على هامش ملتقي القاهرة الدولي لتفاعل الثقافات: مقاربة بين «رسالة الغفران» لأبي العلاء و«الغفران» للتونسي عز الدين المدني
مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني
في إطار فعاليات ملتقي القاهرة الدولي لتفاعل الثقافات الأفريقية، عقدت ندوة حول دور الفنون في التعبير عن الهوية، تحدث فيها أبو الحسن سلام أستاذ الدراما والنقد المسرحي عن ثقافة الحكي في المسرح الأفريقي، وعقد مقارنة بين النص المسرحي «الغفران» للكاتب التونسي عز الدين المدني، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري.
تحت عنوان مباهج الحكي التراثي الأشكلي في دراما شمال الغرب الأفريقي العربي قراءة مضادة لمسرح عز الدين المدني، حيث يقوم البحث على فنون الحكي، التي تقوم على استعادة الذاكرة، ويشير إلى أن التباين يتضح في ما يمكن أن يطلق عليه السرد التلخيصي، أو الحكي التلخيصي والحكي التصويري والحكي التشخيصي، وهذا ما تعرف عليه من كتبوا عن السرد، ويضيف إليه أبو الحسن خلال بحثه، أن في أعمال عز الدين المدني، نجد ما نطلق عليه السرد الإسنادي، في عدد من مسرحيات المدني مثل الغفران، وهي عبارة عن معارضة حداثية، أو ما بعد حداثية مقابلة لـ»رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، ويوضح أنه وجد النسق الذي بنيت عليه «رسالة الغفران» في جزئها الأدبي الأول، وهو رحلة ابن القارح إلى العالم الآخر، الذي لا يوصله أبو العلاء مطلقاً، إلى الجنة أو النار، لكن يضعه في المنتصف، ويضيف أن ابن القارح فعل ذلك لأنه يرى ابن القارح رجلا فاسدا ومنافقا بلا أخلاق، وليس له مذهب ديني معين، من الناحية التاريخية، كان يعيش ابن القارح في القاهرة الفاطمية في زمن كافور الإخشيدي، ثم وصل إلى سن كبيرة، أراد ان يعود إلى حلب بلده الأصلي، وهو بلد أبي العلاء المعري، كانت الشام في ذلك الوقت تتبع المذهب السني، أما مصر فكانت شيعية، أرسل القارح رسالة إلى ابي العلاء يلسن فيها على المفكرين والشعراء وكبار أعلام الأدب العربي، ويتهمهم بالإلحاد والزندقة، التي بدأها بالجبر من الجملة الأولى، «قد علم الجبر الذي نسب إليه جبريل»، لكن أبا العلاء في كل النسق الأدبي الذي صور به رحلة ابن القارح في «رسالة الغفران» التي رد بها عليه، استخدم الألغاز والترميز والتشفير إلى أبعد الحدود، والأسلوب نفسه اتبعه عز الدين المدني في عمله، فهو أراد أن يقول أنا أيضاً لدي المهارة والبراعة الأدبية والتخيلية والفكرية التي لأبي العلاء.
النقطة الأخرى أن أبا العلاء كان ينقد النص الديني في شعره وفي رسائله، وأشار إلى أن بحثه يعني بالمقارنة بين عز الدين المدني ورسالة ابي العلاء، حتى يصل استخدامه الحكي الإسنادي. في أعمال المعري كان يفكك النص التراثي الديني ويحول المتن الديني إلى الهامش، ويقوم بنقده وتفكيكه ويضعه في المركز ويحيل النص الديني نفسه، القائم على الشروحات، الإيهامية التدوينية التي تتدرع بالنص القرآني وتتخذه وسيلة للتعمية على السواد الأغلب في شعوبنا. ويوضح أن عز الدين المدني فعل هذا استناد على اجزاء من «رسالة الغفران»، لكي يكشف ادعاء وفساد ابن القارح، وأنه أبعد الناس عن أن ينتسب إلى أي قيمة، ومع ذلك ينصب نفسه متحدثاً يتهم المفكرين والشعراء بالإلحاد والزندقة، وقد أرسل إلى ابي العلاء هذه الرسالة يلمح إليه بأنه كبيرهم، المعري في تصويره للسخرية منهم، وضعه على الصراط يستنجد بالسيدة فاطمة الزهراء، لكي تساعده في العبور، فتحيله إلى خادمتها، ولكي يوضح فساده، جاوبها «أن تعبت فاحمليني»، وفي عمل عز الدين يصور ابن القارح بهذه الوقاحة ويسخر منه سخرية لا حد لها، في الغفران يصل إلى الحكي الإسنادي، حيث جاء ببعض الرموز التشفيرية مثل حاء ميم عين قاف، وجاء بشخصيات حاول أن يؤنسنها، أي يعطيها صفات إنسانية مثل القلم والشجرة والمرأة والإشكالية، أن لا يمكن أن ننسب هذه الشخصيات إلى شكل درامي لا في اُسلوب الحكي أو الحوار، تجسيداً أو تشخيصا.
أحياناً نجد الشخصيات نفسها تتكرر، من دون أن تعطينا معنى، فمثلاً القلم الذي ينتسب إلى الأنا العليا، في النص الديني نفسه، نجده بعد ذلك في موقف آخر جاء بالشخصيات نفسها لا تحمل الخطاب الذي قاله النص الديني ولكن ضده، الشخصيات تنتقد النص الديني الذي يفسر هذه الرموز التشفيرية في الآية، على أن الميم مثلاً ترمز إلى المصلي عندما ينحني للركوع، وهكذا، ويشير إلى أنها تهويمات يمكن أن تكون فيها ملامح الطريقة أو اللغة الصوفية، لكنه لا يقصدها، نجد أمامنا شخصيات مجردة عبارة عن أشياء يؤنسنها، فيمكن أن يكون القلم هو صاحب النص، الذي وضع النص، سواء كان الأنا العليا، أو كان بعد ذلك الأنا الناقدة لأي كلام يفسر النص الديني، أو يفتي بعدد من الفتاوى يؤدي إلى تجهيل السواد الأعظم وتجهيلنا، أو قطع طريق المستقبل أمام جماعتنا سواء كانت أفريقية او آسيوية، أو أي مجتمعات لها السمات نفسها أنها محكومة بتسلط ديني أو عسكري، أو تسلط الأغنياء او الرأسمالية.
ويختتم أبو الحسن سلام أن الكاتب عز الدين المدني جاء في شذرات من السيرة الرشدية يتكلم عن سيرة ابن رشد، وكيف وقف منه رجال الدين، وجاء بشخصية شيخ الرواة، الذي يقول لابد من هدر دم ابن رشد لأنه كافر وملحد وزنديق، قال هذا الكلام بالكيفية نفسها التي أخذ بها هذا المتن من غائب، وهو الوزير ابن عطيه الذي قيل عنه هذا الكلام، أعاد كلاماً قاله من قبل ونقله عنه شيخ الرواة، لو كان المتن قيل أكثر من مرة ثم نقلها بالسمع شيخ الرواة، هل نعتبر هذا تكرارا أم إطنابا، ويوضح أن الإطناب هو تكرار الكلام، من دون إضافة أو تغيير، أما التكرار هو أن يكرر مع التنويع في أساليب الاتصال، والسرد الإسنادي هو استدعاء مسند اليه وأسند اليه السند.
رانيا يوسف- القدس العربي







0 التعليقات:
إرسال تعليق