أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الجمعة، 14 أغسطس 2026

النقد الأدبي للنص المسرحي مسرحية ( من مواسم الهجرة و الجنون ) للمؤلف محمد حسين الشرفي نموذجا دراسة تحليلية / الدكتور عزيز عايض السريحي

مجلة الفنون المسرحية


بسم الله الرحمن الرحيم 
النقد الأدبي للنص المسرحي مسرحية ( من مواسم الهجرة و الجنون ) للمؤلف محمد حسين الشرفي نموذجا
دراسة تحليلية / الدكتور عزيز عايض السريحي

حمد لله الذي تتم على يده صالح الأعمال و الصلاة و السلام على خير البشر محمد  صلى الله و عليه و آله وسلم و على من سار على نهجه إلى يوم الدين .
أن اختياري للأدب المسرحي كنص أدبي كتب بلغة معروفة ليمثل على خشبة المسرح ، كنوع من أنواع الأدب اليمني الحديث ، المسرحية اليمنية ألفت بلغة شعرية ونثرية لها أسلوب معين ، تختلف على الأنواع الأدبية الأخرى مثل ( الشعر و القصة و الرواية و الحكاية .... ) .
سمي هذا الأدب ( الأدب التمثيلي ) كتب ليمثل له قواعد و أسس في كتابة النص المسرحي ( المسرحية ) هناك من لا يفرق بين أنواع الأدب ويخلط بينهما ، و يعد النقد هو المدح و الذم فقط ، النقد أكثر من هذا المفهوم  ، النقد للنص هو إبداع جديد للنص المكتوب ليقيم النص و يبين الضعف و الغموض الذي فيه ، و يبن اللغة و البنية الدرامية للنص . 
كتب النص المسرحي اليمني ( المسرحية ) الثلاثية و الرباعية أي ثلاثة فصول و الأربعة فصول ، لها شبيه في تقسيم المسرحية اليونانية و الرومانية ،  أن اختلفت معها من ناحية اللغة و المضمون والشكل منطلقا من ثقافتنا الإسلامية و القيم و المبادئ التي نؤمن بها ، لكنها تشبها من ناحية التقسيم للفصول والمشاهد .
تطورت الكتابة المسرحية و ظهرت المسرحية المنظمة ( الفصل و الفصلين ) مثل المسرحيات الاجتماعية أي ما يسمى ( الواقعية ) لدى الغرب ، كما ظهرت المسرحية التاريخية و الدينية ما يسمى في الغرب ( الكلاسيكية الحديثة )  كانت هذه النصوص لها مكانة بين الأدب العربي و العالمي .
أن الأدب المسرحي أدبا قائم بذاءته ظهر قديما وحديثا ، أهتم بالإنسان و المجتمعات ، عالج مواضيع إنسانية ، اجتماعية ، تاريخية وغير ذلك .
أن أهمية النقد للنص المسرحي المكتوب بعد بمثابة إحيائه في الدراسات الأدبية بهدف تطوير المعرفة ، و تحليل اللغة و الخطاب المسرحي ، النقد البناء لتطور كتابة النص المسرحي اليمني .
 كان المؤلف المرحوم محمد الشرفي له موقف من النقد يقول ( لقد نقدني الكثير، استفدت من النقد الجاد ، وأهملت بعض النقد غير الموضوعي ، لم أرد لا متألما ولا مصححا ، إلا بعض المرات المحدودة ، عندما ألمس الناقدين يتناولون جوهر القضايا بغرض الإلغاء لها ، أو تسفيفها ، أو الأغراء بصاحبها ، عندما يتناولون أقتلاع الشجرة من الجذور ، و البناء من الأساس ، خاصة إذا كان هولاء النقاد من ذوي الأقلام البارزة و الكلمة المقروءة و المؤثرة ) انظر ( مقدمة المسرحية )
لذا أتمنى أن لا أكون من الذين يقلل من قيمة الإبداع الفكري للمؤلف ، النقد عندي هو إبداع جديد يضاف إلى إبداع المؤلف في تقييم النص الأدبي ، وإظهار الغموض الذي فيه ، مع الإشارة إلى بعض النقص فيه بهدف الاستفادة و التطوير لكتابة المسرحية المعاصرة .
مستدل بنموذج من المسرحيات اليمنية الحديثة ، للمؤلف المرحوم الشاعر محمد الشرفي و هي مسرحية ( من مواسم الهجرة و الجنون ) بهدف افادة القارئ للأدب اليمني الحديث و الممارس لفن المسرح .
قبل الخوض في موضوع الدراسة علينا أن نتعرف بشخصية المؤلف و أعماله ، لكي نفيد القارئ بما قدم من مؤلفات مسرحية ، دعم بها المكتبة اليمنية و العربية و الإسلامية .
حياة المؤلف الشاعر محمد الشرفي ومؤلفاته
ولد الشاعر محمد الشرفي يوم ولدت الكلمة المعبرة المؤثرة التي تعالج القضايا الإنسانية و الاجتماعية و التاريخية وهموم الوطن و المواطن  ، ولد في قرية الشاهل - محافظة حجة - اليمن عام  1940 م وتوفى عام 2013 م
درس في مدراس القرية ثم أنتقل و اصل دراسته في المدرسة العلمية التي تؤهله ليكون حاكما أو قاضيا حسب رغبة و الده ، لكن ذلك لم يتحقق و شاءت الأقدار أن يهتم بالأدب و الفن ، ساهم بقصيدة و تمثيله حين كان طالبا ، وهو في عمر الحادية عشر من عمره ، انتقل إلى الدراسة في القاهرة ، كانت دراسته تعبيرا عن أهات المراءاة اليمنية و معاناتها .
عمل في إذاعة صنعاء 1960 م حتى 1965 م ثم في وزارة الخارجية حتى 1967  - ثم عين في سفارات اليمن في العديد من الدول العربية ، منها لبنان ، مصر ، إيران ، الجزائر .
كانت له علاقات مع رموز الأدب و الشعر و المسرح و الفكر في الوطن العربي وبالأخص في مصر جعلت منه شخصية تمتلك رؤيا و ثقافة واسعة ، فيقول ( كانت أقرب الرموز إلى نفسي ، و أكثر التصاقا الشاعر الكبير المرحوم صلاح عبد الصبور و زميله الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي ، محمد إبراهيم أبو سنه وغيره ومن الأساتذة و الدكاترة عبد القادر القطر ، عز الدين إسماعيل ، إبراهيم الصيرفي ، فاروق خورشد ) .
اهتم بالعدالة و الحرية و الوطن في جل أعماله المسرحية ، حارب الظلم و الطغاة  المتكبرين المتجبرين الذين يسعوا في الأرض الفساد ، حارب الانتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة ، حارب التخلف و الفقر وشجع على العلم و المعرفة ، كان الإنسان اليمني محور الصراع من أجل البقاء ، لإفشال الاحباطات الداخلية و الخارجية ، كان يحلم بمستقبل بوجه اليمن المشرق ، وجه اليمن هو الحرية ، و السيادة ، و الاستقلال للأرض و الإنسان .
موقفه من النقد 
كان للمؤلف موقف من النقد إذ يعد ذلك مهما لأعماله الأدبية فيقول .. أنا بالذات اعتبر النقد مهما بالنسبة لأعمالي الأدبية ، موضوعية النقد لا تجرحني ، ولو كانت جارحة ، أنها تنطلق بي آفاق جديدة في تجربة الخلق و الإبداع .
 هذا يدل على اهتمامه بالنقد و ما له من أهمية في أحياء النص في الدراسات النقدية كان حريصا في متابعة النقاد لتقديم رؤيتهم في أعماله يقول .. قلت للدكتور رحومه كنت أريد في حديثك في جريدة الميثاق عن مسرحيتي موت بلا أكفان أن تبرر العيوب من وجهة نظرك ، و الأخطاء ، في الشكل و المضمون لا أستفيد منها في كتاباتي المسرحية الجديدة ، كما قلت للدكتور عبد عودة ، وهو يحدثني عن بعض الملاحظاته النقدية بلطف الناقد الذكي ، ... تمنيت لو سمعت تلك الملاحظات من زمن بعيد منك أو من ناقد آخر ، أنا لا أريد أن أتوقف عن الكتابه ، لكني أحاول الأجود و الأفضل ، ولا أكرر الأخطاء و العيوب .
تأثر بحركات المسرح في الوطن ، و بالمدارس الحديثة و المعاصرة ، متخذا موقفا أن المسرح يجب أن يكون ملتصقا بهموم الشعب و نضاله و تضحياته ، و أن لا يتعدى المضامين في أي شكل من أشكال المسرح القادم من الغرب ، إلا بالقدر الذي يثري التجربة ، بحيث تبقى ملامح المشاكل ، و الهموم العربية المحلية ، واضحة ، وبارزة .
بعض من مؤلفاته المسرحية 
 أرض الجنتين
 الأنتظار لن يطول 
 العجل في بطن الأمام 
 صنعاء في قبضة الشياطين 
 المرحوم لم يموت 
 الغائب يعود 
 حريق في صنعاء 
 العشاق يموتون كل يوم 
 الطريق إلى مارب
المعلم و الحارس
موتى بلا أكفان
لليمن حكاية أخرى
الكراهية بالمجان
من مواسم الهجرة و الجنون 
السجين الأخير 
تعريف مصطلحات 
النقد :- هو إبداع جديد يضاف إلى إبداع المؤلف و الشاعر في كتابة الأدب ، لتقييم النص و تحليله وتحديد البنية الدرامية ، و الصور الجمالية ، و اللغة و الحوار ، لإبراز الغموض ، وتحديد النقص للنص الأدبي . 
النقد نوعان :    النقد الأدبي و النقد الفني ، الأول يهتم بنقد الأدب ، الثاني يهتم بنقد الفنون 
 المسرحية : عرفت المسرحية بتعريفات مختلفة هناك من عرفها ( أنها نوع أدبي يعرض جانبا من الحياة عن طريق حكاية فيها شخصيات تطورها حتى الذروة ، ثم تجد لها حلا ... هي نص أدبي يعرض الجوانب و التجارب الإنسانية و النفسية في قوالب جمالية لتصل إلى الجمهور فتعمق تفعلهم بالحياة ) هناك من عرفها بنت الأسطورة لوجود الشبة بينها و بين الأسطورة .
لكني أرى  تعريف المسرحية :- هي نوع من أنواع الأدب العربي الحديث ، ألفت شعرا و نثرا و حوارا ، لها موضوع معين ، تعالج قضية إنسانية أو تاريخية أو اجتماعية ، بلغة معروفة ، عبر شخصيات لها مواقف و أفكار مختلفة تتصارع في زمن ومكان محددين ، ينتج أحداث مختلفة ، جميع الأحداث تخدم الهدف الأسمى ، لها بداية و نهاية .
أنواع المسرحيات 
المسرحيات التاريخية 
المسرحيات الاجتماعية 
المسرحيات الكوميدية 
أبدع اليمنيون في كاتبة النص المسرحي وعلى راسم علي أحمد باكثير ، الذي يعد رائد المسرحية التاريخية في الوطن العربي بعد أحمد شوقي ، وربما فاق إنتاجه المسرحي غيره في تأليف أكثر من ستون مسرحية .
ألفت المسرحية التي تحتوي على ثلاثة فصول و أربعة فصول المسرحيات القديمة ، ثم ألفت المسرحية الحديثة التي تحتوي فصل أو فصلين ، و يعد المرحوم المؤلف المسرحي محمد الشرفي من المبدعين اليمنيين الذي ألف المسرحيات التي تحتوي على فصل و فصلين و الثلاثية و الرباعية مثل مسرحية ( من مواسم الهجرة و الجنون )  عنوان المسرحية التي اخترتها نمؤذجا .
 كان الحرف هو بداية العنوان ( من ) للسؤال عن تلك المواسم للهجرة و الابتعاد عن أرض الوطن ، و ماهي أسباب تلك الهجرة ؟ هل للهجرة جنون ؟ الجنون هو ذهاب العقل ، كما يقال المثل الفنون جنون ، لقد كان العنوان بصيغة سؤال ، يجعلنا نتصور تلك المواسم شتاء أو صيف ، و نتخيل المهاجر الذي ذهب العقل منه في تلك الهجرة .
لقد أعتمد المؤلف المرحوم محمد الشرفي باختيار أسماء مسرحياته بأسماء لها دلالة دليل على تمسك المؤلف بالحرية و العدل و الأرض و الوطن ، على سبيل المثال ( أرض الجنتين ، الطريق إلى مارب ، العشاق يمتون كل يوم ، يموتون بلا أكفان ، السجن الأخير ، حريق في صنعاء .... وغيرها ) 
نجد مفردات ( الأرض – الطريق – الموت - السجن – حريق  ) جميع هذه الكلمات لها دلالة و أكثر من معنى ، الأرض تدل على الأصل ، تدل على الخير ، تدل على النماء ، الأم وغير ذلك و سميت اليمن بأرض الجنتين لذكرها في القرآن الكريم في سورة سبأ ؟ آية (15) (( لقد كان لسبا في مسكنهم آية جنتان عن اليمين و عن الشمال ، كلو من رزق ربكم و اشكروا له بلدة طيبة ورب غفور )) صدق الله العظيم 
الطريق تدل  على المسير و المنهج ونوع هذه الطرق وعرة أو الطرق  هل هي مستقيمة ، أو معرضة للمخاطر و الصعاب ، أمنه تؤدي إلى النجاة ، و تختلف الطريق عن الطريقة و هي الاتباع على النهج ، قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأحقاف آية ( 30) ( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم ) صدق الله العظيم ، وقوله تعالى في سورة الجن آية (16 ) ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاء ) صدق الله العظيم 
كما نلاحظ ذلك في مفردة ( الموت ) التي تدل على معاني متعددة ، هي النهاية لكل إنسان ، هو الفراق الحقيقي ، الموت هو الحق قال الله سبحانه وتعالى في سورة النساء آية ( 78) ( أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ... ) صدق الله العظيم 
السجن يدل على العزلة ، البعد عن الناس ، قيد للحرية ، قال سبحانه وتعالى في سورة يوسف آية ( 32 ) ( قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه و إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) صدق الله العظيم 
 قسم المؤلف المسرحي الشاعر المرحوم مسرحيته ( من مواسم الهجرة و الجنون ) إلى أربعة فصول يحتوي كل فصل على مشاهد أساسية و ثانوية في بعض المشاهد كما في الفصل الأول الذي يحتوي على أربعة مشاهد ، و يحتوي الفصل الثاني خمسة مشاهد ، كما قسم الفصل الثالث إلى مشهدان ، و الفصل الرابع مشهد واحد ، نلاحظ أن هناك خلل في التقسيم و عدم التساوي بين المشاهد في الفصول ، قد يكون هناك فارق بين فصل و اخر بمشهد ، لكن أكثر من ذلك يفقد النص البنية و النسق المنظم .
 كما لم يهتم المؤلف بوحدة المشهد و يمهد المشهد السابق للمشهد الذي يليه كما في المسرح الدرامي ، أو الالتزام بوحدة المشهد كما في المسرح الملحمي ، كما في الفصل الأول وغيرة .
 أعترف المؤلف بذلك في مقدمة المسرحية أنه دمج بين المسرح الواقعي و الملحمي ، لكي يعطي شكلا جديد ، لكنه لم يكن يعي أن المدرستان مختلفان عن بعضهما ، الأول تعتمد على تسلسل الأحداث و الصدق الداخلي ما تسمى النفسية ( المعايشة ) حسب العقل و المنطق ، بينما الأخرى تعتمد على التغريب و فصل المشاهد من الاندماج في الاحداث ليتخذ موقف مما يشاهده .
عالج المرحوم الشرفي موضوع مهم في مسرحية  ( من مواسم الهجرة والجنون ) في فترة السبعينات من القرن العشرين في اليمن ( العدالة  )  بين الأسباب التي تعرقل تحقيق العدالة الحقيقية ،  إن وجدت قضت على الجريمة ، و حققت الحرية ، وانتهت المعصية ،  يشير المؤلف الاهداف للمسرحية هو اسقاط الماضي على الحاضر ، دعوة لانتصار جوهر القيم الجديدة تمهيدا ، و انتظار المستقبل الجديد .
الشخصيات و الصراع في مسرحية الشرفي
الشخصية :- هي جميع الملامح الخارجية و الداخلية و الصفات للإنسان ، ومستواه الاجتماعي و الثقافي .
قسم المؤلف المرحوم محمد الشرفي شخصياته في مسرحية ( من مواسم الهجرة و الجنون ) على النحو التالي 
شخصيات تابعة للدولة أو السلطة مثل ( الوالي – شيخ الحارة – حازم مطراش – التابع فارع – وطارش )
أسرة مثقفة من المجتمع ( مفتاح مطروش– مطيع مطروش – حكيم مطيع – زينب مطيع – أحلام مفتاح – الجدة  أم مطيع و مفتاح )
شخصيات مساعدة ( أمرآة – طفل – جنود – جنود – شخصيات من الحارة 
جميع هذه الشخصيات مأخوذة من المجتمع ، لها لغة و فكر و أهداف تسعى إلى تحقيقها ، بين المؤلف صفات الشخصيات و العلاقة التي بينها من خلال الحوار في مشاهد المسرحية . 
 أهتم المؤلف في بناء الشخصية المسرحية و لغتها و صفاتها و العلاقة التي تربط الشخصيات ببعضها البعض ( علاقات إنسانية أو عمل – علاقة أسرية ) ، كما بين مستواها الاجتماعي و الثقافي ، نكتشف ذلك من خلال حوار الشخصيات في جميع المشاهد و الفصول ، نجد شخصية ( المسؤول ، الشيخ ، رجل الدين ، المثقف ، الانتهازي ، الطالب ، الموظف ، الطالبة ، الطفل ، الجندي ، المرآة ، صاحب المصلحة ...  ) جميع هذه الشخصيات نجدها في أي المجتمع واقعية مأخوذة من الواقع  ، جميع الشخصيات تتصارع و تدافع عن أهدافها في المشاهد و الفصول للمسرحية ، لها القدرة على اتخاذ القرار في مصيرها ، تحبط أحياننا لكنها لا تستسلم حتى وصلت إلى القتل في نهاية المسرحية .
لذا أني أختلف مع الدكتور فيصل عبده عودة حين ذكر في كتابة ( سوسيولوجيا النص المسرحي ) أن الشخصيات المسرحية في المسرحيات الاجتماعية اليمنية مستسلمة ، أني أرى أن الشخصيات تناضل من أجل أهدافها و القدر تؤمن به مع ذلك نقتنع بما هي أقدار السماء ، لكن ما يكون من أفعال البشر تقاومه الشخصيات  حتى لو كان في ذلك هلاك لها ، أقصيت الشخصيات ، اعتقلت ، دمر مسكنهم ، قاومت و قررت القتل ، كانت النتيجة هو قتل حازم و اغتيال شيخ الحارة  في مسرحية من مواسم الهجرة و الجنون مثلا ، كما ذكر الدكتور فيصل عودة ( المسرحيات اليمنية التي عالجت موضعات تاريخية و اجتماعية و غرامية و دينية ، لم ترتقي إلى المستوى الفني في التأليف المسرحي ) ( 76 ) 
 يعد ذلك إجحاف في المجهود الفكري و الإبداع اليمني للنص المسرحي في اليمن ، لكل حصان كبوة ، و لا يخلوا أي إبداع من الهفوات و النقص ، الكمال لله الواحد القهار ، لكن نسف الاعمال بالكامل و إصدار أحكام مطلقة ، يتنافى مع النقد البنا ، للإطلاع على أفكار المبدعين ، أو انحيازه لمدرسة مسرحية معينة ، لو كان الإبداع محتكر و متبع لكان ( برشت ) الألماني أتبع الذي سبقوه و لم يأتي بنظرية ( التغريب ) التي تأثر بها المؤلفون و المسرحيين العرب مشرقا و مغربا في فترة السبعينات لذا اثرت المدرسة الملحمية الحوار الدائر في المجتمعات العربية و نلاحظ ذلك في مسرحيات ميخائل رمان في مسرحية ( القاهرة في مصرع جيفارا ) 
الفريد فرج في مسرحية ( النار و الزيتون ) الذي رصد فيها كفاح الشعب الفلسطيني و قضية العدالة ، و الكاتب السوري سعد الله ونوس في مسرحية ( الملك هو الملك ) جميع هولاء اتخذوا نموذج جديد لمسرحياتهم تخلوا عن المسرح الغربي ، أبدعوا نصوص أدبية من بيئة عربية بلغة عربية . 
لذا طالب ( برخت ) استقلال فن الإخراج عن التأليف المسرحي ، كما طالب بذلك الشرفي ، ليأتي دور المخرج المبدع الذي يعطي النص حياة ، يضيف أشياء و يحذف أخرى مهتم بفكرة المؤلف.
الصراع في المسرحية :- هو نضال قوتان مختلفتان في الفكر و الرؤى للشخصيات المسرحية ، تصدر منها أفعال و تصرفات تؤدي إلى أحداث ثانوية ، تخدم الهدف الأسمى للمسرحية .
الصراع في مسرحية ( من مواسم الهجرة و الجنون ) صراع بين المثقف و السلطة نظرا لعدم تحقيق العدالة و الحرية التي كان يهدف اليها المؤلف في كثير من الحوارات المسرحية ، كذلك في الأشعار التي ترددها الجوقة.
الزمان و المكان في مسرحية الشرفي 
يعد الزمان و المكان أحد عناصر المسرحية القديمة و الحديثة ، أهتم بها أغلبية المؤلفين المسرحيين ، و تختلف المدة الزمنية من مسرحية إلى أخرى ، هناك مسرحية أحداثها لا تتعدى الدورة الشمسية الواحدة ، و البعض أكثر من ذلك ، البعض ربما تكون أحداثها يوم أو شهر ...
مسرحية من مواسم الهجرة و الجنون للشرفي زمانها و أحداثها في فترة السبعينات من القرن العشرين ، لم يحدد المؤلف فترة معينة لأحداث المسرحية ، لكنه أهتم بالزمان في المشاهد ( الصباح – وسط النهار – المساء .. وغير ذلك )
أهتم المؤلف بالمكان للمسرحية  التي تجري فيها الاحداث و هو ( المدينة ) و بين الأماكن في المسرحية التي تلتقي فيها الشخصيات في المشاهد و الفصول في المسرحية و هي كالتالي ( شارع – منزل – مسجد – مكتب – مؤسسة حكومية – مركز محو أمية .... )
 اللغة في مسرحية الشرفي 
تعد اللغة أهم عناصر النص المسرحي ، سوى قدم النص شعرا أو نثرا أو حوار ، اللغة الغنية بالمفردات و الصور الجمالية تعطي النص قيمته الأدبية ، ويبقى أرث خالد للقارئ و الباحث و المخرج و الناقد .
المؤلف المسرحي المثقف يمتلك كثير من الكلمات و المفردات اللغوية و له أسلوب في كتابة النص الغني بالدلالات و الصور الجمالية ، يمتلك رؤيا في معالجة موضوع أو قضية أو مشكلة بأسلوب معين و مثيرا للغاية ، لإيصال أفكاره عبر شخصيات ، لها أسماء و صفات و مشاعر ، ما يسمى بالأبعاد الثلاثة للشخصية المسرحية ، جميع هذه الشخصيات التي رسمها المؤلف لها لغات حسب مستواها الاجتماعي و الثقافي ، المواقف و الحالات النفسية للشخصية وردود أفعالها ، ضمن لغة النص بشكل عام .
يعد المرحوم  المؤلف  المسرحي محمد الشرفي من المؤلفين الذين أرتقوا باللغة في النص المسرح و الغنية بالدلالة و المعاني ، لغة راقية ، مزج بين الفصحى و اللهجة القريبة من العربية ، لم يقلل من اللغة العربية لينزل بها إلى لغة الشارع  في أعماله ، بل أهتم بها ، أكد ذلك  الدكتور المرحوم عبد العزيز المقالح و الناقد يحيى محمد سيف .
نلاحظ ذلك في الحوار التالي على لسان شخصياته 
الوالي :- ماذا ؟ عم الجدب ، لا مطر وسحاب تهطل ... الأشجار تموت على الأرض هنا و اقفة .. وتجف الأزهار..
شيخ الحارة :- فسد الناس هنا يا مولاي ... ضاع الدين ، وضاع الإسلام ، المسجد خالي لا يدخله إلا القلة ... الناس انقطعوا على تأدية الواجب ، مالوا للخمر و للهو العابث ، صمت كل الآذان ، وتحجرت الأنفس ، لا قلب يخشع أو أذن تسمع ، أو أيدي تضرع ..... غضب الله النازل يزداد ، كفر ، فسق ، وفساد .
من للدين سوى و الينا الأكرم ؟ 
من للإسلام سواك .. يقتلع الشر ، ويدعوا للخير ، ويجتث المنكر 
الوالي :- أنت المسؤول عن الحارة منذ اليوم 
الحوار التالي في مشهد أخر 
المنادي :- اليوم يقام الحد الشرعي على المرآة ، وغدا دور الفاسق 
أصوات :- عاش الوالي ... عاش العدل 
زينب :- ماذا فعلت ؟ ماذا فعل الرجل المسكين ؟ 
مطيع :- يعرف شيخ الحارة ماذا فعلت ؟ 
أحلام :- أعرفها أنها من الجيران ، هي أمرآة محترمة 
مفتاح :- رفضت أن تتزوج ابن الشيخ المعتوه 
المنادي :- حكم الشرع الجلد مع التعزير 
مطيع :- ظلموا المسكينة 
أصوات :- أغواها الشيطان 
صوت : غدا سينزل المطر 
صوت :- هذا جزاء كل فاسق و فاسقة 
صوت :- عاش الوالي .. عاش الحكم العادل 
شيخ الحارة :- أهدفوا الله و أكبر 
أصوات :- الله وأكبر .. الله وأكبر .. الله وأكبر
رسم لنا المؤلف صورة المشهد في تنفيذ حدود الله في الشرع الإسلامي ، لكن لم يكون السبب هو ارتكاب المعصية ، جاء السبب الحقيقي على لسان مفتاح هو رفض الفتاة من الزواج من ابن الشيخ ، مشهد يبين لنا بشاعة الظلم .
لقد كانت فترة السبعينات في اليمن غير مستقرة ، بسبب الانقلابات التي حصلت في تلك الفترة ، كان لها أثر على خلخلة النسيج الاجتماعي ، كما في الحوار التالي 
شيخ الحارة :- هذا رجل مشبوه 
التابع فارع :- يمشي جانب المسلم دون رد سلام ؟ 
مطيع :- سلام الله عليك
التابع فارع :- وجهك يشهد أنك ملحد ... كيف أرد عليك سلامك ؟
مطيع :- خرجت لتوا ... الآن من المسجد 
التابع فارع :- لا تنجيك صلاة أو صوم 
مطيع :- أومن بالله و لا أشرك .. بين الله وعبده صلة ، لكن العلماء المشبوهين ارتزقوا بالدين .  
أن حالة الضياع و غربة الانسان في بلده  صعبة و قاسية ، فينادي من يمسح عن عيني اللآم القهر و المأساة  كما في المشهد الرابع من الفصل الأول ، وبين بشاعة الاعتقالات لكتم الحرية في الفصل الثاني المشهد الأول في الحوار التالي .
زينب :- ماذا بك يا أحلام ؟ 
أحلام :- اعتقلوا أباك و أبي .
زينب :- متى ؟ متى حدث ذلك 
أحلام :- لا شأن لي متى حدث ؟  سألت عن سجنهما ... لم يجيبني أحد
زينب :- ما السبب ؟
زينب :- أتسالي عن السبب
أمتلك الشاعر و المؤلف المسرحي محمد الشرفي رؤية ثاقبة للواقع ، كما أمتلك فكر ثوري ضد الظلم لترسيخ العدالة في المجتمع ، إيمان منه أن العدل هو أساس بناء المجتمعات البشرية ، أينما وجد العدل ، اختفت الجريمة ، وردعت المعاصي و اختفت ، نلاحظ قصر الحوار بين الشخصيات ، و الحوار في أغلبية المشاهد على شكل سؤال وجواب ، هذا يقلل من قيمة النص الأدبي ، الحوار عندما يكون طويل  يمكن الشخصية من ابراز اللغة المسرحية و المشاعر الحقيقية و الصور الجمالية .
ختاما 
يعد محمد الشرفي أحد رواد المسرح اليمني في النصف الثاني من القرن العشرين ، أهتم بتأليف المسرحي ، جمعت شخصيته بين المثقف و السياسي ، كان لها أثر في أعماله . 
أمتلك المؤلف ثقافة عالية بشهادة الكثيرين ، سمي بالشاعر المتمرد ، هذا هو الفنان الحقيقي الذي يتمرد على واقعه لكي يحقق الحلم بواقع أفضل لوطنه و الأمة العربية و الإسلامية . 
لكل حصان كبوة حتى أن وجدت ثغرات أو نقص في النص لا يفقده قيمته الأدبية .
عالج المؤلف موضوع لا يستطيع أي مؤلف التجرؤ على السلطة ، هذا دليل على شجاعة المؤلف و مواقفه النبيلة مع المظلوم لردع الظالم ، و محاربة الجريمة .  

قائمة المصادر و المراجع 
القرآن الكريم 
 محمد الشرفي ، مسرحيتان ، من مواسم الهجرة و الجنون ، العشاق يموتون كل يوم ، الطبعة الأولى 1958 م ، مطبعة عكرمة ، دمشق ، سوريا 
فيصل عبده عوده ، سوسيولوجيا النص المسرحي ، اصدرات وزارة الثقافة و السياحة ، اليمن ، 2004 م

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption