أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

السبت، 13 يونيو 2026

مسرحية ( برجلك اليمين ) تأليف:* عمار سيف

مجلة الفنون المسرحية
الكاتب عمار سيف 


مسرحية ( برجلك اليمين ) تأليف:* عمار سيف

 
الشخصيات :
 
• هو: - في مقتبل الرجولة، ناضج الملامح ، يرتدي بدلة مع ربطة عنق
 
• هي: - شابة في ذروة أنوثتها، ترتدي فستان سهرة أنيقًا متوسط الطول
 

المنظر 
 
(صالة في فندق مرتّبة بعناية في العمق باب مغلق يؤدي إلى غرفة النوم إلى اليمين أريكة أنيقة وإلى اليسار مائدة عليها كيكة صغيرة شموع غير مشتعلة وقنينة عصير وكأسان زجاج يدخلان هي أولًا بخطوات متعبة تضع حقيبتها على الأريكة، ثم يدخل هو بعد لحظة، يغلق الباب بهدوء، ينظر نحوها ثم إلى الغرفة بنظرة تجمع بين الراحة والترقّب)
 
هي : أنا فرحة جداً
هو :  كان يوماً طويلاً  
هي : قدماي لا أشعر بهما ( وهي تخلع حذائها ) 
هو : تعبٌ جميل
هي : لكنه يستحق التعب
هو : يقيناً يستحق
هي : أشعر أنني سأنام للأسبوع المقبل
      ( يضع يده من كتفها ليجلسها إلى جانبه)
هو : لا تجعلي التعب يبدو كالنهاية
هي : ليس النهاية الخوف يطغى
هو : لكن القلب يهدينا
هي : جسدي يقول لا لكن قلبي يقول نعم
هو : إذاً لننتظر اللحظة المناسبة
       (تحاول إشعال الشموع، اللهب يضيء عينيها للحظة، ثم ينطفئ تتنفس بعمق)
هي : حتى النار ترفض أن تبقى معي الليلة (تتجه نحو حقيبتها الموضوعة على الأريكة،  
        تُخرج مرآة صغيرة، تلمس وجنتيها بطرف أصابعها، تمرر الفرشاة على وجهها
         بخفة ثم ترسم شفتيها بأحمر ناعم تنظر لانعكاسها في المرآة وتبتسم بخفوت)       
         على الأقل وجهي يجب أن يصدق أن الليلة لنا
هو : (بإعجاب) تخافين الضوء أكثر من الظلام
هي : الضوء لا يرحم، يكشف ما لا نريد قوله
هو : وأنا؟
هي : أنت الضوء حين يقترب والظل حين يبتعد
هو : إذن المشكلة ليست الظلام؟
هي: صحيح… الليل لا يوجعني، الذي يوجع هو ذلك السكون الذي يلفّنا.
هو : والهدوء أحيانا  أبلغ من الكلام
      ( فجأة يرن الهاتف في حقيبتها، تلمح اسم المتصل بسرعة، تتردد لحظة، ثم تغلق
       المكالمة بهدوء وتعيد الهاتف إلى الحقيبة) 
هو : من كان يتصل؟
هي : لم يكن مهماً
هو : إذا لم يكن مهما ، فلماذا أخفيته عني؟
هي : لأنني لا أريد أن أفسد هذه اللحظة
هو : منذ البداية بدنا نخبي عن بعض 
هي : لماذا تقول هكذا؟
هو : أليس هذا ما حصل؟
هي: أنت تبالغ… ما كان خارجك كان بيننا
هو : ما زال صوت الخارج يسبق صوتي عندك
هي : لا لم يكن الأمر كذلك
هو : إذًا لماذا شعرتُ أنني خارج اللحظة؟
هي : لأننا نخشى أي صوت يربك لقاءنا
هو : ليس الصوت، بل ما نخشى أن نراه في داخلنا
هي : ربما أحياناً صوت رأسي أعلى من صوتك
هو : (يقترب منها) ولهذا أريد أن أكون أقرب بدون حواجز
هي : الحواجز نحن نضعها معاً لأننا نخشى على اللحظة قبل أن تولد
هو : (بتوتر) وهل حماية اللحظة تعني أن تخفي كل شيء؟
هي : (تبتسم وتُخرج الهاتف) كثيراً نحمي ما نحب حتى من أنفسنا إن أردت أن ترى 
        تفضّل
هو : (بدهشة وتردد) كيف لا أثق بك؟ أنت كل ما أملك
هي : معك كل شيء بداخلي يستسلم لطمأنينتك
هو : ( يمسك يدها) هل نجرؤ أن نمضي أبعد؟
هي : معك أجرؤ أن نكون نحن بلا تردد
هو: ربما ما نحتاجه الآن ليس الكلام، بل لحظة هدوء
      (يأخذ القنينة العصير، يبدأ بسكب العصير في الكأسين)
هي : لا تفتحها الآن، لا أشتهي شيئاً
هو : لا بأس كأس صغير للذكرى فقط
       (يملأ الكأسين يناولها واحداً تتردد ثم تأخذه)
هي : للذكرى… نعم
      (يمدّ لها الكأس، ويرفعان الكأسين معاً)
هو : لنشرب لما بدأ
هي : أم لما انتهى؟
هو : (يبتسم) لا شيء ينتهي، فقط يتغيّر شكله
هي : (تنظر إلى الكأس) أحياناً حين يتحقق الحلم يبدأ بالانطفاء
هو : أو يبدأ بالحقيقة
هي : الحقيقة متعبة
هو : مثلنا تماماً
هي : هذه الكأس تشبهنا، نقترب منه كثيراً، ولا نلامسه
هو : أتراكِ نادمة؟
هي : لا.. فقط لا أصدق أننا فعلناها أخيراً
      (ترفع الكأس قليلاً ثم تضعها دون أن تشرب، نظراتهما تتقاطع )
هو: لم تتذوقيه بعد
هي: يكفيني ما شعرتُ به
هو : كل ما تشعرين به يزداد جماله
هي : والجمال يوجع مراراً 
       (يحاول الاقتراب منها  تتراجع إلى الأريكة، التوتر ظاهراً عليه )
هو : هل تمنّيتِ لو لم نأتِ؟
هي : (بتعجب ) تمنّيت؟
هو : أرى فيكِ قلق لم أعرفه من قبل
هي : لا أعلم لكنه يسري بيننا (فجأة ينقطع التيار الكهربائي الظلام  يعم على المكان) ما  
       الذي حدث
هو : مجرد انقطاع للكهرباء لا أكثر
هي : أهوو… حتى هنا
هو : ما الجديد 
هي : صارت جزءاً منّا
هو : ولا مكان آمن منها
هي : حتى الضوء يتلاشى ولا شيء يبقى معنا للنهاية
هو : وربما لم نعد نعرف أين نجد الأمان
هي : ومع ذلك فينا شرارة صغيرة لا تنطفئ
هو : يخيّل إليّ أننا مجرد أسلاك ضائعة يشدّها من لا نراهم
هي : تقصد…؟
هو :  (مقاطعاً) ومن غيرهم؟
هي : (بقلق) بدأ السواد يخيفني
هو : لا تدعيه يفرّق بيننا
هي : الظلام يكشف ما نخبّئه
هو : ونحن نختار كيف نواجهه معاً
       (يشعل شمعة على المائدة، يضيء جزءاً من المكان، يقتربان من بعض)
هي : في الظلام يبدو كل شيء صادقاً حتى الخوف والقلق
هو : ومعك كل شيء يصبح أهون
هي : ربما هذا فرصة لنرى ما نخبئه عن بعضنا 
هو : نعم كل شيء يبدو أسهل معك
هي : (بفرح) لم أتوقع أن نصل إلى هذه اللحظة أخيراً
هو : (مبتسماً) أخيراً بعد كل هذه المعاناة
      ( تتقرب منه وتداعب شعره باناملها) 
هي : أشعر بشيء ما يجمع الفرح والقلق بقلبي
هو : ( يتنهد ) ومعكِ  يهدأ كل شيء
       (يقتربان اكثر أنفاسهما تتداخل الحميمية تتصاعد ، ثم تتراجع هي خطوة صغيرة. 
       تبقى نظراتهما معلّقة بين رغبة وتردّد)
هي :  أشعر أننا نسير على حافة لا نملك السيطرة عليها (تستذكر لحظة ما ) ربما السبب 
         أنني أعرف هذا الشعور جيداً، وقفتُ عند هذه الحافة سابقاً، مع شخصٍ ظننتُ أنه 
         سيكون سندي، وفي اللحظة التي مددتُ له يدي( بحزن ) تركها تسقط من يومها، 
         كأن الماضي ينبّهني ويحذرني عند الحافة لا أحد ينقذك (ترفع رأسها نحوه ببطء) 
          وأحاول أن أصدّق أنك لستَ تلك اليد التي أفلتتني.
هو : وهل أنا السبب؟
هي : لا… فقط أحتاج أن أفكّر وحدي
هو : وحدكِ؟
هي : للحظة فقط
هو : أفهم خذي وقتك (ينهض ببطء ويتجه نحو النافذة، يراقبها من بعيد) هل انتهى كل 
      شيء؟
هي :  نحتاج وقت نفهم أنفسنا
هو : صعب لكن سأحترم رغبتك
هي : لا أريد أن أبتعد، فقط أن أهدأ قليلاً
هو :  قلبي لا يعرف الانتظار
هي :  فقط و ….
هو : (مقاطعاً ) سأنتظرك مهما طال الوقت
      ( تجلس هي على الأريكة، يراقبها هو من النافذة فجأة يقترب كل منهما خطوة)
هي : كل شيء بيننا أصبح واضحاً والبعد يؤلمني
هو : لا نستطيع البقاء هنا
هي : الحب يختبر خوفنا
هو : لنجرّب أن نكون بلا خوف
هي : وماذا لو خسرنا؟
هو : حينها سنقف معا على أطلال التردّد
هي : أو نكتشف أننا أقوى مما ظننا
هو : تقولين أقوى لكن كل خطوة منك تكشف ضعفك
هي : ( بغضب وخذلان) كنتُ معك حين خذلك الجميع، كنتُ قوّتك، وسندك، وظهرك،

       وعونك، وطمأنينتك، ومع ذلك ما زلتَ تراني هشّة أمامك

هو :  وأنا لم أفعل لك شيئاً يا ناكرة الجميل، قضيت عمري بجانبك، والآن تحاولين أن

        تصغريني أمامك، وتظنين قوتك قادرة على هزيمتي، أقسم لك إن بقيتِ هكذا،

       سأريك وجهي الآخر، وسأدمر كل ما يربطنا

هي : دمر ما شئت، لكن لا تظن أني سأقَعَ بين شظاياك
       (يخلع ربطة عنقه ويحاول الإمساك بها) 
هو : لا تجعليني أقتلك!
هي : (تدفعه) لن تستطيع!
هو : سأضطر لفعل أشياء سأندم عليها في المستقبل!
هي : (تضرب يده) ربما أنا من ندمت حين وضعت يدي بيد رجل مثلك!
      (يحاول أن ينقض عليها، يرفع ربطة العنق نحو عنقها باندفاع غاضب، تتراجع هي 
       خطوة مذعورة ، يتجمّد ينهار غضبه، يتراجع، يرمي الربطة على الأرض)
هو : لماذا ايقضتي هذا الوحش بداخلي، هل هذا ما أردتِ رؤيته، هل هذا ما كنتِ تبحثين 
       عنه؟!
هي : (بارتباك) ما رأيته كان خوفك… لا وحشاً
هو : خوفي من نفسي حين أقترب منك
هي : كانت ذاتُك التي أخفيتها بالصراخ
هو : (ينفعل) أصرخ لأنني لا أحتمل ما تشعلينه في داخلي!
هي : لا أريد غضبك أريد وضوحك
هو : (ينظر ليده هي ترتجف) هذه اليد ترتعش قبل أن تلمسك
هي : (بهمس) لأنها لا تريد أذيتي، بل تريدني انثى
هو : (يقترب) أخشى أن ألمسك فيسقط كل ما اكتمه
هي : فليَسقُط ما دام يسقط إليّ
هو : لا أعرف كيف أكون هادئاً معك
هي : ليس مهم هدؤك اريدك كما أنت
هو : كل ما فيّ موجود لك
هي : (تلمس وجنتيه) قلها بيديك
هو : (يمسك خصرها) أخشى أن أفقد نفسي إذا وجدتُك
هي : وأنا لا أخشى ضياعك فيّ
هو : قربك يربكني، وبعدك يقتلني
هي : تعال واهدأ هنا (تضمه إلى صدرها، يضع يده على خصرها، تميل برأسها على كتفه   
       وبهمس دافئ، يكاد يذوب) هكذا اجعل لمستك كلاماً
هو : وإن طلبتِ أكثر…؟
هي: خُذ ما تحتاج… ما دمتَ تُعيد لي نفسي
هو: وفيكِ وجدتُ ما ضاع منّي
هي : نبدأ من هنا؟
هي : خذ ما تحتاج ما دمتَ تُعيد لي نفسي
هو : وفيكِ وجدتُ ما ضاع مني
هي : نبدأ من هنا؟
هو : بل نكمّل ما لم نجرؤ على قوله
هي : الأهم لا يُقال بسهولة
هو : ربما تُحكى النظرات أكثر من الكلمات
هي : (تبتسم) وربما بعد كأس آخر
هو : أو حين يطل الصباح بلا خوف.
هي : الصباح يكشف كل شيء حتى الأحلام
هو : لكنه يمنحنا نوراً لنبدأ من جديد
     (صوت مصعد يُفتح ويُغلق من بعيد، تنظر هي نحو الباب كأنها تتذكّر شيئاً)
هي : هل أقفلت الباب؟
هو: نعم لا أحد سيأتي
هي : أحياناً حتى حين لا يأتي أحد، نشعر أن هناك من ينتظر وراء الباب
هو : (مستاءاً) ما بكِ الليلة، تتحدثين كأننا في فيلم رعب؟
هي : (بهدوء) بل في ليلة عمرنا
هو : وهذا سبب كافٍ لأن نترك الخوف خلف الباب أيضاً
هي : القلق لا يقف عند الأبواب، يدخل معنا إن أردنا أم لا
هو : إذًا لنجعله ضيفاً لا سيداً (يصمت لحظة، ثم يضحك يحاول بها كسر الجو) لا تحوّلي
      الليلة إلى مناقشة
هي : بل إلى اعتراف
هو : اوووو… أنتِ متوترة وتقولين أشياء غريبة
هي : غريبة لأنني لا أبتسم بما يكفي؟
هو : لأنك تجعلين كل شيء أثقل مما هو عليه
هي : (مستاءة، تبتعد عنه قليلاً) ربما لأنني الوحيدة التي تحمل ثقله
هو : (بهدوء) فهمت 
هي : ( مستهزءة) آسفة نسيت أن الفرح يجب أن يكون صاخباً دائماً
هو : لم أقصد هذا
هي : بل قصدتَ، أن أبدو كما تريد، لا كما أريد أنا
هو : أردت أن نبدو معاً لا متباعدين
هي : التباعد لا يُقاس بالمسافة
هو : (يتنهد، يتقدّم نحوها)  لم أقصد أن أُغضبك، فقط أردت لحظات بسيطة بلا أسئلة
هي : وأنا لم أتعلم بعد كيف أكون بسيطة
هو : البساطة ليست ضعفا ، هي شجاعة من نوع آخر
هي : وأنا شجاعتي متعبة الليلة
     (يقتربان بكل حب، نظراتهما تعبّرعن شعور خفي)
هو: (بشبق) تعالي لا نُفسد هذه الليلة بكلمات لا نريدها
     (يتقدّم نحوها، هي تظلّ صامتة، ثم تقترب نحوه بخطوة)
هي : لم أقصد أن أغضبك
هو: ولم أقصد أن أبتعد عنك
      (يبتسم يمرر يده على يدها برفق، تلتقي أعينهما بنظرة حارة، تنحني نحو صدره، 
       يضمها بلطف، جسدهما قريب وأنفاسهما تتلاحم)
هي : كم نحن متعبان حتى الفرح يرهقنا
هو: أحياناً الفرح يُتعب أكثر من الحزن
هي : الفرح يزداد حرارة بقربك
     (يضحكان بخفوت، أجسادهما متلاصقة، كأنهما يخافان أن يسمع أحد ضحكتهما)
هي : الآن فقط شعرت أننا وحدنا
هو : وحدنا أخيراً
هي : لكن كأننا ما زلنا ننتظر شيئاً
هو : ربما الطمأنينة بلا وجع
     (يتراجعان برفق عن بعضهما، تبقى أيديهما متشابكة كخيط رقيق يربطهما، ثم
      يقترب هو من المائدة ليأخذ الكأسين ويعطي واحداً لها)
هو : نخب الهدوء
هي : نخب البداية الجديدة
هو : والبقاء معاً مهما اختفى الضوء
     (يرتشفان كاسيهما بهدوء، نسمع موسيقى هادئة وعاطفية تملأ المكان)
هي : (مبتسمة) غريب أليس كذلك؟
هو : ماذا؟
هي : أننا هنا رغم كلام الناس الذي كاد يشتتنا، والتردد الذي كاد يفصلنا
هو : لا تبدئي هذا الآن، الكلام مضى
هي : بل ستسمعه لأنك لم تسمعه يوماً، قبلت التواصل مع من لم يريدوا لنا الخير
هو : (مراوغاً) وماذا كنتِ تريدين أن أفعل؟ هل كنا نبدأ رحلتنا مقاطعين الجميع؟
هي : أردت أن أصدق أنك جئت إليّ من أجلنا، لا لأحد آخر،هل كان كل هذا مجرد قناع؟
     (يضرب الكأس بخفة على الطاولة، صوته يرتج المكان)
هو : كفى لن أسمع أكثر(يتنهد، يبتعد خطوة عن الطاولة) هل سنبدأ معركتنا قبل أن ندخل 
      (يشير باصبعة على باب الغرفة النوم) 
هي : (ببرود) نحن بدأناها بالفعل
هو : (يصرخ) اتفقنا أن ننسى الماضي، وأن نبدأ بصدق!
هي : (تتجاهله تتجه بنظرها إلى المرآة) الماضي لا يُنسى، فقط يغيّر شكله
هو : (مكسوراً) وهل نبدأ الليلة أم نؤجلها كما أجلنا كل شيء؟
هي : ربما الليلة هي البداية أو النهاية التي لم نعترف بها بعد
       (تقترب من المرآة، تفتح حقيبتها، تُخرج زجاجة عطر صغيرة، ترش قليلاً على 
        معصمها، تشمّه ببطء) 
هي : رائحتي كانت تعني الحب ،واليوم تذكّرني بما خسرنا (تضع الزجاجة على المائدة، 
        تنظر إلى انعكاسها للحظة قصيرة) المرآة لا تكذب، تُرينا كما نحن متعبين،            
        خائفين ، وربما خذلنا من راهن علينا 
         (يقترب منها هو يظهر وجهه خلف كتفها في المرآة، أنفاسه تلامسها، تمتزج 
          برائحة العطر)
هو : رائحتك تشبه بداية المطر
هي : لأن المطر لا يأتي إلا حين تضيق السماء
هو : أم لأنك تشتاقين أن تبللك الحياة
هي : (تتنفس بعمق) ربما... أو لأن العطر هو الشيء الوحيد الذي لا يخون الجسد
هو : بل يفضحه
هي :  (تلتفت نحوه بابتسامة ) إذًا دعه يفضحني الليلة لا أحد سوانا ليسمع
        ( تقف أمام المرآة، ترفع معصمها نحو وجهها لتشم أثر العطر، وهو يقترب خلفها 
        ويطوق خصرها برفق، تتشابك أصابعه أمام بطنها، جسداهما متلاصقان، تتنهد
        بهدوء، ويغمس وجهه في عنقها)
هو: الرائحة هنا تقتل
هي : لا تدعها تقتلك بل أحييني بها ، لم أكن أدرك كم كنت بحاجة إلى هذا السكون
هو : برأيك ماذا تريدين أن نفعل؟
هي : أن نعترف بأننا لا نعرف كيف نبدأ، وقد جئنا إلى هذه الغرفة ونحن نحمل ضجيج 
      العالم معنا
هو : (بتنهيدة) الضجيج يملأ المكان حتى قبل أن نلمسه
      (يحتضنها أكثر إحكاماً، تتشابك أنفاسهما، ويمنحهما قربهما شعوراً بالهدوء وسط
        كل الضجيج.)
هو : آآآه … كم كنتُ محتاجاً إلى هذا الهدوء
هي : (بهمس) والعالم ما زال ينتظرنا هناك لكن هنا، وجدنا هدوئنا 
هو : دَعِيه ينتظر
       (يمد يده نحو المقبض، تتقدّم هي خلفه خطوةً، تقترب أكثر مما توقعت، لكنها
        مترددة، كأنها تريد الدخول لكنها تخشى)
هو : (بحنان) هيا لندخل عالمنا الجديد، حلوتي
       (تتجمّد وتبتعد خطوة كأن الكلمة اصطدمت بها فجأة)
هي: ماذا قلت؟
هو:  (يلتفت لها مطمئناً) حلوتي ماذا بها؟
هي : (بمرارة) هذه كلمتك لها
هو : لمن
هي : حبك القديم 
هو : (يده تنزل عن المقبض الباب ببطء ) لم أقصد خرجت مني بلا وعي
هي : اللاوعي لا يكذب
هو : أنتِ تكبّرين كلمة 
هي : وأنت تصغّرها لأنها لا تؤلمك ، لأنها تعيدك ظلاً لامرأة أخرى
       (يبتعد خطوة عن الباب، نصف ابتعادٍ ونصف دفاع)
هو : أتريدين محاسبتي على ماضٍ انتهى؟
هي : لم ينتهِ، ما دام يتكلم بصوتك
هو : قلتُ كلمة واحدة!
هي : لكنها خرجت في الوقت الخطأ، وفي المكان الذي يجب أن يكون لي وحدي
هو : (بانزعاج) لماذا لا تفهمين أنني معك لا معك أنت!
هي : معي أم معها؟
       (يقترب خطوة تتراجع هي خطوتين)
هو : أنتِ تجرّينني إلى حافة لم أعد أستطيع الوقوف عليها
هي : وأنا خائفة، ولا أعرف كيف أمنحك يدي ثم أسلّم نفسي للهواء
هو :  (ينفجر) لكِ…والله لكِ فقط!
هي : قلها بلا صراخ.
هو :  (يرتفع صوته اكثر) لماذا كل شيء عندك امتحان؟!
هي : لأنك تسقط فيه كلما تراجعت للخلف!
      (يمد يده نحوها تتراجعهي اكثر، يحاول الإمساك بها تدفع يده بعيداً)
هو : (ينفجر) لا تدفعي يدي!
هي :  (تصرخ) لا تلمسني الآن!!
       (يغضب مفاجىء ويصفعها تتراجع خطوة،هي تضع يدها على خدها، تنظر إليه
         بدهشة يصبح الجو مشحون مصحوب بالتوتر)
هو :  (منهارًا) آسف… اقسم … لم أقصد…
هي : تماماً مثل الكلمة لم تقصد لكنها وصلت
      (تتراجع إلى منتصف الغرفة، وهو واقف عند الباب يده ترتجف على المقبض،  
       صمت ثقيل، أنفاسها متلاحقة، وعيناها تراقبه بين الغضب والرغبة والخوف)
هو : (متهالكاً) لا أستطيع تحمّل هذا الانتظار…
هي:  (تتقدم خطوة، تبعد يده عن المقبض بقوة) الانتظارهو الحقيقة الوحيدة التي بقيت 
        لنا!
هو : (بحدة يدفعها قليلاً نحو الأريكة) أنا دائماً أنتظرك لكنك لا تدركين!
هي : ألا يكفي ما بيننا؟
هو : لا… لا يكفي 
هي : كفى … أنت دائماً  تفعل ما تريد!
       ( يقترب منها وبصوت يائس وخافت، يمسك وجهها بكلتا يديه، نظراتها غاضبة ) 
هو :   وأنا دائماً أريدكِ لكنكِ لا تتوقفين!
هي :  (بارتجاف ) ماذا تريد أن تنهي بالضبط الآن؟
        (يقترب منها حتى يلتصق بها ، توتره واضح في ملامحه، وجهه يوحي في لحظة 
          واحدة بأنه على وشك أن يقبّلها أو أن يقتلها)
هو : أن أكسر كل ما بيننا… الآن!
       (يتردد لوهلة، ثم يدفع جسده عنها بعنف ، الكأس يسقط ويتحطم بصوت قوي 
        فجأة ينقطع التيار الكهربائي، يغمر المكان الظلام تتصاعد الأصوات في الظلام 
        ارتطام الأجساد، تمزق القماش، تحرك الأثاث، أنين مكتوم، شهيق وزفير حار، 
        تتداخل أنفاسهما بين والرغبة والغضب ، فوضى مشوشة لا يُعرف هل هي شهوة
      أم غضب، فجأة، يعود التيار الكهربائي، الضوء يكشف فوضى الغرفة،صوت الزجاج      
       المكسور، الأريكة متحركة من مكانها، قماش ممزق، هو جالس على حافة الأريكة،
        رأسه محني يديه على وجهه يحاول كبت إحساسه، هي تقف على بُعد خطوات،
        ترتجف، تعيد ترتيب شعرها بعصبية، لا ينظر أي منهما إلى الآخر، كلاهما يتحرك 
        ببطء نحو أبوابه ،هي نحو باب غرفة النوم، وهو نحو الباب الخارجي. تصل
        أقدامهما تقريباً في الوقت نفسه، يفتح كلٌ منهما الباب قليلاً، حركة متزامنة
        يتوقفان، ينظران لبعضهما مباشرة، لحظة شديدة التوتر والصمت، كل شيء 
        متوقف بينهما الغضب، الرغبة، الانكسار، الحرية تنطفىء الأضواء تتربجياً يعم الظلام 

                    (ستار )

*العراق – الناصرية 
     13 – 1  –  2026 
ammarsaef71@gmail.com
ملاحظة: لا يُقدَّم هذا النص دون علم المؤلف






0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption