أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الجمعة، 27 فبراير 2015

مسرحية "بعيداً عن السيطرة".. حريّة الطرح.. حريّة التلقّي / أحمد الماجد

مدونة مجلة الفنون المسرحية


عرضت مسرحية "بعيداً عن السيطرة".. في مهرجان الشارقة الأول للمسرح الخليجي 2015
وقد أعتمد المؤلف المسرحي السعودي فهد رده الحارثي - والذي مارس الكتابة المسرحية منذ العام 1990 بالنص المسرحي الذي حمل عنوان "يا رايح الوادي"، وكتب بالإضافة إلى هذه المسرحية أكثر من 45 نص مسرحي عرضت معظمها على خشبات المسارح السعودية والخليجية- في كتابته لنص العرض المسرحي "بعيدا عن السيطرة" والذي عرض في مهرجان الشارقة الخليجي الأول 9 – 15 فبراير 2015 على استخدام الأفكار كركيزة أساسية انطلق منها النص دامجاً الخيال بالواقع من خلال 3 شخصيات دخلت في لعبة الحلم ولم تخرج منها.
ولأن الفن جنوح خارج الأطر العقلانية والطرق المجربة وابتكار الغائب وإمساك باللامتوقع، جاءت فكرة النص لتعري الواقع المضطرب الذي يعيشه عالمنا العربي، بعد أن أسقط المخرج عددا من الدلالات وشت بتفاصيل العرض ووضحت المستهدفين من الخطاب، ناهيك عن أن النص حمل رسالة إنسانية عالية القيمة بإمكانها أن تعيش طويلا، حين ناقش ثيمة الحرية وأثرها على مجتمعات غابت عنها ثم اندلقت عليها فجأة في غير أوانها.! 
شخوص الحارثي، جاءت مترددة، خاضعة، مستسلمة لأقدارها، تبحث عن خلاص جماعي من خلال استحضار الماضي (الحلاق، الدفان، الشاعر) الشخصيات الذين كتبهم الأستاذ في رواياته، كنوع من الوفاء قدمته الشخصيات الثلاثة لماض يرونه عظيم أهلكهم الحنين إليه كلما غاصت أقدامهم في الحاضر، هو الحنين إلى البساطة والإنسانية المفقودة عبر شخصية الحلاق، وإلى الأرواح الصافية السليمة التي تعتمد في علاقاتها على فرضية أن الحياة مجرد مسار قصير أو طويل حتما سينتهي من خلال شخصية "الدفان"، وكذلك الحنين إلى زمن الرومانسية والمشاعر الصادقة التي بات الحاضر لا يعرف عنها شيئا إلا من خلال ما كتب في الماضي. ذلك الحنين ولد لدى أبطال الحارثي اللاعبين شهوة الركون إلى المكتبة، إلى أزمان الشخوص الثلاثة الذين كتبهم الأستاذ والذين أيضا مضوا مع نهاية زمنه، وأدركوا أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وأن الماضي الذي ذهب لا يمكن إستعادته، وأن أي محاولة في هذا الصدد مغامرة غير محسوبة ساقت الشخوص وماضيهم نحو الهاوية.. تلك الهاوية سقطت فيها شخصيات الأستاذ، وسقط فيها مجتمع كامل وسقطت أوطان بعراقتها وتاريخها من فرط الحرية التي انهالت على رؤوسهم ومنحتهم سلطة اتخاذ قرار الخروج عن المألوف الذي ألقاهم في متاهة شوهت الأستاذ وتاريخه وشخصياته وأربكت الحاضر جاعلة إياه مجرد زمن ينقضي.. 
لقد ركز الحارثي في هذا النص على الحوار كنقطة انطلاق وبناء، باعتبار أن الحوار عقل المسرحية الناظم لحركتها، جاعلا إياه القوة الدافعة والمهيئة بنى من خلاله حكايته ووظفه كأداة رئيسية في البنية الدرامية لمسرحية "بعيدا عن السيطرة"، مستفيدا من الجملة الحوارية المكثفة والمشحونة بالدلالات وكذلك المنسجمة مع الجو المسرحي للعرض، والتي مهدت للصراع وخلقته أيضا، ذلك الصراع الذي دار رحاه بين حاضر الشخصيات وماضيهم، باعتبار أن (شخصيات الأستاذ) في الماضي و(الممثلون الثلاثة) الحاضر الذي نعيشه اللحظة والآن.. لقد شارك الحارثي في صناعة شكل العرض، من خلال استخدام سلطته كمؤلف في رسم حركة الممثلين وبناء مسارات بدأ بها العرض وحددت الفضاء الذي تبناه الزهراني، فالحارثي في "بعيدا عن السيطرة" تعدى دوره كمؤلف إلى درامتورج فرض رؤيته على تفاصيل العرض. 
ويظهر جليا انجذاب الحارثي لبريشتيات المسرح الملحمي، المسرح الملحمي الذي أخذ منه الحارثي بقدر حاجته لبناء النص، ولم يتعامل مع مدرسة بريشت كما هي، بل خلطها بمدارس مسرحية أخرى أنتجت مركبا جديدا له مزاياه وعيوبه أيضا، باعتبار أن مسرح بريشت يتوجه للعقل ويغيب العاطفة. 
نرى في هذا النص، تأثر الحارثي بمسرح سعدالله ونوس، من خلال طرحه لشخصيات مضطهدة غير قادرة على المطالبة بحقوقها (الحلاق، الدفان، الشاعر) مع أنها لو منحت الفرصة – كالفرضية التي تبناها النص- تكون مستعدة لفعل كل عمل في سبيل تحقيق طموح ذاتي ما. كذلك جاء مسار الحارثي ونوسيا أيضا من خلال طرحه لسلبية الإنسان أمام ما يحدث حوله، وضرورة أن يكون عنصرا فاعلا مشاركا لا محايدا يشاهد لما يحدث فقط، بالإضافة إلى أن الحارثي مثل ونوس، يحتاج دائماً إلى جمهور من نوع خاص يمتلك مقومات متلق يعمل ذهنه، ذلك التأثر الونوسي الذي ظهر على نصوص الحارثي هو امتداد للمسرح الملحمي، كون ونوس أيضا كان شديد الالتصاق بالمسرح الملحمي الذي كتب معظم نصوصه المسرحية من تحت تلك العباءة.
إنطلق العرض باستهلال بصري عبر رقصة درامية أداها الممثلون الثلاثة تمنيناها لو طالت، والذين تشابهت شخصياتهم الداخلية مع شخصيات الأستاذ (الحلاق والدفان والشاعر) في فرضية استمرارية ما حدث في الماضي. تشارك المخرج سامي الزهراني مع المؤلف في تجريد العمل من أسماء الشخصيات وإلباسهم الزي الأسود والذي هيأ المتلقي لمشاهدة مسرح يعتمد أول ما يعتمد على الممثل وعلى شخصيات كثيرة سيؤديها نفس الممثلون، موظفا جسد الممثل كمعادل موضوعي بنى من خلاله شكل العرض. 
إن الحبكة التي صاغها الحارثي وشكلها الزهراني بدأت في النمو لحظة بدء الممثلين الثلاثة إعادة شخصيات الأستاذ من رفوف الكتب إلى الحياة، وما قبل ذلك من ذكريات عن الأستاذ وأحاديثه معهم أرى أن المخرج لم يحالفه التوفيق في الحلول التي اتبعها في معالجة سردية النص، ولم تفلح التكوينات البصرية التي شكلها بأجساد الممثلين، إلا في إضاءة مدة من زمن العرض ثم لم تواصل جمالياتها. حتى أن القضية التي طرحها المؤلف حول موت صاحب المكتبة والذي قبل موته أوصى للأستاذ الذي كان يعمل فيها بجميع الكتب والذي بدوره وزعها مجانا على المثقفين، كان من باب أولى أن يعالجها المؤلف أثناء خروج شخصيات الأستاذ الروائية (الحلاق – الدفان – الشاعر) مما سيكون له أثره في دخول هذه الثيمة في نسيج البناء الدرامي للشخصيات الثلاثة، والذي بدوره سيقلل من بطء الإيقاع في الربع الأول من العرض، وسيمنح الشخصيات المستحضرة بعداً أعمق وأوقع.
نجح الزهراني في آلية الاشتغال على لعبة التمثيل داخل التمثيل، من خلال دخول الممثلين في الشخصيات الجديدة، وخروجهم منها بسلاسة وتلقائية دون إرباك، عبر حلول إخراجية جمعت بين جمالية الحركة والتوظيفات الفكرية للنص، فلم تقدم للمشاهد تكوينا جماليا فحسب، بل أكدت على فكرة ومقولة النص عبر الفعل المستمر في الفضاء بوساطة الترابط المعنوي والفكري العميق بين فكرة المؤلف والفكرة الإخراجية، باعتبار أنها ثاني تجربة بين المؤلف فهد الحارثي والمخرج سامي الزهراني بعد تجربة مسرحية "الجثة صفر"، كما أنهما تربطهما علاقة مسرحية قديمة على الخشبة، هذا الأمر بدا جلياً في تناغم الطرح الذي وصل إلى المتلقي. 
لقدى بنى الزهراني مشهديته في هذا العرض، معتمداً على المساحات الناقصة التي تركها له زميل العمر، والتي تمكن الزهراني من سدها عبر سينوغرافيا اعتمدت على قطع ديكورات متحركة، سهلت حركة الممثلين ومنحتهم مساحات رحبة، وعلى إضاءة لم تغفل التكنولوجيا الحديثة وتنويعاتها في بناء المشهد، كما أنها توفقت في أن تأتي كجزء من بنية العرض لا جمالية أو مكملة.
بعد الربع الأول من العرض تمكن المخرج من الدخول إلى النص بالتفسير والتفكيك، لحظة خروج الشخصيات الثلاثة من الكتب، حينما عمد إلى تحويل حوارات الحارثي إلى حوارات ذات وظيفة إبلاغية ضمن القالب الحواري للنص، وجاء ذلك تلبية لضرورة درامية في تعريف المشاهد بما جرى من أحداث تواءمت مع السياق العام للمشهد عبر كسر الإيهام وتفكيك المضمون باللعب على إيقاع الجملة الحوارية التي تم توزيعها بين الممثلين، وعلى الكوميديا التي وظفها المخرج كدعامة أساسية في البناء الدرامي للعرض.
وهنا يجب أن نعرج إلى موضوعة الخبرة وأثرها في هذا العرض، فمؤلف بحجم الحارثي هو خبرة أضافت إلى النص، والزهراني بوصفه قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة مخرجا وممثلا لم تكن لتنقصه تلك الخبرة التي نتحدث عنها، غير أنه كان بالإمكان أحسن مما كان فيما يخص التكنيك والإشتغال بصورة أعمق على أداء الممثلين، باعتبار أن هذا النوع من العروض هو الأصعب على الممثل ويحتاج إلى قدرات تمثيلية خاصة لا تتشكل إلا عن طريق التجارب الكثيرة التي تؤسس للخبرة.
يؤخذ على هذا العرض، إعتماد المخرج على ثيمات قديمة كان بإمكانه البحث عن حلول إخراجية تعتمد بشكل أكبر على اللغة البصرية، والتي كانت ستحقق شروط الفرجة الكاملة لعرض مسرحي استخدم ثيمة الحرية، خطابا وصل على الرغم من كل ما ذكر إلى الجمهور، في طرح جريء يحاول إعادة صياغة مفهوم الحرية بوصفه أداة للالتصاق بالحياة الكريمة لا سببا في الخروج عن المساقات الإنسانية والتحول إلى نزعة "الأنا" التي تشوه تاريخ كل جميل، في خاتمة جاءت بها المسرحية تطالب الإنسانية جمعاء بالقبض على الحلم وتطويعه في الواقع قبل أن يتحول إلى ماضٍ لا يفي الحنين بحقه مهما كان ذلك الحنين صادقاً أو نقياً أو عظيماً.

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption