المسرح اللبناني.. أسئلة الترميم واللامركزية ودور المؤسسة الوطنية
مجلة الفنون المسرحيةلينا خوري.. شروط التجهيز والواقع الخدمي
بدأت المُخرجة والأكاديمية لينا خوري حديثها مع "العربي الجديد" بالإشارة إلى ظاهرة ترميم بعض الفضاءات واتخاذها مسارح جديدة، بالقول: "إنّ أي صرح ثقافي يُفتتح علينا الترحيب به، مسرحاً كان أو مكتبة عامة أو سوى ذلك من فضاءات فنية، وكلّما ازداد العدد -بشرط الإنتاجية طبعاً- يكون هذا دليلاً على تعافي البلد ثقافياً. مع ذلك، تبقى لدينا مسافة نقدية أحياناً من الوضع عموماً، هناك بعض الفضاءات افتُتحت أخيراً، لا تستوفي شروط التجهيز التقني اللازم. من خلال تجربتي مع المسارح المركزية في بيروت، التي يكون واقعها الخدمي أفضل من غيرها إلى حدٍّ ما، مع ذلك أعمل بجهد مضاعف على رفد الشروط التقنية وتحسينها، مرّات عديدة اضطررت إلى استئجار تقنيّي إضاءة وصوت لتحسين الجودة في مكان من المفروض أن يكون مؤهّلاً سلفاً".
وتُضيف مُخرجة مسرحية "فيزيا وعسل" (2024): "نحن بحاجة إلى مسارح مُجهّزة بالحدّ الأدنى، لا إنشاء مسارح دون الوصول إلى سويّة معينة. ما الفائدة حين تحضر عرضاً وتدفع ثمنه، وأنت غير مرتاح، لا يصل إليك صوت الممثّلين واضحاً، أو تشعر بأصوات مزعجة تصدرها المعدّات تؤثّر سلباً بجودة تلقّي العرض. طبعاً هذا لا ينطبق على المناطق الطرفية. بالعكس، فهناك المهمّ هو العرض والتجمّع وبثّ الحياة الثقافية في البلدات البعيدة عن المركز، ولو غرفة عادية يكون جيداً".
بحاجة إلى مسارح مُجهّزة لا مجرّد فضاءات محدودة تقنياً
وعن سؤال اللامركزية، تلفت الأستاذة في "الجامعة اللبنانية الأميركية" النظر إلى أنّ "هذا المفهوم بات يُطرح كثيراً في الفترة الأخيرة، اللامركزية مطلوبة، فالمسرح لكلّ الناس وليس فقط للنخبة، وعلينا تعزيز ثقافة الحوار مع الأطراف والاستماع إليها. ولكن لنكُن واقعيّين، ليس كلّ الأعمال يُمكنها الارتحال والتجوال في البلدات والمدن البعيدة".
كذلك تستطرد خوري في حديثها إلى "العربي الجديد" متناولةً مفهوم المسرح الوطني، فتقول: "لو أنّ هناك مسرحاً وطنياً فعّالاً ونشِطاً في لبنان اليوم، لربّما كان قد خضع للتسييس، كمثل المؤسسات كلها في بلد يعيش وضعاً طائفياً تُهمل فيه المشاريع الحكومية، وينتعش القطاع الخاص. مع ذلك، تبقى هناك أُمنية ألّا تترسّخ أكثر هذه المنظومة بقسمتها الطائفية التي تؤثّر بالضرورة في قطاع الفنون والثقافة، ونتمنى أن يكون هناك دعم للثقافة أكبر. حقيقة، أنا أشعر بالغيرة من دول أُخرى تُقدّم حكوماتها الدعم اللازم للعروض والسفر والمشاركة في المهرجانات الدولية. تصوّر أننا في لبنان ما زلنا نُشارك على حسابنا الخاصّ".
وتختُم: "للأسف، وضعت الحرب الأهلية (1975 - 1990) حدّاً للتطوّر الذي كان سائداً في الستينيات، ومنذ ذلك الحين ونحن نراوح في مكاننا. ولعلّ أملاً ينبعث مع وزير الثقافة الجديد، غسان سلامة، إن لم يُحاصَر بالتركيبة والمنظومة العامّة. وجه لبنان الثقافي يذوب وتضيع ملامحه، لعلّنا نستطيع تدارك الأمر".
نبيل أبو مراد.. اللامركزية بوصفها سياسة دولة
بدوره يُشير الأكاديمي والفنّان اللبناني نبيل أبو مراد (1946) في حديثه إلى "العربي الجديد" إلى أنّنا "حين نسأل سؤال الترميم علينا أن نعرف ما المقصود. هل هو ترميم المسارح المُهدَّمة، أم إعادة تشكيل الحياة المسرحية؟
بالنسبة إلى الشقّ الأول، لا أعتقد أنّ هناك عمليات ترميم لأيّ مسرح معروف. وبالنسبة إلى الشقّ الثاني، فإنّ إعادة تشكيل الحياة المسرحية وإعادتها إلى حيويتها السابقة كما في الستينيات والسبعينيات لا تزال بطيئة. ولكن هناك مجموعة من المسرحيين الشباب يحاولون إعادة بناء حركة مسرحية متكاملة وقوية، لكن الأحوال الاقتصادية والأمنية في البلاد تقف عائقاً منيعاً أمام هذه المحاولات. وتقتصر أعمال هؤلاء الشباب على تقديم مسرحيات من شخص واحد أو شخصين بشكل عام، توفيراً للمصاريف، وتُعرض لبضع ليالٍ وتتوقف. لذلك، لم تستطع هذه المحاولات أن تُعيد بناء أو تشكيل شريحة كُبرى من المشاهدين تؤمّن استمرارية المسرح. ويُحسب لهذه الأعمال أنها لا تتوخى الاستثمار أو الربح، لأن نسبة المشاهدين قليلة جداً بشكل عام، وإنما هي محاولات من هؤلاء المسرحيّين الشباب لإثبات الذات وتفريغ هواياتهم والتعبير من ناحية أُخرى عن بعض أفكارهم ومشاعرهم".
ويرى صاحب كتاب "المسرح اللبناني في القرن العشرين:تاريخ، قضايا، تجارب، أعلام" (2002)،
أنّه"ليس هناك من إمكانية لتجهيز مسرح وطني في المدى المنظور. وأنا شخصياً كتبت، أخيراً، معلّقاً على البيان الوزاري للحكومة الجديدة وقلت إن هذا البيان لا يتضمّن أية إشارة إلى مشاريع ثقافية وإلى وضع خطط لإنشاء مسرح وطني أو دار أوبرا أو دعم الكتّاب ودُور النشر أو حتى إعادة تنشيط لها بما في ذلك التلفزيون الوطني. لذا، إن الشأن الثقافي والفني مغيّب عن أذهان السياسيين بشكل كامل، وليس الآن، بل كان الأمر هكذا منذ الاستقلال".
ويعتبر أبو مراد أنّه "حتى يكون هناك تطبيق لللامركزية الثقافية، يجب أن تكون هناك سياسة وخطة تقوم بها الدولة. والدولة كما قلنا لا تهتمّ بهذه الأمور لا من قريب ولا من بعيد. لذا، يبقى هذا المشروع رهناً بمحاولات فردية يتولّاها أشخاص قادرون، وهذا أمر مستحيل. من كلّ ما قلنا، يتبيّن أن المسرح لا يزال مأزوماً، على جميع الصُّعد. ولكي تخفّ هذه الأزمة عن المسرح نحن بحاجة قبل أي شيء إلى استقرار أمني وسياسي واقتصادي، وبالطبع إلى عناية خاصة من الدولة كما يحصل في الدول المتقدّمة، ووضع سياسة ثقافية بعيدة المدى، كما أننا بحاجة أيضاً إلى تشجيع رجال ونساء المسرح الحرصاء والحريصات، وبالطبع إلى حركة نقدية مرافقة في الإعلام، وهذه الحركة معدومة اليوم، فالإعلام المرئي خصوصاً لا يهتمّ إلا بحفلات التهريج والألعاب والمقابلات السمجة مع رجال السياسة، ولا يُعطي أي فسحة لمتابعة النشاط المسرحي في البلاد".
منى مرعي.. أُطر حامية للفنّانين-المواطنين
كذلك تحدّثت "العربي الجديد" مع الأكاديمية والمُحاضِرة في "جامعة جيمس ماديسون"، بولاية فيرجينا الأميركية، التي ركّزت في مداخلتها على تاريخ المسرح الوطني بوصفه مفهوماً حيث "يُشكّل إنشاء مسرح وطني حكومي أو تابع لأي سلطة جزءاً مهمّاً من الكيان والانتماء الوطني، أكان مفهوم 'الوطنية' مرتبطاً بجغرافيا، أم بمكوّن إثني/ عرقي أم بمعطيات ثقافية جامعة. اليوم نُسمّي هذا النوع من المبادرات قوّة ناعمة، ولكن في ما مضى كانت جزءاً لا يتجزّأ من الصراع بين القوى المتعدّدة في أوروبا، وأحياناً سبقت فكرة إنشاء مسرح وطني نشوء الأوطان بحدّ ذاتها، بل مهّدت لها. مثالٌ على ذلك ما قاله فريدريك تشيلر في نصّه 'الخشبة كمؤسسة أخلاقية' (1784): 'إذا ما تمكنّا من إنشاء مسرح وطني سنصبح أُمّة'. سبق هذا الأمر نشوء ألمانيا كياناً وأُمّةً".
وتُتابِع مرعي: "لا يتعارض المسرح الوطني مع اللامركزية الإدارية، وهنا من المهمّ التذكير بسعي الأديب ووزير الثقافة الفرنسي أندريه مالرو، لنزع المركزية المسرحية عن باريس، وإنشائه أكثر من مسرح وطني على امتداد فرنسا مع تكوين مراكز مسرحية وطنية ومع تقديم الدعم لعدّة فرق مسرحية، ولكن كل ذلك ينضوي تحت هوية جامعة أصبحت مع الوقت أكثر احتضاناً للأقلّيات والتعدّدية الثقافية ضمن أُطر وحدود ناظمة وحامية للفنّانين-المواطنين".
ضرورة بناء استراتيجية وسياسات ثقافية تحترم التعدّدية
وعن نظرتها بكونها أكاديمية لبنانية مُقيمة في الخارج إلى الحركة المسرحية في الداخل، تقول لـ"العربي الجديد": "عندما أنظرُ إلى المشهد المسرحي في لبنان، وقد أصبحتُ خارج البلاد، أجد حركة لا تزال نابضة وغزيرة أحياناً ومستمّرة، رغم كل ضغوط الحياة اليومية، وأرى عدداً من الفنانين الذين يواظبون على إنتاج أعمالهم المسرحية بـ'اللحم الحيّ' وبظروف استثنائية ومن دون اللجوء الى أي دعم حكومي. على العكس، ثمّة منطق وطريقة عمل تطوّرت بشكل عضوي منذ الاستقلال وما قبل ذلك، حيث تُبنى الأعمال الفنّية على سواعد أفراد قبل أن تقدّم المؤسسة الحكومية رؤية بعيدة المدى يجري تلقفها مع الحكومات والأزمنة اللاحقة مع مرور الزمن".
وتُضيف: "مع ذلك، غالباً ما كان هناك استثناءات، كمهرجانات بعلبك، ولكن المسرح الوطني أو مسرح شوشو، تمثيلاً لا حصراً، تطوّرا بعيداً عن أي استثمار حكومي رؤيوي يعكس استراتيجية ثقافية بعيدة المدى. الحكاية المتداولة للمسرح الوطني أنّ شوشو (حسن علاء الدين 1939 - 1975) لدى مروره أمام 'سينما شهرزاد' استوقف مدير الصالة، أنطوان الشويري، وسأله عن إمكانية استئجارها، وهذا ما حصل. بهذا المعنى، نما المسرح بشكل شبه مستقلّ عن كيان مؤسسي حكومي. وبالتأمّل بهذا التاريخ يُمكننا أن نسأل سؤالين: الأول، ما العلاقة المختلفة التي سيقدّمها المسرح الوطني للجمهور اللبناني اليوم؟ وكيف سيتمكّن من تحويل الخشبة إلى فضاء يُحاكي فئات المجتمع كافة، ويسعى لتشكيل سمات مشتركة لبلاد لطالما عانت من أزمة هوية باتت أكثر حضوراً اليوم مع كلّ الشرخ الحاصل سياسياً؟ وهنا يجب أن نأخذ بالحسبان هذا كله إضافة إلى اهتزاز مفاهيم الهوية والانتماءات في زمن الهجرات المستمرّ، وفي زمن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والفضاءات الافتراضية ومرونة تصنيفات الجندر المعاصرة. أمّا السؤال الثاني، فإلى أي مدى سيعود هذا الاستثمار بأموال طائلة لتشكيل مسرح وطني بفائدة فعلية لفنّاني المسرح العاملين على الأرض؟".
وفي محاولة للإجابة عن هذين السؤالين، تقترح مرعي، قائلة: "ثمّة سابقة مع 'الصروح' عندما تتحوّل الفضاءات الثقافية إلى كيانات غير فاعلة وغير مُنتجة مع الوقت، بل تتحوّل إلى عبء إضافي، لننظر قليلاً إلى قصر الأونيسكو (وهو تابع إدارياً لوزارة التربية) مثلاً أو "مبنى بركات" (وهو تابع لـ"بلدية بيروت") حيث تعدّ فعاليته محدودة غير منتظمة. المشكلة أننا نعود دائماً إلى الصفر، ولا نبني على ما سبق. على سبيل المثال، حين تُطرَح فكرة إنشاء مسرح وطني ننسى مشروع 'المسرح الكبير' في منطقة وسط بيروت (توقّف بسبب الحرب الأهلية). ما يدفع إلى النظر إلى أن أي استثمار في مبنى قديم أو سينما قديمة وتحويلهما إلى مسرح، فكرة جيدة مبدئياً، ولكن لا يتحوّل أي مسرح إلى مسرح وطني إلا إذا ارتبط برؤية واستراتيجية عامّة نابعة من سياسات ثقافية تحترم التعدّدية وتبني على مفاهيم جامعة وبرمجة خلّاقة فيها من الإتاحة لكل الفئات بقدر ما فيها من التجريب. وهذا قد ينشأ اليوم دون التركيز بشكل حصري على فضاء واحد تُصرف عليه أموال طائلة، ويُصبح هذا الفضاء مسرحاً وطنياً مركزياً يتسع لآلاف الأشخاص، إلخ. مع الاعتراف بأهمية صروح كهذه على المدى البعيد. الأجدى بناء الثقة ودعم من يعملون على الأرض واعتماد استراتيجية معاكسة، وذلك لتفادي صنمية صرح جديد".
وتختم الأكاديمية منى مرعي حديثها مع "العربي الجديد" بضرورة النظر في البدائل والممكنات الاستراتيجية، مثل: "القيام بدراسة لتحديد أولويات واحتياجات أهل المسرح الذين يعملون اليوم على الأرض، وإنشاء برنامج يُقدّم الدعم لفضاءات المسرح المستقلّة التي تعمل حالياً، والاستثمار في الفضاءات الموجودة التابعة للحكومة والتي لا تندرج إدارتها بالضرورة تحت وزارة الثقافة، وكذلك التعاون مع أكثر من جهة لإنشاء مركز أبحاث للفنون الأدائية (ومن ضمنها التوثيق)، وتقديم منح إنتاج صغيرة ومتوسطة للفنانين الناشطين وأصحاب العروض".
قاسم إسطنبولي.. بين صور وطرابلس وبيروت
إلى شارع الحمرا في بيروت، كانت وجهة "العربي الجديد" التالية، الورشة شغّالة على قدم وساق في "سينما الكوليزيه"، ورائحة الطلاء نفّاذة، فيما يُسابق العمّال الزمن قبل الافتتاح المُقرّر في السادس والعشرين من نيسان/ إبريل المُقبل، موعد انطلاق "مهرجان بيروت للمسرح" الذي تُنظّمه جمعية تيرو ومسرح إسطنبولي، ويتواصل لمدّة أربعة أيام.
يشرح المُخرج قاسم إسطنبولي (1986) إلى طبيعة المشروع بالقول: "مجيئنا إلى هذا المكان، والشروع بترميمه، بحدّ ذاته دافع قويّ بالنسبة إلينا. بدأت الفكرة من خلال مشروعنا السابق 'المسرح الوطني' في طرابلس وصُور، الذي يقوم على ترميم دور السينما التراثية أيضاً، وفتحها للجمهور مجاناً أو شبه مجاني، وبهذا تصبح بيروت تكملة لكل ما بدأناه في عملنا المستمرّ لأكثر من 12 سنة: رقص معاصر ومسرح وحكواتي وسينما وموسيقى وفنانون من كلّ العالم".
الجدير بالذكر أنّ السينما تأسّست عام 1945، وأغلقت أبوابها بعد حوالى أربعة عقود بفعل الحرب الأهلية، وكانت تتسع قاعتها لحوالى 500 كرسي ما بين الصالة والبلكون، وظلّ حديث ترميمها شائعاً كحال "مسرح البيكادلي"، في المنطقة نفسها، الذي لم تنفذ نية وزارة الثقافة لترميمه إلى اليوم، رغم أخذ شركة "الصبّاح" للإنتاج التلفزيوني المهمة على عاتقها.
ويتابع المخرج اللبناني: "أحد أهداف مشروعنا تشجيع الطلاب الخرّيجين، وخلق فضاء ومكتبة لدعم أعمالهم. أي شخص يمكنه أن يفتح مسرحاً جديداً فليكن، ما المانع؟ وما وجه الاعتراض؟ هذا كلّه يصبّ في خانة الحراك الثقافي الجماعي. لا ننسى أننا في لبنان، ولا يوجد لدينا مسرح وطني مثل باقي الدول، فقط مسارح خاصة. عملنا يعزّز اللامركزية الثقافية، ونحن نكمل حلمنا مع 'الكوليزيه'. الطلاب الذين يتدرّبون في الجنوب وفي المناطق البعيدة، بات يمكنهم العرض هنا في بيروت، هذه فرصة للجميع، سابقاً لم يكن هذا بإمكاننا، مهرجان الحكواتي مثلاً نقيمه في صور وطرابلس والنبطية والخيام، ولا نستطيع الانتقال به إلى بيروت".
ورداً على سؤال عن التمويل، يُجيب إسطنبولي: "نحن نتلاقى مع الداعمين من الناس، ومع من يرغب اليوم في دعم قضية الفنّ والثقافة. كذلك فإننا سنطلق حملة عبر الإنترنت للتبرّعات، خصوصاً أننا ليس لدينا تمويل للمشروع في بيروت، فالدولة غائبة منذ 2019. وكلّ المعدّات أو التقنيات المطلوبة للمشروع سنضعها على الإنترنت، ونترك للناس أن تتولّى توفير الدعم بما تقدر عليه".
ويستطرد إسطنبولي بالحديث عن نشاطات المسرح الذي يُشرف عليه، في أثناء الحرب الأخيرة، حيث تحوّل المكان إلى مركز إيواء يعجّ بالنازحين، والعائلات من مختلف المشارب، لبنانية وسورية وفلسطينية، لافتاً إلى أنّ "بعض العمّال الذين يساعدون بالورشة اليوم، كان قد أقام في المكان في أثناء الحرب، وقرّر المساعدة وردّ الجميل من خلال المساعدة بالترميم. نحن نعمل على تأهيل السينما بأيدينا، فوضع السينما كان مزرياً".
ويختم إسطنبولي حديثه لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "هذا العمل جماعي مجتمعي وليس شخصياً، ولولا احتضان الناس للفكرة لما استمررنا. عملنا مع النساء والأطفال والطبقات والبيئات غير المعتادة على تلقّي الفنّ. بالنسبة إلينا الفن للجميع، وليس لمتحدّثي الفرنسية والإنكليزية فقط، بمهرجاناتنا استطعنا استضافة الكثير من الفنانين الدوليين، والوصول أبعد من الأشرفية والحمرا".
أكرم الريّس.. تكاملٌ في الأدوار
كذلك التقت "العربي الجديد" الباحث أكرم الريّس الذي لفت إلى أنّ "اللامركزية لا تقتصر على الجغرافيا، بل تنسحب أيضاً على الأنواع، وبالتالي يجب أن تكون هذه الحالة أمراً متاحاً حتى نصل إلى ما هو أوسع على صعيد التخصّص والتنوّع والجمهور، ومن هنا تصبح فكرة المسرح الوطني غير إلزامية ومُتغيّرة في مفهومها ودورها. هل تشمل هذه المقولة مثلاً المسرح الغنائي أم الطّليعي؟ أم ماذا بالضبط؟ الأجدر أن يكون هناك لكل المسارح دورٌ متكاملٌ وتمثيلي من دون الحاجة إلى التصنيفات المُسبقة. وفي هذا السياق دعنا نتذكّر "مهرجانات بعلبك" بأبعادها الوطنية والدولية".من جهة أُخرى، يُشدّد الريّس على ضرورة التواصل مع وزارة الثقافة في العهد الحكومي الجديد، لافتاً إلى أن وزير الثقافة الجديد، غسان سلامة، كانت له اشتغالات أكاديمية حول المسرح.
ويتابع الريّس حديثه: "بيروت مركزٌ مسرحيّ، ومرّت أسماء كبيرة عليها، من روجيه عسّاف ونضال الأشقر إلى جواد الأسدي وغيرهم. هؤلاء أحيَوا الحياة المسرحية، وحملوا هموماً عريضة في مشاريعهم، وهذا يفرض على أي مشروع ناشئ أن يكون بقدر التحدّي، وأن يضع الاستمرارية نُصب عينيه، لا أن يتحوّل إلى مشروع سريع الانقضاء، لا يلبث أن يظهر للعَلن حتى يخبو من جديد. لنكُن صرحاء، الكبار لم يستطيعوا مواجهة التحدّيات التي واجهت المسرح اللبناني في الفترة المعاصرة، إلا بعد مسيرة طويلة من الخبرة، فكيف الحال إذا تحدّثنا عن التجارب الحديثة. وبالتالي، على أي مشروع جديد أن ينطلق من سؤالَي الاستدامة والمضمون، ويربطهما ببعض من خلال إجابة مُقنعة فنّياً ومجتمعياً، ولا يخفى أن الجيل الجديد مستعجل في الظهور والإنتاج، كطبيعة عصرنا نفسها".
كلمات أخيرة
لا تختصر هذه الأسئلة الثلاثة التي انطلقنا منها، أو حتى وجهات نظر الضيوف، واقعَ الحال، بل تبقى جزءاً من مشهد لبناني أوسع. فعلى مستوى المبادرات والفِرق الشابّة، لا بدّ من الإشارة إلى تجربتي "مسرح زُقاق" (تأسس عام 2006)، و"مسرح لبن" (2009)، اللذين أضافا إلى الحراك البيروتي بمسارحه الأقدم والأكثر مركزية "المدينة" (1994) و"مونو" (1997) و"دوّار الشمس" (2005)، بالإضافة إلى مسرحين جامعيّين يشهدان محاولات استعادة وتقديم عروض، هما: "إروين هول" داخل حرم "الجامعة اللبنانية الأميركية"، و"بيريت" التابع لـ"جامعة القديس يوسف".
وفي مقام آخر، لا بدّ من الإشارة إلى سؤال آخر يُطالعنا في السياق ذاته، وهو مكانة المسرح نصّاً ونقداً في المطبوع اللبناني، وما أبرز الإصدارات التي يقترحها الكتّاب والنقّاد والمترجمون، لماذا هذا الغياب كله؟ وكيف تتعامل معها دور النشر في ظلّ طوفان الروايات والكتابة الإبداعية التي تقتصر على هذا النوع السردي؟ سؤال الكتاب المسرحي هذا لا ينفصل بالتأكيد عن هموم الخشبة وأهلها.
0 التعليقات:
إرسال تعليق