أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الاثنين، 29 يونيو 2026

شرقي .. عذابات: عندما يتحول المسرح إلى خطاب، ويتراجع الفعل الدرامي

مجلة الفنون المسرحية


شرقي .. عذابات: عندما يتحول المسرح إلى خطاب، ويتراجع الفعل الدرامي 

   أ. د. كاظم العمران 

ليس ثمة شك في أن مسرحية «شرق... عذابات» تنطلق من قضية إنسانية ووطنية بالغة الأهمية؛ فهي تستدعي ذاكرة الحروب العراقية؛ و المناكفات السياسية ، وتعرّي آثارها النفسية والاجتماعية، وتحاول أن تستفز الوعي الجمعي للخروج من ثقافة اللامبالاة التي تختزلها العبارة الشعبية: «آني شعليه». غير أن نبل الفكرة لا يكفي وحده لصناعة عرض مسرحي ناجح، لأن المسرح لا يُقاس بصدق القضية، بل بفاعلية أدواته الجمالية.
وقع المخرج حسن خيون في إشكالية جوهرية تمس البنية المسرحية ذاتها؛ إذ اختار أن يجعل السرد بديلاً عن الصراع، بينما تؤكد النظريات الدرامية، منذ أرسطو وحتى المسرح المعاصر، أن الصراع هو المحرك الأساسي للفعل المسرحي، وأن الحكاية لا تكتسب مشروعيتها إلا عندما تتحول إلى فعل يُرى، لا إلى كلام يُسمع. والمشكلة ان الممثل الرئيسي ( الجنرال العسكري) الذي جسده الفنان عزيز خيون وبجدارة قد قال في البدء : "أعرف انكم تريدون سرد الحكاية أقصد لعبة الحكاية" ... ولكنه التزم بعدم القصدية وسرد لنا الحكاية دون فعل يتنفس إكسير الصراع الدرامي في مهاريق الحدث المسرحي.. 

لقد أغرق العرض في مونولوجات واسترسالات سردية طويلة، حتى تحولت الخشبة إلى منصة للحكي، لا إلى فضاء لإنتاج الحدث. وهكذا أصبح المتلقي يتلقى المعلومات بدلاً من أن يكتشفها، ويستمع إلى المأساة بدلاً من أن يعيشها.
إن أكبر إشكالات العرض أنه يروي الألم أكثر مما يصنعه. فالفرق كبير بين أن يتحدث الممثل عن الحرب و ويلاتها، وبين أن يجعل المتفرج يعيش الحرب جمالياً ووجدانياً. المسرح الحقيقي لا يصف المأساة، بل يعيد خلقها عبر الصورة، والإيقاع، والصراع، والكتلة، والصمت، والحركة.
ولعل أكثر ما أضر بإيقاع العرض هو الإفراط في التكرار. فالأفكار نفسها عادت بصيغ مختلفة، والجمل الدرامية فقدت حدتها بسبب الإعادة، حتى أصبح الزمن المسرحي زمناً مستهلكاً، لا زمناً متصاعداً. والتكرار هنا لم يكن تقنية جمالية واعية، بل بدا نتيجة غياب الاقتصاد الدرامي، وهو ما أدى إلى فتور التلقي وانخفاض منسوب الدهشة.
أما الإخراج، فعلى الرغم من خبرة حسن خيون الشاب المجتهد مسرحياً ، فقد بدا أسير النص أكثر من كونه سيداً عليه. إذ اكتفى بتنظيم المادة السردية، ولم ينجح في تحويلها إلى منظومة من العلاقات والصراعات والصور المتحولة. فالإخراج ليس ترتيباً للمشاهد، بل إعادة كتابة للنص بلغة الخشبة، وهذه اللغة بقيت في العرض محدودة الفاعلية، لأن سلطة الكلمة ظلت أعلى من سلطة الصورة.
في المقابل، قدم الممثلون أداءً منضبطاً ومخلصاً، وبذلوا جهداً واضحاً في حمل العبء التعبيري للنص، إلا أن قدراتهم اصطدمت ببنية إخراجية لم تمنحهم فرصاً كافية لبناء شخصيات متطورة، بل أبقتهم في كثير من الأحيان مجرد رواة للأحداث، لا صناعاً لها.
أما السينوغرافيا، فكانت من أبرز عناصر العرض نجاحاً؛ إذ امتلكت حساً بصرياً وجمالياً واضحاً، وأسهمت في خلق فضاء مشحون بدلالات الخراب والذاكرة. وخاصة مشهد الدم في العمق الذي ينتهي بصرخة مدوية تنادي بإنهاء هذه المأساة.. غير أنها بقيت معزولة نسبياً عن الفعل الدرامي، فتحولت أحياناً إلى لوحة تشكيلية جميلة أكثر من كونها عنصراً عضوياً يشارك في إنتاج المعنى.
إن المشكلة الكبرى في «شرقي ... عذابات» ليست في موضوعه، بل في آلية تقديمه. فالعرض امتلك القضية، لكنه لم يمتلك دائماً الوسيلة المسرحية القادرة على تحويلها إلى تجربة فنية آسرة. لقد راهن على قوة الخطاب، بينما المسرح لا ينتصر بالخطب، بل بالصراع؛ ولا يعيش بالكلمات، بل بالأفعال.
وهكذا خرج المتلقي مثقلاً بكمٍ هائل من الحكايات، لكنه أقل امتلاءً بالتجربة المسرحية نفسها. فحين يغيب الصراع، ويتضخم السرد، ويتكرر الخطاب، يصبح المسرح أقرب إلى محاضرة وجدانية منه إلى فعل درامي نابض بالحياة.
لقد أراد العرض أن يوقظ الوعي، لكنه نسي أن الوعي لا توقظه كثرة الكلمات، بل توقظه قوة المسرح..
أشد على أيدي العاملين في العرض جميعآ  والعاملين في الحقل المسرحي الكبير.. و إلى عرض متكامل فنياً آخر نتباها به أمام الملأ.

0 التعليقات:

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption