«العشاء الأخير» المصري في مهرجان أفينيون المسرحي
مجلة الفنون المسرحية الموقع الثاني
صبري حافظ
http://www.tahrirnews.com/
قليلة، بل نادرة هى الأعمال العربية التى تعرض فى مهرجان أفينيون المسرحى الرسمى «Festival D’Avignon»، لأن أغلب الأعمال العربية، خصوصا من المسرح المغاربى وأحيانا اللبنانى، تعرض عادة فى مهرجان أفينيون الهامشى «Avignon Off»، لكن هذا العام يشكل استثناء محمودا، فليس فيه عمل عربى واحد، كما حدث فى مرات قليلة، كان آخرها فى العام الماضى حينما وفد إلى المهرجان الرسمى عرض (طيور الفيوم) لفرقة الورشة بقيادة حسن الجريتلى، وإنما عملان: هما «العشاء الأخير» للمصرى أحمد العطار وفرقة «المعبد» المسرحية، و«مورسو: استقصاء مضاد» للجزائرى كامل داوود. وسنقصر حديثنا فى هذا المقال على العرض المصرى الذى دار فى مسرح ضاحية «فيردن» على بُعد عدة كيلومترات من مدينة أفينيون التاريخية المسوّرة، ومع ذلك كان المسرح مليئا لآخره بالجمهور، فثمة شغف فرنسى حقيقى بكل ما هو مصرى، بل عشق له.
ويشبع عرض «العشاء الأخير» هذا الشغف إلى حد ما، لأنه يعتمد على تقديم شريحة حية من الواقع المصرى المعاصر، وتقديمها للمشاهدين بصورة تحتفى بأسلوبية العرض المسرحى، وتهتم بإيقاعاته وجمالياته البصرية والحركية على السواء. وهى الجماليات التى تتغيا، وقد قدمت إلينا شريحة واقعية حية من الواقع المصرى، الإجهاز على التوهيم وكسر أى ميل للتماهى معها، فهى شريحة لا تستحق بأى حال من الأحوال التماهى معها، أو مع ما يعشش فى داخلها من عناكب وخواء. جماليا تسعى لإرهاف وعى المشاهد بضرورة التفكير فى دلالات ما يراه بطريقة عقلية ونقدية، والوقوف على مسافة منه تمكنه من ذلك، لأن تفاصيل حياة تلك الشريحة التى تتجلى لنا على مائدة العشاء تفاصيل مترعة بالمفارقات التهكمية، تثير بتناقضاتها الفجة مزيجا من السخرية والرثاء. وتكشف عن عزلة هذه الأسرة الغريبة والحقيقية معا، ليس فقط عن الواقع الذى تعيش فيه والذى يمور بالتناقضات الاجتماعية والفكرية على السواء، فثمة إشارات واهنة إلى ما دار فى مصر عقب الثورة، ولكن أيضا عن عزلة أفرادها بعضهم عن بعض. وكأن الحرص على أواصر العلاقات العائلية، الذى يصر عليه الأب فى ضرورة أن يتجمع كل أفراد أسرته الكبيرة على العشاء، شارة على خواء تلك الأواصر وفراغها من أى معنى.
فظلال العنوان الدينية، بإحالته إلى «العشاء الأخير» فى قصة حياة السيد المسيح وخيانة أحد حوارييه له قبل صياح الديك، تلقى بثقلها على أى تلقٍ للعمل. وتطلب من المشاهد التفكير فى الدلالات الكامنة خلف المظهر البادى أمامه، وفيمن سيخون صاحب العشاء، أو بالأحرى فيمن لن يخونه. وهى الظلال التى يعززها استخدام المخرج لعملية تجميد المشهد «Freeze» وتغيير الإضاءة عند لحظات مفصلية فى الحديث الدائر على العشاء. فعلى العكس تماما من عشاء السيد المسيح الأخير المترع بالقيم الروحية والوصايا الأخلاقية، نجد أنفسنا بإزاء عشاء مشغول كلية بالمكاسب المادية، والفجاجات الحسية، واللهاث وراء الفتات الذى قد تتركه الرأسمالية العالمية على موائدها لعملائها فى الهوامش. لأن المسرحية وقد تعمدت أن تخلى الخشبة المسرحية الواسعة من كل شىء، إلا من مائدة عشاء طويلة يحيط بها الفراغ/ الخواء، ويتجمع حولها أفراد أسرة أب لا اسم له، يشار له دوما بـ«الباشا»، جعلت المشهد المسرحى نفسه معادلا بصريا لخواء العالم الذى تعيشه هذه الأسرة فى عزلتها المعقّمة. وهو التعقيم الذى ينعكس على كل شىء، بما فى ذلك العشاء التجريدى نفسه الذى تجسده مفردات رمزية أو استعارية: رأس عجل على صينية وقد أخرج لسانه للجمهور، أو ديك معلق فى مشبك وكأنه يستعرض ريشه المنتوف، أو جلده المسلوخ.
وتتكون الأسرة إلى جانب الأب غير المسمى والأم الغائبة عمدا والتى يشار لها دوما، ولكنها لا تظهر على المسرح أبدا، ليصبح لغيابها دلالات الحضور المقلوب، من ابن وبنت. أما الابن فهو «حسن» الذى يقال إنه فنان، رغم افتقاره إلى أى حساسية فنية أو أى كياسة اجتماعية، وزوجته «فيفى» وابنهما «سيكا» وابنتهما «زوكى». وأما الابنة الأصغر فهى «مايوش» وزوجها «ميدو» الحريص على أن يبدو أمام أسرة زوجته، وكأنه فى طريقه إلى الثراء القريب، وعلاوة على الأسرة هناك صديق للأب يشار له دوما بوظيفته السابقة «الجنرال»، وهناك أيضا خادمان يقدمان بإيقاع محسوب ما يفترض أنه العشاء، لكن المهم فى المسرحية ليس وليمة العشاء الغائبة، أو الحاضرة حضورا رمزيا، وإنما هى تلك الوليمة الأكثر غرابة من أى وليمة حقيقية والتى تتكون من الأحاديث الكاشفة عن طبيعة العلاقات بين أفراد تلك الأسرة من ناحية، وعن طريقة تفكيرها ورؤيتها الغريبة للعالم من ناحية أخرى، فالابن مهموم باستعراض مهاراته فى استخدام موتوسيكله الغالى من ماركة «هارلى ديفيز»، وما يحققه عليه من سرعات ومغامرات، وتاريخه مع اغتصاب الخادمات حينما كان مراهقا، دون أى مراعاة لمشاعر زوجته الحاضرة. أما زوجة الابن ومعها الابنة فهما مشغولتان بالتسوّق، وهل هو أفضل فى نيويورك أم لندن أم باريس. وإن استعرضت لنا زوجة الابن أيضا مشكلاتها مع الخادمات: الإثيوبيات منهن ثم المصريات، بعدما تعذر الحصول على الفلبينيات.
وإذا كان الابن «حسن أبو على» غارقا فى فجاجاته، فإن زوج الابنة «ميدو» مشغول بتحسين صورته لدى عائلة زوجته، وتحقيق سلامه الاجتماعى مع أفرادها، أملا فى أن يحقق لنفسه موطئ قدم على خريطة علاقات القوى بها، وبالتالى على خريطة الثراء الذى يتوق بشدة إلى تحقيقه، ولكنه توق يتسم بالتشتت، لأنه يضرب خبط عشواء فى كل اتجاه. وإذا كان حديث الأبناء يثير الرثاء لانفصاله الغريب عن الواقع على عدة مستويات، فإن حديث الكبار، أى الأب والجنرال، يثير السخرية هو الآخر، فالأب مشغول وقد اشترى سيارة جديدة ببيع سيارته المرسيدس القديمة بأكثر من ربع مليون جنيه، والجنرال يؤكد مكانته فى علاقات القوى بالأسرة بتسهيل عملية البيع تلك، وبالحديث مع الأب عن الصراصير، وهم عنده بقية الشعب المصرى، خصوصا من شارك منهم فى الثورة، وعن المؤامرات التى تستهدف مصر من جميع الجهات، وهو حديث عن الواقع السياسى من منظور ندرك مدى معاداته للثورة التى اندلعت فى مصر، ومدى كراهيته لما شكلته من تهديد لوضع تلك الشريحة الطفيلية من أثرياء الفساد التى يسعى هو الآخر للانتماء إليها.
إننا بإزاء مسرحية تضع لنا شريحة من حياة الطبقة الثرية التى تستأثر بقسم كبير من الثروة المصرية على خشبة المسرح، فنكتشف مدى بلاهتها السياسية والاجتماعية على السواء. ونكتشف مدى غياب أى همّ وطنى حقيقى لديها، أو أى رغبة فى تنمية البلد والحرص على مستقبلها. وندرك عبر حديث الكبار فيها عن «البلد» وما يحاك لها من مؤامرات، وعن رؤيتها للشعب المصرى، الذى حقق فى 25 يناير أحد أنبل الثورات فى التاريخ، على أنه مجموعة من «الصراصير» أننا بإزاء عمل فنى يؤكد بطريقته المراوغة شرعية الثورة على تلك الطبقة التافهة التى استأثرت بالثروة دون أى جدارة حقيقية بها.
صبري حافظ
http://www.tahrirnews.com/








0 التعليقات:
إرسال تعليق