتهافتون ، لا المتهافتين الى صناعة القبح ، ثم يغور للكشف عن فلسطينيته المائزة وتجربته عبر اكثر من اربعين سنة في سوريا فادرك ان المسرح ينبغي ان يكون حرا اولا ومقاوما ثانيا فيقول : " مسرح جديد حر و مقاوم, بدأت إشاراته الأولى تتبدى منذ عشر سنوات.. حرٌ مقاوم.. لأن المسرح بطبيعته حُرّ, و منذ نشأته الأولى كان مقاوماً, و قدم آلافاً من العروض المسرحية المقاومة بمعناها الحرفي, مقاومة المحتل, الغازي, العدو, المستعمر, و في كل دول العالم هناك دائماً حضور لافت للمسرح المقاوم و إن اختلفت أساليب التعبير عن روح المقاومة من مسرح لآخر. و ما دام هناك فاشيون و ديكتاتوريون, و قابليات لنشوب حروب ثنائية أو كونية, و ما دام على الأرض أربابٌ يتمسكون بربوبيتهم و يعملون على تخريب العالم و تدمير أمنه عبر التاريخ, و ما دامت الآفة الإنسانية الماثلة أمامنا و المتمثلة في البعض الذي يرى العالم أضيق من أن يتسع له و للآخرين, و يريد أن يعيش وحده جاعلاً نهج حياته: “هذا كله لي”.. ما دام كل هؤلاء يعبثون بحياتنا و مصائرنا, فإن المسرح المقاوم يبقى حيَّاً و يعبر عن حرية الإنسان و الشعوب و ثقافاتها "
  نعم " المسرح قضية كبرى وتحتاج رجالا على مقاساتها " وهكذا اثبت قدسيه انه رجل مسرح بحق عبر تاريخه الحر فنيا والمقاوم سياسيا ، لانه اكد في رسالته هذه على ضرورة الثقافة المجتمعية لانها السلاح الاوحد ضد التجهيل المدروس والمخطط له من قبل الاخر ، الثقافة هي الباقية كمصد مواجه وخلاق ضد القبح ، الثقافة في " مواجهة القبح بالجمال والياس بالامل . " خاتما رسالته : " هذه الخشبة ابتلعت كل العمر.. خمسون عاماً بالتمام و لا كمال.. أرى كل شيء كما لو كان البارحة أو اليوم.. و كل شيء كان لها.. للتي غنيتُ لها كُل هذا العمر.. و سأظل أغني مع الذين غنوا لها, و الذين سيشاركوننا الغناء.. مثلما كان.. و ما سيكون.. إلى أن تكون.. حبيبتي التي ستبقى تمتلك السماء.. هي وحدها لها قلبي, هي وحدها تفتح روحي لما لا يمكن سمعُه, هي وحدها و العجائب تندهش إذا مرَّت, هي وحدها, و سيبقى الشرف الإنساني مثلوماً إلى أن تخرج من الجحيم إلى رحاب الحرية, و نتوجها درَّة لتاج العالم.. عالم متجدد أكثر حرية, عالم يقف الناس جميعاً فيه أخوةً متحابين, يطبعون سيوفَهم سِككاً, و رماحَهُم مناجل.. لا ترفع أمةٌ على أمةٍ سيفاً.. و لا يتعلمون الحرب.. فيما بعد. "  
  ومن سوريا ياتي صوت الفنان حاتم السيد ليكتب رسالة يوم المسرح العربي لعام 2017 ، مبتدئا باثارة الاسئلة ومواجهة الحقائق ، كيف يمكن لنا صناعة البهجة وسط الدمار ، واضعا عددا من التساؤلات مستثمرا كلمة ( كيف ؟ ) وتكرارها باحثا عن الاجابات ، " حين يحضُرُ المسرحُ يحضُرُ الحلمُ، وحين يكبُر المسرحُ يكبرُ الحلمُ وتستقيمُ الحياة، فلماذا لم تكبُرْ أحلامُنا مع المسرحِ رغمَ اتساعِها، ولماذا لم تستقمْ حياتُنا رغمَ كَثرةِ خشباتِنا؟
سؤالٌ بحجمِ الأمة التي ما تزالُ تبحثُ عن خشبةٍ يعُمُّ عليها السلام، فسلامٌ لكم، وسلامٌ عليكم، وسلامٌ على الله الذي غيّبناه لنحلَّ مكانَه..
كبيرةٌ أسئلتُنا، وكبيرةٌ أحلامُنا، وكبيرةٌ قضايانا، لن تقفَ عليها كلمةٌ مقتضَبةٌ كهذه، لكنّكم مَن يُحصيها عدداً، ويعيها وعياً، ويعيدُ إنتاجَها لتكونَ نهجاً، ليس لنا فقط، وإنّما لأمةٍ نريدُ أن ندرّبَ أبناءَها ليقفوا على بواباتِ المسارحِ ليشاهدوا كيفَ تكونُ الحياة " .. ليكشف بعد ذلك ان مسرحنا مسرح حياة ، لا موت ، مسرح من اجل الانسان وانسانيته التي ينبغي ان تسود وتنتصر ضد قانون الغاب والمافيات والزعامات التي تعمل لمصالحيتها حسب ، لنجد انفسنا امام اسئلة جديدة اخرى اكثر مرارة من سابقتها :
"  كيفَ لنا كفنانين ومثقفين أن نقفَ في وجهِ هؤلاءِ الأوصياءِ على الحياةِ.. هؤلاءِ الذين ينْصُبون أنفسَهم مكانَ الله، يحلّلون ويحرّمون والأمةُ تنقسِمُ عليهِم وبسببِهم؟
كيف لنا كفنانين ومثقفين أن نجعلَ الأمةَ تلتقي على الأفكارِ الكبيرة والأحلامِ العظيمة، لا أن تنقسمَ على السفاهةِ والانحطاط؟
 
كيف لنا كفنانين ومثقفين أن نربأَ بأنفسِنا أن نكونَ أبواقاً لأفكارٍ قميئةٍ تدعونا للاصطفافِ خلفَها دونَ الوعيِ بها؟
كيف يمكنُنا أن نقبلَ الآخَرَ، وأن نطلبَ من الآخرِ القَبولَ بنا، إذا لم نقدّمْ ما هو إنسانيٌّ جمعيٌّ يسمو فوقَ كلِّ أنانية؟
كيف لنا أن نصنعَ منَ المسرحِ حريةً للنفْس، وحريةً للفكر، وحريةً للخيال، وحريةً للحلم.. نعم؛ أحلُمُ كما أشاء، أحلُمُ كما أشاء لا كما تشاءُ لي.. " .. وكيف وكيف ؟؟ فالمسرح في النهاية هو رحلة الاصرار والعزيمة والمعاناة .
  ( نريد ان نقفل مخافر الشرطة في عقول المبدعين ) بهذا العنوان المثير والمستفز حقا ، تاتينا رسالة الفنان المسرحي فرحان بلبل عام 2018 ، ليوم المسرح العربي ، يشرح فيها بلبل رحلته المسرحية لاكثر من اربعين عاما ، قضاها عبر تجارب نظرية وعملية ومشاهدات وتجوالات سورية وعربية متنوعة ليسال بعد كل هذا : " هل المسرح العربي المعاصر بخير ؟ " لينتهي سريعا  الى اجابة مفادها : لا " المسرح العربي ليس بخير " وسبب ذلك يعود الى الازمات والويلات والسياسات المتوالية على الشعوب العربية وتقييد الحريات الفكرية والسياسية والدينية  ، لكن الفنان المسرحي استطاع ان يكون ماكرا في الالتفاف – مثلا – على تقييد حريته الفنية والابداعية ليقدم اعماله ويمررها على جهل الرقيب بحيثيات العمل الفني وترميزاته المشفرة .. فيقول عن المسرح العربي : " لكنه منذ أواخر القرن العشرين حتى اليوم صار مضطرباً ضائعاً لا يعرف ماذا يجب أن يقول. ويتخبط في أشكاله  فلا يعرف كيف يتقنها. وهذا ما جعله عاجزاً عن تأدية مهمته الاجتماعية والفنية والجمالية التي كان يقوم بها. وعجزُه هذا جعل جمهوره منفضاً عنه. فلم يعد يحظى اليوم إلا بنخبة ثقافية أو شبه ثقافية دون أن يحظى بجماهيرية واسعة كانت له في الكثير من مراحله "
   ثم يسوغ واقع حال المسرح السوري ومقاربته مع واقع المسرح العربي عامة بقوله :
   "  ... واضطراب المسرح العربي اليوم وضياعه نتيجة حتمية لأوضاع الوطن العربي الذي يعيش اليوم تمزقاً في بعض أقطاره، وتحمحماً مكبوحاً برغبة التغيير الاجتماعي في بعض أقطاره، وضبابيةً في النظرة إلى المستقبل في كل أقطاره. ولعل المسرح السوري اليوم يشكل النموذج الأوضح لكل الاضطراب الناتج عن التمزق. فهو متوقف في بعض مدنه. وهو ضعيف في بعض مدنه. وهو مكبوح مقيد في كل مدنه. فيكاد يكون ممسوح الملامح في تلك الأرض التي دفعت بالمسرح العربي من قبل خطوات إلى الأمام. "
  وفي عام 2019  تم اختيار شخصية مسرحية جزائرية لكتابة رسالة المسرح العربي وهو الفنان سيد احمد اكومي ، فكتبها تحت عنوان ( المسرح الذي أريد ) موضحا فيها كيف جاء الى المسرح ؟ لانه ادرك منذ بواكير عمره ، بان الخيال يستطيع تغيير الواقع ، ليستعرض بعد ذلك بايجاز تاريخ المسرح في الجزائر وتاثر الفنان الجزائري بالفرق المسرحية الزائرة . يقول :
" حين كان التاريخ دجلاً، أردت أن أعتلي الخشبة لأقول الحقيقة. لم يكن المسرح بالنسبة لي قناعة فكرية فقط، بل كان إيماناً يلامس الروح، كنت أحمل جمرة المسرح بغبطةِ و فرحِ من يحمل أغلى”كوهينور"(KOHINOOR) (ماسة) في العالم، المسرح عندي درب سري مدهش قادني إلى ماهيتي، إلى كينونتي الحقيقية؛ لم أكن أمثل، كلا أبداً، كنت أعيش، أعيش أسئلتي، عزلتي، حيرتي، دهشتي، تمردي، ثورتي، عذاباتي، فرحي، انسانيتي؛ كنت أنهمر على الخشبة بكل كياني و كان المسرح هو الخلاص " .. ثم يسرد لنا ظروف مجيئه الى المسرح واختياره له طريقا حياتيا بقناعة تامة ، ولاهمية ماجاء في رسالته نقتبس الاتي : .
جئت الى المسرح حين”كان الليل يخاف من النهار”"  
ذلك أن المسرح ليس بياناتٍ سياسيةً أو شعاراتٍ فارغةً أو خطبَ جوفاء
إذا أصبح المسرحي في خدمة هذا النوع من المواضيع، فما عليه، إلا مغادرة بناية المسرح و حملَ الأبواق و الاتجاه إلى مقرات الأحزاب و التجمعات السياسية، و ليعلن موته هناك.
إننا نتقاسم مع السياسيين أحيانا نفس الفضاءات و نتوجه لنفس الجمهور، ومثلهم نطمح للتأثير على المتلقي، لكن الفرق شاسع بيننا.
قد يقول البعض إن شكسبير نفسه كان يهتم بالسياسة، هذا صحيح، لكنه لم يكن سياسيا، لقد كان فنانا مبدعا عملاقا، وتأتي إشاراته السياسية في ثنايا مسرحياته بذكاء ودهاء كبيرين، ولم تكن مسرحياته غارقة في السياسة والايدولوجيا.
يريد منا السياسيون أن نكون همزة وصل ...
لقد قالها لنا ذات يوم الرئيس الراحل هواري بومدين”أريدكم ان تكونوا همزة وصل بين القمة والقاعدة"
عفوا أيها الحضور الكريم، المسرحي الحقيقي لا يمكن أبدا أن يكون جسراً أو بوقاً أو همزة وصل،
إنه صوت الحقيقة وضمير الأمة،عليه أن يحمل بأمانة الرسالة”ليكون رسولا و ليس عبدا مأجورا”الرسالة التي وجد من أجلها المسرح، ألا وهي خدمة قضايا الإنسان، وعليه أن يجعل أي فضاء يتحرك فيه حدثاً مسرحيا يشجع على التفكير والمساءلة و النقد "
  ومن البحرين يكتب لنا الفنان خليفة العريفي رسالة المسرح العربي لعام 2020 تحت عنوان (النص المسرحي بين الصوت والصورة) ، شارحا بدايات المسرح كونه ( كلمة ) اولا ، بعدها يمر العريفي بتحولات المسرح تاريخيا بين الكلمة والصوت والحركة وتفعيل دور المخرج بعد ذلك ومسكه بخيوط العمل المسرحي ، وصولا الى تنظيرات ستانسلافسكي ومايرهولد وارتو وتطبيقاتهم الادائية وكذا الحال مع كروتوفسكي ليصل اخيرا الى الصورة في المسرح ، وزمن الصورة في كل اللوائح الفنية والاعلامية الجديدة .. فيقول :  " المسرح العربي اليوم أيضا معني بالصورة. بل إنه يجب أن يعنى بالصورة، حتى يواكب تراكم التطورات في المسرح العالمي. وما دام المخرجون الذين يمتلكون الرؤية الفنية والفلسفية والجمالية، قادرين على تحويل قصيدة للمتنبي مثلا إلى صورة مسرحية جاذبة، فهذا يعني أن المسرح مسرح مخرجين، أكرر مسرح مخرجين، أين إذن الكاتب المسرحي الحديث؟ هل جدير بالمؤلفين أن يكتبوا نصوصا للصورة؟ برأيي نعم، هل هذه دعوة إلى تحويل النص المسرحي التقليدي إلى سيناريو مسرحي؟؟ أسوة بسيناريو الدراما التليفزيونية أو السينمائية. نعم إنها دعوة، دعوة للخروج من نمطية كتابة النص المسرحي التقليدي. الخروج من النمط، خطوة لتحرير الفكر المسرحي من قيد الثبات والجمود. فيا أيها المسرحيون العرب، إذا اردتم أن تطوروا المسرح العربي ليصير عالميا، فلا تقفوا عند الأمس، لا تقفوا عند اليوم، بل إذهبوا إلى ما بعد الغد. لتطوروا المسرح العربي إذهبوا إلى ما بعد الغد. "
  وتاني رسالة الكاتب المسرحي الاماراتي الاستاذ اسماعيل عبد الله ، ليوم المسرح العربي لعام 2021 وهي تستعرض لنا بدايات التأسيس لبيتنا المسرحي العربي ( الهيئة العربية للمسرح ) منذ عام 2008 مع شرح موجز لاستراتيجيات عملها وتوسعاته سنويا وتنسيقاته العربية المستمرة ، مع طرح لكثير من الاسئلة الموجبة والمنبعثة من خبرة ودراية بواقع حال مسرحنا العربي في كل حدب وصوب . مساءلة انفسنا ، عن ماضينا وحاضرنا وعن مستقبلنا ، وعن كيفية ترويض النفس ونضالها من اجل فعل ما ينبغي فعله وتقديمه .. ولقد توقفت الرسالة عند محطات عديدة منها : 1- كارثة كورونا ، وكيف اماتت الفعل المسرحي المباشر والحي ، برغم وجود بائل لكنها كانت مؤقتة وعلى عجالة ، 2- المسرح المدرسي واهمية تفعيل مناهجه الدراسية في التربية المدرسية وفي جميع المراحل الدراسية . 3- التاكيد على حرية عمل الفنان ، فلا مسرح بدون حرية . ولاهمية ماجاء في متن الرسالة نقتبس منها الاتي :
" لنجعلْ هذا اليوم وقفة سنوية لزحزحة السؤال من خانة المخاتلة إلى سطوع المكاشفة، فنحن جميعاً في دوام الحاجة للسؤال المستأنف والذي يدق جدران الخزان، السؤال الذي نطرحه على أنفسنا هيئة وعلى المسرحيين مؤسسات وافراداً، إذ أن الهم واحد والحلم واحد والأمل واحد.
علينا كمسرحيين أن نتحلى بجرأة الأبطال التراجيديين في إقصاء سطوة القوى الغيبية لنرش الملح على جراح الواقع، ليزأر الجرح بصدى الجواب.
علينا أن ندحر المستكين لنكتب بسكين الحقيقة على خشب مراكبنا التي تترنح وسط أمواج هذا العالم الصاخب المنكر لقيم الحق والخير والجمال، علينا أن نقلقه بالسؤال، ونغيره بالجمال، علينا أن نقتله بالمعرفة، علينا أن نمحو اسلاكه الشائكة بورد يتعمشقه فيرده سياجاً للبهجة.
يظل المسرح فنَ السؤال والمشاكسة والمشاغبة التي تفضي للكشف، خاصة وقد وجدنا أنفسنا وسط معطيات الاضطراب والتوتر والفراغ المقلق الحافل بالأعراض المرضية المميتة أو المخيفة، وهي الحالة التي تشهد فقدان التوازن أو السقوط في الفراغ والغياب بين مرحلتين، فتضطرب كل المنظومات وتبرز اختلالات مرضية توصف بـ «أزمة ناجمة عن حقيقة أن القديم يعاني من سكرات الموت، لكن الجديد لم يولد بعد”، فهل سنتحول لعرافات تسوِّق المومياوات وتنصبها مرشدات للأحياء؟ أم نتحول إلى سياف فاقد للبصر والبصيرة وحس الرحمة ونقتلَ الولادات الخدجَ ونستكين لأجراس العرافات؟ مصاصو الدماء الذين يحولون الدم والأحلام إلى أوراق بنكنوت في خزائنهم ويَمْهَرُونَ في صناعة السلاح يخاتلوننا بملمس ناعم للبندقية وأدخنة ملونة للقنابل حتى لنخالها مدعاة للفرح، فيما تقوم هي بدور ملاك الموت وحفار القبور وصاحب العزاء معاً، المرحلة لا تحتمل المخاتلة
علينا أن نشاغب المستتب من المعارف، أن نتوقف عن استهلاك ذات النظريات، أن نساهم في مسائلة العلوم، أن ننقد نقدنا، أن نضع منهاجاً جديداً لأكاديمياتنا؟ هل ما زلنا مُسَلِمِيْنَ بأننا نبت شيطاني لم يساهم في نشأة المسرح؟ وهل ما زلنا نتصرف مثل طالب يُقِرُ بنظريةٍ خاطئة حتى لا يخسر علامة النجاح؟
هل توقفنا عن استنساخ النظريات والتطبيقات والأشكال والمضامين؟ هل صرنا شركاء في تفكيكها وإعادة إنتاجها؟
هل قرأنا الفلسفة والحكمة التي أسست لحضاراتنا وحضارات الآخرين بغية أن يظهر أثرها فينا؟
علينا أن نسلح أبنائنا بالمسرح ليكونوا أصحاء يؤمنون بالحوار ويدركوا بالخيال ما وراء المشهد العام ويحللوا بالمنطق أحداث الزمن الذي يعيشون ؟
في العاشر من يناير اليوم العربي للمسرح، ندعوكم لنكون معاً فلن ننجو فرادى من هذا الطوفان، في اليوم العربي للمسرح، نهتف معاً عشتم وعاش المسرح إكليل غار على رأس كل مريديه، في اليوم العربي للمسرح نواجه سؤال نكون أولا نكون.. برد واحد “نكون”. "
  وتاتي رسالة هذا العام 2022 م وهي الرسالة الخامسة عشر في يوم المسرح العربي ، وقد تم التكليف بكتابتها الفنان اللبناني الاستاذ رفيق علي احمد ، وقد وضعها تحت عنوان ( الحياة مسرح .. المسرح حياة ) ، وقد اثراها صاحبها بمواضيع عديدة منها : 1- تفاعل الثقافات والحوار وان المسرح خير فضاء لذلك التحاور . 2- التوصيات التي نشهدها في كل مهرجان او مؤتمر مسرحي فمنذ اربعين سنة هي نفسها والى اليوم ، لا شيء تغير منها ، اذ لاشيء تحقق منها . 3- السبب في ابتعاد الناس عن المسرح ؟ الفنان ام الجمهور ؟ 4- غياب المسرح في التربية المدرسية  5- الرقابة افة ضد عمل المسرح والعاملين فيه  6- ضعف الامكانيات المادية على طول الخط وفي جميع بلداننا العربية 7- الحرية في المسرح هي انتصار للحياة وللمسرح . ومما جاء في الرسالة :
" وفي زمنٍ جعلته القوى المُهيمِنة زمنَ صراعِ الحضارات، تغدو تلك الحاجة (إلى المسرح) ملحة أكثر، لأن عالمنا يتعرض إلى عملية تدمير ممنهجة من خلال فرض ثقافة وحيدة سائدة تحت شعار عولمة متوحشة، جعلت الكوكب كله بمثابة “سوبر ماركت” هائلاً، والإنسان مجردَ زبون تقاس قيمته بقوته الشرائية لا بقوته الفكرية والإبداعية. وفي ظلّ هذا الواقع الذي تَسَلَّعَ فيه كلُّ شيء، يقف المسرح المنفتح على الفنون جميعها، والقادر على الاستفادة من العلوم جميعها، يقف في خط المواجهة الأمامي، لأنه لا يستطيع أبداً التخلي عن القيم الإنسانية الفكرية والروحية والمعنوية التي تشكّل جوهر وجوده وسرّ استمراره عبر الزمن
سوى التساؤل عن أسباب استمرار غياب التربية الفنية والمسرحية عن مناهجنا الدراسية اللهم إلا قلّة منها؟ والتمادي في تهميش المسرح وتجاهله من قبل العديد من وزارات الثقافة في بلداننا العربية، وعدم دعمها للأعمال المسرحية الجادة والمجددة بذريعة شحّ الميزانية ونقص الإمكانيات، فيما نلاحظ كيف تُصرَف الأموال الطائلة على أمور سطحية واستهلاكية تافهة، وكأن الأمم والشعوب تنهض وتتقدّم بلا آدابها وفنونها وفي مقدمها المسرح!
  أما الطامة الكبرى والدائمة فهي الرقابة المستمرة على الإبداع المسرحي، وهي رقابة برؤوس متعددة مثل كائن خرافي: رقابة رجال السياسة ورجال الدين ورجال الأمن وسواهم من “رجال” يقفون سداً منيعاً في مواجهة رجل واحد، هو رجل المسرح أينما كان في هذه المدينة أو تلك، على هذه الخشبة أو سواها، ويضعون الحواجز والعثرات في طريقه. وإذا كان مَن يراقب الناس يموت همّاً، فإن الرقابة على الإبداع هي الموت نفسه، وهي ألد أعداء الفعل المسرحي. لأن الإبداع صنو الحرية. لا إبداع بلا حرية، لا مسرح، ولا حياة. " .
mh_habeeb@yahoo.com

الجمعة، 7 يناير 2022

"بين الكلب والذئب".. مسرحية تفكّك آليات الفاشية

مجلة الفنون المسرحية


آلية توزيع المنحة السنوية للفنانين كما اعلنتها وزارة الثقافة

مجلة الفنون المسرحية 
آلية توزيع المنحة السنوية للفنانين كما اعلنتها وزارة الثقافة 

وزارة الثقافة :
 تسليم المنحة للمستحقين يبدأ الاثنين المقبل يدوياً وبطاقات الكي كارد ملغية من مصرفي الرافدين والرشيد

أعلنت وزارة الثقافة والسياحة والآثار  أنَّ توزيع منحة الصحفيين والفنانين والأدباء والشعراء الشعبيين والمصورين والتشكيليين والخطاطين والموسيقيين لسنة 2021‪ سيبدأ يوم الاثنين المقبل. 
وبيَّنت الوزارة أنَّ التسليم سيكون يدوياً من خلال لجنةٍ مركزيةٍ من المحاسبين والمدققين شكلت في مقر الوزارة. 
وأوضحت أنَّ على المشمولين بالمنحة ممن وردت أسماؤهم ضمن قوائم النقابات والجمعيات اصطحاب هوية النقابة أو الجمعية ( المجددة)  مع هوية الأحوال المدنية أو البطاقة الموحدة (الأصلية مع نسخة مصورة ملونة ) ويكون الاستلام حصراً من قبل الشخص نفسه، ولا تقبل أي وكالة أو تخويل .
وقال المدير العام لدائرة الشؤون الإدارية الدكتور عليّ رضا :  بسبب الجرد السنوي في المصارف سيكون توزيع المنحة يوم الاثنين المقبل الموافق 202‪2/1/10من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الساعة الثامنة مساءً، وسيكون التوزيع بطريقة انسيابية، ويداً بيد، ولا تقبل الوكالة، ولا التخويل حفاظاً على وصول المبالغ إلى المستحقين لها. 
وأضاف : سيكون جدول التوزيع على النحو الآتي :
الأسبوع الأول :يبدأ من يوم الاثنين المقبل 202‪2/1/10   يكون التوزيع للصحفيين حتى نهاية يوم الخميس. 
أما الأسبوع الثاني فيكون التوزيع للفنانين ابتداءً من يوم الأحد الموافق 202‪2/1/16 وحتى يوم الخميس.
أما الأُسبوع الثالث فابتداءً من يوم الأحد الموافق 202‪2/1 /23 توزع المنحة في الأيام الثلاثة الأولى على الأُدباء، ثمَّ توزع على الشعراء الشعبيين والمصورين والموسيقيين والتشكيليين والخطاطين من المنضوين في نقابة الفنانين.
وبشأن صرف المنحة على بطاقة الكي كارد قال الدكتور عليّ رضا : إنَّ نظام الكي كارد أُلغي من مصرفي الرافدين والرشيد وحل محله الماستر كارد،ولم يكن بالإمكان تحويل المبالغ على هذا النظام لأنَّ المنحة أُطلقت مؤخراً ، ثمَّ أنَّ إجراءات التسجيل وأخذ البصمة تستغرق ما لا يقل عن أربعة أشهر.
وأهاب الدكتور عليّ رضا بالصحفيين والأدباء والفنانين المشمولين بالمنحة التعاون مع الوزارة بهذا الشأن حسب التعليمات أعلاه.

الخميس، 6 يناير 2022

الحلقة 13 من سلسلة إقرأ كتب الهيئة حول كتاب شهر يناير 2022م "الكايوسية في مسرح ما بعد الحداثة" تاليف د.فاتن حسين ناجي.

مجلة الفنون المسرحية

الأربعاء، 5 يناير 2022

مسرحية الشاب العصري والشيخ البصري... تأرخة للمدينة

مجلة الفنون المسرحية



مسرحية الشاب العصري والشيخ البصري... تأرخة للمدينة
بمناسبة مرور مائة عام على المسرح البصري.

الباحث: مجيد عبد الواحد النجار

لقد عمل الكثير من المؤرخين عند تأرختهم للأحداث الحياتية ، ان يؤرخوها بطرق مختلفة ، فمنهم من أرخ للملوك عن طريق الشعر، ومنهم من أرخ للحروب عن طريق الرواية ، ومنهم من أرخ عن طرق القصة، او عن طريق الوسائل السمعبصرية ، وها نحن اليوم أمام عمل مسرحي يؤرخ لمدينة عرقة ، مدينه عُرفت بالعلم والمعرفة والجمال ، انها البصرة التي كتب عنها الكثير فمنهم من تناولها كأول مدينة بنيت في تاريخ الاسلام ، ومنهم من تناولها كمدينة انطلق منها العلم والطب والمعرفة ، ومنهم من ارشفها كمدينة للثقافة والفن ، فهي مدينة الشعر والادب والمسرح . 
وها هو ابن البصرة الاصيل الشيخ محمد امين عالي افندي باش اعيان العباسي البصري* ، يؤرشف من خلال المسرح لمدينته التاريخية (البصرة القديمة) التي بنيت اول مرة في شمال البصرة قرب قضاء الزبير ، من اجل تنوير الشباب بل الاجيال كافة ، عن تاريخ هذه المدينة العريقة ، وقد مارس الشيخ هذا الفعل في زمانه عن طريق الخطب والمواعظ ونشر المقالات بطرق تسهل على الشباب تناولها من غير ملل ولا ضجر ، ومن اجل هذا طبع هذه المسرحية على نفقته الخاصة في (مطبعة الفلاح) وجعل ريعها لحساب المكتبة النقشبندية البصرية ، لكي تكون تحت متناول العامة.
لقد تحدث الكاتب عن المدينة في مسرحيته(الشيخ البصري والشاب العصري) من خلال شخصيتين ، هما شخصية (الشيخ) و(الشاب) والذي من خلال هذا التصنيف يعرف القارئ انهم من زمنيين مختلفين ، فالشيخ يمثل الحقبة البعيدة ، الحقبة التي تأسست فيها المدينة ، والشاب الذي يمثل الحقبة التاريخية الانية وما تمثله هذه الحقبة من فوارق بكل ما كانت عليه المدينة.
يبدأ الكاتب المسرحية بالشرح المفصل عن الشخصيات ، ويعطينا معلومات كافية عنها لنعرف من خلالها ثقافة وأهمية وأعَمّار كل من هذه الشخصيات ، فهو يصف لنا الشيخ بانه ( شيخ ابيض الشعر خفيف اللحية وعليه البسة بيضاء ، وهي عبارة عن سراويل، وقميص، ولحية وطاقية، وعمة ، محتذ بنعل، متكئ على عصا)، وهذا الشرح الوافي فهمنا من خلاله كيف يمكن ان نتعامل مع هذه الشخصية وكيف يمكن ان نفهمها ، ومن خلا هذا الوصف نعرف كذلك ثقافتها واهميتها في المجتمعات العربية وفي الخصوص في مدينة البصرة ، اما الشاب فيصفه لنا بالقول انه (شاب في اللباس العصري ، تظهر عليه الحيرة، والدهشة وهو يخاطب نفسه). العارفين في المسرح يعرفون جيدا ما يعني الكاتب عندما يترك تحديد الشخصيات للقارئ او للمخرج عندما يروم اخراج العمل المسرحي ، فمن المؤلفين من يكتب الشخصيات بدون اسماء(رجل امرأة ، شاب...) واخر من يكتب الشخصيات (س، ص، ح...)لترك فسحة من التأويل اثناء تناول النص المسرحي ، وهذا ما منحنا اياه الكاتب محمد امين والذي  ذكر لنا ان الشاب يرتدي ( اللباس العصري) فهو لم يحدد لنا هذا العصر ، اذن ماذا نقول وكيف نحدد العصر فيما اذا عرفنا ان المسرحية كتبت عام 1922 ، اذن كيف نتعامل معها وكيف نتحدث عن العصر واي عصر هذا ، اذن كان الكاتب يكتب بطريقة احترافية ، بطريقة العارف لكتابة النص المسرحي ــــــ وهنا بودي ان اشير الى انني/اننا يجب ان لا نقارن كتابة هذا النص بما يكُتب حاليا ، فالوعي في المسرح تغير والثقافة تغيرت أيضا ، يجب ان ننظر بعين التاريخ وعين المتابع للمسرح لكي نتحدث عن هذا النص ـــــ فمن الممكن ان نتوقع كذلك انه كان مهتماً بالمسرح، وكان يقرأ مسرحيات، او شاهد بعضها فيما اذا عرفنا انه كان كثير السفر الى تركيا آنذاك،- وهذا يذكرنا بالكاتب المسرحي الكبير مارون النقاش ورحلاته وماذا استفاد من المسرح الغربي- .
يحدثنا الكاتب عن مدينة البصرة من خلال الشاب الذي يقف متحسراً مبهوراً على أطلال هذه المدينة الطينية ، يلتفت يميناً وشمالاً ، يتطلع الى الافق ويتخيل ما كانت عليه هذه المدينة، وكيف كانت ، وكيف كان يعيش الناس، وكيف كانوا يتلقون العلم، والمعرفة، كيف كان اقتصادها وعلاقاتها الاجتماعية ، وهو مهموما بكل هذه الاسئلة، يأتي نظرة على منارة شامخة بين هذه الاطلال الطينية ، يقترب منها ، يقف امامها متحيرا ، يتخيل كل ما يستطيع تخيله عن هذا المكان ، انه مكان للعبادة ، كيف كان الناس يجتمعون به ، وكيف كانت تقام الصلاة هنا ، ولا زال الشاب متحيرا اذ ينظر الى شيخ في الجانب الاخر ، يقف هو الاخر يتأمل هذا الصرح الديني الوحيد في هذا الفراغ الكبير ، يقترب الشاب منه واذا بالشيخ يردد (كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا ..... أنيس ولم يسمر بمكة سامر)، ما سمعه الشاب يزيد من حيرته ، 
فيضطر الى سؤاله عما يوقفه هنا في هذا المكان المهجور.
في هذا المشهد ارى ان الكاتب كان يكتب بأسلوب روائي ، سينمائي ، فهذا المشهد يحتاج الى لقطة عامة ، بواسطة الكرين) او طائرة (الدولبي)، لكي يستعرض المكان بلقطة بان مثلا ، ومن ثم تستقر اللقطة عن الشيخ وهو يلقي الشعر، ان الكاتب كان يكتب بخيال السينارست لذلك كان هذا المشهد يحتاج الى للقطة عامة واسعة لكي تستعرض المكان كله ، ولا يمكن لخشبة المسرح ان تتسع لهذا المشهد لأنه اراد من خلاله استعراض تام وكامل لمدينة البصرة القديمة .
كان الشيخ عندما يردد ابياته الشعرية ، كان يتخيل مدينة البصرة المنقرضة ، مدينة لم يبقى منها سوى المأذنة ، لكن الشاب يفاجئه عندما يقول له انه من مدينة البصرة ، ينبهر الشيخ ولم يصدق الامر لأنه يعتقد بل يؤمن بان هذه المدينة اصبحت من الذكريات. 
الشيخ: ( يصرخ باستغراب ويقول) تقول انك بصري ، هل توجد في العراق ارض يقال لها البصرة غير هذه البقعة وهل يوجد في هذه البقعة سكان حتى تقول انك بصري فبحق شيبتي عليك الا ما اخبرتني بالحقيقة الناصعة.
يحاول الشباب ان يوضح للشيخ انه بصري ، والبصرة مدينة موجودة على ارض العراق ولم تندثر وما امامه الا المدينة القديمة، اما المدينة الجديدة فهي على بعد امتار من الموقع الذي يقفون عنده ، يستذكر الشيخ بعد ذلك مدينة (الموفقية) التي كان يعرفها ويعرف اهلها الاغنياء الذين كانوا يعيشون حياة الترف ، وكانوا يتمتعون بالعلم والمعرفة ، لذك فيسأل الشاب ليطمئن على المدينة واهلها وهل لا زالوا مثل ما كان يعرفهم . 
الشيخ: ....... اخبرني عن حالة العلوم والمعارف عندكم وكم هو عدد المدارس العلمية العالية التي توجد في بلدتكم وكم هو عدد الطلاب البصريين والطلاب غير البصريين اللذين يدرسون في تلك المدارس. 
يؤرخ لنا الكاتب ومن خلال الحوارية هذه، ان الشيخ مهوس بالعلم والمعرفة ، ونعرف كذلك انه كان احد علمائها اللذين كانوا يدرسون في مدارس البصرة كونه رجل دين متعلم ، ويؤرخ لنا كذلك ان البصرة كان يقصدها الطلبة لتلقي العلوم المختلفة ، لوجود المدارس المتخصصة ، وكما نعلم ان المدينة كانت معروفة بعلوم اللغة والطب والرياضيات والنحو ، اذن هو يذكرنا بماضي المدينة ويؤرشف لنا حقيقة كان هو جزءً منها ، لذلك اراد من خلال حواره مع الشاب ان يعرف القارئ او المشاهد مدينة القديمة وعراقتها وما كانت تتمتع به من العلوم والمعرفة، لكن اجابة الشاب كانت الصدمة الكبرى في المسرحية عندما قال للشيخ: (....... لا لا يا سيدي الشيخ ليست توجد (هكذا وردة في النص) عندنا مدارس عالية حتى ولا مدارس دينية منتظمة ولا علماء ولا طلاب علم )، هذه المقارنة الكبيرة بين الماضي والحاضر ارشفها لنا الكاتب من خلال حوارية مأساوية صادمة، بين الشيخ والشاب الذي كان خجلا عند اجابته لأنه عرف البصرة القديمة من خلال الشيخ في بداية تأسيسها عندما ذكر له انها كانت مدينة للعلم والمعرفة وكان يقصدها الطلبة لدراسة العلوم المختلفة ، ومن هنا يمكن للقارئ او المشاهد ان يقوم بمقارنة بسيطة بين ماضي المدينة وحاضرها من خلال حواريات الشيخ والشاب.
كلام الشاب هذا جعل الشيخ (يرتعش وتحملق بعينيه ويقول بحده : كيف تقول ليس يوجد عندنا مدارس ولا علماء ولا طلاب علم فماذا تصنعون بأنفسكم كي تتعلموا العلوم لا شك انكم تسعون في طلبها من بلاد غير بلدكم  وهذا عار عليكم......).  
يصل بنا الكاتب الى ذروة الحدث، ويحتدم النقاش بين الشيخ الذي يعود بذاكرته الى اواخر القرن السابع الهجري ، والشاب الذي يتحدث عن واقعه الأني المتدهور، فيعود الشيخ يسأل :(........ من الذي يقضي بينكم ومن يفتي لكم ومن يعلمكم امور دينكم) 
الشاب: ان من ذكرتهم يأتوننا من بلاد الغير.
تثور ثائرة الشيخ لما سمع كلام الشاب ، كيف لا وهو ابو محمد القاسم الحريري البصري ، فينهال عليه بسيل من النصائح والتوجيهات ، التي طلب من الشاب ايصالها للناس اجمعين حيث قال: (انى لكم من ابناء لقد اخجلتمونا فلا نرضى عنكم الا اذا اصلحتم شأنكم وصنتم حالكم واتحدتم على محاربة الجهل واستئصال جراثيمه الفتاكة وتناذرتم في تشييد معاهد العلم ونشر المعارف واخذتم في الترقي والعمران كي تحيوا آثارنا، واستعيدوا مجدنا، وعند ذلك تستحقونا ان تلقبوا بصريين بكل معنى الكلمة).
وهنا من واجبي ان اقول للشيخ ابو محمد القاسم ان شاعرنا البصري الكبير كاظم الحجاج يقول لك اليوم:(البصريون .. نحن من نُطفئُ الشعرَ حين ننام ، ونؤرقُ مصباحنا للضيوف).

السلماوي ..والمسرح / علاوة وهبي

مجلة الفنون المسرحية 
السلماوي ..والمسرح

محمد السلماوي كاتب واعلامي من مصر مواليد 1945. درس اللغة الانجليزية وخريج الجامعة سنة1966 حصل علي دبلوم مسرح شكسبير سنة1969 من جامعة اومسفورد  تولي مناصب رئاسة التحرير في عدد من الصحف المصرية اهمها في مؤسسة الاهرام العريقة  وكان من قبل كاتبا فيها وصل الى  رئاسة الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب وكذلك   اتحاد  الكتاب الافرو اسيوي . محمد يكتب القصة القصيرة والرواية وكذلك في المسرح  وقد صدرت له عدة اعمال في القصة والرواية .كتب للمسرح مجموعة من النصوص قدم بعضها على المسرح  في مصر ومنها  اثارت جدلا بين النقاد ونالت رواجا كبيرا في الوسط الفني. محمد السلماوي تقول بعض القنوانات انه بدأ كذلك سنيمائيا وانه ظهر في افلام سنيمائية  ومنهم من تنبأ له بمستقبل  جيد في التمثيل السينمائي   .لكن محمد تخلي عن التمثيل وفضل الكتابة .كتابة الرواية وكتابة النص المسرحي. صدرت لمحمد مجموعة نصوص مسرحية منها.
1..فوت علينا بكرة
2..القاتل خارج السجن
3..سالومي
4..اثنين تحت الارض
5..الجنزير
7..رقصة سالومي الاخيرة
8..زهرة والجنزير
 ويعد محمد السلماوي من  مؤسسي مهرجان المسرح التحريبي سنة1988
من اهم رواياته .اجنحة الفراشة ومن اهم مجموعاته القصصية باب التوفيق . 
في مسرحية الزهرة والجنزير اعتمد محمد الرمز  وهو ما يمكن لنا القول انها نص رمزي   وقريب من الواقعي كذلك 
فقد استخدم محمد في هذه المسرحية رمز الزهرة ورمز الجنزير وجمع بينهما في العنوان . استخدم رمز زهرة اللوتس الي جانب الجنزير . فزهرة اللوتس لا تقبل العيش مسجونة بل تحب الفضاء المفتوح والهواء النقي والتربة الخصبة  وهي رمز الرقة والعاطفة والامن والطمانينة واما الجنزير(الحديد)فهو رمزالخشونة . والصلابة ورمز الموت فمنه تصنع الاسلحة والقيود التي تكبل حرية الانسان .
تتحدث المسرحية عن قضية عانت منها دول عربية كثيرة وليس مصر فقط وهي قضية الارهاب . باسم الاسلام . 
زهرة ارملة المهندس الشرقاوي الذي كان له فضل المشاركة في بناء السد العالي . والذي توفي وترك زوجته زهرة مع اطفاله الثلاثة بنتين وولد واحد وقد عانت الامةكثيرة في تربيتهم  وهم الان كبار واحدة متزوجه وتعيش مع زوجها في السعودية و الثانية طالبة في الجامعة واما الابن فهو متعاطي للمخدرات .الي جانب الاولاد يعيش معها ابوه وهو شيخ  مريض ومقعد 
والام في طريق عودتها الي دارها تلمح امراة ملوحة لها  وتطلب منها ايوائها لظروف لا نعرفها ولان زهرة امرأة طيبة تقبل الامر وتأخذها معها دون حتي ان تسأل هذه المنقبة التي طلبت منها ايوائها  وفي المنزل تتفاجأ بان المنقبة رجل وانه ارهابي  بعد ان يشهر سلاحه عليها  ويخبرها بانه مكلف من تنظيمه باحتحازها وكل افراد عائلتها وانه يتلقي التعليمات من التنظيم الذي ملفه بذلك سعيا لارغام السلطة علي اطلاق سراح  احد افراد التنظيم المقبوض عليهم (هنا نجد الي حد ما شيئ من التشابه مع فيلما الارهابي من بطولة عادل امام) .الاتصلات والمفاوضات مع السلطة تبؤ بالفشل  ونعرف ان التنظيم اختار هذه العائلة بالذات نظرا لشهرة الشرقاوي المهندس في السد العالي  والراحل عن عالمنا  لكن التنظيم يعتقد ان شهرة الشرقاوي واحتجاز عائلته قد ترغم السلطة علي اطلاق سرح المقبوض عليه . ونكتشف ان الارهابي المكلف باحتجاز عائلة الشرقاوي لا يعرف اي شيئ عن التنظيم وانه فقط يطمح الي الانضام اليه هربا من حياة البؤس التي نشأ فيها يتيم الام ولا يعرف اي شيئ عن ابيه  .ونكتشف مغ توالي الاحداث ان الشخص الذي يتفاوض لاطلاق سراحه من السجن ليس الا رئيس عصابة  قامت بعملية اختلاس  تتصاعد الاحداث وتأتي قوات الامن الي منزل عائلة الشرقاوي  لتقتحمه بهدف تحرير العائلة  فتصاب زهرة بجرح برصاصة من مسدس الارهابي وتطلق  قوات الامن النار وهي تقتحم المنزل فيموت الارهابي بينما تدفع الاحداث الجد الي استعادت ذكرياته يوم كان طالبا في الجامعة متظاهرا مع رفاقه وقوات الامن تطوق الجامعة وتطلق الرصاص عليهم . وكأن بمحمد هنا يجري مقارنة بين نضال الطلبة بالامس في الجامعة  وبين ما يقوم به الارهاب اليوم ليدفعنا الي الوقوف بانفسنا عن الفرق بينهما. الزهرة والجنزيرة مسرحية رمزية  .بسيطة  .ماساوية عن واقع عرفته  دول عربية كثيرة وعانت من ويلاته . انها واحدة من امجاد المسرح في مصر في سبعينات القرن الماضي.

الثلاثاء، 4 يناير 2022

حفل توقيع كتاب "أنا مكبث" للكاتب العراقي" منير راضي" ضمن فعاليات مهرجان "آفاق مسرحية".

مجلة الفنون المسرحية

عن منشورات الهيئة العربية للمسرح، وضمن سلسلة دراسات تحت رقم (93) صدر للمسرحي اللبناني رفيق علي أحمد كتاب جديد بعنوان “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة“.

مجلة الفنون المسرحية


عن منشورات الهيئة العربية للمسرح، وضمن سلسلة دراسات تحت رقم (93) صدر للمسرحي اللبناني رفيق علي أحمد كتاب جديد بعنوان “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة“.

     يقول الناقد نزيه خاطر، وهو الذي واكب الحركة المسرحية اللبنانية وحاور روادها منذ أواخر الستينيات حتى رحيله العام 2014م، “يختصر رفيق علي أحمد العرض بشخصه، إنه مبتكر فكرته ومصمم مشهديته ولسان لغته ومؤدي شخصياته، ذلك أن العرض يولد موحدا في مخيلة تتصور النص ورداءه السينوغرافي وإيقاع الممثل في آن واحد، وأي ممثل قدير هذا الحكواتي“
     لم يفارق رفيق، الحكواتي الذي يسكنه وهو يسطر سيرته الفنية والإنسانية في كتابه “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة“. فالحكايا تتواصل وتتقاطع وتتشابك بأسلوب درامي ممتع منذ بداية الكتاب في فصل (القرية) وحكاية الولادة بقرية يحمر شقيف في جنوب لبنان، وحتى آخر جملة فيه “وأي ممثل قدير هذا الحكواتي” في فصل (الراوي – الممثل)، مرورا بقصص ومسرودات عن عروض ونصوص وشخصيات… عن بيروت.. بيروت الحلم والذاكرة.. بيروت الحياة، وعن فرقة “الممثلون العرب” والاشتغال مع الطيب الصديقي ونضال الأشقر، وعن فرقة “مسرح الحكواتي” وروجيه عساف، وعن يعقوب الشدراوي وممدوح عدوان ومنصور الرحباني وحنان حاج علي وعبيدو باشا… وغيرهم
وقد خصص رفيق علي أحمد لتجاربه المسرحية حيزا مهما وخاصة الحلبة، الجرس، المفتاح، زواريب، جرصة، وحشة… مسلطا الضوء على عتمة الكواليس راويا بعضا من قصص عيشه وبعض من طروحاته الجمالية ومعالجاته المسرحية وعلاقاته مع المسرحيين والمبدعين الذين اشتغل معهم وشاركهم حياة المسرح ومسرح الحياة.
يشكل كتاب “الراوي – الممثل.. على خشبة الحياة” إضافة مهمة للمكتبة العربية وكتب رصد التجارب المسرحية الإبداعية من خلال سير مبدعيها. 
رفيق علي أحمد:
كاتب وممثل ومخرج مسرحي لبناني.
دراسات عليا بالإخراج والتمثيل من معهد الفنون بالجامعة اللبنانية.
قدم في المسرح عشرات الأعمال التي تعتبر من العلامات الإبداعية.
تميز بأعماله المسرحية المنفردة “المونودراما”.
شارك في أعمال تلفزية وسينمائية عديدة.
رئيس سابق لنقابة ممثلي المسرح والسينما والتليفزيون.
رئيس وعضو العديد من لجان التحكيم في المهرجانات العربية المسرحية.
حاز العديد من الجوائز العربية والدولية، وشارك في عديد الأعمال المسرحية والتلفزية والسينمائية المتوجة.
 

الاثنين، 3 يناير 2022

التَّخَفِّي والظُّهور خلف قناع وماكياج الصّراع من أجل الجَمال والتّشخيص وحبّ الظّهور / *راضي شحادة

مجلة الفنون المسرحية


التَّخَفِّي والظُّهور خلف قناع وماكياج
الصّراع من أجل الجَمال والتّشخيص وحبّ الظّهور 

   نظرتُ من خلف الكواليس الى منطقة الجمهور، وأنا في قمّة الحذَر بأن أراهم ولا يرونني قبل بداية العرض، لكي أطمئنّ الى نوع الحاضرين وعددهم. كنت ممَكيجاً باللون الأسود لكي أقوم بتشخيص شخصيّة "عنتر" الشَّاعر الأسود، وهذا اللون ساعدني أيضا على المزيد من التّخفي خلف الكواليس، بحيث أَرى ولا أُرى. اسْتقرَّ نظري على سيّدة غاية في الجمال تجلس في المقدّمة، ورحت أتابع حركاتها بكامل حبّ الاستطلاع. 
    أخرجَتْ من حقيبتها مرآة، وقلم أحمر الشفاه، وراحت تزيد من حُمرة شفتيها، ثم أعادت أحمر الشّفاه الى حقيبتها وأخرجت علبة ماكياج، وراحت تزيد من دقّة ماكياج وجهها. أعادت علبة الماكياج الى مكانها، وأخرجت قلم كحل، وتابعت في إتقان ما ظنّت أنه لم يكن مُتقَناً بما فيه الكفاية، ثم أعادت قلم الكحل وأخرجت علبة "الماسكارا" ومسحت بها رموشها لكي تزيد قليلاً من حدّة ظهورها. ما لفت انتباهي أنها قامت بكل هذه العمليّة بدون أي حرج من الجالسين حولها، وبدت وهي في قمة تركيزها وهي تنظر الى نفسها عبر مرآتها وكأنّها متوحّدة مع ذاتها، وكأنّما هي تؤكّد على قيامها بذلك أولا من أجل ذاتها، وثانياً من أجل الآخرين. استفقت من حبّ استطلاعي، فأنا الذي يجب أن أتحضّر نفسيّاً لكي أُمثّل وأقوم بالعرض، وإذا بها هي أيضا تتحضّر وكأنّها جزء من العرض. بدا الأمر وكأنّ كلينا نتحضّر للحظة المواجهة مع بعض.
  ما الفرق بين ماكياجي وماكياجها؟ هل من شيء مشترك بين الوظيفة التي وضعتُ ماكياجي من أجلها، أي من أجل الوظيفة ومن أجلها هي، وبين وظيفة ماكياجها؟ كلانا نتأهّب للحظة حُبّ الظهور أمام الآخرين. هذه السّيدة جميلة جدا، فلماذا تتمكيج؟ لماذا هي غير مكتفية بجمالها الطبيعي؟  ألأنها تطمح الى أن تكون أجمل؟ هل طموحها بأنْ تبدو أكثر جمالاً نابع من شعورها بعدم اكتفائها بجمالها الطّبيعي أمام نفسها وأمام الآخرين؟ أية مقاييس اتّخذْتُها عندما حكمتُ عليها بأنّها جميلة جدا. هل هنالك مقاييس معيّنة وضعها الإنسان للجميلة ولغير الجميلة؟ إنّها تتصرف كبقيّة النّساء الـمُتَمَكْيِجَات، بغض النّظر إذا كان هذا التّصرف قد صمَّمَتْه بعضُ شركات التَّجميل بهدف الرِّبح لكي تجعل المستهلِك مُقتنعاً بأنّ هذه السّلعة فيها مصلحة مشتركة للطّرفين. إنها الحاجة لحبّ الظهور بأبهى صورة، بغض النّظر فيما إذا كان  بعضٌ من الهدف من ذلك هو التّنميط والتّسليع.  
    يبدو أنّ مقاييس استعمال الماكياج من أجل الشّعور بالمزيد من الجمال أقل وضوحاً من مقاييس استعمال الماكياج من أجل التَّشخيص والتَّمثيل. مقاييس الجمال الأنثوي يحدّدها السُّوق والموضة، بينما مقاييس ماكياج التّمثيل أوضح لأنّ الهدف منها تحديد ملامح  الشّخصية الملعوبة او المـُشَخَّصة أو المـُمَثَّلة.
    إنّ مقاييس الجمال والأنوثة تختلف من عصر إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، فهي أيضا متقلّبة بتقلب عالم الموضة، الأمر الذي جعل المرأة دائماً في حيرة من أمرها، لكنّها أكثر النّاس إدراكاً أنّ نحولة جسدها مثلا تُظهر جماليّات باقي الجسم، ومن خلال جمال وجهها تصبح أكثر جاذبيّة وجمالاً.  
    يبدو أنّ مقاييس الجمال مكتَسَبَة ومفروضة من قبل المجتمع، أو من قبل فئة محتكِرة تضع المقاييس وتحدّدها للسّلعة الـمُتاجَر بها، ومع الوقت تَقبَلها الأكثرية على أساس أنها هي مواصفات الجمال المقبولة.
       تساءلت، لو كانت هذه السيدة من ذوات البشرة السوداء، فأي ماكياج مناسب لوجهها سيكون في حوزتها؟ هل الماكياج الأسود هو الأقل استهلاكاً لدى معظم النِّساء اللواتي يتمكيجن، بينما ماكياج من يتمتّعن ببشرة بيضاء او قمحيّة او سمراء هو الطّاغي في السّوق التّجاري الذي يستفيد من تسليع المرأة لكي تزيد المبيعات والرّبح؟ هل تُعتَبر صاحبة البشرة السّوداء بشكل عام خارج مقاييس الجمال الذي يُصمَّم الماكياج من أجله؟ 
****  
   يتمكيج الممثل ويغيّر شكله محاولاً الاختفاء خلف دوره او خلف الشّخصية التي يمثلها او يشخّصها او يلعبها، وتتمكيج المرأة وتغيّر شكلها لكي تظهر بمظهر أجمل كما يحلو لها او كما تظن أنّها تبدو أجمل في نظر الآخرين وفي نظرها. الممثل يتخفّى خلف قِناعه او ماكياجِه لكي يظهر بشخصيّة دوره، بينما الأنثى الممكيجة تتمكيج لكي تُظهِر نفسها بشكل أجمل، وهي أيضا تُخفي شكلها الطّبيعي خلف قناع الماكياج.  الماكياج لدى الممثل يشبه القناع، وكذلك لدى المرأة غير الممثِّلة الـمُتبرِّجة أو المــُمَكيَجة. في كلتا الحالتين فالمشترك بينهما، اي بين الممثل والمرأة، هو حب الظّهور. هو يسعى جاهدا ليَظهر بدوره بشكل متكامل ومقنع،  فبالإضافة الى موهبته وحبّه لمهنة التمثيل، فإنه لولا حاجته لردّ فعل الآخرين وطلبه استحسانهم له لما تَعَلّق بهذه المهنة، ولما كان بحاجة للماكياج، اللهم إلّا إذا اكتفى بذلك بهدف الارتزاق، وهي بدورها تسعى جاهدة لإقناع نفسها بأنّها تبدو أجمل أمام الآخرين وأمام نفسها.  إذن فالممثل ليس بحاجة لتغيير ملامحه إذا لم يكن الآخرون موجودين أمامه، والأمر ذاته ينطبق على المرأة. وهما، الممثل والمرأة، بحاجة لكسب رضى الآخر وإعجابه بهما. هو يلعب دوره وهي تلعب دورها.
     هل حاجتها للماكياج نابع من عدم اكتفائها بشكلها الطبيعي؟ لو أنّها رضيت بشكلها الطّبيعي لما كان هنالك حاجة لإنتاج المساحيق. لولا حاجتها لدعم أنوثتها من خلال وسيلة تجعلها مقتنعة بأنّها أصبحت أكثر جمالاً وأكثر قبولاً لما كانت بحاجة للماكياج. ربما خُلقت الأنثى وهي تبحث بالفطرة عن كلّ ما يمكن أن يُظهرها بصورة أجمل ممّا هي عليه حتى وإن كانت جميلة، بينما لا يُخلق الـمُمثل بالضّرورة محبّاً للتمثيل بالفطرة. ولذلك فهي تدأب على تزيين نفسها والتّلاعب بمظهرها، فعنصر حبّ اللعب والتّلاعب في مجال التّمثيل هو عنصر مشترك بين الممثل والمرأة الـمُتَبرِّجة. إنّ عنصر التَّخفّي خلف الماكياج يوحي بالنّزوع الى خلق شخصيّة جديدة لمستعمِلِه أو لـمُستعملتِه، تختلف عن شخصيتّه او شخصيتّها الطَّبيعيّة.
بين مقاييس الجَمال، ومقاييس التّشخيص او التَّمثيل، والتَّبرُّج:
    تختلف مقاييس الجمال باختلاف عادات وتقاليد الشّعوب، وتنعكس هذه التّقاليد على فنونهم؛ فعاداتهم وتقاليدهم وسُبل حياتهم اليوميّة تنعكس على أعمالهم الإبداعيّة، فتتّخذ أشكالاً أكثر كثافةً وحِدَّةً ووضوحاً. قد يتساءل البعض، لماذا تتحدث عن ماكياج الأنثى بشكل مركّز أكثر من ماكياج الرّجل، او ماكياج الممثل؟ حاجة المرأة للماكياج إذا كانت ممثّلة، هي ذاتها حاجة الممثل للماكياج.
    خلال زيارتي لليابان كنت محظوظاً بمشاهدة عرض مسرحيّ لمسرح "الكابوكي"، حيث شاهدت طوال العرض امرأة جميلة جدا، ممكيجة، تلبس زيّاً ساحر الألوان، وتتحرّك بكامل حركاتها الأنثوية. بعد العرض فاجأني أحد أصدقائي اليابانيّين أنّ الذي قام بدور المرأة هو ممثّل وليس ممثّلة، وكان هذا النّوع من التّمثيل يُطلق عليه اسم "أوناغاتا". كان ذلك امتداداً لعادة يابانيّة قديمة جداً متّبعة منذ تأسيس مسرح الكابوكي في القرن السّادس عشر، حيث أنّ التّقاليد لم تكن تسمح للفتيات بالتّمثيل، فأُسنِدت الأدوار للرّجال، ولاحقاً سُمح فقط لفتيات "الجيشا" أو "الغيشا"، بالقيام بهذا الدّور، وبعضهن من فتيات الهوى أو البغايا اللواتي كنّ يعملن في بيوت الدّعارة. كان يُعتقد أنّ النّساء الممثّلات في هذا المسرح يُعتبَرن مُنحطّات أخلاقيّاً.
   إنّ شكل الـمَساحيق والملابس الزّاهية والفاتنة، وطريقة تصميم الشَّعر والمساحيق، تجعلنا لا نشكُ للحظة أنّ من يقوم بالدّور هو رجل، بل إنّ ما يتطلبه من تدريب قاسٍ ودقيق يجعلنا نقتنع كليّاً أنّه امرأة بكل ما تعنيه من أنوثة ودقّة حركة وتعابير.
     ماكياج الممثّل الذي كان يقوم بدور المرأة عبارة عن طبقة سميكة من الأبيض تغطّي الوجه والرّقبة والصّدر، وأحمر شفاه لامع وأسود حول العين وعلى الحاجبين. اتّضح لاحقا أنّ هذا الماكياج الأبيض سامٌّ فاستُبدل بقناع من مسحوق الأرز. كانت شخصيّة المرأة التي يمثّلها رجل هي المقياس السّائد لشكل أنوثتها، وما تتحلّى به من نحافة جسد وخصر. إذن فالمقياس هو ما اتُّفِق عليه جماعيّاً واجتماعيّاً.
    هل المقياس هو ما يقرّره الآخرون والموضة؟ فمثلا كان العرب يميلون الى المرأة السّمينة ويعتبرون النّساء الجميلات هن السّمينات، بينما أصبح مقياس الجمال العصري لجمال المرأة هو المرأة الممشوقة القوام.
    كانت ضرورات الظّهور بمظهر جميل بناءً على مقاييس محدَّدة للجمال يؤدّي الى التَّسمُّم بسبب الماكياج، او يؤدّي الى آلام شديدة بسبب شدّ الخصر لكي يصبح أكثر نحافة، أو إلى حشر قدميّ الطّفلة داخل حذاء ضيّق، فتبقى كذلك حتى تصبح فتاة جاهزة للزّواج؛ ومن أجل المحافظة على حجم صغير للقدمين لا يزيد طول كل قدم على أقل من عشرة سانتيمترات، ما كان قديما يُعتبر، في بعض أنحاء الصين منذ القرن العاشر، مقياساً من مقاييس الجمال الأنثوي، وأُطلق على هذا النّوع من الجمال القَدَميّ "القدم الذّهبيّة" أو "أقدام اللوتس". عندما كانت الطّفلة تبكي متألمة، تطمئنها الوالدة قائلة لها: "ستتعوّدين على هذا الوضع، الى حين تكبرين وتحظين بزَوجٍ جيّد". إنها نقمة الحصول على الجمال من خلال العذاب والألم. الغريب في الأمر أنّ الإذعان لهذه العادة أصبح عن قناعة، لأنّ الطّفلة او الفتاة تجد في مثل هذا التَّفكير السائد أمراً مقبولاً ولصالحها، فما دام الجميع يسعون الى ذلك فلا بدّ أن يكونوا صادقين ويعرفون مصلحتها.   
     وأمّا ما ورد عن بعض مقاييس الجمال لدى العرب قديما فهو كالتالي: "ناعمة، كحلاء العينين، حمراء الخدّين، مملوءة السّاقين، ملساء القدمين، درماء الكعبين (ممتلئة الكعبين)، ملفوفة الفخذين، لـَمْياء الشفتين (شفتان ناعمتان سمراوان)، ناعمة الأليتين، رشيقة الخصرين، حالكة الشعر، غيداء العنق، ناهدة الثّديين"، وما جاء في شعر "كعب بن زهير" على سبيل المثال:
"هيفاء مقبلةٌ، عَجزاء مُدبرة، لا يُشْتَكى قِصرٌ منها ولا طولُ". نلاحظ من هذه الأوصاف أنّه لم تُذكر المساحيق او وسائل التَّبرّج التي نعرفها من المسرح الياباني او من أنواع التّبرّج الحديثة سوى مادة "الكحل"، بل حتى صفة "كحلاء" تُطلق على الفتاة صاحبة العينين الكحيلتين، وهي صفة تطلق عليها أكانت مُكحّلة بالكحل ام أنّ طبيعتها هي كذلك.
    هل تحاول المرأة خارج مجال التَّشخيص او التَّمثيل أن تُخفي ما قد يقلّل من أنوثتها وجاذبيتها الجمالية لقناعتها أن مقياس جمالها نابع من مقاييس جماليّة متعارف عليها جماعيّاً واجتماعيّاً، مثل النّعومة، جمال الوجه اي الوجه الخالي من البثور والنتوءات والاعوجاج والخشونة والتّجاعيد، والإبقاء على شَعر رأسها كعنصر من عناصر جمالها الأنثوي، والتَّخلص من سائر الشَّعر على جسدها، والذي قد يوحي بتشوُّه في جمالها، او لما قد يُحدثه من عدم قبولٍ لها، وعدم جاذبيتها الأنثويّة عندما تكون في مرحلة حمل او ولادة او عادة شهريّة؟ هي تطمح أن يبقى جمالها بنظر الآخرين بشكل دائم بحيث لا تؤدي هذه العوامل الى التَّقليل من أنثويتها وجاذبيّتها. هل هي تقوم بذلك لكي تجذب الذّكر، وهو يقوم بإبراز رجولته خارج مهنة التَّمثيل بدافع جذبها؟ هل هي تقوم بذلك بدافع عدم القناعة بطبيعتها الأصليّة التي جُبلت بها وفُرضت عليها بالوراثة، فتسعى الى كمالها بتغيير نفسها بالمــُكتسَب؟ هل يضع الممثل الماكياج لضرورات تقنيّة بينما هي في حياتها اليومية تقوم بذلك لضرورات جَذْبِيَّة، ولكي تَظفر بظهور مقبول تسعى نحو صياغة ذاتها وراثيّاً بدافع حبّها للتوليد والحاجة الى الأمومة؟ يغيّر الممثل شكله في التّمثيل لأنه محكوم بمتطلبات تقنيّة المهنة، بينما هو محكوم بالوراثة بسعيه نحو إعادة صياغة ذاته من جديد من خلال المرأة. 
    هل هي مسألة طبيعيّة متوارثة منذ الأزل بأنه على الأنثى أن تؤكد على أنوثتها وأن على الذَّكر أن يؤكد على ذكورته؟ هل هي تقوم بذلك لكي تجذب الذَّكر وهو يقوم بذلك لكي يجذب الأنثى؟
    وخلاصة الأمر، وفي جميع الحالات، فإنّ حبّ الظهور لدى الإنسان هو حاجة ملحّة وضرورة حياتيّة لا مفرّ منها. إنّ جزءاً أساسيّاً من طبيعة الإنسان هو البحث عن بيئة تستحسنه وتَقْبَلُه،  وهو أمر عام ينطبق على كل انسان، أكان ممثلا أو ممثلة، رجلاً أو امرأة...إلخ، فهو يحتاج الى رضى الآخرين عنه، وان يكون ما يُظهِره مُستَحبّاً ومشَجَّعا من قبل الآخرين. 
   يسعى الانسان الى الجمال والكمال، أكان ذلك في بحثه عنهما، أو فيما يعكسه من تصرّفات، ومن إبداع، أكان ذلك من خلال أدواته المتنوّعة في حبّه للظهور، أو من خلال مهنته في التمثيل أو في الحياة، او من خلال جمال شكله او جمال شخصيته المعنويّة والماديّة. إنّه يعيش مُراقَباً ومراقِباً في بيئة اجتماعية تجعله بين مُتَلقٍّ ومُلْقٍ ما لديه في بيئة مجتمعيّة لا يستطيع الفكاك منها إلّا اذا استطاع أن يعزل نفسه عنها كلِّيّاً. 
****  
*مسرحيٌّ وكاتب وروائي وباحث فلسطيني
       

الهيئة العربية للمسرح تعلن : ثمانية وعشرون متنافسا وصلوا قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار

مجلة الفنون المسرحية 
ثمانية وعشرون متنافسا وصلوا قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار.
الهيئة العربية للمسرح ستعلن النتائج النهائية في العاشر من يناير 2022.

مائتان وخمس وخمسون نصاً تنافست في النسخة الرابعة عشرة من مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار (فوق 18) التي نظمتها الهيئة العربية للمسرح للعام 2021، حيث جاء الكتاب المتنافسون من ثلاث وعشرين دولة عربية وغير عربية، وكانت أعلى المشاركات قد سجلها الكتاب المصريون إذ بلغ عددهم في المسابقة مئة وثلاثة فيما سجلت المشاركات العراقية سبعًا وثلاثين، والمغربية واحدة وعشرين والجزائرية عشرين، وتوزعت باقي المشاركات على باقي الدول.
النسخة الرابعة عشرة من المسابقة التي انطلقت عام 2009 حملت ناظماً لها بعنوان (نصوص تشتبك مع التحولات الراهنة ثقافياً وفنياً واجتماعياً) وذلك في إطار استجابة المسابقة لما يعيشه المسرح خاصة والعالم عامة من تحولات وتحديات.
المسابقة التي ترسخ حضورها عاماً بعد عام تعتبر الأهم عربياً على صعيد تأليف النص، وقدمت خلال نسخها السابقة عشرات النصوص المميزة والكتاب المميزين، وشكلت عتبة لانطلاقهم عربياً.
وشهدت النسخة الرابعة عشرة تنافساً شديداً، حيث احتل ثمان وعشرون نصاً القائمة القصيرة التي تتكون من عشرين مرتبة، في تقارب شديد في التقييم وتساوٍ في أحيان كثيرة، وهذه هي النصوص التي تأهلت لقائمة العشرين، مع ملاحظة أن ترتيبها هنا لا علاقة له بتسلسل النتائج.

 عنوان النص.                          المؤلف.        الدولة
1 2125                   سناء بنت بشير الأيوبي تونس
2 أبطال بلا سلاح        مصطفى محمد ظافر أحمد آغا سوريا
3 أبواب مشرعة         سعد هدابي طعمة سعيدي العراق
4 أبيض وأسود          الازهر بن العربي زناد تونس
5 أشباح إيزابيل سلامة   ابراهيم الحسيني علي محمد مصر
6 ألـ هناك                 محمد محمود محمد يسن مصر
7 الآخرون                سليم كتشنر استاورو جورجيوس مصر
8 العائدون من البرواز   سعيد حامد عبد السلام شحاتة مصر
9 العشاء الأخير          بيات محمد حسين مرعي حسين  العراق
10 الكسا            إدريس الجاي ألمانيا
11 المتهم                   هشام بن عبد السلام هرابي تونس
12 الناقرون الجدد        عبد المؤمن ورغي الجزائر
13 أوكسجين               علي أحمد عليان عليان الأردن
14 تباريح للرمادي         سمير عبد الفتاح عبد الله اسحم اليمن
15 حلقة مفرغة          عيسى خليل ابراهيم عيسى علي الدرازي البحرين
16 خارج نقوش المسلة    محمود عبد الله درويش عقاب مصر
17 سكنوا الديار           هاني مصطفى محمد قدري مصر
18 سيد البيد               أحمد محمد حسن عبد الفضيل مصر
19 شقيق الورد  عزيز حسين السقاف الدنمارك
20 طباق                  طارق أحمد مصطفى سوريا
21 ظلال الحب والسلام.  ثائر الناشف النمسا
22 ظلال الحياة في شقة مغلقة سعيد رمضان عبد الله مصر
23 عائلة افتراضية.        محمود خليل حسين السيد مصر
24 عزاء فاخر            علي صلاح عبد الحسن عبد الحسن العبادي العراق
25 عزلة تبني أعشاشها بتأن  آمال الرامي المغرب
26 فليسقط مكبث           أحمد ثابت حسين جاد الله مصر
27 قيد الانتظار           غسان علي عثمان نداف فلسطين
28 مسه الضر           أحمد مصطفى أحمد سراج مصر

هذا وسوف تعلن اسماء الفائزين بالمراتب الثلاثة الأفضل ضمن احتفالات الهيئة باليوم العربي للمسرح في العاشر من يناير 2022.

الهيئة العربية للمسرح تعلن قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص الموجه للطفل

مجلة الفنون المسرحية 
الهيئة العربية للمسرح تعلن قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص الموجه للطفل

25 نصاً في القائمة القصيرة قائمة العشرين
اسماعيل عبد الله: نحرص على معايير تحكيم تضمن مخرجات تليق بما نأمله لأجيالنا الصاعدة من ثقافة ومعرفة.
تأهل خمسة وعشرون كاتباً تحتل نصوصهم قائمة العشرين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للأطفال (- 18) النسخة الرابعة عشرة والتي نظمتها الهيئة العربية للمسرح للعام 2021، تحت العنوان الناظم (نصوص تشتبك مع التحولات الراهنة ثقافياً وفنياً واجتماعياً)، حيث اعتادت الهيئة أن تضع ناظما سنوياً يستجيب للأسئلة الراهنة ويتفاعل معها، كما يقرب المسابقة من مستوى العدالة التنافسية المطلوب.
هذا وقد عرفت المسابقة في نسخها السابقة تقديم أسماء جديدة ومبدعة في عالم تأليف النص المسرحي الموجه للطفل، وأثرت نصوصهم العروض المسرحية. إذ تتفاعل المسابقة مع المبدعين في معظم الدول العربية وحيث يقيمون في المغتربات.
في هذه النسخة من المسابقة سجلت المشاركات المصرية أعلى عدد حيث بلغت سبعاً وخمسين، فيما تلتها المشاركات الجزائرية بواحد وعشرين مشاركة والسورية بعشرين مشاركة والمغربية بتسع عشرة مشاركة والتونسية بثلاثة عشر مشاركة والأردنية بتسع مشاركات فيما توزعت باقي المشاركات على باقي الدول.
الأمين العام للهيئة العربية للمسرح اسماعيل عبد الله هنأ المتأهلين لقائمة العشرين بقوله: إن لذلك معنى واضحاً وكبيراً في امتلاك هذه النصوص شرعية التنافس الإبداعي، في ظل شروط صارمة للمسابقة، إذ تحرص الهيئة على معايير تحكيم تضمن مخرجات نصية تليق بما نأمله لأجيالنا الصاعدة من ثقافة ومعرفة.

أما النصوص التي تأهلت لقائمة العشرين فهي كالتالي، مع ملاحظة أن هذا الترتيب لا علاقة له بتراتيبية الدرجات:

  العنوان المؤلف الدولة
1 آدم وشجرة الأجداد                الشيماء رجب أحمد أبو سريع الشرقاوي مصر
2 أرنوب وحارس الحظيرة          أحمد محمد طوسون عبد العزيز توفيق مصر
3 أصدقاء القمر                          إباء مصطفى الخطيب سوريا
4 أمنيات مملكة المعلومات        محمود عبد الله درويش عقاب مصر
5 انتهت اللعبة                            حسن عبد راضي الفريجي العراق
6 بلا هوية                                    إيمان سعيد شافعي سليمان مصر
7 جبل البلسم                            أحمد عبد الرحمن قشقارة سوريا
8 حدث في قرية السناجب        عقيل عبد الله حسين العراق
9 رحلة  في مجرة الخيال                            خالد سيد حسونة عبد المجيد مصر
10 الطباخ الراقص وحبات الفشار  يوسف اسماعيل يوسف البري الأردن
11 عسل                          احمد بنسعيد المغرب
12 عصي ومخاريط                    مهند ثابت العاقوص سوريا
13 فتاة النفايات                            احمد سمير قرني محمد مصر
14 القرية الذكية                          محمود محمد محمود القليني مصر
15 لغز الملك                              منيار أحمد العيسى سوريا
16 ما قاله أبي                              أحمد عطا عباس ابراهيم مصر
17 متجر العجائب                    منذر بن خالد بن مرهون السعيدي عُمان
18 محاكمة افتراضية              مصطفى سعيدي المغرب
19 مدينة المقصات                  حسان الجودي هولندا
20 المسرحية                                ياس جياد زويد الفهداوي العراق
21 المصباح الأزرق                    عبد المقصود محمد عبد المقصود مصر
22 ملحمة جيل هامش        خميس ياسين علي حجير الأردن
23 هارب من الكورونا                يوسف الشاطر المغرب
24 هوما هوما                                  عيسى خليل الصيادي سوريا
25 وردة وملك الهدايا                      أبو بكر حمادي الجزائر

وسوف تعلن الهيئة العربية للمسرح عن الفائزين بالمراتب الثلاث ضمن احتفالها باليوم العربي للمسرح الذي يوافق يوم العاشر من يناير 2022

الأحد، 2 يناير 2022

علي دعيم يتألق في " إعادة ضبط المصنع" / عبد العليم البناء

مجلة الفنون المسرحية 

السبت، 1 يناير 2022

آي مـيديا: مـن فضاء الهـجنة إلـى الفـرجة الخـلاسية / حاتم التليلي محمودي - تونس

مجلة الفنون المسرحية 

آي مـيديا: مـن فضاء الهـجنة إلـى  الفـرجة الخـلاسية

مدخل: سؤال الحدّ وتوطين العرض

أكّد سليمان البسام في عمله الأخير  أن شخصية ميديا - النائمة في بطن الآثار التراجيدية مع يوربيدس-، من الممكن أن تكون شرارة مسرحية عبرها يتكوّن السؤال عن الوضع ما بعد الكولونيالي من جهة "المهاجر الذي تعاد منه كتابة تاريخ الحداثة".  إنّ هذه المرأة القوقازية من كولشيش والقادمة من وراء البحار و "غير الشرعية في كورنثيا"  هي تلك العلامة الجذرية على الإنسان المنبوذ في أرض ليست وطنه فقرّر الانتقام وتشغيل النّار، ولهذا فهي مؤهّلة للاستدعاء من جديد على الركح المسرحي شريطة  تدمير النص الأصلي الذي امتلكه يوربيدس، وإعادة توجيهه على نحو تنتهي فيه نقاوته، ويعتمل فيه ذلك السؤال: هكذا يدعونا سليمان البسام منذ بداية عرضه "آي ميديا" إلى رمي الأسطورة الأصلية عرض الحائط، مؤكّدا أنّه باستعادتها سيقول شيئا مّا غير الذي قيل سابقا. نعم، يوحي لنا صاحب هذا العمل أنّه يتعكّز على نصّ تراجيدي غابر قصد تصريف عرضه المسرحي، ولكنّه في الحقيقة يستدرجنا إلى السكن في فضاء بينيّ متداخل أشبه بمنطقة "القلق والهجنة والانشطار"، من خلاله "تخلق إمكانية الاستنارة والتدبر والمقاومة، بل وإمكانية الهدم، من العيش عند التقاطع والتجاذب". ربّ فضاء كان قد وسمه المفكّر الانجليزي "هومي بابا" بالفضاء الثالث من سماته من تخطّي السائد الكولونيالي، وتخريب الرّاهن الثقافي والاندفاع من سلطة الثابت إلى فعل الانقطاع عنه، ومن سماته أيضا الاختراق كما لو أنّه إحدى ضروب خلخلة الساكن بين الأنا والآخر: إنّه ذلك اللقاء على حافّة الحدود أين تتلاقى الهويات والأعراق والثقافات وتتنازع في الآن نفسه، وأين يمكن للهامش والحواف التكلّم لتنهار سلطة المركز، وأين يتمّ فيه استدعاء الأصل بغاية تدمير نقاوته وتهجينه، وأين  ينشأ فيه التفاوض بين الاختلافات على نحوٍ متوتّر. 
ضمن هذا الاستشكال من الإقامة الحدودية التي استدرجنا إليها سليمان بسّام سيبدو العرض كما لو أنّه ضرب من تقطيع أوصال الأسطورة الأصلية (ميديا) بإعادة تمثيلها على نحوٍ يتمّ فيه تشغيل السؤال عن المشترك التي تؤسسه الأطراف في ضوء النزاع الدائر بين شمال الماء وجنوبه ومشرقه، وعلى نحوٍ يتمّ فيه استدعاء القديم/ الأصل قصد تدمير نقاوته من منطلق إعادة الاعتبار للتجاذب الثقافي ووضعه في مقام التهجين، وعلى نحوٍ تتمّ فيه مساءلة كافّة أشكال التمركز من زاوية خلخلة سلطتها، وعلى نحوٍ يصبح فيه العرض برمّته عرضاً مسرحيّاً حَدِّياً. ليس الحدّ ما ينتهي عنده الشيء، "الحدّ كما أدرك الإغريق، ما يبدأ منه شيء مّا حضوره"، هكذا  وقّع هيدجر. فمرحبا بميديا يوربيدس إذ منها تبتدأ ميديا سليمان البسام، ومرحبا بكورنثيا إذ منها يبدأ الحديث عن الفضاء ما بعد الكولونيالي، ومرحبا بالتراجيديا الغابرة إذ منها يبدأ الأداء بدل التمثيل.
1- الاستدعاء والتدمير : تقطيع الأوصال
على أيّ نحوٍ تمّت عملية استحضار النص الأصلي ليوربيدس؟ كيف قدّ ككيان دراماتورجي جديد في عرض "آي ميديا" لسليمان البسام؟ كيف تمّت عملية خصي فرادته وتلويث نقاوته؟ ما الذي تبقّى من ميديا الأسطورة في اللّحم المسرحي الذي نشاهده الآن؟ هل لميديا القديمة كلّ هذه القوّة في الحاضر حتى يتمّ استحضارها الآن؟ هل يمكن الاطمئنان لحضورها الراهن بوصفها طاقة ترميزية هائلة تشير إلى تكرار الماضي في نسخة آنية؟ هل يمكن سلخها عن انتماءها الأوّل مع يوربيدس وتحريرها بتحرير أبعادها وتشغيلها على نحوٍ جديد؟  ما الذي يوجد تحت جلد ميديا حتّى تأتي الحاجة لاستدعائها؟ أيّ قولٍ مسرحيّ في الحاضر يمكن تشغيله في الفرجة على لسانها؟ ما هي رمزية كورثنيا كمكان لهجرة ميديا إليه؟ هل لكورنثيا الحديثة مكانة حالية من حيث إعادة تشغيل انتقام ميديا القادمة من وراء البحر؟ هل ثمّة مسلخ دموي تجري عملية تصريفه الآن في فضاء كورنثيا؟ هل لميديا نفس الدور القديم من حيث تشغيل المجزرة في كورنثيا؟ على أيّ نحوٍ سيحضر كريون وجاسون في مسرحية "آي ميديا"؟ هل لهما نفس الدور القديم أم أنّهما سيضطلعان بأدوار أخرى من خلالها نكتشف شبكة علاقات جديدة بين الشخصيات مع سليمان البسام؟ هل ستلعب ميديا في هذا العرض نفس الدور القديم بوصفها مغدورة في حبّها أم أنّها ستقذف في قول جديد ووضعيات مغايرة؟ ما مصير الكورس والحال أنّه هو الذي أوصل إلينا نبأ قتل ميديا لطفليها؟ ما الذي يحدث في كورنثيا الجديدة فيعيدنا إلى استحضار ميديا يوربيدس؟ وهل وجود ميديا الحالي مع سليمان البسام إحالة جندرية على انتقام المرأة أم أنّ له طابعاً مغايراً من شأنه تدمير الفضاء السياسي لكورنثيا الجديدة؟ هل يُعَدُّ عرض "آي ميديا" ضرباً من "كتابة المحو على أنقاض كتابات أخرى سابقة" مثلما هو الحال في مسرح ما بعد الدراما؟ هل يعدّ سؤالا عن مقدار الدقّة التي من خلالها نعرف الماضي أمام هول ما يجري الآن في الحاضر؟  
لقد سبق أن ناحت ميديا مع يوربيدس: "ليت الموت يطويني/أمّا أنا فوحيدة ولا وطن لي"، وقرّرت الانتقام حين أراد كريون نفيها من كورنثيا نتيجة خوفه منها: "إنّني أخافك"، وكانت النهاية أَنْ أتى "الدمار على البيت كلّه". إنّ قاتلة أخاها التي هاجرت إلى كورثنيا بسبب الحبّ مطعونة الآن بعد أن قرّر زوجها جاسون طلاقها وزواجه بابنة كريون، وهكذا تحوّل فعل القتل معها إلى قتل مضاعف بعد أن ذبحت طفليها انتقاما، وبعد أن تخلصت من زوجة زوجها وأبيها بشكل متوحّش لا يطاق. قد تبدو هذه هي القصّة الحقيقية التي مَسْرَحَهَا يوربيدس  وقدّمها إلى الإغريق القدامى، ولكنّها قصّة تمتلك من الفاعلية ما يجعلها تخرج عن مرماها الأصلي المتعلق بالانتقام الجندري الذي تمارسه المرأة كردّة فعل على الرجل، وهذا الخروج هو ما يتحقّق في الموقف الكورنثي من المهاجر إلى أرضه بوصفه بربرياً ومتوحشاً، ولهذا لم تكن ميديا شخصية مأساوية بالمرّة، بل شيطانا مدمّرا وقاتلا تمتلكه شهوة الدم وتقطيع الأوصال وتشغيل الجريمة، ولهذا أيضا يتعاطف الجمهور مع زوجها بعد موت طفليه وزوجته الجديدة ولا يرى في ميديا إلا تلك الغريبة التي روّعت الوجود السياسي لكريون المقتول سيّد كورنثيا.
من هذا الغسيل الدموي الذي وجد مع يوربيدس ولدت ميديا الجديدة لسليمان البسام. ربّ ولادة هي الآن تضعنا في مقام مدلولات جديدة، تصبح فيه ميديا سؤال الهجرة من الأطراف إلى المركز، وسؤال المجزرة حول ما يحدث ضدّ المهاجرين على حافة كورنثيا الجديدة: أولئك الذي عبروا البحر، وأولئك الذي طردتهم الحروب، وأولئك الذين ردمت أجسادهم رمال الصحراء الإفريقية، وأولئك الذين تمّ صيدهم من قبل أكلة الله الإسلامي في أفغانستان. إنّنا ننتقل من "ميديا يوربيدس" القادمة إلى كورنثيا إلى آلاف النسخ من "ميديا سليمان" البسام تحت عنوان المهاجرين إلى هناك، ولهذا فميديا "المرأة غير الشرعية في كورنثيا" تعبّر بشكل سافر عن مساندتها وتضامنها مع المهاجرين الأفغان والسوريين والعراقيين والأفارقة المعلّقة شرايينهم على السواحل بالقرب من الحدود الكورنثية. ضمن هذا المقام الذي اجترحه سليمان البسام يصبح الغرب هو البديل المتعالي عن كورنثيا القديمة وموقفه السياسي من قضية اللاجئين أو المهاجرين ممثّلا من قبل شخصيتي كريون وجاسون، أما الكورس الذي كان يردّد علينا جرائم ميديا مع يوربيدس فممثّل الآن من خلال صوت المهاجر الإفريقي الزاحف من فلوات الصحراء حيث أغاديس البعيدة. 
2- فضاء الهجنة 
على هذا النّحو من الاستشكال المسرحي، كان سليمان البسام يجرّ ميديا يوربيدس إلى عرضه المسرحي قصد تدميرها بتدمير نقاوة النص الأصلي وإعادة مسرحته في ضوء قضية جديدة. إنّ إضراب ميديا عن الطعام ووقوفها في وجه كريون وجاسون أمام حالة الاختناق التي تمرّ بها كورنثيا بسبب المهاجرين ما هو إلا علامة جذرية على السكن في ذلك الفضاء الثالث أين يبدأ السؤال عن "خلق أشكال تثاقفية جديدة داخل نطاق الاحتكاك الذي يخلقه الاستعمار"، وأين تنشأ ثقافة حدودية "مبنية ليس على غرائبية التعددية الثقافية أو تعددية الثقافات، ولكن على نقش هجنة الثقافة والتمفصل حولها". لقد قفز سليمان البسام إلى نقطة اللاعودة، فالماضي الذي يعود لن يكون كما كان، ولميديا أن تأتي على نحوٍ مربكٍ ومخاتلٍ وغريبٍ غيرَ الذي كانت عليه، ولن يمكن معها التبجّح بنقاء النص الأصلي ليوربيدس، كما لا يمكن إطلاقا النظر إلى النصّ/ المنتج النصي الجديد للعرض على أنّه نصّ نقيّ هو الآخر: إنّه حصيلة مفعول الهجنة أين تستقرّ ثقافتين متنافرتين على نفس الحدّ في كورنثيا.  إنّ ماهية السؤال عن الجدوى من إحياء ميديا مجدّدا، هو ما تمتلكه من طاقة رمزية هائلة في التعبير عن جحيم الراهن، ولذلك فإنّ عملية تقطيع أوصالها ما هي إلا حدث جمالي يرسم استشكال الرّاهن في ضوء مصاحبة التاريخ المتكرّر، ولهذا أيضا سيصحّ القول مع ليندا هتشيون: "إن معرفة الماضي تصير مسألة تمثيل،أي، مسألة إنشاء وتأويل، وليست مسألة تسجيل موضوعي".
ما الذي نعثر عليه في فضاء الهجنة من داخل اللحم المسرحي لعرض "آي ميديا" إذن؟  كم ثمّة من شيء آخر حلّ في هذا العرض ومارس تقويضا للخطاب المسيطر؟ أن نسافر مع هذا العرض يعني أنّنا نكتشف أكثر من عرض مضمّن من داخله، إنّنا نصطدم بقصّة ميديا المضربة عن الطعام مساندة للجهة الأخرى من العالم، ونصطدم بقصّة امرأة مات طفليها نتيجة القصف فالتجأت إلى انتظار القصف الثاني بعد أن عجزت على حمل التابوت، ونصطدم بقصّة ماريا كلاس وأسطورة علاقتها بالمليادير اليوناني أرسطو أوناسيس، ونصطدم بقضية المهاجرين من العراق وأفغانستان وجنوب الصحراء الأفريقية، ونصطدم بقصّة السوريين أمام مسالخ الدم التي قدّها داعش؟ ونصطدم بقصّة الخليجي العربي في الفضاء الغربي، ونصطدم بقضايا الميز العنصري والصدمات الاستعمارية. نعم، لقد تمّ تغميس قضايا المستعمَر في فضاء المستعمِر وذلك من جهة استدعاء ميديا وإعادة توجيهها من جديد في الحاضر: "تخيّلت ميديا في غضبها الحيواني الرهيب وهي تأخذ السكين لأطفالها كمفصل منحرف لانتقام ما بعد الاستعمار".   
في فضاء الهجنة هذا، يستحيل الإقرار بمعنى واحد يضفيه العرض، لأن شخصيات الحاضر تنزّ مثل الدم من جسد الماضي، والقصة بقدر ما تبدو كما هي مع يوربيدس تنشطر قلقة في عوالم ومناخات جديدة وتنفجر إلى قصص جديدة متنافرة، فيختلط معها الثابت بالمتحوّل والمفكّك بالمركّب والأصيل بالهجين، ويتشابك فيها الزمن الأسطوري بالزمن الواقعي،  ويحدث إذ يلتقي الطرف المناهض لطرف آخر على نفس الحدّ فيحصل الانفجار ويولد الهجين بوصفه اختلاطا غير شرعيّ بين الأجناس أو امتزاجا بين مركبات ثقافية متناقضة منها يولد كيان جديد أين يكون للهوية ذلك الإحساس بالحضور المزدوج في الوجود. 
ما يقدّمه فضاء الهجنة مع سليمان البسام، هو ذلك الالتقاء بين "الهويات الهاربة" أين يحدث التصادم بينها وبين هويات أخرى فتتم عملية تدمير كليها، فهنا في زمن هذا العرض ينشأ السجال بين ميديا وجاسون وكريون حول مصير المهاجرين العالقين على الحدود: سجال مصدره  ثنائيتي المواطنة الكورنثية والبربرية القادمة من الشرق أو جنوب الماء، وسجال توغّل في التشابك مانحا هذه الهويات والأعراق أن تتكلّم على نفس الحدّ مبدّدة أسطورة التفوّق والتمركز من خلال إعادة تنسيبها ورفع الحصانة عنها. 
وما يقدمه فضاء الهجنة مع سليمان البسام، هو ذلك الحضور في تخوم الحدود أين تلتقي الثقافات مجرّدة من نقاوتها ومدعوّة للمساءلة، فهنا في زمن هذا العرض يحتدم التعارض حول مسألة النقاب وأبعاده وخلفياته، وتتكلّم الشخصيات بأكثر من لغة ولهجة كعلامة فريدة على ضياع اللغة الأصل وانصهارها في لغة مهجّنة وجديدة، وتمتزج فيه الأغاني بروح أكثر من شعب تحت جلد موسيقيّ واحد غريب ومنشطر.
وما يقدمه فضاء الهجنة مع سليمان البسام، هو ذلك الاستدعاء المريع لنصّ تراجيدي غابر أين تتمّ عملية محاكمته من زاوية تقطيع أوصال حقيقته المطلقة التي ارتكزت عليها قيم التراجيديا. نعم، لقد كان للتراجيديا أن تتأسس على القيم المطلقة التي قدّها العقل الإغريقي، لكن ها هي الآن في زمن العرض مجزّأة ومتلاشية كعلامة جذرية على انهيارها بالكامل: لقد أصبح الإنسان المعاصر في مرحلة الشكّ، الشكّ الذي يزعزع يقينه، ويقذفه من زمنه التراجيدي إلى أفق زمن جديد هو زمن النسبية والتلاشي، ولهذا فإنّ ما ينبني عليه هذا العرض هو تلك المراوحة بين الانجذاب إلى النص الأصلي والهروب منه في الآن نفسه، والمراوحة على هذا النّحو هي ضرب من إعادة تخصيب المعنى على نحو لا تكون فيه المحاكاة مجرّد إنتاج للشيء الأصلي بل "ليس هو بالضبط" وفقا للتحديد الذي صاغه "هومي بابا".
3- لحم العرض أو في الفرجة الخلاسية 
ما معنى أن ننظر إلى مسرحية "آي ميديا" بوصفها عرضا خُلَاسِيّاً؟ كيف يمكن قراءة لحمه الفرجوي من زاوية تقول بتحرّر المسرح من كلّ نظام مغلق؟  أليس الحدّ  - بعبارة عمر العلوي-، "موضع سكنى مستحيل"؟ كيف نقرأ هذا المستحيل بوصفه إعادة تركيب أو نسجا للعلاقات والأطراف المتنافرة؟ وبأيّ معنى يمكن النظر إلى الفرجة المسرحية في هذا العرض بوصفها خلاسيّة؟ 
لتحصين الأجوبة حول مختلف هذه الأسئلة سنستدعي استعاريّا كلّ من كلمة الرحم وكلمة المنيّ. الرحم بوصفه طينا مؤهّلا للعجن وإعادة التشكيل، والطين في هذا المقام هو مجموع المناخات والمرجعيات التي اعتمدها العرض كنقطة انطلاق قبل تصريفه فرجويا، تلك المتمثلة في الاشتغال على نصّ تراجيدي غابر والزجّ به في أطروحات جديدة وقضايا شائكة هي قضايا المهاجرين على الحدود الغربية.أما المنيّ فبوصفه طاقة التخصيب التي من شأنها توليد العرض من ذلك الطين نفسه. وفقا لهذا المعجم الجنسي سنستضيف مفهوم الخلاسية، ومفردة الخلاسيّ كما يحدّدها معجم المعاني الجامع تعني "من ولد بين أبوين أبيض وأسود"، أو هي ذلك الخليط بين عنصرين متنافرين من عناصر الطبيعة، أو هي علامة جذرية على مولد جنس خلاسيّ غير نقيّ من الناحية العرقية. على هذا النّحو سيصبح جائزا القول بأن الخلاسية هي إنتاج كيان ثالث هجين، وعلى هذا النّحو أيضا سيجوز  القول بأنّ طين العرض/ رحمه هو مجموع قطرات المنيّ مختلفة المصادر التي أفرزت هذه الفرجة.
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسيّ من خلال تغميس جملة من الشخصيات في الجسد الواحد للممثّل أين يصبح فيه مبتورا عن المعنى الواحد، ومنشطرا في أبعاد مختلفة: ها هو الممثل سليمان البسام في دور كاتب النص، وها هو في دور جاسون، وها هو في دور كريون، وها هو في دور منشط المقابلة التلفزيونية مع ميديا، وها هو في دور سليمان البسام أيضا أين يبدأ الحديث عن مسرحة الذّات أو عن "الانعكاس الذاتي داخل الفرجة". لقد قفز هذا الممثل على الركح على نحو ساخر وبارد لكن متهكم وعنيف،  وعلى نحو حربائي إذ مهمّته الرّقص على الحدّ الفاصل والواصل بين شخصية وأخرى، فلا هو هذه أو الأخرى. إنّ هذه الإقامة الحدّية للممثل هي ما تجعل منه مفردا بصيغة الجمع. وبالأحرى، هو مجموع ولادة الطين الفرجوي الذي قدّ من خصوبة الشخصيات المتنافرة، وهو هذا الكائن الثالث/ الخلاسيّ حمّال المتنافرات. ولذلك، فإنّ ما يجوز قوله في هذا العرض هو ذلك الانتقال من تمثيل المغامرة إلى مغامرة التمثيل. لم يتوقف سليمان البسام عند هذه الحدود بين الشخصيات التي لعب أدوراها فحسب، بل توغّل فيما هو أخطر وذلك من خلال مسرحته للعملية الإخراجية مانحا المخرج -الذي هو ذاته-  إمكانية الحضور على الركح ، وهذا ما نكتشفه من خلال علامات أدائية وشذرات نصية لامعة من داخل العرض سواء عبر تدخّله في تغيير أمكنة المصادح والكراسي أو إعطائه الأوامر التوجيهية للمؤدين الموسيقيين في خلفية الركح، أو اعتراضه على أداء الممثلة حلا عمران بالقول: "أدّي جيّدا، كوني واقعية". هكذا يكون على وعي بِتَمَسْرحه الخاص، وهكذا يصبح العرض عرضا مسرحيا مفكّرا فيه، وعرضا تأمّليا خاضعا لمرآوية المبدع.
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسي من خلال الوضع الانشطاري الذي رمتنا إليه الممثلة حلا عمران لاعبة دور ميديا، وهو وضع مسرحي يعيدنا إلى طرح السؤال حول ما إذا كنّا إزاء حالة من الكتارسيس الأرسطي أم إزاء حالة غضبية تثويرية بريشتية بالأساس. هذه المراوحة بين الخطاب التحريضي لهذه الشخصية في مواضع عديدة من مشاهد العرض والخطاب المغمّس في حالات الهلع والخوف والوحدة في مواضع أخرى من المشاهد، ما هو إلا علامة مسرحية تخترق المسافات بين مناهج التمثيل والأنواع المختلفة من المسارح بوضعها على نفس الحدّ من خطوط التماسّ أين يخرج شكل ثالث من الحضور في الأداء بتصدّع الفواصل الحجرية للأنظمة المسرحية المغلقة.
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسيّ من خلال ثنائيتي الوهم والحقيقة، إذ في اللحظة التي نشاهد فيها مسرحة النص الأصلي كما هو مع يوربيدس يكون حينها قد انقلب إلى نصّ مغاير. فلا الأصل هُوَ/هُوَ، ولا نصّ العرض هو الآخر هُوَ/هُوَ، بل ثمّة اختلاط بينهما أنتج هذه الفرجة الخلاسيّة المريعة. نعم، إنّنا نشاهد شبكة العلاقات بين ميديا وكريون وجاسون هي ذاتها، لكن في وضعيات مختلفة وأهداف جديدة متباينة عن النص الأصلي، ولو أنّ النتيجة هي نفسها من حيث تشغيل الروح الانتقامية: لكأنّ الأسطورة تمنح نفسها الحقّ في التجدّد عبر الزمن بحضورها المدوي في الحاضر، والخروج من طينها الأوّل إلى منيّ اللحظة الراهنة، واستنبات روحها الأزلية على ركح الحياة المعاصرة المجزّأة فلا وجه لها غير هذا الوجه الخلاسيّ الجديد. 
نعم، إنّنا نلاحظ هذا الخلاسي من خلال مولد الموسيقى الواحدة من ثقافات متباينة ومختلفة، تلك التي قدّت من أهازيج الصحراء الإفريقية والترانيم المشرقية والطابع الحداثي للموسيقى الغربية، وتلك التي احتكمت في تصريفها إلى المقدرة الأدائية المريعة للممثلة حلا عمران مقابل الهيجان الغضبي لأغاديس -مع الممثل أسامة الجامعي- حيث التجأ في مأساته إلى المراوحة بين موسيقى "الراب" والـ"SLAM". لم تأت هذه المراوحة بين الأنماط الموسيقية من عدم ومحض بفعل كن فتكون، إنّما هي وليدة الحضور على الحدود أين تنشأ جملة التباينات والاختلافات في الفضاء الثالث سالف الذكر. وعلاوة على كونها كذلك، فقد ساهمت المؤثرات الصوتية للعرض - سواء من حيث لحظة زفير التنين من حنجرة حلا عمران أو حركة السكين على خصلات شعرها-، أن تمهّد لذلك الحضور الأوموفاجي لشخصية ميديا وانفجار فضاء العرض بالتوازي مع انفجار العلاقات بين الشخصيات أين استقرّ الوجود الدموي على الحدود بين الأطراف. لقد كان الأمر محسوما من خلال اللحظة الأولى من العرض أين دارت سكين المرأة على البرتقالة حين مات طفليها نتيجة القصف، ومحسوما طيلة العرض أين تشابكت السكاكين وأحدثت صليلها بين أكفّ العازفين في آخر الركح حيث تكدّس البرتقال كوجبة آدمية مؤهّلة للعجن وتقطيع الأوصال. 
خاتمة: صلصلة الوجود
لقد أجبرت ميديا على تعليق إضرابها عن الطعام أو هي تتوقف عنه نتيجة الهرسلة والتهديد، أجبرت أيضا على الانحياز لثقافة دون الأخرى، وفي ذلك تدليل صارخ على ما يحدث عند خطوط التماسّ بين الحدود حيث ينشأ النزاع أو الالتقاء بين الأنا والآخر.  ولكنّها فزعت إلى انتقامها بجعل تلك الحدود صلصالا آدميا يُطْحَنُ طحنا أمام استحالة الاعتراف بالمهاجر.  ربّ انتقام نراه الآن من خلال تدحرج البرتقال على الركح كعلامة جذرية على رسم صورة المهاجرين في فضاء كورنثيا، وكعلامة جذرية على مولد التصادم بين مختلف الأطراف على نفس الحدّ: هكذا تحضر ميديا زارعة مخالبها في حبّات البرتقال لتعيد إلينا مشهد قتل أبناءها، وتحيلنا إلى الحاضر المرعب أين يغمّس لحم المهاجرين في آلات الغرب الاستعماري، وهكذا تنتصب على الرّكح بشكل عَوَّاءٍ تُعَاوِي فيه الوجود.
ما الذي يحدث الآن وهنا على الحدود؟ لا شيء سوى روح الاستئصال التي تعارضها روح الانتقام بعد أن أصبحت للمهاجر إمكانية القول، ولكن في الآن نفسه ثمّة دون شكّ لقاء ينبئ بمولد روح جديدة خلاسيّة وهجينة منها يبدأ الحديث عن نهاية أسطورة الأصل. نعم، إننا نحيا على حدود تكشف عن ضياعنا العنيف والفظيع وعن رعبنا الكوني كما لو أنّنا  بعبارة - إيهاب حسن- ، ننزع إلى استحضار الهيولي الأوّل أمام ظلمات السؤال الدائر حول "تشتت لغة الإنسان في كلّ مكان، عودة إلى لحظة الخلق (الانفجار الكبير، نزوحا إلى حافة الانحسار في الكون (النجوم الزائفة)، داخل الثقوب السوداء في الفضاء أو اللاوعي (لاكان) –بديلا عن محايثة العقل والخطاب في المرحلة الحداثية". ونعم مرّة ثانية، إنّنا نحيا في أزمنة الصرخة الأولى للإنسان وهو يتهجّى الكون شعريّا، ونحيا سديمنا البكر حيث يختلط فيه الوجود الحيواني بالآدمي أين يكون الجميع في سكرة الولادة المربكة والمؤلمة، ونحيا في الآن نفسه داخل الحاضر أين نتحوّل فيه إلى طين مؤهّل للعجن والتكوين من جديد على نحو كائنات خلاسيّة يدمّر فيها الحدّ. 

رسالة اليوم العربي للمسرح ..الحياة مسرح، المسرح حياة / كتبها : رفيق علي احمد

مجلة الفنون المسرحية 
رسالة اليوم العربي للمسرح ..الحياة مسرح، المسرح حياة / كتبها : رفيق علي احمد

اليوم وأكثر من أي وقت مضى تبدو الحاجة ماسة إلى المسرح. ففي زمن التواصل “اللا إنساني” الذي فرضته التكنولوجيا الحديثة، يغدو المسرح مكان اللقاء الإنساني بامتياز، سواء من حيث التفاعل بين العاملين فيه، أو بينهم وبين الجمهور، أو بين الجمهور نفسه حين يخرج من الصالة مزدحماً بالأفكار والأسئلة. وهل أجمل من حرارة التواصل المباشر بين البشر الذين جعلهم الله شعوباً وقبائل ليتعارفوا، أي ليتلاقوا ويتحاورا ويتناقشوا في كل ما يخص حياتهم المشتركة؟
‎وفي زمنٍ جعلته القوى المُهيمِنة زمنَ صراعِ الحضارات، تغدو تلك الحاجة (إلى المسرح) ملحة أكثر، لأن عالمنا يتعرض إلى عملية تدمير ممنهجة من خلال فرض ثقافة وحيدة سائدة تحت شعار عولمة متوحشة، جعلت الكوكب كله بمثابة “سوبر ماركت” هائلاً، والإنسان مجردَ زبون تقاس قيمته بقوته الشرائية لا بقوته الفكرية والإبداعية. وفي ظلّ هذا الواقع الذي تَسَلَّعَ فيه كلُّ شيء، يقف المسرح المنفتح على الفنون جميعها، والقادر على الاستفادة من العلوم جميعها، يقف في خط المواجهة الأمامي، لأنه لا يستطيع أبداً التخلي عن القيم الإنسانية الفكرية والروحية والمعنوية التي تشكّل جوهر وجوده وسرّ استمراره عبر الزمن.
‎ولئن كانت العولمة في معناها الحقيقي لا كما هي سائدة اليوم، تعني انفتاح العالم على بعضه بعضاً، وتفاعل البشر في ما بينهم، وتلاقح الثقافات والأفكار. فإن المسرح يمثل المختبر الأهم لهذا التفاعل بين الأفراد والجماعات، وبين الشعوب على تنوعها واختلافها، وفي معزل عن قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بما يحفظ ثرواتها الفكرية والمادية والتراثية، ويشكّل مكان تعارف والتقاء لأجل سلام البشرية القائم على حقّ كل شعب بحفظ أرضه وإنسانه وثقافته وكل ما يميزه عن سواه.
ففي ظلّ تعثر الحوار أو انعدامه بين الأنظمة السياسية والحكومات يبرز دور المفكرين والأدباء والفنانين في تقريب وجهات النظر بين الشعوب والحضارات. وهنا يتجدد الرهان على كون المسرح هو النموذج الأمثل لهذا الحوار انطلاقا من جوهر المسرح نفسه القائم  على الحوار بين الممثلين أنفسهم، وبينهم وبين الجمهور، وقبل ذلك بين المؤلف ونصه والمخرج وعرضه. فاللعبة المسرحية برمّتها ما هي إلّا عبارة عن حوار متعدد الأشكال والاتجاهات، ودائماً في سبيل الإنسان وحقه في حياة أفضل.
نجدد رهاننا على المسرح ودوره ومعناه، ونحن ندرك أن المسرح في العالم كله يعيش أزمة حادة، وهي أزمة تتضاعف في حالة المسرح العربي /لأنها تأتي ضمن أزمات أعمّ وأشمل في السياسة والاقتصاد والاجتماع. لكن في معزل عن واقع الحال العربي فإن السؤال الدائم الذي نطرحه: متى لم يكن المسرح العربي في أزمة؟
جواباً على هذا السؤال أسمح لنفسي بأن أستعيد التوصيات التي صدرت منذ أكثر من أربعين عاماً عن أول مهرجان مسرحي شاركت فيه في دمشق، وكانت تشدد على تفعيل العمل المسرحي العربي وتطويره على صعيدي الشكل والمضمون مؤكدة على وجوب البحث عن السبل والأساليب لتمتين العلاقة العضوية بين العمل المسرحي والجمهور. من يومها حتى الآن لا شيء تغير، الأزمة نفسها، النقاشات نفسها، التوصيات نفسها وواقع الحال نفسه!
أسباب كثيرة أدت إلى ابتعاد الناس عن المسرح، منها ما يتعلّق بالواقع العام، ومنها ما يخصّ أهل المسرح وصنّاعه، وإذا كانت الأعمال المسرحية مرآة المجتمع فأبناء مجتمعاتنا لا يرون أنفسهم ولا واقعهم في هذه الأعمال. ومن أهم أسباب هذه الغربة هو “التغريب” الذي وقع فيه كثيرون منّا، إذ أن تقليد الأساليب الغربية من قبل بعض المسرحيين تطلعاً “للعالمية” وطمعاً بالجوائز، بات موضة ودليلاً على الحداثة و”العصرنة”، وللأسف فإن الكثير من المهرجانات المسرحية العربية تساهم في تشجيع هذه الظاهرة حيث تمتلئ القاعات بالمسرحيين المشاركين بأعمال يسمونها “نخبوية” في ظل غياب مؤسف للجمهور الذي من أجله وجد المسرح، بل إن بعض “المسرحيين” يذهب في تنظيره الغريب المجحف إلى حد القول إن الجمهور ضد المسرح والمسرح ضد الجمهور!
كأن المسرح لا تكفيه التحديات الكثيرة التي تواجهه في عصر الذكاء الاصطناعي حيث تحل الأجهزة الآلية مكان البشر، ويواجه الإبداع الفني تحدي التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة، تأتي هجرة جيل كامل من المسرحيين إلى الأعمال التلفزيونية بحثاً عن فرصة عمل ومصدر رزق أو جرياً وراء نجومية تائهة.  هذا الأمر خلق فجوة واسعة بين الأجيال، وأدى إلى فقدان حلقة وصل أساسية بين جيلين: الرواد والشباب. وكما هو معلوم فإن التواصل المباشر بين الأجيال أمر مهم وضروري لا تعوضه النظريات والدروس والكتب مهما بلغت من الجودة والقيمة.
ولا يسعني في اليوم االعربي للمسرح سوى التساؤل عن أسباب استمرار غياب التربية الفنية والمسرحية عن مناهجنا الدراسية اللهم إلا قلّة منها؟ والتمادي في تهميش المسرح وتجاهله من قبل العديد من وزارات الثقافة في بلداننا العربية، وعدم دعمها للأعمال المسرحية الجادة والمجددة بذريعة شحّ الميزانية ونقص الإمكانيات، فيما نلاحظ كيف تُصرَف الأموال الطائلة على أمور سطحية واستهلاكية تافهة، وكأن الأمم والشعوب تنهض وتتقدّم بلا آدابها وفنونها وفي مقدمها المسرح!
أما الطامة الكبرى والدائمة فهي الرقابة المستمرة على الإبداع المسرحي، وهي رقابة برؤوس متعددة مثل كائن خرافي: رقابة رجال السياسة ورجال الدين ورجال الأمن وسواهم من “رجال” يقفون سداً منيعاً في مواجهة رجل واحد، هو رجل المسرح أينما كان في هذه المدينة أو تلك، على هذه الخشبة أو سواها، ويضعون الحواجز والعثرات في طريقه. وإذا كان مَن يراقب الناس يموت همّاً، فإن الرقابة على الإبداع هي الموت نفسه، وهي ألد أعداء الفعل المسرحي. لأن الإبداع صنو الحرية. لا إبداع بلا حرية، لا مسرح، ولا حياة.
الرقابة من أي نوع كانت هي اعتداء على حرية المبدع المسرحي، لأنها تعطيل لإبداعه وحكمٌ عليه بالولادة ميتاً، فالمسرحي متى خضع لأوامر السياسي أو الفقيه تعطل دوره كباحث وناقد ومحاور وتحول إلى مجرد موظف “رسمي” يتلقى التعليمات وينفذ الأوامر…وكفى الله “المسرحيين” شرّ القتال!
لا، ليس هذا ما يريده أهل المسرح، ولا هذا ما يرضيهم أو يقبلون به، لأنهم خط الدفاع الأول عن الحرية، مثلما هم خط الدفاع الأول عن الحب والخير والجمال، أي عن الحياة، وإلّا لما كان المسرح أبا الفنون.
الكلام على المسرح في يومه العربي كلامٌ ذو شجون، ما أن تسطّر فكرة حتى تداهمك أختها. فمن الرقابة إلى ضعف الإمكانيات المادية التي تشكل حجر عثرة وعائقاً أساسياً أمام صناعة المسرح. وبرغم الإشارة والإشادة بكل المؤسسات والهيئات الداعمة معنوياً والمانحة مادياً للمسرحيين العرب، يظلّ التوجس مشروعاً من أن يميل هؤلاء المسرحيون إلى إنتاج أعمال “نخبوية” يتمحور هدفها من المشاركة في المهرجانات حول الحصول على جائزة مادية أو معنوية.
إن المسرحي الحقيقي المهجوس بالتعبير، من خلال المسرح، عن همومه وهموم ناسه لا يقف عند حدود ومصاعب، بل يبقى دائماً في شغف وترصد دائمين لواقع مجتمعه، وفي علاقة عضوية مع محيطه، يحكي لغة ناسه، لكنه في الوقت عينه ينفتح على ثقافات الآخرين لينهل منها ما يغنّي تجربته التي تقربه من جمهوره وتقرب الناس من مسرحه وتخلّق ذاك الحوار المرجو والتفاعل المنشود.
أتوجه إليكم برسالتي هذه، وأنا آتٍ من بلد تتنازعه المصائب والنوائب والتشظيّات السياسية والطائفية. بلد من زمن عزه، يوم كان يطلق عليه وطن الإشعاع النور وصولاً إلى يومنا هذا لا تزال عاصمته تفتقد لقاعة مسرحية تبنيها وتتبناها الدولة أو الهيئات المحلية من بلديات وسواها، فضلاً عن غياب جهات إنتاجية داعمة للمسرحيين، باستثناءات نادرة من هنا وهناك، ومع ذلك ورغم قساوة الزمن فإن هذه المدينة العصيّة على الموت(بيروت) لا تزال تنتج سنوياً ما بين ثلاثين إلى أربعين عملاً تتنوع وتتوزع على شتى المدارس والأساليب المسرحية المختلفة. حتى في المهرجانيين المسرحيين الأخيرين في عامي 2017 و2018 اللذين أقيما تحت شعار “مهرجان المسرح اللبناني” برعاية معنوية ومادية من قبل “الهيئة العربية للمسرح” تم اختيار ثمانية أعمال من بين أكثر من عشرين عملاً مسرحياً كانت قد عرضت للجمهور خلال العام بعد أن  تمّ إنتاجها بموازنات مادية بسيطة، وبحماس وجهد عظيمين من قبل شباب شغوف بانتمائه للمسرح، وانتمائه للحياة.
أستطيع القول، انطلاقا من تجربتي الطويلة، بأن المسرح رغم كل معاناته لا زال فاعلاً ومؤثراً وجاذباً للجمهور. فبرغم الحواجز النفسية التي تفرضها الحدود الجغرافية المصطنعة، أو تفرضها السياسة ومصالح الساسة، يبقى المبدعون فكراً وفناً وثقافة وعلى قدر استطاعتهم، ورغم ضيق هوامش الحرية والإمكانيات، صلة خير بين شرائح مجتمعاتنا وبناة جسور تواصل وتفاهم بين شعوبنا.
المسرح، كما تعلمون، ورغم مساحته المحددة والمحدودة، يصبح بإبداع صنّاعه ومخيلة متفرجيه أرحب من الحياة نفسها، ويغدو فضاءً لا حدود له، يحتوي الوجود الإنساني كله، وفي الوقت نفسه يظل مكاناً للتواصل الواقعي والتلاقي المباشر بين البشر على اختلاف ميولهم وأهوائهم وأفكارهم. 
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يواجهنا كمسرحيين عرباً هو كيف نعيد وصل ما انقطع مع أجيالنا الشابة التي تتطلع لمشاركتنا هذه المسؤولية؟ إذ إن استعادة الجيل المأخوذ ب”السوشال ميديا” ولغتها وإشاراتها ورموزها، والمستلب من لغته وثقافته وهويته، مهمة شاقة لا يقوى عليها المسرح وحده، وإنما هي مهمة كل المشتغلين في الشأن العام. لكن ربما علينا، نحن أهل المسرح وصنّاعه، أن ننزل إلى الشارع ونرصد هواجس الناس وهموهم وتطلعاتهم ونحولها أعمالاً فنية جذّابة تكون مرآة يرى الناس أنفسهم فيها دون تقليد أعمى للغرب، ولا إغراق في الموروث الشعبي، بل وفق مقولة المهاتما غاندي: أشرع نوافذي لكل ثقافات العالم شرط ألا تقتلعني من أرضي.
نريد مصالحة شبابنا عبر مسرح بسيط، لا مُبَسَّط، يجعلنا نرى صورة ناسنا وواقع مجتمعاتنا. وأن يكون هذا المسرح بصيص أمل في ظل ظلام التطرف بشقيه الأصولي والاستهلاكي، وفي مواجهة التعصب الأعمى والكراهية المتعاظمة من الإنسان لأخيه الإنسان، وما ينتج عن هذا الواقع المظلم من خراب جماعي عصيّ على الإصلاح وإعادة البناء.
نحن في أمسّ الحاجة إلى مسرح يهدم الحواجز النفسية والجغرافية بين البشر، ويقيم جسور التفاهم المتبادل بين الأخوة.
ولن يتسنى للمسرح تحقيق ما يصبو اليه إلّا إذا كان حراً لا يعترف برقابة، ولا تحده حدود، لينتج ويقدِّم ما يُعبِّر عن هويتنا الثقافية والإنسانية التي تشكّل مكوِّناً عضوياً من هوية العالم برمَّته.
ننتصرُ للمسرح ولحريته، ننتصر للحياة.
_____________________
مختصر لسيرة لا تختصر:

الفنان رفيق علي أحمد
كاتب وممثل ومخرج مسرحي لبناني.
دراسات عليا بالإخراج والتمثيل من معهد الفنون بالجامعة اللبنانية.
قدم في المسرح عشرات الأعمال التي تعتبر من العلامات الإبداعية.
تميز بأعماله المسرحية المنفردة “المونودراما”.
شارك في أعمال تلفزية وسينمائية عديدة.
رئيس سابق لنقابة ممثلي المسرح والسينما والتليفزيون.
رئيس وعضو العديد من لجان التحكيم في المهرجانات العربية المسرحية.
حاز العديد من الجوائز العربية والدولية، وشارك في عديد الأعمال المسرحية والتلفزية والسينمائية المتوجة.


تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption