مسرحية ( الأختام الميتة) بفصل واحد تأليف: عمر عمارة
مجلة الفنون المسرحية
مسرحية ( الأختام الميتة) بفصل واحد تأليف: *عمر عمارة
الشخصيات
المدير
السكرتير
العامل
الحارس
المشهد الأول
"مكتب كبير وفخم لمسؤول إداري رفيع، يتوسط الخشبة مكتب واسع خلفه كرسي المدير، وعلى أحد الجانبين معلاق للمعاطف، وفوق المكتب ملفات كثيرة، هاتف، جهاز لاستدعاء السكرتير، أقلام وأختام متعددة. فوق المكتب لافتة مكتوب عليها: «سليم الراوي — المدير العام للشؤون الإدارية». في الخلف باب المكتب. المكتب منظم بدقة، لكن كثرة الملفات توحي بأن العمل لا ينتهي"
"يظهر المدير منهمكًا في توقيع القرارات والملفات والطلبات. يفتح ملفًا، يقرأ، يوقع، يختم. نسمع صوت الأختام فوق المكتب ممتزجًا بصوت الأقلام وتقليب الملفات"
المدير: التالي
"يفتح ملفًا"
المدير: مرفوض... التالي
"يفتح آخر"
المدير: يعاد إلى المصلحة المعنية لاستكمال الإجراءات... التالي
"يتوقف لحظة"
المدير: استكمال الإجراءات... أجمل عبارة اخترعتها الإدارة لقول: ارجع من حيث أتيت
"يدق جهاز الاستدعاء"
المدير: أين السكرتير؟
"يُفتح الباب"
السكرتير: صباح الخير، سيدي
المدير: صباح الملفات
السكرتير: وهذه دفعة جديدة
المدير: كم؟
السكرتير: ثمانية عشر ملفًا
المدير: ثمانية عشر؟
السكرتير: نعم
المدير: هل تكاثرت الملفات أثناء الليل؟
السكرتير: يبدو أنها تنام أكثر منا
المدير: لا تقل لي إنك بدأت تتعاطف معها
السكرتير: أنا أتعاطف مع من خلفها
المدير: ومن خلفها؟
السكرتير: أصحابها
المدير: أنت جديد في الإدارة؟
السكرتير: عشر سنوات
المدير: إذن ما زلت ساذجًا
السكرتير: أو ربما لم أفقد عيني بعد
"ينظر المدير إليه لحظة، ثم يشير إلى الملفات"
المدير: ضعها هنا
"يضع السكرتير الملفات"
المدير: أول ملف
السكرتير: طلب عطلة
المدير: كم يومًا؟
السكرتير: عشرة
المدير: عشرة أيام؟
السكرتير: نعم
المدير: والسبب؟
السكرتير: يريد أن يرتاح
المدير: يرتاح؟
السكرتير: هذا ما كتبه
المدير: ومن قال إن الراحة حق؟
السكرتير: القانون
المدير: لا تذكر القانون أمامي في الصباح
السكرتير: لماذا؟
المدير: لأنه يبدأ بالمادة الأولى وينتهي بي
"يبتسم السكرتير"
المدير: لا تضحك
السكرتير: لم أضحك
المدير: رأيتك
السكرتير: مجرد ابتسامة إدارية
المدير: حتى الابتسامة عندكم أصبحت إدارية
"يفتح المدير الملف"
المدير: مرفوض
السكرتير: لم تقرأ السبب
المدير: عشرة أيام تكفي لقراءة السبب
السكرتير: ربما هناك سبب يستحق
المدير: كلهم لديهم أسباب تستحق
السكرتير: وبعضها يستحق فعلًا
"يتوقف المدير لحظة، ثم يناوله الملف"
المدير: التالي
السكرتير: طلب مساعدة
المدير: مرفوض
السكرتير: هناك تقرير طبي
المدير: مرفوض
السكرتير: سيدي
المدير: التالي
السكرتير: لم تقرأ التقرير
المدير: وهل تريدني أن أقرأ كل مرض في هذه المؤسسة؟
السكرتير: لا
المدير: إذن؟
السكرتير: لا شيء
المدير: جيد
"يفتح ملفًا آخر"
المدير: نقل
السكرتير: نعم
المدير: مرفوض
السكرتير: هذا الرجل يعمل هنا منذ عشرين سنة
المدير: لهذا السبب يعرف عمله ولا يحتاج إلى نقله
السكرتير: يريد أن يكون قريبًا من أسرته
المدير: كلنا نريد أن نكون قريبين من أسرنا
السكرتير: وأنت؟
"يصمت المدير"
المدير: ماذا عني؟
السكرتير: لا شيء
المدير: سألتني إن كنت أريد أن أكون قريبًا من أسرتي
السكرتير: لم أقل ذلك
المدير: عيناك قالتا
السكرتير: عيني ليستا موظفتين عندك
"يصمت المدير، ثم تخرج منه ابتسامة صغيرة"
المدير: اذهب وأحضر البقية
السكرتير: حاضر
"يتجه إلى الباب"
المدير: وانتظر
السكرتير: نعم؟
المدير: أغلق الباب جيدًا
السكرتير: حتى لا تدخل المشاكل؟
المدير: بالضبط
السكرتير: والمشاكل الموجودة في الداخل؟
"ينظر المدير إليه"
المدير: اخرج
"يخرج السكرتير"
"يبقى المدير وحده. يواصل العمل"
"نسمع صوت الأقلام والأختام وتقليب الملفات"
"بعد لحظات يضع المدير يده على صدره"
المدير: اللعنة
"يفتح درجًا ويخرج دواء، ينظر إليه لحظة، ثم يعيده"
المدير: بعد هذا الملف
"يدخل السكرتير حاملاً ملفات جديدة"
السكرتير: نسيت هذه
المدير: ضعها
السكرتير: هل أخذت دواءك؟
المدير: أنت سكرتيري أم طبيبي؟
السكرتير: السكرتير لا يراقب قلب المدير
المدير: وقلب المدير لا يحتاج إلى مراقبة
السكرتير: يحتاج
المدير: أنا بخير
السكرتير: تقولها كل يوم
المدير: لأنني بخير كل يوم
السكرتير: وجهك لا يقول ذلك
المدير: وجهي ليس موظفًا عندك
السكرتير: ولا قلبك
المدير: ماذا تريد؟
السكرتير: أن تأخذ الدواء
المدير: بعد قليل
السكرتير: قلتها أمس
المدير: وأول أمس
السكرتير: وقبل أول أمس
المدير: يبدو أنك تحفظ مواعيد دوائي أكثر من مواعيد المسؤولين
السكرتير: لأن الدواء لا يستطيع تأجيل موعده
"يصمت المدير"
المدير: أعطني الملف الأزرق
السكرتير: هذا؟
المدير: نعم
"يناوله ملفًا"
المدير: طلب التقاعد
السكرتير: ما زلت تحتفظ به؟
المدير: لماذا لا؟
السكرتير: لأنك قدمته أربع مرات
المدير: أربع؟
السكرتير: نعم
المدير: نسيت
السكرتير: هم لم ينسوا
المدير: المؤسسة تحتاجني
السكرتير: المؤسسة تحتاجك... أم المنصب يحتاجك؟
"يصمت المدير"
المدير: هل أصبحت جريئًا؟
السكرتير: أصبحت أرى فقط
المدير: ماذا ترى؟
السكرتير: رجلًا يريد أن يتقاعد منذ سنوات... ويواصل العمل كأنه يعاقب نفسه
المدير: أنا لا أعاقب نفسي
السكرتير: إذن لماذا لا تخرج؟
المدير: لأنهم يقولون إنهم يحتاجونني
السكرتير: وهل تحتاجهم؟
"يصمت المدير طويلًا"
المدير: لا أعرف
السكرتير: هذه أول إجابة صادقة منك اليوم
المدير: اسمع... أنا عملت سبعًا وعشرين سن
السكرتير: أعرف
المدير: دخلت هذا المكتب شابًا
السكرتير: وأنت الآن؟
المدير: الآن أحتاج إلى من يعرفني كيف أخرج
السكرتير: أنت تعرف
المدير: لا
السكرتير: لماذا؟
المدير: لأنني أخاف
السكرتير: من ماذا؟
المدير: أن أخرج من هنا... فأكتشف أنني لم أكن شيئًا خارج هذا المكتب
السكرتير: أنت إنسان
المدير: الإنسان لا يحتاج إلى لافتة فوق رأسه
"يشير إلى اللافتة"
المدير: أما هنا... فأنا المدير العام
السكرتير: وخارجها؟
المدير: سليم
السكرتير: ربما تحتاج أن تعود سليمًا قبل أن تنسى اسمه
المدير: ضع الملف في الدرج
السكرتير: حاضر
المدير: وأغلقه
"يغلق السكرتير الدرج"
المدير: لا أريد أن أراه
السكرتير: إلى متى؟
المدير: إلى أن أجد الشجاعة
السكرتير: ربما الشجاعة ليست في البقاء
"ينظر المدير إليه"
المدير: اخرج
السكرتير: حاضر
"بعد لحظات، طرق متردد على الباب"
المدير: ادخل
"يدخل العامل، مترددًا، يحمل ورقة مطوية بعناية"
العامل: السلام عليكم
المدير: وعليكم السلام. ماذا تريد؟
العامل: أريد أن أتكلم معك، سيدي
المدير: تكلم
العامل: أفضل أن أجلس
المدير: اجلس
"يجلس العامل على طرف الكرسي"
العامل: عندي طلب
المدير: أعطه للسكرتير
العامل: جئت من أجلك
المدير: وأنا أمامك
العامل: أريد أن أشرح
المدير: لا أحب الشروحات الطويلة
العامل: لن أطيل
المدير: ماذا تريد؟
العامل: إجازة استثنائية
المدير: كم؟
العامل: خمسة أيام
المدير: السبب؟
العامل: زوجتي مريضة
المدير: ما مرضها؟
العامل: لا أعرف كيف أشرح
المدير: إذن لا تشرح
العامل: لكنها تحتاجني
المدير: كل مريض يحتاج أهله
العامل: وأنا أهلها
المدير: وعملك يحتاجك
العامل: أعرف
المدير: إذن عد إلى عملك
العامل: لا أستطيع
المدير: لماذا؟
العامل: لأنني إذا بقيت هنا... لا أعرف ماذا سيحدث هناك
المدير: هذه ليست طريقة لطلب الإجازة
العامل: ما هي الطريقة؟
المدير: تقدم طلبًا
"يرفع العامل الورقة"
العامل: هذا هو
المدير: اتركه
العامل: اقرأه
المدير: سأقرأه لاحقًا
العامل: متى؟
المدير: عندما تسمح الظروف
العامل: ظروفي لا تسمح
المدير: كل شخص يقول ذلك
العامل: أنا لا أطلب منك أن تصدقني
المدير: ماذا تريد إذن؟
العامل: أن تسمعني جئت أمس
المدير: وماذا في ذلك؟
العامل: لم تسمح لي بالدخول
المدير: كنت مشغولًا
العامل: جئت قبله
المدير: لا أتذكر
العامل: انتظرت
المدير: والآن أنت هنا
العامل: لأنني لم أجد بابًا آخر
المدير: لا تحول الأمر إلى مأساة
العامل: أنا لا أحول شيئًا
المدير: الجميع يعرف كيف يضغط على المسؤول
العامل: وأنا لا أعرف
المدير: بل تعرف
العامل: لو كنت أعرف، لما بقيت واقفًا أمامك هكذا
"يصمت المدير"
العامل: زوجتي ليست بخير
المدير: قلت ذلك
العامل: وأحتاج أن أكون معها
المدير: لا أستطيع أن أوقع
العامل: لماذا؟
المدير: لأنني قررت ألا أوقع اليوم أي إجازة
العامل: حتى لو كان السبب ضروريًا؟
المدير: حتى لو كان
العامل: حتى لو كنت مكانك؟
المدير: لا تدخلني في المقارنات
العامل: أنا لا أقارنك بي... أسألك فقط: لو كانت زوجتك أنت؟
"يصمت المدير"
المدير: انتهى الكلام
العامل: بالنسبة لك
المدير: ماذا تقصد؟
العامل: بالنسبة لي لم يبدأ
المدير: اخرج
العامل: سيدي
المدير: اخرج
"يقف العامل"
العامل: الله لا يضيع حق أحد
المدير: لا تستخدم الله في طلب إداري
العامل: أنا لم أستخدمه... أنا خفت فقط
"يتجه إلى الباب"
المدير: اترك الورقة
العامل: ستقرأها؟
المدير: اتركها
"يتركها ويخرج"
"يبقى المدير ينظر إلى الورقة"
"يدخل السكرتير"
السكرتير: خرج؟
المدير: نعم
السكرتير: ماذا قال؟
المدير: لا تسأل
السكرتير: طلبه هنا
المدير: أعرف
السكرتير: هل أضعه في الملفات؟
المدير: لا
السكرتير: ماذا أفعل؟
المدير: لا شيء
السكرتير: سيدي
المدير: قلت لا شيء
"يصمت السكرتير"
السكرتير: هو لا يبدو كمن جاء ليستغل الإجازة
المدير: كلهم لا يبدون كذلك
السكرتير: لكنه كان خائفًا
المدير: الخوف لا يمنح استثناءً
السكرتير: والضرورة؟
المدير: لا
السكرتير: حتى الضرورة؟
المدير: قلت لا
"يمسك المدير الورقة"
المدير: أنا أقسمت
السكرتير: على ماذا؟
المدير: ألا أوقع أي إجازة اليوم
السكرتير: تستطيع أن تراجع القسم
المدير: القسم ليس مسودة قرار
السكرتير: لكن الإنسان يستطيع أن يتراجع
المدير: لا
"ينظر إلى الورقة"
المدير: كل واحد يأتي بورقة ويظن أنني سأغير حياتي بسببها
السكرتير: ربما لا يطلب منك تغيير حياتك
المدير: ماذا؟
السكرتير: فقط أن تغير يومًا في حياته
"يصمت المدير"
المدير: اخرج
السكرتير: اقرأها فقط
المدير: لا
السكرتير: ربما ترتاح
المدير: قلت لا
السكرتير: ربما
المدير: كفى
"يمزق المدير الورقة"
السكرتير: سيدي!
"يمزقها مرة ثانية"
المدير: ولا أريد منك أن تتوسط في مثل هذه الطلبات مرة أخرى
السكرتير: لم أتوسط
المدير: حملت طلبه
السكرتير: هذه وظيفتي
المدير: وظيفتك حمل الأوراق
السكرتير: وليس هموم أصحابها؟
"ينظر المدير إليه"
المدير: بالضبط
"يرمي قطع الورقة في سلة المهملات"
المدير: قل له إن طلبه مرفوض
السكرتير: وماذا عن السبب؟
المدير: قل: لأسباب إدارية
السكرتير: سبب جاهز
المدير: الإدارة تحتاج دائمًا إلى سبب جاهز
"يصمت السكرتير"
السكرتير: أتمنى ألا تحتاج يومًا إلى سبب لا يمكن كتابته في ورقة
المدير: اخرج
"يخرج السكرتير"
"يبقى المدير وحده"
"ينظر إلى سلة المهملات لحظة، ثم يعود إلى الملفات"
"نسمع صوت الأقلام والأختام"
"صباح اليوم التالي. الملفات متراكمة. المدير يبدو مرهقًا. يحاول العمل، لكنه يتوقف أكثر من مرة ويمسك صدره"
"يدخل السكرتير"
المدير: هل حضر؟
السكرتير: من؟
المدير: العامل
السكرتير: لا
المدير: تحققتم؟
السكرتير: نعم
المدير: غائب؟
السكرتير: نعم
المدير: دون إذن؟
السكرتير: نعم
المدير: اكتب
السكرتير: ماذا؟
المدير: نظرًا لغياب المعني عن مكان عمله دون ترخيص
السكرتير: ربما حدث شيء
المدير: حدث شيء بالفعل
السكرتير: زوجته
المدير: انتهى هذا الكلام
السكرتير: سيدي
المدير: اكتب
"يكتب السكرتير"
المدير: تتخذ في حقه الإجراءات القانونية المعمول بها
السكرتير: هل أوقع؟
المدير: أعطني
"يوقع المدير"
"يختم القرار. نسمع صوت الختم"
"يتوقف المدير"
المدير: غريب
السكرتير: ماذا؟
المدير: الصوت
السكرتير: صوت الختم؟
المدير: كأنه أعلى من المعتاد
السكرتير: ربما لأنك متعب
"طرق سريع على الباب"
الحارس: سيدي
المدير: ادخل
"يدخل الحارس مسرعًا، وجهه متوتر"
الحارس: سيدي
المدير: ماذا؟
الحارس: هناك خبر عن العامل
المدير: ماذا فعل؟
الحارس: زوجته
"يتوقف"
المدير: تكلم
الحارس: زوجته توفيت
"صمت كامل"
المدير: ماذا قلت؟
الحارس: توفيت
المدير: متى؟
الحارس: الليلة الماضية
المدير: كيف؟
الحارس: شربت مادة كاوية... بعد خلافات عائلية شديدة
"يتراجع المدير قليلًا"
المدير: لا
الحارس: سيدي
المدير: اخرج
الحارس: هناك شيء آخر
المدير: قلت اخرج
الحارس: العامل كان هنا الليلة
"ينظر المدير إليه"
المدير: ماذا؟
الحارس: جاء متأخرًا... كان يريد الخروج
المدير: لماذا؟
الحارس: قال إن زوجته وحدها
المدير: وأنت؟
الحارس: قلت له لا تخرج دون إذن
المدير: وماذا قال؟
الحارس: قال إذا بقيت هنا... لن أسامح نفسي
"يصمت المدير"
المدير: ولماذا لم تمنعه؟
الحارس: حاولت
المدير: وماذا فعلت؟
الحارس: فتحت له الباب
المدير: اخرج
"يخرج الحارس ببطء"
"المدير ينظر إلى قرار الإجراءات"
المدير: أنا وقعت
"إظلام تدريجي"
المشهد الثاني
"يُضاء المكتب تدريجيًا. المدير ما زال خلف مكتبه، لكن المكان يبدو أثقل. الملفات كما هي، غير أن المدير لم يعد يراها. قرار الإجراءات موضوع أمامه. السكرتير يقف بعيدًا"
المدير: كم الساعة؟
السكرتير: تجاوزت الظهر
المدير: منذ متى وأنا جالس هنا؟
السكرتير: منذ أن خرج الحارس
المدير: الحارس...
السكرتير: قال إنه جاء ليلًا؟
السكرتير: نعم
المدير: وحاول الخروج؟
السكرتير: نعم
المدير: وأنا رفضت طلبه
السكرتير: نعم
المدير: ثم وقعنا عليه العقوبة
السكرتير: القرار صدر
المدير: لا تقل «صدر»
السكرتير: ماذا أقول؟
المدير: قل: أنا أصدرته
"يصمت السكرتير"
المدير: الكلمات لها وزن
السكرتير: أعرف
المدير: لا... لم نكن نعرف
"يمسك القرار"
المدير: «غياب غير مبرر... مخالفة التعليمات... اتخاذ الإجراءات القانونية...»
"يضحك ضحكة قصيرة مرة"
المدير: جميل
السكرتير: ماذا؟
المدير: كل شيء مرتب
السكرتير: ماذا تقصد؟
المدير: حتى المأساة عندنا لها صيغة قانونية
"يمزق المدير القرار"
السكرتير: سيدي!
المدير: ماذا؟
السكرتير: لا يجوز
المدير: وما الذي يجوز؟
السكرتير: القرار وثيقة رسمية
المدير: والمرأة التي ماتت؟
السكرتير: هل كانت وثيقة؟
السكرتير: لا
المدير: هل كان لها رقم تسجيل؟
السكرتير: لا
المدير: هل كان يمكن أن نختم موتها؟
السكرتير: لا
المدير: إذن لماذا نستطيع أن نختم كل شيء... إلا الإنسان؟
المدير: أين طلبه؟
السكرتير: أي طلب؟
المدير: لا تجعلني أكرر
السكرتير: طلب الإجازة؟
المدير: نعم
السكرتير: في سلة المهملات
المدير: أخرجه
السكرتير: لماذا؟
المدير: أخرجه
"يتجه السكرتير إلى السلة، يفرغ محتوياتها على الأرض"
"قطع ورق كثيرة"
السكرتير: مزقته قطعًا صغيرة
المدير: ابحث
السكرتير: عن ماذا؟
المدير: عن جريمتي
السكرتير: لا تقل ذلك
المدير: ابحث
"يبدأ السكرتير بجمع الأوراق"
السكرتير: هذه فاتورة
المدير: اتركها
السكرتير: هذه استمارة
المدير: ليست هي
السكرتير: هذه نصف طلب
"يتناولها المدير"
المدير: أعطني
"يقرأ جزءًا منها"
المدير: «...لأسباب عائلية ضرورية...»
المدير: ضرورية
السكرتير: نعم
المدير: الكلمة كانت أمامي
السكرتير: نعم
المدير: وأنا مزقتها
السكرتير: كنت غاضبًا
المدير: الغضب لا يمزق الورق وحده
السكرتير: ماذا تقصد؟
المدير: الإنسان هو الذي يمزقه
"يجلس السكرتير على الكرسي المقابل للمرة الأولى دون أن يطلب المدير منه ذلك"
المدير: لماذا جلست؟
السكرتير: لأنني تعبت من الوقوف
المدير: أنت أيضًا؟
السكرتير: نعم
المدير: من ماذا؟
السكرتير: من حمل الأوراق إلى مكتبك... ثم إعادتها إلى أصحابها
المدير: أنت موظف
السكرتير: وأنت موظف أيضًا
المدير: احذر
السكرتير: لم أعد أخاف من كلمة «احذر»
المدير: ماذا تريد؟
السكرتير: أن أقول لك شيئًا
المدير: قل
السكرتير: العامل لم يكن أول مرة يأتي فيها
المدير: أعرف
السكرتير: لا... لا تعرف
المدير: كم مرة؟
السكرتير: كثيرًا
المدير: لماذا لم تخبرني؟
السكرتير: كنت أخبرك
المدير: متى؟
السكرتير: كل مرة كنت تقول لي: «لا يدخل»
"يصمت السكرتير"
السكرتير: مرة كان ينتظرك منذ الصباح
المدير: لماذا؟
السكرتير: قال إن زوجته لم تعد تستطيع البقاء وحدها
المدير: لم يقل ذلك
السكرتير: لأنه لم يصل إليك
المدير: ومرة أخرى؟
السكرتير: جاء يحمل تقريرًا
المدير: طبيًا؟
السكرتير: نعم
المدير: ماذا كان فيه؟
السكرتير: لم أقرأه
المدير: لماذا؟
السكرتير: لأنه ليس من حقي
المدير: وكان من حقي؟
السكرتير: كان من حقك أن تسمعه
المدير: لماذا لم تقل لي هذا من قبل؟
السكرتير: قلت
المدير: لا
السكرتير: كنت أقول... وأنت كنت مشغولًا
المدير: الملفات؟
السكرتير: والاتصالات
المدير: والاجتماعات؟
السكرتير: والأختام
المدير: والأختام...
"ينظر المدير إلى الأختام"
المدير: كنت أختم أكثر مما أسمع
السكرتير: نعم
المدير: وأنت كنت تساعدني
السكرتير: كيف؟
المدير: كنت تقول للناس: «المدير مشغول»
السكرتير: كنت كذلك
المدير: لا
السكرتير: ماذا؟
المدير: كنت مشغولًا بالهروب منهم
المدير: كنت أظن أنني إذا لم أسمع المشكلة... فلن تصبح مشكلتي
السكرتير: لكنها أصبحت
المدير: نعم
"ينظر إلى قطعة الورق"
المدير: متى ماتت؟
السكرتير: في الليل
المدير: قبل أن يصل؟
السكرتير: لا
المدير: إذن كان يستطيع الوصول إليها
السكرتير: لو خرج
المدير: لكنه خرج
السكرتير: نعم
المدير: بعد أن رفضت
المدير: كم سنة خدمت هنا؟
السكرتير: عشر سنوات
المدير: هل رأيتني أعتذر؟
السكرتير: لا
المدير: حتى مرة؟
السكرتير: لا
المدير: اليوم سأعتذر
السكرتير: لمن؟
المدير: لا أعرف
"يُسمع طرق على الباب. يدخل الحارس ببطء"
الحارس: سيدي
المدير: ماذا؟
الحارس: العامل هنا
المدير: أين؟
الحارس: في الخارج
المدير: أدخله
الحارس: هل أنت متأكد؟
المدير: هذه أول مرة أقولها وأنا متأكد
"يخرج الحارس"
المدير: أعطني ملف التقاعد
السكرتير: الآن؟
المدير: الآن
"يخرج السكرتير الملف"
المدير: كم مرة قدمته؟
السكرتير: أربع مرات
المدير: ستكون الخامسة
السكرتير: وهل ستنتظر الموافقة؟
المدير: هذه المرة سأطلبها وأنا أعرف لماذا
السكرتير: وما السبب؟
المدير: لم أعد أحتمل
السكرتير: العمل؟
المدير: ما وراء العمل
السكرتير: الناس؟
المدير: قراراتي عليهم
السكرتير: ربما تستطيع أن تتغير
المدير: بعض الأشياء تتغير
السكرتير: وأنت؟
المدير: أنا تعبت
السكرتير: التقاعد ليس هروبًا
المدير: أعرف
السكرتير: إذن لماذا يبدو كذلك؟
المدير: لأنني أخاف أن أكررها
السكرتير: ماذا؟
المدير: أن يأتي إنسان آخر... بورقة أخرى... وأقول له «لا»
المدير: لا أريد أن أكون آخر باب يطرقه إنسان
السكرتير: وهل ستفتح كل الأبواب بعد اليوم؟
المدير: لا أعرف
السكرتير: إذن لا تتقاعد بسبب الخوف
المدير: أنا لا أتقاعد خوفًا
السكرتير: لماذا؟
المدير: أتقاعد قبل أن يتحول قلبي إلى ختم
السكرتير: قلبك مريض أصلًا
المدير: لهذا أخاف عليه
السكرتير: خذ الدواء
المدير: بعد أن أوقع
السكرتير: ماذا؟
المدير: طلب التقاعد
"يدخل الحارس، وخلفه العامل"
"العامل شاحب، ثيابه غير مرتبة، وجهه جامد. يقف عند الباب"
الحارس: سيدي...
المدير: اخرج
"يخرج الحارس"
"العامل لا يتحرك"
المدير: اقترب
"يتقدم العامل ببطء"
العامل: جئت لأخذ أغراضي
المدير: أغراضك؟
العامل: ملفي... بعض الأوراق... وما تبقى لي هنا
المدير: اجلس
العامل: لا أستطيع
المدير: لماذا؟
العامل: لأنني إذا جلست... قد لا أستطيع الوقوف
المدير: أنا آسف
العامل: على ماذا؟
المدير: لا أعرف كيف أقولها
العامل: قلها كما تستطيع
المدير: كنت مخطئًا
العامل: هذا كل شيء؟
المدير: لا
العامل: إذن؟
المدير: كنت أستطيع أن أوقع
العامل: نعم
المدير: وكان يجب أن أسمعك
العامل: نعم
المدير: وكان يجب أن أتركك تذهب
العامل: نعم
المدير: قل شيئًا
العامل: ماذا تريدني أن أقول؟
المدير: أي شيء
العامل: كنت أريد خمسة أيام
العامل: خمسة أيام فقط
المدير: أعرف
العامل: لم أطلب شهرًا
المدير: أعرف
العامل: لم أطلب مالًا
المدير: أعرف
العامل: لم أطلب ترقية
المدير: أعرف
العامل: طلبت خمسة أيام
"ينخفض رأس المدير"
العامل: كنت أظن أنني إذا وصلت إليها في الوقت المناسب...
المدير: ماذا؟
العامل: لا شيء
المدير: قل
العامل: بعض الأشياء لا يفيد فيها الوصول
المدير: هل أستطيع أن أفعل شيئًا؟
العامل: الآن؟
المدير: نعم
العامل: لا
المدير: أفهم
العامل: لا أظنك تفهم
المدير: ربما لا
العامل: أنا أيضًا لم أفهم
المدير: ماذا؟
العامل: لم أفهم أن الإنسان يستطيع أن يخسر كل شيء في ليلة واحدة
العامل: كنت أظن أن أكبر مصيبة هي أن يرفضوا إجازتي
العامل: اكتشفت أن هناك أبوابًا عندما تغلق... لا تفتحها كل أختام الدنيا
المدير: سأوقف الإجراءات
العامل: افعل ما تريد
المدير: سأعيد النظر في كل شيء
العامل: افعل
المدير: وسأطلب لك...
العامل: لا تطلب لي شيئًا
المدير: لماذا؟
العامل: لأنني تعبت من الطلب
"يتجه العامل نحو الباب"
المدير: انتظر
"يتوقف"
المدير: هل سامحتني؟
"صمت طويل"
العامل: لا أعرف
المدير: ماذا يعني ذلك؟
العامل: يعني أنني لا أملك الآن إلا أن أحاول أن أعيش
"يخرج العامل"
"يبقى المدير واقفًا"
المدير: لا أعرف...
السكرتير: ماذا؟
المدير: هل هذه أقسى إجابة سمعتها؟
السكرتير: ربما لأنها صادقة
"المكتب هادئ. لا حركة. لا ملفات جديدة. المدير جالس وحده. أمامه طلب التقاعد، وبجانبه الأختام"
"يدخل السكرتير"
السكرتير: المسؤول ينتظر جوابك
المدير: أي مسؤول؟
السكرتير: بخصوص طلب التقاعد
المدير: اكتب له أنني لم أعد قادرًا
السكرتير: يريد سببًا
المدير: اكتب المرض
السكرتير: مرض القلب؟
المدير: لا
السكرتير: ماذا أكتب؟
المدير: اكتب: «بعد سبع وعشرين سنة من الخدمة... لم أعد أستطيع تحمل نتائج قراراتي»
السكرتير: هذا ليس سببًا إداريًا
المدير: لكنه السبب الحقيقي
"يصمت السكرتير ويكتب"
السكرتير: انتهيت
المدير: أعطني
"يقرأ المدير الطلب"
المدير: جيد
السكرتير: أوقع؟
المدير: نعم
"يمسك القلم"
"يتوقف"
"يضع يده على صدره"
السكرتير: سيدي؟
المدير: لا شيء
السكرتير: وجهك تغير
المدير: فقط دوخة
السكرتير: دعني أساعدك
المدير: لا
"يحاول التوقيع"
"ترتجف يده"
السكرتير: سيدي...
المدير: قلت لا
"يحاول مرة ثانية"
"يسقط القلم"
المدير: يبدو أن يدي... سبقتني
السكرتير: اجلس جيدًا
المدير: أنا جالس
السكرتير: لا... دعني...
المدير: لا تلمسني
"يمسك المدير صدره"
المدير: قلبي...
"تسقط يد المدير عن حافة المكتب"
السكرتير: سيدي!
"يقترب منه"
السكرتير: سليم!
"لا جواب"
"يرن الهاتف"
"ينظر السكرتير إلى الهاتف"
"ثم إلى المدير"
"يتقدم خطوة نحو الهاتف، ثم يتوقف"
"على المكتب: طلب التقاعد، وبجواره قطع طلب الإجازة الممزق"
"تسقط إحدى قطع الورقة فوق طلب التقاعد، وتظهر منها الكلمات: «أسباب عائلية ضرورية»"
"ينظر السكرتير إلى القطعة"
"ثم إلى المدير"
"يرن الهاتف مرة ثالثة"
ن
"يمسك السكرتير أحد الأختام"
"ينظر إليه طويلًا"
"يحاول أن يختم شيئًا، ثم يتراجع"
"يعيد الختم إلى مكانه"
"يبقى الهاتف يرن"
"السكرتير لا يجيب"
"تتوقف حركة المدير تمامًا، دون أن نعرف إن كان قد مات أم فقد وعيه"
"يبقى الهاتف يرن في الفراغ"
"إظلام بطيء"
ستار
*الجلفة – الجزائر
حقوق النص محفوظة للمؤلف
لا يُسمح بالاقتباس أو التعديل أو الاشتغال على النص إلا بإذن مسبق من المؤلف
للتواصل
omar.amara122@gmail.com








0 التعليقات:
إرسال تعليق