أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الاثنين، 4 مايو 2026

مُونُودِرَامَا (حُفْرَةُ الجَحِيمِ) تأليف :عادل سعد يوسف - السودان

مجلة الفنون المسرحية
الكاتب عادل سعد يوسف 


مُونُودِرَامَا (حُفْرَةُ الجَحِيمِ) تأليف :عادل سعد يوسف - السودان

تَأْثِيثُ بِيئَةِ العَرْضِ

المَكَانُ: غُرْفَةٌ فَقِيرَةٌ خَالِيَةٌ وَمُظْلِمَةٌ. (مَقْعَدٌ مَكْسُورٌ، أَصِيصٌ بِهِ شَجَرَةٌ جَافَّةٌ.. كَوْمَةٌ مُحْتَرِقَةٌ مِنَ المَلابسِ وَالأوْرَاقِ).
الزَّمَنُ: مُنْتَصَفُ اللَّيْلِ.

 الشَّخْصِيَّةُ
شَابَّةٌ فِي أَوَائِلِ العِشْرِينِيَّاتِ، نَاجِيَةٌ مِنْ اعْتِدَاءٍ جِنْسِيٍّ فِي الحَرْبِ، تُعَانِي مِنْ صَدْمَةٍ نَفْسِيَّةٍ حَادَّةٍ.

المُؤثِّرَاتُ
 مُؤَثِّرَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، ضَوْئِيَّةٌ وَصَوْتِيَّةٌ (صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ) يُمَثِّلُ الذَّاكِرَةَ المُمَزَّقَةَ.

العَرْضُ

يُضَاءُ المَسْرَحُ عَلَى الشَّخْصِيَّةِ وَهِيَ تَقِفُ فِي المُنْتَصَفِ، تَرْتَدِي مَلَابِسَ بَسِيطَةً وَوَاسِعَةً بَعْضَ الشَّيْءِ. يَبِينُ عَلَى جَسَدِهَا المَشْدُودِ التَّوَتُّرُ، عَيْنَاهَا وَاسِعَتَانِ، تُحَرِّكُ يَدَيْهَا أَمَامَهَا بِبُطْءٍ، تُرَاقِبُ حَرَكَتَهَا كَأَنَّهَا تَرَى شَيْئًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ.

- هُنَا أعَلِّقُ رُوحِي مِثْلَ بَهْلَوَانٍ يَتَأرْجَحُ فِي الظُّلْمَةِ، أقْطُفُ وَسْوَسَةَ اللَّيْلِ، جُثَّةً مَحْمُومَةً تَعْبُرهَا الرِّيحُ وَتَمْضِي فِي هَسِيسِ الرَّمَادِ.
 (تَتَحَرَّكُ إلى كَوْمَةِ المَلابِسِ المُحْتَرِقَةِ .. تَخْمِشُ قَلِيلًا مِنَ الرَّمَادِ وَتَذْرُوهُ مِنْ أعَلَى إلَى أسْفَلِ وفِي صَوْتٍ هَامِسٍ ثُمَّ يَعْلُو).
- لِمَاذَا لَا يَمْلِكُ الرَّمَادُ ذَاكِرَةً.. وَبعدَهَا يَنْتَهِي كُلُّ شَيءٍ.. ذَاكِرَةً لِكُلٍّ جَسَدٍ نَقَشَتْ عَلَيْهِ آلَافُ الأَزَامِيلِ سَوْآتِهَا الرَّاجِفَةَ؟ كَانُوا أَكْثَرَ مِنَ الأَصَابِعِ، أَكْثَرَ مِنَ الرَّصَاصِ الَّذِي مَزَّقَ المَدِينَةَ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ.. أَكْثَرَ مِنَ النُّجُومِ الَّتِي مَاتَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. (تَضْحَكُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً) النُّجُومُ مَاتَتْ... لا لا لَمْ تَمُت انْتَحَرتْ.. وَتَرَكَتِ السَّمَاءُ تَسْبَحُ فِي ثُوبِ حَدَادِهَا الحَالِكْ. 
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ: خَذَلَتْكِ الجُدْرَانُ، خَذَلَكِ التُّرَابُ، المَاءُ الَّذِي لَا يَغْسِلُ مَا تَرَكَتْهُ وُجُوهُهُمُ المُتَوَحِّشَةُ فِي رُوحِكِ.. فِي مَسَامَاتِكِ الَّتِي غَدَتْ تَنْزُّ بِصَدِيدِ يَسِيلُ مِثْلَ جَدَاوَل صغِيرَةٍ مِنْ تَحْتَ حَاوِيَةٍ قَاذُورَاتٍ.  (تَضْغَطُ عَلَى جَسَدِهَا.. وَفِي بُطْءٍ تَتَمَدَّدُ عَلَى الأَرْضِ).
مُوسِيقَى
- (تَنْهَضُ فَزِعَةً) كَانَتْ هُنَا وَرْدَةٌ.. أَيْنَ الوَرْدَةُ.. الوَرْدَةُ الحَمْرَاءُ، الوَرْدَةُ الَّتِي نَبَتَتْ فِي أَكْثَرِ الجُرُوحِ عُمْقًا... (تَلْمِسُ جَسَدَهَا فِي خَوْفٍ وَاضِحٍ).. عَلَى خَرِيطَةِ مُحْتَرِقَةِ.. نَحْنُ لَحْمٌ يُنْسَى.. يُنْسَى كَشَوْكَةٍ فِي التَّارِيخِ البَشَرِيِّ.. كَهُوِيَّةٍ سَحَقَتْهَا أَحْذِيَةُ الذِّئَابِ.. (تَصْرُخُ).. لا تَظُنُّ أنَّنِي كُنْتُ عَاجِزَةً.. لالا.. قَاتَلْتُ بِأَظَافِرِي.. قَاتَلْتُ. رَمَيْتُ فِي وُجُوهِهِمْ أَحْجَارَ انْكِسَارِي.. رَكَضُوا جَمِيعُهُمْ عَلَى جَسَدِي (تُحَاوِلُ دَفْعُهُمْ بَعِيدًا عَنْهَا).. أَصْوَاتُهُمْ.. ضَحَكَاتُهُمُ الوَحْشِيَّةُ.. رَبَطُوا يَدِي بِالحِبَالِ ... (صِرَاعٌ عَنِيفٌ.. وَصُرَاخٌ.. أَنْفَاسٌ مَكْتُومَةٌ تَخْبُو تَدْرِيجِيًّا).

إِظْلَامٌ وَمُوسِيقَى

(تَتَغَيَّرُ نَبْرَةُ صَوْتِهَا .. وَتَبْدُو سَاهِمَةً  كأنَّهَا تَسْتَعِيدُ مَاضٍ بَعِيدٍ)
- يَدِي الَّتِي حَمَلَتِ الوَرْدَ وَنَثَرَتْهُ عَلَى المَيْدَانِ.. غَدَتْ مُجَرَّدَ غُصْنٍ يَرْتَعِشُ فِي عَاصِفَةِ الخَوْفِ؟ الذَّاكِرَةُ هُنَيْهَةٌ رَقِيقَةٌ وَشَفَّافَةٌ. مَا أَنْ نَلْمِسَهَا حَتَّى تَتَطَايَرُ كَالرَّمَادِ، وَتُخَلِّفُ وَخْزًا مُؤْلِمًا فِي الصَّدْرِ. (تَنْهَارُ.. عَلَى الأَرْضِ، تَزْحَفُ.. تَلْتَقِطُ وِسَادَةً مُمَزَّقَةً، تَضَعُهَا عَلَى فَخِذَيْهَا كَأَنَّهَا طِفْلٌ).
- إلا أنَّنَا جَمِيعًا ابْتَلَعَتْنَا الحَرْبُ.. ابْتَلَعَتِ السَّمَاءَ، ابْتَلَعَتِ الأَلْوَانَ، ابْتَلَعَتْ أَسْمَاءَنَا القَدِيمَةَ.. ابْتَلَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.. إنَّهَا لَعْنَةُ تَانْتَالُوسْ .. تَرَكَتْنَا قِطَعًا مِنْ زُجَاجٍ مَكْسُورٍ.. تَرَكَتْنَا نُمْعِنُ فِي المَأْسَاةِ.. فِي اللَّهَاثِ المُبَعْثَرِ مِنْ دَيْمُومَةِ القَتْلِ.
(تَنْظُرُ إِلَى مَكَانٍ مُظْلِمٍ فِي الزَّاوِيَةِ، تَتَّسِعُ عَيْنَاهَا وَتَرْكُضُ كَأَنَّهَا رَأَتْ أَشْبَاحًا).
-الرَّائِحَةُ.. رَائِحَةُ الجَسَدِ المَحْرُوقِ. إِنَّهَا هُنَا! تَخْتَبِئُ فِي رُوحِي! .. لَا شَيْءَ يُمْكِنُكُمْ أَخْذُهُ مِنِّي ثَانِيَةً.. لَا شَيْءَ سِوَى الفَرَاغِ (ضَحْكَةٌ هِسْتِيرِيَّةٌ).. خُذُوا هَذِهِ الثُّقُوبَ السَّوْدَاءَ.. كُلَّ أَرْضٍ بُوْرٍ.. لَمْ تَعُدْ صَالِحَةً.. سَيُزْهِرُ فِيهَا العَدَمُ.. يَزْهَرُ مِثْلَ خَطَأٍ كَوْنِيٍّ. خُذُوا (تَنْثُرُ الرَّمَادَ فِي اتِّجَاهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ).. خُذُوا.. خُذُوا.. (تَتَغَيَّرُ المُؤَثِّرَاتُ الضَّوْئِيَّةُ.. ثمَّ تَخِرُ بَاكِيَةً، تَتَمَدَّدُ عَلَى الأَرْضِ).

-(تَنْهَضُ مُتَرِّنِحَةً) كُلُّ لَيْلَةٍ أَفْرُكُ... كُلَّ لَيْلَةٍ، كُلَّ صَبَاحٍ. أَفْرُكُ هَذَا الجَسَدَ... هَذَا الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَعُدْ لِي. أَنَا لَسْتُ أَنَا .. مُجَرَّدُ بَقَايَا جَسَدٍ تَرَكُوهُ وَرَاءَهُمْ لِيَتَعَفَّنَ.. (تَفْرُكُ ذِرَاعَيْهَا بِقُوَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ، ثُمَّ كَتِفَيْهَا. يَزْدَادُ الاحْتِكَاكُ عُنْفًا).. اِذْهَبُوا.. اِذْهَبُوا.. أَيَّتُهَا الوُجُوهُ القَذِرَةُ!.. أَنَا جَسَدٌ مَحْشُوٌّ بِوُجُوهٍ غَرِيبَةٍ لَا تُرِيدُ أَنْ تَنَامَ.. مَحْشُوٌّ بِرَائِحَةِ أَنْفَاسِكُمْ.. بِالبَارُودِ الآدَمِيِّ الوَسِخِ.. (تَتَشَمَّمُ وَذِرَاعَيْهَا بِرُعْبٍ، ثُمَّ تَبْتَعِدُ عَنْ نَفْسِهَا كَأَنَّهَا تَلَوَّثَتْ.).. أُرِيدُ أَنْ أُزِيلَ جِلْدِي، طَبَقَةً طَبَقَةً.. لَعَلِّي أَجِدُنِي.. أَجِدُ أَنَايَ القَدِيمَةَ تَحْتَ الرُّكَامِ.
-(تَتَوَقَّفُ، تَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى جَانِبَيْ رَأْسِهَا). يَقُولُونَ: اِهْدَئِي! لَقَدْ مَضَتِ الحَرْبُ، إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ. (تَضْحَكُ بِسُخْرِيَةٍ مُرَّةٍ) الحَرْبُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ. الحَرْبُ... تَعِيشُ هُنَا! (تَضْرِبُ رَأْسَهَا بِقَبْضَتِهَا.) الحَرْبُ أَصْبَحَتْ غُرْفَةً صَغِيرَةً دَاخِلَ رَأْسِي (تَتَحَرَّكُ خُطْوَتَيْنِ إِلَى الأَمَامِ، تَتَحَدَّثُ كَأَنَّهَا تُخَاطِبُ صُورَةً مِنَ المَاضِي.). كُنْتُ أَخَافُ الظَّلَامَ؟؟ أَنَا الآنَ... أُرِيدُ الظَّلَامَ كُلَّهُ. فِي الظَّلَامِ أَرَى نَفْسِي كَمَا كُنْتُ نَظِيفَةً قَبْلَ أَنْ تَلْمِسُونِي. قَبْلَ أَنْ تَزْرَعُوا هَذِهِ البُذُورَ السَّامَّةَ فِي جَسَدِي. أَنَا مُنْطَفِئَةٌ مِنَ الدَّاخِلِ. رُوحِي شَمْعَةٌ أغْرَقَهَا الطُّوفَانُ.
-(تَبْدَأُ بِخَدْشِ جِلْدِهَا بِأَظَافِرِهَا وَهِيَ تَفْرُكُ). الوَجَعُ الجَسَدِيُّ أَقَلَّ حِدَّةً مِنَ وَجَعِ الرُّوحِ.. يَدِي لَنْ تَتَوَقَّفَ حَتَّى أنْزِعَهُ أوْ يَتَبَخَّرَ مِنْ هَذِهِ النُّقْطَةِ! هَذَا لَيْسَ جِلْدِي. هَذَا قِنَاعُ القَتَلَةِ.. مَتَى سَيَخْرُجُ وَجْهِي القَدِيمُ مِنْ تَحْتِهِ؟ أَيْنَ أَنَا؟ (تَتَرَاجَعُ لِلْخَلْفِ، تَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ وَتَجْلِسُ القُرْفُصَاءَ، تَضُمُّ رُكْبَتَيْهَا بِقُوَّةٍ إِلَى صَدْرِهَا).
- لَا... لَا تَنْظُرُوا إِلَيَّ! (تُغَطِّي عَيْنَيْهَا. وَتَهْتَزُّ) هُنَا فِي سَقْفِ الغُرْفَةِ تَعِيشُ كُلُّ صَرْخَةِ رُعْبٍ صَرَخْتُهَا.. ثُمَّ تَعُودُ إِلَيَّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَصَدَى مَقْطُوعٍ. أَنَا سَجِينَةُ لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ... لَحْظَةٍ تَوَقَّفَ فِيهَا الوَقْتُ وَأَنَا مُّمَدَّدَةٌ مِثْلَ كِيسٍ لِلْقُمَامَةِ. (تُحَدِّقُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَهَا).
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ: لَيْسَ العَارُ ثَوْبًا تَخْلَعِينَهُ. إِنَّهُ جِلْدُكِ. جِلْدُكِ .. لَا لَا .. (تَهُزُّ رَأْسَهَا بِعُنْفٍ)  ألَيْسَ كَذَلِكَ؟ إنِّهَا الخِيَانَةُ .. لَمْ تَأتِ مِنْكِ.. مِنَ الَّذِينَ سَمَحُوا لَهُمْ بِاسْتِبَاحَتَكِ كَحُقُولٍ جَرْدَاءَ.. مِنَ الَّذِينَ بَاعُوكِ غَنِيمَةَ حَرْبٍ.
- (تُحَاوِلُ أَنْ تَقِفَ بِاسْتِقَامَةٍ) أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ حَجَرًا لَا يَعْرِفُ إنَّهُ حَجَرٌ، لَا يَعْرِفُ مَنْ لَمِسَهُ.. وَلِمَاذَا يُلْمَسُ.. الحِجَارَةُ دَائِمًا تَنْجُو.. تَنْجُو.. تَنْجُو.. تَنْجُو.. تَنْجُو.. (تَدُور حَوْلَ نَفْسِهَا، ثُمَّ تَتَوَقّفُ بِصُورَةٍ فُجَائِيَّةٍ) يُورِيكَا..نَجَوْنَا.. نَجَوْنَا.. (تَنْطَوِي عَلَى نَفْسِهَا فِي بكاءٍ مَخْنُوقٍ).. لَكِنَّ النَّاجِيَةَ لَا تَمُوتُ بِسُهُولَةٍ. النَّاجِيَةُ تُرِيدُ خَيْطًا مِنَ الضَّوْءِ الشَّحِيحِ، لِتُغَادِرَ مَتَاهَةَ الوَحْشَةِ.
- لَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ... لَا تَعْرِفُونَ كَيْفَ تَمْتَلِئُ غُرْفَتِي بِالوُحُوشِ، لَا تَعْرِفُونَ مِقْدَارَ الرُّعْبِ وَهِيَ تُمْسِكُ بِرِجْلَيْكَ... حَرَارَةُ جِسْمِهَا المُتَّقِدَةُ بِرَائِحَةِ الفَتْكِ.. وَهِيَ تَسْرِي فِي جَسَدِكَ.. تَأْكُلَكَ أَنْيَابُهَا النَّهِمَةُ.. وَتُهَدِّدَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ بِاجْتِيَاحٍ جَدِيدٍ... أَصْحُو كُلَّ لَيْلَةٍ وَالعَرَقُ يُغَطِّي جِسْمِي... دَقَّاتُ الطُّبُولِ الصَّارِخَةُ فِي رَأْسِي... أسْمَعُ أَضْلَاعِي تَتَكَسَّرُ وَأَحْشَائِي تُنْهَشُ.. تُنْهَشُ.
- (تَتَّخِذُ وَضْعِيَّةَ مُوَاجَهَةٍ. تَمُدُّ يَدَيْهَا بِقُوَّةٍ، ثُمَّ تَبْدَأُ بِفَرْكِهِمَا مَعًا بِقُوَّةٍ عَنِيفَةٍ مُجَدَّدًا). لَنْ أَدعَكُم تَكُونُونَ آخِرَ مَا أَتَذَكَّرُهُ.. سَأَفْرُكُ... وَسَأَفْرُكُ... حَتَّى يَتَبَخَّرَ الوَجَعُ مِنْ هَذِهِ النُّقْطَةِ! الأَرْضُ مَائِلَةٌ وَعَطِنَةٌ.. إِنَّهَا تَخْدَعُنَا.. كُلُّ شَيْءٍ يَمِيلُ نَحْوَ الهَاوِيَةِ .. الهَاوِيَةِ الَّتِي يَخْلِقُونَها بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى.. الثَّبَاتُ كِذْبَةٌ. الرُّوحُ دَوَرَانٌ مُهْلِكٌ فِي فَرَاغٍ أسْوَدَ.
صَمْتٌ

- رَأيْتُ صَوتِي يَتَنَصَّلُ عَنْ حَنْجَرَتِي.. ويَجْرِي.. يَقْفِزُ بَعِيدًا.. يَجْلِسُ مِثْلَ جُرْحٍ فِي فَمِ الطَّرِيقِ، جُرْحٍ يَمْتَزِجُ بِاللُّعَابِ السَّائِلِ مِنْ أَعْيُنِهِم.. اسْمِي. . (تَتَغَيَّرُ نَبْرَةُ صَوْتِهَا) ..أبِي أسْمَانِي طَاهِرَة.. طَاهِرَةً..لَا لَا.. اسْمِي كَفَنٌ يَتَمَزَّقُ مِنْ قَنْصِ الحَنُوطِ الآدَمِيِّ.. نِسْيَانٌ يُعَلَّقُ عَلَى ضَفِيرَةِ الظَّلَامِ.
(تَتَوَقَّفُ عَنْ الكَلَامِ لِلَحْظَةٍ، تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا المُتَقَطِّعَةَ كَأَنَّهَا تَسْحَبُهَا مِنْ بَيْنِ الأَشْوَاكِ).
- ذَلِكَ الجُرْحُ، لَيْسَ جُرْحًا فِي الجَسَدِ.. إِنَّهُ جُرْحٌ فِي فَمُ العَالَمِ الَّذِي ابْتَلَعَ صَرْخَتِي.. كَانُوا يُقَهْقِهُونَ عَلَى مَا حَدَثَ.. يُقَهْقِهُونَ عَلَى صورة العَارِ الَّتِي رُسِمَتْ عَلَى جَبِينِي بِأَيْدِيهِم.
- صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ: فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ... النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ... الْمَسَاءُ الَّذِي لَمْ تَشْحُبْ رُوحُهُ.. عَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ الرِّضَا.. كَانَ الفَضَاءُ مُحْتَشِدًا بِهِمْ مِثْلَ شُمُوعٍ انْدَلَقَتْ فِي العَتَمَةِ.. كَانُوا بَهَاءً يَقْدِلُ() فِي التَّارِيخِ.. بِشَارَاتٍ مَرْسُومَةً عَلَى الْأَبْوَابِ.. أَنَاشِيدَ هَفْهَافَةً تَطْفُو وَتَطْفُو.
(فِي إعْيَاءٍ تَتَقَدَّمُ إلَى الأمامِ لَكِنْ بِثَبَاتٍ مُرْعِبٍ، يَبْدُو عَلَى وَجْهِهَا صِرَاعٌ مَمْزُوجٌ بِالاسْتِسْلَامِ المَرِيرِ) .
- هَلْ... هَلْ أَنْتُمُ الأصْدِقَاءُ؟ جِئْتُمْ لِتَسْأَلُوا عَنْ... عَنِ الغَسِيلِ؟ لَا غَسِيلَ. لَا غَسِيلَ هُنَا.. فَقَطْ... ثِيَابٌ مُلَطَّخَةٌ بِدَمِي. قُولُوا لِي... هَلْ... هَلِ النَّبْضُ... هَلِ النَّبْضُ لَا يَزَالُ عَارًا فِي هَذِه البِلادِ؟ أَمْ أَنَّهُ أَصْبَحَ.... إِثْمًا؟ أنَا.. أَنَا حُفْرَةُ الجَحِيمِ.

(تَنْسَحِبُ بِبُطْءٍ، تَجْلِسُ عَلَى المَقْعَدِ، وَتَبْدَأُ بِفَرْكِ جَسَدِهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.. تَخْفُتُ الإِضَاءَةُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَبِهُدُوءٍ تَتَمَدَّدُ عَلَى المَقْعَدِ).

النِّهَايَةُ.
21/8/2024م.
adillsaad@gmail.com
السودان.

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption