أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الخميس، 15 أغسطس 2013

رؤية حول كتاب " تحولات في الفرجة المسرحية " منصور عمايرة





  هذه الدراسة تقرأ أو تحاول قراءة تحولات في الفرجة المسرحية، وهي تتعرض لتصورات الفرجة المسرحية، وفي جزئية مهمة للعرض المسرحي الحي، وهي اشتغال الوسائط بكيفية تحول الفرجة المسرحية، لإنتاجية العرض المسرحي. إن الدراسة انشغلت بالوسائط المسرحية، وانشغل الباحث بها منذ زمن بعيد، وهي تمثل رؤية حول المسرح.
   إن مفهوم الوسيط المسرحي أمسى متشعبا الآن، وبشكل يدعو إلى التفكير كثيرا وبرؤى جديدة في بنيات العرض المسرحي، فهو لم يعد مادة بسيطة ووسيط سهل من منظور الضرورة، ومتطلب رئيس في العرض المسرحي، كالملابس على سبيل المثال، وبغض النظر عن الصيغة التي تتم بها تلك الملابس، من حيث المدة الزمنية لتاريخية الحدث المسرحي، أو من حيث المكياج والألوان البسيطة والسهلة، أو من حيث الديكور والمنظر العام للشمهد المسرحي، كأن يكون طبيعيا مثلا، أو من حيث الإضاءة، والتي قد تتراوح بين ضوء الشمس والفانوس والشمعة والكهرباء، لتمثل إنارة فحسب، أو من حيث الموسيقى التي تعبر عن منظر عام أو مشهد خاص، وربما تكون مقحمة كسماع صوت الناي أو القيثارة.
  الأمر يبدو أكثر تعقيدا وأكثر صعوبة مما قيل آنفا، فلم تعد الملابس هي البساطة في التعبير، وضرورة لإكمال الدور والمشهد المسرحي، ولم تعد الإضاءة كحالة طبيعية تراتبية عبر الزمن، ولم يعد المكياج كحالة زينة تعبر عن البلاهة، ولم يعد الديكور المنظر الطبيعي الذي يحتكم لرؤية سطحية.

  والإشارة الأخرى بما يخص الوسائط، تلك التي أصبحت منفلته من كل ما هو ساذج وطبيعي وتراتبي، فدخلت وسائط لم يكن بمقدور المسرح تصورها، وذلك من خلال تطور وسائل الاتصال والتقنية الحديثة، بدءا من الصورة وانتهاء بالإضاءة مرورا بالموسيقى والديكور والأزياء، وتعدت ذلك إلى الانشغال العام بمفهوم الفضاء المسرحي، والذي يؤطر لحالة مسرحية، فبدا الفضاء المسرحي جزئية مهمة في العرض المسرحي، من حيث المكان وكيفية تشكل المكان وكيفية أخذ الصيغة النهائية لمكان العرض، ولا يتم هذا العرض إلا بوجود جمهور، وهذا هو صلب موضوع الفضاء المسرحي الذي يتغيا حالة التلاقي بين المرسل والمستقبل، بين الممثل والمتلقي، بين الممثل والرؤية الإخراجية والمتلقي، بين الممثل والممثل، بين الممثل والتقنيات.

  ولم يعد الأمر يتوقف عند هذا الحد، فواصلت وسائل الاتصال تقدمها من حيث التقنية والتطور، و وصلنا إلى ما يعرف بعالم الرقمنة/ التحويل الرقمي في الحاسوب، وكلها أمست من ضروريات الحياة، ولكن هل هي من ضروريات المسرح؟

  لا شك أن للكمبيوتر دورا كبيرا في العرض المسرحي الآن، فهو الذي يبين لنا خطاطة المخرج، وهي ترسيمة لم تعد مخطوطة على الورق بقدر ما هي ميزانسين رقمي، وهذه الرقمية هي التي تصيغ جلّ العرض المسرحي.

  وليس هذا مجال الخلاف بما يعني الوسيط المسرحي، وتعدى الأمر إلى وسائط متعة وفكر جديدة غزت الحياة العامة للإنسان، وتطورت قبل ولوج الكمبيوتر للحياة البشرية، إنها وسائل الاتصال المسموعة والمرئية، والمسموعة قد كانت منذ زمن، وشاركت بصياغة المشهد المسرحي من دون ملاحظة فجوات قد تجعل المعني بالمسرح وخاصة الناقد لا يتوقف عندها كثيرا، بل ربما صارت مطلبا ضروريا من حيث جودة الصوت أو رداءته، المسألة تتعلق بالتقنية المرئية، تلك هي تقنية التلفزة والفيديو والسينما، وهنا لا بد أن نتوقف كثيرا قبل ولوج هذه التقنية لعالم المسرح الحي، فيبدو الانفصام هو ما يسطّر الحالة المشهدية، ويبدأ من هنا الاختلاف بين المسرح الحي والمسرحي المصور أو غير الحي، من خلال ولوج الشاشة السينمائية بشكل خاص إلى قلب العرض المسرحي، وهنا كلمة قلب تعني من وجهة نظر أخرى قلب الشيء إلى غير ماهيته أو الغاية التي وجد من أجلها، ونعني هذه الكلمة تماما.

  وما من شك، فإننا سندرك أن هناك تحولات فرجوية حدثت بتراتبية الزمن، فالزمن الكورنولوجي يسير باتجاه تصاعدي، وهذا الزمن هو ما يؤثر ببنائية المسرح، ولتكون هذه التراكمية الزمنية هي مدار البحث والدراسة والمساءلة، وهذه الأشياء كلها هي التي تمثل المسرح، فالمسرح تراكمي عبر الزمان والمكان، فالزمن وإن شهد توقف المسرح، فهو لا يعني توقف التراكمية البنائية للمسرح، بل يعني افتقار الرؤية المسرحية التي تدعو إلى التجدد في المسرح، ولكن ليبقى مسرحا، معطى للإنسانية جمعاء من خلال المتعة، ومن خلال التفكر، ومن خلال التغيير، فالمسرح لا بد أنه يتشكل من هذه الرؤى، وهي رؤى كبرى تعني الفرجة المسرحية.

  إن هذه الدراسة تستدعي إثارة الحوار، للوقوف على تجليات ورؤى المسرح عبر مراحله المتعددة، وتثير جملة من التساؤلات حول كيفية اشتغال الوسيط المسرحي في العرض المسرحي، وهذا ما نعني به تحول الفرجة المسرحية، وهو عكس الجمود ونمطية العرض المسرحي، وما مدى تأثير الوسائط في المتلقي الذي يتوجه إليه  العرض المسرحي؟
***

ومن جانب آخر فكتاب " تحولات في الفرجة المسرحية " يتعرض للغروتيسك والنمط المسرحي. إن الغروتيسكGrotesque ، قد يتشكل،  وهو يتمثل على مستوى الهيئة والفكر، كرؤية إنثربولوجية، وذلك بالنظر إلى كيفية حياة المجتمعات الإنسانية، وطرق عيشها التي تمثل الأبعاد الثقافية المتعددة، كالكتابة والطقوس الدينية، والرسوم، والمعرفة، والتواصل المعرفي مع المجتمعات الأخرى، ليندرج الغروتيسك في البعد الأنثروبولوجي العام Anthropologie والإثنوغرافي Ethnographie لمجتمعات متعددة، والإثنولوجي Ethnologie لمجتمع ما، فالأنثروبولوجيا تشمل جزئيتي الإثنوغرافيا والإثنولوجيا.

  وبما أن ثقافة المجتمعات الإنسانية تمثل رؤية وجدلية على مستوى الدين واللغة والتكيف الاجتماعي، فهي لا بد أنها ستدخل في بنيات التصور والتعبير الأدبي والفكري للإنسان، وهذا ما يعبر عنه بطرق عدة، منها الكتابة إذا ما توافرت في ذاك المجتمع، ومنها البعد الشفوي لنقل معارف وتجارب المجتمع وعاداتهم وتقاليدهم من جيل إلى جيل للحفظ والتدارس، ومنها ما يعبر عنه بطرق طقوسية كالرقص والغناء والتمثيل، وقد يتعدى ذلك إلى حالة طقسية تتمثل بالشعائر والتعاويذ.
  والغروتيسك بعد تلك النظرة، اهتم به المجتمع الحديث لدراسة الحالة الإنسانية المتشكلة عبر الزمن، في إطار البيئة المكانية والزمانية، ومدى تأثر العلاقات وتشكلها مع مجتمعات أخرى، وكيف تأثرت وأثرت فيها، فالغروتيسك يتجاوز حالة البعد الفردي للإنسان، وحالة البعد البدائي، فالعلاقات بين المجتمعات وإن كانت قديمة فهي تبدأ بعد تفاهم واحترام فيما بينها.
  والغروتيسك عندئذ لا بد أنه سيتحول من مفهوم شكلي إلى مفهوم ثقافة وتعارف بين المجتمعات، فلم تعد تلك التصاوير التي تمثل التعويذة، ولا تلك الحروف والرسوم التخطيطية حالة طقسية، بل هي حالة معرفية، ولذلك فإن الحديث عن التشوه والقبح قد يكون نظرة اعتباطية، لأنها أكثر قصورا من ولوج لب الرؤية الثقافية للإنسان في مجتمع ما.
  ولأهمية الدراسة في مجال الآداب والفكر والثقافة العامة في العصر الحديث، بدأت الاهتمام بدراسة الغروتيسك من خلال المسرح، فالمسرح قديم، إذا ما نظرنا إلى تلك الطقوس والتعابير القديمة التي واكبت تطور الإنسان، ولذا فالمسرح نوع أدبي ومعرفي إنساني يتمثل فيه الغروتيسك، ونستطيع أن نتبينه من خلال البعد التعبيري، وتحولات التعبير التي تبين عن حالات انفصالية بين رؤية تعبيرية وأخرى.
  الدراسة تهتم بمفهوم الغروتيسك، ولكن في إطار التحول الفرجوي المسرحي. وقد استفادت من الدراسات المسرحية والنصوص المسرحية التي اهتمت بها الدراسة، وكانت تلك الدراسات والنصوص الركيزة التي بنيت عليها هذه الدراسة، بتحليل كل العناصر التي شكلت الرؤية المسرحية، فانشغلت الدراسة بعنوان البحث: الغروتيسك والنمط المسرحي في النص المسرحي، و إثارة تساؤلات حول الغروتيسك كمفهوم، وإعادة النظر بالمفهوم وكيفية اشتغاله في المسرح.
عمّان 2012/ 2013

 خاص بالموقع

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption