مسرحية (صدأ الأنوثه ) تأليف احمد . م . مكاراتي
مسرحية (صدأ الأنوثه ) تأليف احمد . م . مكاراتي
الشخصيات
سعاد :
(38 عاماً) ملامحها متعبة تتأرجح بين الرصانة المفرطة والانفجار العاطفي ترتدي ثوباً من طبقتين طبقة خارجية رمادية خشنة وتحتها قميص نوم حريري أحمر لا يظهر إلا في مشاهدها مع عادل كرمز للرغبة المكبوتة تحت وقار العنوسة.
عادل :
(في الثلاثينات) وسيم هادئ بشكل مريب صوته دافئ يمثل الحبيب السرّي ويرتدي ثياباً بسيطة وعصرية لكنها من خامات ناعمة ليتناقض مع خشونة الواقع المحيط بسعاد
الام :
( في الستين ) امراة من الجيل القديم بسيطة عفوية تخاف على ابنتها
الشيخ :
( في الستين ) رجل غليظ الصوت يرى في كل خروج عن المألوف مساً من الشيطان
الصديقات الثلاث : او بنات العم
ليلى : زميلة سعاد بالعمل
فوزية : الزمبلة الثانية بالعمل
يفتح الستار على غرفة نوم ضيقة الإضاءة خافتة يغلب عليها اللون الأصفر الشاحب مرآة كبيرة في الزاوية وسرير مفرد مرتب بعناية فائقة عليه بعض القلوب الحمراء ونافذة مغلقة بإحكام بستائر ثقيلة وصوت دقات الساعة برتابة يمنح المكان صبغة البطء الزمني الرتيب لحياة سعاد .. تظهر سعاد وبيدها قلب أحمر تضعه على السرير وتتجه هي لتمسح غباراً غير موجود عن علب مكياجها وتمسحها بآلية مفرطة كأنها تمسح سنوات
سعاد : ( تخاطب علبة أحمر الشفاه ) لماذا لا تزالين هنا ؟ صالحة
للاستخدام .. هكذا يقول التاريخ المكتوب على ظهرك. لكنكِ كاذبة الألوان تموت حين لا يراها أحد ( تضحك بمرارة ) أنا وأنتِ يا صغيرتي في سلة واحدة .. بضاعة قاربت صلاحيتها على الانتهاء هكذا يهمسون خلف ظهري. هم لا يدركون أن الروح لا تنتهي صلاحيتها هي فقط ... تصدأ
( تتجه نحو خزانة الملابس تفتحها ببطء فيخرج منها بريق ألوان الفساتين المنسية تخرج فستاناً ملوناً تضعه على جسدها أمام المرآة تبتسم وتستدير دورة كاملة كفراشة استعادت
جناحيها لثوانٍ فجأة يتغير وجهها تكسر الابتسامة شهقة مكتوم تتذكر الوقار المفروض فتعيد الفستان بسرعة وتخرج بدلاً منه ثوباً أسود واسعاً )
سعاد : ( بهمس حاد ) الأسود هو الأنسب يا سعاد هو اللون الذي لا
يطالبك بشيء لا يطالبك بأن تكوني جميلة أو أنثى أو مرغوبة الأسود هو الكفن الذي ترتدينه وأنتِ تمشين إلى عملك كل صباح ( تتوجه نحو النافذة ... تمد يدها لفتحها لكنها تتوقف فجأة تلمس الستارة الثقيلة بحذر تنظر من شق صغير جداً كأنها تتجسس على العالم ثم تغلقها بإحكام )
سعاد : ( بفزع ) لا.. لا تفتحيها العابرون يملكون عيوناً كالإبر
سيخترقون جلدي .. سيسرقون ملامحي المتعبة ليحولوها إلى مادة دسمة لثرثرة المساء (تقلد صوت جارة بسخرية) أرأيتِ سعاد ؟ ذبلت تماماً مسكينة قطار الزواج فاتها ولم يترك لها إلا التجاعيد. تباً لشفقتكم .. أنا لست مسكينة .. أنا امرأة رفضت أن تُباع في سوق المجاملات مقابل لقب مدام ( تجلس على طرف السرير تخرج زجاجة عطر مخبأة بعناية تحت الوسادة تستنشقها بعمق تغمض عينيها .. وهنا تبدأ الموسيقى بالتحول من الرتابة إلى نغمة عاطفية حادة )
كل قطرة هنا هي صرخة مؤجلة يقولون إن العطر للعرائس ..
اللواتي يملكن رجلاً يشم رحيقهن فماذا عني ؟ هل يجب أن تفوح مني رائحة الصدأ والنسيان لمجرد أن قدري لم يطرق
بابي ؟ ( تستنشقها بعمق وتغمض عينيها بقوة كأنها تستحضر طيفاً.... تبدأ الموسيقى بالتحول من الرتابة إلى نغمة عاطفية حادة يظهر ظل عادل على الجدار خلفها طويلاً وسيمًا وهادئًا بشكل مريب )
عادل : ( يظهر ظله يهمس بصوت أعمق ) رائحتكِ هي الحقيقة
الوحيدة في هذه الغرفة يا سعاد .
سعاد : ( دون أن تلتفت بصوت يرتعش وجداً ) تأخرت يا حبيبي ..
تأخرت كثيراً. هل تدري كم مرة قتلتني دقات الساعة وأنا أنتظرك ؟ ( فجأة تلتفت إليه بذعر وتضع إصبعها على فمه ) هسسسسسس الجيران.. خالتي.. أمي.. الجميع يترصدون خلف
الأبواب سيسمعون أنفاسنا .. سيعرفون أن لي قلباً لا يزال ينبض
عادل : ( يخرج من الظل صوته دافئ وناعم يتناقض مع خشونة
واقعها ) الغرفة مغلقة يا سعاد والأبواب موصدة والكل بالخارج غارقون في نومهم العميق .. في يقينهم الممل. لا أحد يراكِ الآن إلا أنا .. وأنتِ لا ترين إلا نفسكِ من خلالي .
سعاد: ( تضحك بمرارة وهي تنظر لثوبها الرمادي ) يطالبونني بالعفة
والتعفف .. يريدون مني أن أكون نسمة تمر بجانب الحائط ولا يشعر بها أحد. العانس في قاموسهم يجب أن تكون شفافة بلا رغبة .. بلا صوت بلا جسد.
عادل : ( يتحرك خلفها يلمس كتفها بخفة تجعلها تنتفض ) لكنكِ لستِ
شفافة. أنتِ بركان مكبوت تحت هذا الرماد .. أنتِ نار تشتعل تحت هذا الثوب المحتشم الذي يفرضه وقار العنوسة
سعاد : ( تستسلم للمسته تغمض عينيها ) نعم .. نار تحرقني وحدي ..
في النهار أهز رأسي موافقة على نصائحهم بالصبر والنصيب وأرتدي قناع الرضا ليطمئنوا. وفي الليل .. في هذا الليل الموحش أبحث عنك في زوايا الغرفة أتنفس رائحة عطرك التي اخترعتها لأنجو من رائحة الصدأ التي تملأ حياتي
عادل : لماذا تخافينهم إلى هذا الحد ؟ هم مجرد أصوات تذهب مع
الريح .
سعاد : ( تنفجر غضباً تقف وتواجهه ) لأنهم لا يرحمون خوفي .. هل
جربت أن تمشي في الشارع وتشعر أن عيون المارة تفتش في هويتك عن خانة متزوجة ؟ هل جربت أن تكون فائضاً عن حاجة المجتمع ؟ هم لا يرونني يا عادل .. هم يرون ثقباً في جدار
العائلة يجب سده بأي رجل حتى لو كان بلا روح هل جربت أن
تكون قطعة أثاث زائدة في بيت أهلك ؟ هل جربت نظرات الشفقة في عيون الصديقات وهن يتحدثن عن مغامرات أطفالهن ثم يصمتن فجأة حين يذكرن اسمي ؟ هم ليسوا مجرد أصوات انهن هنا في تفاصيل روحي اسمعهن انى التفتت .
( يتحول جزء من المسرح عبر الإضاءة إلى صالون استقبال تبدو فيه ثلاث نساء - صديقات أو قريبات- يجلسن على كراسٍ متراصة يتحركن بحركات ميكانيكية كأنهن دُمى. سعاد تقف في المنتصف بين غرفتها وهذا التجمع )
سعاد : ( بمرارة ) هل جربت أن تجلس في غرفة مليئة بالعيون التي لا
تراك كبشر بل كأرقام في قائمة الانتظار؟ ( تلتفت نحو النساء ) ها هن صديقاتي .. بنات عمي .. حارسات بوابة الستر انظر اليهن .
امرأة 1 : ( بنبرة مصطنعة من الشفقة ) ما شاء الله كبرتِ يا سعاد ..
صرتِ عروساً .. لكن ألم يأتِ نصيبكِ بعد ؟
امرأة 2 : ( تقاطعها بضحكة خافتة ) سنفرح بكِ قريباً إن شاء الله ..
فقط قليل من القناعة والرضا لا تتشرطي كثيراً يا سعاد قطار العمر لا ينتظر المتكبرات .
امرأة 3 : ( تتحدث مع الأخريات متجاهلة وجود سعاد ) هل سمعتم ؟
ابني بدأ يمشي وزوجي اشترى لي طقماً من الذهب. الحياة مشاغل لكن الوحدة .. آه من الوحدة أليس كذلك يا سعاد ؟
سعاد : ( تصرخ في وجوههن ) كذب أنتن لا تخفن عليّ أنتن تخفن مني
تخفن أن تذكركن وحدتي بأن الحياة ليست دائماً كما خططتن لها. أنا في نظركن لغز يجب حله أو خطيئة يجب سترها بقطعة ذهب توضع في إصبعي .
امرأة 1 : ( تتحدث كأنها آلة ) ربما هي ممسوسة .. ربما بها عيب خفي
ربما سُحرت .
سعاد : إذا ضحكت قالوا تحاول إخفاء وجعها وإذا صمتت قالوا فاتتها
القافلة فانكسرت ( تغطي أذنيها )ألسنتكم مثل سياط تجلد ظهري لم يسأل أحد منكم يوماً هل هي سعيدة ؟ هل هي مطمئنة ؟
( تندفع لتختبئ خلف عادل وكأنها تحتمي به تختفي النساء تدريجياً في الظلام ويبقى صوت ضحكاتهن المكتومة يتردد في أرجاء الغرفة ) الخوف ليس من الوحدة .. الخوف هو من ذلك اليوم الذي سأصدق فيه أنني ناقصة لمجرد أنني لم أقبل برجل لمجرد سد أفواه الناس .
عادل : ( يهمس من خلفها ) لا تلتفي اليهن .. هن يملكن العُرف وأنتِ
تملكين الحياة .
سعاد : هل جربت تلك الهمسات المسمومة ( تقلد امراة عجوز ) ما
شاء الله كبرتِ يا حبيبتي.. ألم يأتِ نصيبك بعد ؟ سنفرح بكِ قريباً إن شاء الله. يقولونها بابتسامة تقطر سماً وكأن قيمتي كإنسانة كعقل .. كروح .. كلها معلقة بقطعة ذهب توضع في إصبعي .
عادل : ( بهدوء مستفز ) هم يملكون العرف .. وأنتِ تملكين هذا الخيال
الذي هو أرحم من واقعهم .
سعاد : وخيال كلماتهم التي تلاحقني ؟
عادل : لا تلتفتي اليهن فقط اغمضي عينيك وعيشي احلامك السعيدة
سعاد: ( تغمض عينيها باستسلام (أحياناً أخاف أن أفتح عينيّ فأجد
نفسي في الدائرة الحكومية حيث وجوه الموظفين المتعبة ورائحة الأوراق القديمة. أخاف أن يتلاشى ملمس يدك بين ملفات الوارد والصادر .
عادل: (يهمس في أذنها ) لا يا سعاد بل ستفتحي عينيك لتجدي نفسك
في الرحلة التي وعدتك بها .
سعاد ): تلتفت إليه بلهفة طفلة ) الرحلة ؟؟ أريدها رحلة طويلة معك ..
رحلة لا تنتهي عند باب هذه الغرفة. وعدتني أن تأخذني بعيداً.. هل تذكر ؟
عادل : ( يبتسم ويمسك يدها ) وهل ينسى المحب وعوده ؟ غداً .. لا
بل الآن إذا شئتِ سنحزم حقائبنا ونحلق بأحلامنا ولن نأخذ معنا ثيابك الرمادية ولا نظاراتك الطبية ولا ساعات الانتظار المرة. سنذهب إلى مدينة لا تعرف لغة العيب ولا تسأل النساء عن أعمارهن .
سعاد ) : تضحك بخجل) إلى أين ؟ صف لي المكان.. أريد أن أراه
بعينيك قبل أن نصله .
عادل : سنذهب إلى البحر حيث البيوت بيضاء والنوافذ زرقاء كالسماء.
سنمشي على الرمل في وقت الفجر حين يكون البحر هادئاً كقلبكِ
قبل أن يرهقه البشر. سأشتري لكِ فستاناً من الحرير الخالص بلون المرجان يطير مع الريح ولا يحده وقار مزيف .
سعاد : ( تتخيل المشهد تتحرك ببطء كأنها تمشي على الرمل (
سأركض.. سأركض حتى ينقطع نفسي.. لن أهتم بمن يراقبني ولن أخاف من تعثر قدمي و سأكون هناك سعاد فقط .. لا سعاد الموظفة ولا سعاد العانس سأكون المرأة التي تحبها أنت.
عادل : سآخذكِ في نزهة بمركب صغير في وسط البحر و لن يكون
هناك ضجيج .. فقط صوت الموج وهو يقبل القارب .. سأغني لكِ .. وسأقول للعالم إن هذه الجميلة هي ملكتي وإن كل سنوات
انتظارها كانت مهراً غالياً لدفء هذه اللحظة .
سعاد : ( تتوقف فجأة يغزو وجهها حزن مفاجئ ) وهل سنعود ؟ هل
ستعيدني إلى هنا.. إلى هذا الصدأ ؟
عادل : ( يشد على يدها ( المكان الذي نسكنه بقلوبنا يا سعاد هو وطننا
الحقيقي وهذه الغرفة هي السجن والرحلة التي ترسمها أحلامك هي الحرية طالما أنكِ تؤمنين بي فنحن في تلك الرحلة دائماً لا أحد يستطيع إعادتكِ ما دمتِ ترفضين العودة.
سعاد : ( تضع رأسها على كتفه أو في الفراغ حيث يُفترض وجوده (
خذني إذاً..خذني إلى ما وراء الغيوم. أريد أن أنسى طعم الغبار وأستنشق رائحة الياسمين في شعرك .. عدني يا عادل .. عدني ألا تترك يدي مهما حصل .
عادل: أنا وعدكِ الذي لن يُخلف.. أنا الرحلة التي لا تنتهي .
سعاد : اااه ما أروع الحياة بين حنايا روحك .. روحك تأخذني الى ما
وراء الغيوم ..غيوم داكنة يرسمونها لي وبخاصة في ذلك المكتب الذي لم أعد اطق الذهاب اليه .
( يتحول المشهد الى مكتب عمل سعاد التي تجلس خلف مكتبها مرتدية بدلتها الرمادية الخشنة تضع نظارات طبية وتعمل بجدية مفرطة )
ليلى : ( وهي تنظر في مرآة صغيرة وتعدل أحمر شفاهها ) يا إلهي
زوجي يصر على الخروج للعشاء الليلة.. يقول إنني أهملته بسبب العمل .. هل تتخيلين يا فوزية ؟ الرجال كالأطفال لا يشبعون من الدلال .
فوزية : ( تنظر نحو سعاد بطرف عينها ) احمدي ربك يا ليلى غيركِ
يتمنى نكد الزوج ولا يجده المهم الستر والبيت ( ترفع صوتها لتسمع سعاد ) أليس كذلك يا سعاد ؟ أنتِ رصينة وعاقلة وبالتأكيد توافقينني أن العمل لا يعوض حنان العائلة .
سعاد : ( دون أن ترفع رأسها عن الأوراق بصوت جاف ) العمل هو
العمل يا ست فوزية الملفات لا تسأل عن حالي ولا تطلب مني أن أكون ست بيت مثالية. هي فقط تريد توقيعاً.
ليلى : ( تقترب من مكتب سعاد بفضول ) سعاد.. لاحظتُ أنكِ تضعين
عطراً مختلفاً اليوم. رائحته غريبة.. كأنها رائحة رجالية ؟ هل هناك مشروع قريب لم تخبرينا به ؟
سعاد : ( تتوقف يدها عن الكتابة فجأة وتظهر على وجهها ملامح
ذعر ممزوج بتحد ٍ) عطري يخصني وحدي. ولا يوجد مشاريع سوى إنهاء هذه التقارير قبل نهاية الدوام .
فوزية : ( تهز رأسها بأسى مصطنع ) لا تؤاخذيها يا ليلى سعاد أخذت
من اسمها السعادة ولكنها تركتها في الأوراق... يا حبيبتي يا
سعاد لو جربتِ مرة أن تذهبي لمصفف الشعر... أن تلبسي شيئاً غير هذا الرمادي الكئيب.. ربما.. أقول ربما.. يتحرك النصيب
سعاد : ( تنهض فجأة يرتطم الكرسي بالأرض تصرخ بصوت مكتوم )
نصيبي ليس رهناً بلون ثوبي نصيبي ليس بضاعة تعرضونها للنقاش مع قهوتكم الصباحية انشغلوا ببيوتكم وبأزواجكم الذين يهربون منكم إلى المقاهي واتركوا لي رمادي .. فهو على الأقل لا يكذب ( يسود صمت محرج ليلى وفوزية تتبادلان نظرات الشفقة التي تذبح سعاد .. سعاد تلملم حقيبتها بيد ترتجف )
ليلى: ( بهمس مسموع ) مسكينة .. العنوسة تجعل الأعصاب تالفة.
سعاد : ( تصرخ في وجه ليلى وتحاول انهاء المشهد ) أنا لست عانساً . أنا امرأة رفضت أن تُباع في سوق المجاملات ( تقترب من عادل وتلمس وجهه بحذر كأنها تخشى أن يتلاشى ) هل عرفت ماهو الخوف ؟ الخوف.. ليس من الوحدة الخوف هو من ذلك اليوم الذي سأصدق فيه كلامهم الخوف من أن أستيقظ وأرى نفسي بعيونهم ناقصة فقط لأنني لم أقبل برجل لمجرد سد أفواه الناس .. أنت الحقيقة الوحيدة هنا.
رائحتك هي التي تذكرني أنني ما زلت على قيد الحياة... هم قتلوا
روحي بانتظار العريس المثالي الذي لم يأتِ وبقوانينهم التي جعلت
جسدي عدواً لي .. هل أنت حقيقي يا عادل ؟ أم أنني بدأت أفقد عقلي ؟ أخاف أن أفتح عيني فأجد نفسي أعانق الوسادة .. أخاف أن يكون حبنا مجرد صرخة مكتومة في رأس امرأة شارفت على الجنون .
عادل : ( يهمس في أذنها ) سعاد يا حبيبتي السعادة التي تشعرين بها
الآن حقيقية.. والألم الذي يغادرك الآن حقيقي... لا يوجد قانون هنا سوى أنفاسنا .. عيشي احلامك يا سعاد .. عيشي سعادتك
( تبدأ سعاد بفك أزرار ثوبها الرمادي الخشن ليظهر من تحته قميص النوم الحريري الأحمر رمز رغبتها المكبوتة .. تتمايل بحلم بينما تبدأ أصوات خارجية .. يسمع صوت مفاتيح ترتطم بالقفل وصوت همس مكتوم وحاد للأم بالخارج سعاد تتجمد في مكانها عيناها تتسعان رعباً )
صوت الأم : ( من خلف الباب ) ادخل يا شيخنا .. بحذر لا نريد أن
نفزعها إنها هناك خلف هذا الباب تدفن نفسها في الخرافات تتحدث مع الجدران لساعات تضحك وتبكي مع سراب لا يراه أحد غيرها لقد أفسدها الانتظار يا شيخ .. حتى مسها الجنون
سعاد : ( تلتفت إلى عادل بذعر) سيقتحمون خلوتي يا عادل سيسرقون
السر الوحيد الذي يجعلني أتحمل العيش في هذا البيت ..سيقولون
إنك مس شيطاني أو خيال امرأة مريضة.. لن يصدقوا أبداً أنك الرجل الوحيد الذي لم يبعني ويشتريني في سوق الشفقة .
عادل : ( صوته يصبح بعيداً كأنه يذوب في جدران الغرفة ) لن يجدوني
يا سعاد .. أنا أسكن في مساماتكِ .. في نبضكِ الذي يرفضونه. .. اذا استسلمتِ لهم سأختفي .. سأصبح مجرد ذكرى لامرأة جنت لأنها لم تتزوج ( الباب يهتز بعنف... سعاد تركض نحو الباب وتستند إليه بكل ثقلها )
سعاد : ( تصرخ ) لا تدخلوا هذه مملكتي هذا هو المكان الوحيد الذي لا
أحتاج فيه لبطاقة هوية أو عقد زواج لأثبت أنني امرأة ارحلوا عني ( يُكسر قفل الباب بقوة و تندفع الأم ويتبعها الشيخ بخطوات ثقيلة ووجه صارم الإضاءة تومض بعنف ويختفي عادل تماماً. سعاد تنكمش على نفسها تحاول تغطية قميصها الأحمر بحركات مضطربة )
الأم : ( بفزع تلطم خديها ) يا حفيظ يا ستار.. ماذا تفعلين بنفسكِ يا
ابنتي ؟ أرأيت يا شيخنا ؟ ها هي مرة أخرى تتحدث مع الفراغ
وتصفف شعرها للسراب تنظر للمرآة كأنها ترى فيها عالماً آخر.
الشيخ : ( يتقدم يهمهم بتعاويذ غير مفهومة ) اهدئي يا ابنتي .. لا
تخافي نحن هنا لنطرد الريح السوداء التي سكنت عقلكِ
واستوطنت خيالكِ ( يلتفت للأم بنظرة خبيرة ) الحالة متأخرة يا حاجة.. الشياطين تقتات على الوحدة والوحدة هي مرتع إبليس .
سعاد : ( بمرارة تقطر من صوتها ) أي شيطان يا شيخ ؟ الشيطان
الحقيقي هو الصمت الذي يملأ هذا البيت منذ سنوات. أنا لا أحكي مع الجدران .. أنا أحكي مع سعاد التي وأدتموها هنا .. أنا أحكي مع تلك التي ذبحتوها بانتظار الستر الذي لم يأتِ .
الأم : اخرسي ..أتريدين أن يقول الجيران إن ابنة 'الحاج أحمد قد جنت أو أن العنوسة أكلت عقلها ؟ صمتكِ وقناعتكِ هما ستركِ الوحيد أمام الناس ... كوني عانساً وقورة خير من أن تكوني عاشقة للأوهام .
سعاد : ( تضحك بهستيريا ) وقورة ؟ أي ميتة وهي تتنفس ؟ أنتِ لا
تخافين عليّ يا أمي .. أنتِ تخافين على صورتكِ في عزاء الجيران القادم ... تخافين أن يقال إن ابنتكِ ناقصة .
الشيخ : ( يخرج زجاجة ماء ويضرب الطاولة بعصاه ) هذا العناد هو
صوت الشيطان الذي يوهمكِ بأن لكِ حقاً في الحياة خارج هذا الفرفة ... القناعة كنز يا ابنتي .. عيشي كأنكِ غير موجودة
تسلمي من ألسنة الخلق .. المرأة التي فاتها الزواج لا يجب أن
ترفع صوتها. سأقرأ عليها .. هذا العناد هو صوت الشيطان الذي
يوهمها بأن لها حقاً في الحياة خارج هذا الغرفة .
الام : نعم يا شيخي اقرأ .. عسى أن يقتل هذا الخيال اللعين لتعود ابنتي
كما يحبها الناس .
( تبدأ غمغمة الشيخ المرتفعة .. بينما تنكمش سعاد على نفسها تضع يدها على أذنيها وتغمض عينيها ويتحلق الشيخ والأم حول سعاد المنكمشة على كرسيها الخشبي ويشعل شمعة الغرفة تضيق والظلال تتراقص بفعل لهب الشمعة الذي يكاد ينطفئ من أثر الحركة المباغتة )
الشيخ : ( يبدأ بصوت جهوري ثم ينخفض إلى همهمة رتيبة سريعة
ومستمرة كطنين النحل الضخم ) بسم الحصنِ والحصين .. حبسنا كل عين .. وقطعنا دابر الأوهامِ باليقين .. يا سكان الدار يا وسواس النهار اخرج من مسامِ هذه الضعيفة .. كفّ لسانها عن الهذيان وطهرعقلها من صورِ الخلان .. يا قابض الأرواح اقبض خيالها الذي شطح وأعدها إلى قيدِ الصمتِ والرضا.
الام : ( تؤمن خلفه بهمس محترق ) آمين يا شيخنا .. اكسر شوكة
تمردها .. اجعلها ترضى بقسمتها .. لا تجعلها علكة في أفواه الجيران .
الشيخ : ( يقترب من أذن سعاد وتتحول غمغمته إلى فحيح مسموع )
عزيمةٌ مني عليكِ يا ريحَ الخيال .. ارحلي عن هذا الجسد .. لا أحلام بعد اليوم .. لا أطياف في المرايا .. لا طلب إلا للستر .. انحسري انكمشي .. كوني تراباً يمشي فوق تراب ( يرفع صوته فجأة ويضرب بعصاه الأرض ) اربطوا عقلها بالواقع .. اقفلوا أبواب الهوى .. القناعة قيد والرضا لجام يا مسّ العنوسةِ اهدأ.. يا نيران الرغبةِ اخمدي .. انطفئي .. انطفئي .
( صوت غمغمة الشيخ انطفئي .. انطفئي .. يتصاعد كفحيح الأفاعي فجأة وبحركة خاطفة لم يتوقعها أحد تزيح سعاد يديها عن أذنيها وتضرب الطاولة بقبضتها فتسقط زجاجة الماء المبارك وتتحطم يصمت الشيخ من الصدمة وتتراجع الام للوراء )
سعاد : ( تقف بطولها وعيناها تقذفان شرراً ) بسسسسسسسس ....
كفى هذا الهراء لن يمسح تجاعيد قلبي. لا ريح سوداء هنا إلا أنفاسكم التي تخنقني أنت لا تطرد جنياً يا شيخ .. أنت تحاول طرد آدميتي .
( الشيخ يتراجع بذهول والأم تقف مشلولة بين الرعب والخجل
سعاد تقف في مركز الغرفة كأنها استعادت سيادتها المسلوبة )
الشيخ : ( يحاول استجماع وقاره المهدور) اعقلي يا ابنتي هذا لسانُ
مَسٍّ ينطق عليكِ اخضعي للرقية قبل أن يحلَّ بكِ غضب الله .. هذا التمرد هو مدخل الشيطان الأكبر
سعاد : ( تتقدم نحوه بجرأة جعلته يتعثر في عباءته ) يحلُّ بي ماذا ؟
العنوسة ؟ لقد حلت وانتهى الأمر منذ زمن ما الذي ستفعله تعاويذك في وجه سنواتي التي ضاعت وأنا أنتظر نصيباً لم يأتِ ؟ هل ستمسح تجاعيد قلبي؟ هل ستعيد لي ربيعاً وأده صمتكم ؟ أنت لا تطرد جنياً يا شيخ.. أنت تحاول طرد بقايا امرأة تجرأت وحلمت .
الأم : ( بهلع ونبرة ترجي ) سعاد .. اتقي الله الشيخ جاء ليحميكِ من
ألسنة الناس ... ليجعلكِ تقنعين بنصيبكِ في هذه الحياة قبل أن نفقد ما تبقى من سترنا .
سعاد : ( تلتفت لأمها بمرارة تدمي القلب ) نصيبي ؟ ومن قال لكِ إنني
اخترتُ هذا النصيب لأقنع به ؟ هل سألتني يوماً عما ينقصني تحت هذا الثوب الرمادي ؟ هل ذنبي أنني لم أجد من يطرق الباب؟ أم ذنبي أنني لم أُخلق بالجمال الذي يرضي غرور الخطاب في سوقكم القبيح ؟ أنا لم أختر العنوسة يا أمي .. هي
التي اختارتني كظلي.. فلماذا تعاملينني كأنني اقترفتُ جُرماً يجب
التكفير عنه بالخرافات والبخور ؟
الشيخ : ( يجمع أغراضه بسرعة متمتماً ) قلة أدب ..هذه هي الحقيقة
الشياطين استوطنت لسانها لاعلاج لمن يرفض الشفاء.
سعاد : ( تصرخ في وجهه وهي تشير للباب ) اخرج وخذ زجاجاتك
وأوراقك وابحث عن ممسوسٍ يصدقك أنا لست مريضة .. أنا فقط وحيدة والوحدة لا تُشفى بالبخور.. تُشفى بالرحمة.. بالحب ( تندفع نحو السرير وتحتضن القلب الأحمر بقوة ) بشيء لا تعرفه أنت ولا قوانينكم .
( يخرج الشيخ مهزوماً وتبقى الأم واقفة عند الباب تنظر لابنتها كأنها كائن غريب لم تره من قبل )
سعاد : ( تهدأ نبرتها تنظر للمرآة ) الآن يا أمي .. اذهبي وأخبري
الجيران أن ابنتكِ طردت الشيخ .. أخبريهم أنني اخترتُ خيالي لأنه أرحم من واقعكم السام .. أخبريهم أنني عانس .. نعم عانس عانس ( ترتمي على سريرها وتجهش بالبكاء ) أرجوكِ اتركيني أريد أن أحيا في عالمي الخاص .
الأم : ( تخرج وهي تهمس بحيرة ) ربي يهدي سركِ يا ابنتي.
( يغلق الباب تعتدل سعاد تمسح دموعها وتلمس وجهها أمام المرآة المحطمة بنظرة نصر حزين )
سعاد : ( مونولوج طويل ) يسمونها عنوسة .. ويسمونه مساً ..
ويسمونني ناقصة لا يدركون أن هذا الخيال هو الرئة الوحيدة التي أتنفس بها الحياة. حين يغلقون في وجهي أبواب الواقع أفتح أنا أبواب السموات في خيالي. هناك أنا لست المنتظرة على رصيف العمر.. أنا المسافرة والمحبوبة والملكة هناك لا يهم إن كان شعري قد غزا بياضه السواد أو إن كان جسدي قد ذبل كالورق الجاف هناك أنا أختار من أحب وأبني قصوراً من ضوء لا تصل إليها ألسنتكم ( تبتسم بقوة ) القناعة في قاموسكم تعني أن أتحول إلى قطعة أثاث مغبرة في زاوية البيت أنتظر موتاً رحيماً يخلصكم من عبء وجودي لكنني اخترت العصيان نعم أنا عانس ولكنني لستُ فارغة خيالي هو جيشي الذي أحارب به قبحكم ( تبدأ بمناداة عادل بهستيريا حب ) عادل... عادل تعال يا حبيبي.. أنت عالمي ( تتعثر بطرحة الزفاف المرمية تأخذها وتمزقها بيديها بوحشية ومع كل تمزيقة ينطفئ جزء من الإضاءة في النهاية يسود الظلام إلا من سبوت واحد على سعاد وهي تعانق القلب الأحمر وتتمايل كأنها ترقص مع عادل رقصتها الأخيرة وفجأة تتوقف عن الرقص وبصوت يختلط بالضحك والبكاء والموسيقى الحادة ) أرأيت يا عادل ؟ لقد
دخلوا .. لكنهم لم يجدوا إلا العانس التي صنعوها هم .. أما المرأة التي أحببتها .. فسترحل معك إلى مكان لا يطوله عرفهم عادل
... عادل...عاد.....
( يختفي الصوت في حلقها ويبقى فمها يتحرك بالنداء الصامت مع ارتفاع الموسيقا و يظهر عادل في أقصى المسرح ينظر للجمهور يضع إصبعه على فمه كإشارة للصمت المطلق .. ثم يختفي في الظلام )
يسدل الستار ببطء








0 التعليقات:
إرسال تعليق