ثلاث نساء هنّ كلُّ النساء بكسورهن وصمودهن "ستاسيون" مساحة اختارتها دانيال لبكي احتواء لنظرية غريفيث
مدونة مجلة الفنون المسرحية

مي منسي
النهار
هذه ليست مسرحية بالقواعد المعترف بها للمسرح، ولا قصة لها بدايات ونهايات. من العنوان الغامض، "ستاسيون"، الذي شاءته دانيال لبكي مخرجة هذا العرض المسرحي، ندرك أو لا ندرك تماما أن المحتوى معدّ للسفر في باطن الأشياء، والنكش في معايير قد تبدو مبهمة حتى تتبلور الأداة التي بها تكوّن هذا التجهيز الانساني النابض من كيان ثلاث نساء، احتوين كل النساء، بكسورهن وضماداتهن، مشرّعات للحلم، للخيبة، للفرح، للعنف، للظلم، للرحيل والعودات المضنية.
قد نسمّيه نظرية غريفيث نقلاً عن عنوانه الأصلي Le critère de Griffith، والشرح ليس أوضح من خيط نستدل من ضوئه الشحيح إلى فحوى ما سنكتشفه بعد قليل في هذا الفضاء الذي يتسع لحكاياتهن، وذكرياتهن وطموحاتهن.
Le critère du Griffith، كما تقول المطوية، يضع أصبعه على معاكسة قصوى، ينجم عنها كسر في جسد هش. أما قيمة هذه المعاكسة المرغمة فتكمن في مقاومتها تبعا لوحدة قياسية طيّعة تحض على استعمال الطاقة اللازمة لتوشية الكسور على الملأ.
لغجلاء الأبهام عن هذه الطاقة، كان لا بد من عناصر تقنية، فنيّة، لإبراز مفاعيلها. أولا هي دانيال لبكي المتخصّصة بالإخراج والأداء الدرامي من المعهد الوطني العالي للفنون المسرحية في بروكسيل. ثم مضت تنقّب في عمل جيرزي غروتوفسكي، وفي باريس حصلت على ديبلوم الدراسات المسرحية المتخصّصة بالمسرح التربوي. من تجهيزاتها المسرحية "الحب، الحب"، "حروب داخلية"، "منفى/ عروض" إلى فيلمها القصير "المكر". وفي هذا العرض كان العمل الفيديوتيكي لوليد عبد النور، رؤيوي في تصويره عناصر طبيعية مهمّتها التواصل مع حركة المسرح، رابطا الواقع بالفرضي على مسافة خطوة بين ما نشهده على الشاشة وما تعيشه كاميل برونيل وكارولين حاتم وزلفا سورا أمامنا بأسماء نساء تلدهن من خيالهن أو من ذاكرتهن: "سوف أكون نينا"، تجيبها الأخرى: "سوف أكون باتريسيا" ، "سوف اكون...".
في الحياة لكل واحدة حياة واختصاص. كارولين حاتم متأصّلة في الرقص، من مدرسة أليس مسابكي في البدايات إلى باليه آرت في نيويورك وتريشا براون دانس ستوديو، وكاميل برونيل الحاملة ديبلوما من الأكاديميا العليا للتعليم المسرحي في المركز الدرامي الوطني في ليموج، وزلفا سورا المتخصصة بالدراسات السينماتوغرافية في السوربون والفن المسرحي في معهد فلوران. جمعتهن دانيال من عوالمهن المختلفة ليكنّ في فضاء "ستاسيون" نموذجا من نظرية غريفيث، قائماً على أسلوب سردي، حدسي، إيقاعي، يتلاقىين فيه أو يتباعدن، متواطئات أو في غربة مزمنة حتى التلاقي النهائي.
حول المساحة المخصّصة لهذا العالم الأنثوي الباهر بابتكارات الرقص والتمثيل والغناء والجنون، جلسنا على مقاعد خشب، نسن السمع ونجلو البصر، حتى تتبلور الصورة ويغدو شيئا فشيئا العرض المحلّق بأجساد جنّيات بفساتين حمراء أنثوية حتى الشبق، خيطا ينسل من نسيج وجودي حتى العراء.
ساحرات، غاويات، بل أكثر من ذلك، امهات، ترتعد فوق رؤوسهن المخاوف والرعب، وفي كل امرأة يجسّدنها دراما وجراح وقلق واستحضار. لكن هذا الثالوث الماهر في كل وثبة فجائية تنشله من أفقيّته، يعبر المكان الواسع كطيات العمر، يلعب أو يلاعب قوّته وهشاشته، مخاوفه ومقاومته هزات الكون والوحشية السائدة. وفي عودته إلى عمق الذات، هو الحب يفتح جراحا في سدود كانت مقفلة. تتعرّض النساء للشكوك، للتناقضات، يتذكرن ولكل منهن خبر وحكاية، تروي المكان الذي فيه صار العطب، وتتساءل عما يجب أن يكون لإصلاح الكسور. لقد جئن إلى هذا العرض وفي حقيبة كل واحدة نصّها، كتبته بما أملته الحياة عليها.
كلمات مفكّكة، تنتقل من هذه إلى تلك لتتساوى في ما بينها:
ماذا تفعلين؟ عمّ تبحثين؟ ثريا طلعت من المدرسة صارت وحدها. سوف أكون ميرا. كانت تود العودة إلى بيتها وراء الجبل. أنا هنا ولست من هنا ولم أعد أعرف أين كان هناك. بالرغم مني أنا هنا. أنتمي إلى الغضب الساكن داخلي. أنتمي إلى ضحكات أولادي.
غناء حزين يعلو من حنجرة امرأة. تتعانق النساء، متواطئات في وهنهن. ثم تردد إحداهن: "ثمة لحظة تكونين على وشك الانفجار، تنزفين، وما يبقى منك هو ما كنت وما ستصيرين".
الحقائب الجاهزة للرحيل لا تحمل باليد ولا تكرج على دواليب، هي كالمزلاق يأخذهن على صرير الوقت. ذاهبات، عائدات. الحقيبة انعتاق من الأمكنة وناسها. لكل منهن وجودان، سببان للبقاء، الأمومة أحدهما: "لماذا تكلّمينني من داخلي، من بطني؟ عن طفل الحب؟"، "أنا امرأة متناسقة مع رغباتي"، "أنا عائدة إلى البلد. وجدت بيتا وحديقة، سأمشي في ضوء القمر وسأرقص تحت المطر"، "نحن جنيّات لأننا جميلات. خائبات، ممزقات، نضرم الحقد والكراهيات".
يعلو غناء بدوي وطبل يقرع، على إيقاعه ترقص وتدور وتجن. الإيقاع السريع يتباطأ كمسار حزين. الأجزاء المبعثرة منهن تتلاءم، فيما الفيديو يتجاوب مع الأجساد والكلمات.
ثلاث نساء باهرات تألّقن في هذا الفضاء الشاعري حينا، الواقعي حينا آخر، فيما الإبداع الأخراجي يرفع الحركة إلى الغريزة الأنثوية المتسامية فوق الابتذال.
النهار







0 التعليقات:
إرسال تعليق