أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

السبت، 6 ديسمبر 2014

تحوّلات النص المسرحي الإماراتي في ظل المتغيرات الاجتماعية / أحمد الماجد

مدونة مجلة الفنون المسرحية
تحوّلات النص المسرحي الإماراتي في ظل المتغيرات الاجتماعية / أحمد الماجد (العراق)
لعبت عوامل عديدة دورا كبيراً في تغيير مسار النص المسرحي في الإمارات، وكذلك شكله وطبيعته بل وحتى وظيفته ومضمونه، قد يتجاهلها المرء ولكنها تظل حاسمة ومهمة في العمل المسرحي، مثل: المؤسسة المسرحية، الفرقة، الإنتاج، التسويق، الرقابة، المكان، الزمان، الحالة أو الموقف. فالمردود


المادي للمسرح مثلا يحدد ويغير ويلعب دورا مهما في بروز بعض الظواهر التي تغير من صفات المسرح ومضمونه، لأن المسرح هو إنتاج له مردود مادي ومعنوي، وتتم فيه حسابات الربح والخسارة، والجدوى الاقتصادية، إلى جانب قيمته الحسية والروحية، فحساب قيمة العمل الفني المسرحي والثقافي والحضاري والإنساني تتحدد من خلال تكامل عناصره وفائدته الاجتماعية والجمالية، وما يتركه من تأثير داخل المجتمع على صعيد المتعة والمعرفة والخبرة والتجربة، حيث بها تتحدد وظيفة المسرح والمضمون الذي يطرحه.
إن المسرح يتكامل ويرتقي في مراحل اجتماعية ويختفي أو يندثر في مراحل أخرى يتخذ أشكالات متقدمة ويتميز بقدرته التجريبية الاختبارية في مرحلة ما، أو يبقى استنباطيا أو يتدنى بالتجربة والخبرة والفعالية والانتشار في مرحلة ثالثة، وكل هذا حسب تطور المجتمع حضاريا من مجتمع طبيعي إلى مجتمع متمدن، حيث تلعب النظرة السياسية والاقتصادية للمسرح دورا مهما في فعاليته وبالتالي في مضامينه التي يتصدى لها، كذلك فإن لأسلوب العاملين وبحثهم وتجاربهم وأهدافهم الاجتماعية والفكرية والمادية والتربوية إسهام كبير في تطور المسرح وكذلك في تدني مستواه، كما أن الأسلوب والتقاليد والتقنية تختلف من نوع إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر أو في داخل بنية تطور المجتمع عبر مراحله التاريخية إلا أن العديد من الأجزاء والعناصر تم إعادة إنتاجها في الأشكال اللاحقة، أو تم استثمارها بسبب وظائف ومضامين جديدة.
لذلك، انحصرت العوامل المؤدية إلى ذلك التجديد فيما يلي:
العامل الجغرافي: إن تاريخ الأمم ما هو إلا صراع بين الإنسان وبيئته، والبيئة هي التي تدفع الإنسان إلى العمل والنشاط وهي التي تحفزه على استغلال الموارد المتاحة، والبيئة الإماراتية كانت قليلة الموارد الزراعية في وقت النشأة، وكذلك لم يكن للنفط وجود، لكن تلك البيئة وعلى الرغم من ذلك جادت على أهلها بالبحر الذي فتح أمامهم آفاقا رحبة، ومنحهم فرصة التعرف على الحضارات عبر الرحلات والتجارة، ولذلك نرى البحر يتغلغل في نفوس أبناء هذا البلدة، وهو حاضر داخلهم يجري مجرى الدم، وظاهر في أحاديثهم اليومية وأمثالهم وحلّهم وترحالهم وكذلك في الكتابات المسرحية الفتية في وقتها، والتي تأثرت كثيرا بالبحر وعوالمه المنعكسة على طبيعة البشر وتوجهاتهم.
العامل السياسي: إن الموقع السياسي المهم لدولة الإمارات، كونها تقع في قلب الأحداث العربية والعالمية المعاصرة، أوجب على كتاب المسرح، تغيير مضامين الخطاب المسرحي بما يتواءم وحاجة المجتمع من خلال تنويره بالتغيرات التي تحدث حوله، وبالملمّات التي أصابت المنطقة وما أفرزته من آثار إيجابية أو سلبية .. اجتماعية واقتصادية وسياسية، الأمر الذي خلق توجها عاما لدى كتاب المسرح نحو رسم خطاب جديد للنص المسرحي وفقا لتداعيات اللحظة، منقسمين بين مؤيد ومعارض، مهاجم ومدافع، طارحين أفكارهم بحرية على الورق وفق نظرتهم للقضية ومن الزاوية التي يفضلون.
العامل الاجتماعي: ويعد العامل الاجتماعي أهم عامل أدى إلى حدوث العديد من التغيرات على مستوى مضمون النص المسرحي، كون المسرح موجه للشعب، وهمومه أولى أولويات المسرح، وربما تكون موضوعة التركيبة السكانية التي تعاني منها دول الخليج بصفة عامة، وكذلك التغيرات الاجتماعية التي حدثت مع اكتشاف النفط ودخوله كعصب أساسي في ميزان القوى، وكذلك الثورة التكنلوجية التي تجاوزت الإنسان، جعلت من الكاتب المسرحي الإماراتي يوجه خطابه نحو هذه المعضلات ويعرضها بصوت مرتفع على الخشبة.
العامل الديني: وهذا العامل هو الشائك على مر الأزمان والعصور، كونه يرتبط بمعتقدات وبديهيات ومسلمات، لم يرق لكثير من الكتاب الدخول في خباياه، فالعامل الديني في معظم المجتمعات خط أحمر يجب عدم تجاوزه أو الاقتراب منه بسوء، وعلى الرغم من ذلك وجد العديد من كتاب المسرح ضالتهم في خوض غمار هذا المضمار، في خطاب مسرحي جديد يكشف عن بعض التوجهات والممارسات التي اتخذت من الدين عباءة وقناعا تخفّت وراءه.
لقد اتخذت ممارسة الكتابة في المسرح في مرحلة البدايات (1958 – 1979) العديد من الموضوعات والمضامين المسرحية، منها ما اتخذ خطا قوميا وطنيا، حمل على عاتقه مسؤولية التوعية السياسية القومية وخاطبت المجتمع بخطاب قومي سياسي عبر المسرح، كما في نص مسرحية “نهاية صهيون” لمؤلفه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات حاكم الشارقة، وكان لهذه المسرحية انعكاس مباشر على الحياة ورد فعل مواز للمسرحية كان بداية الانقلاب على الاحتلال البريطاني، وامتد هذا الخط ليشمل مسرحية “الإسلام والتعاون” لمؤلفها جمعة غريب. أما الخط الثاني فهو الذي تصدى في مضامينه إلى النقدي والاجتماعي متناولا مشكلات الحياة اليومية، ويمكن رصد مضامين تلك النصوص في مجملها في (غلاء المهور، مشكلات ومعاناة البحر، الصراع الطبقي في مجتمع السفينة والغوص، قيمة الأم، مشكلات الزواج، الجشع والطمع، الأخلاق، مشكلة الخمور، الزواج من أجنبيات، تعدد الزوجات، التوعية من أجل العلم والتعليم، مساوئ الطلاق، مشكلات الأبناء، التصابي عند كبار السن من الرجال، أفراح الاتحاد بقيام دولة الإمارات). ويبدوا جليا أن مجمل المسرحيات كانت تتصدى لمضامين الحياة بصورها المتعددة والبسيطة في تلك الفترة وانعكاساتها وتأثيراتها على المجتمع.
وبعد انتشار التعليم الذي مهد لقيام المسرح، وقيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يعني بديهيا نهضة مؤسساتية وثقافية شاملة، عبر قيام وزارات ومؤسسات وكيانات تبعها بالضرورة تأسيس واجهات ثقافية ومسرحية متعددة، شهد المسرح المحلي قفزات متعددة تبلورت في عدد من الإشهارات لفرق مسرحية. وكذلك انطلاق مهرجان أيام الشارقة المسرحية في العام 1984 الذي يعزى له كل الفضل في خلق كتاب مسرحيين إماراتيين متعددي الرؤى والطروحات، كما أثمر استقدام الخبرات المسرحية العربية في منتصف السبعينات ثماره فيما بعد، بداية بزكي طليمات ومرورا بصقر الرشود وابراهيم جلال وقاسم محمد في فترات لاحقة، والذين أكدوا خلال قدومهم وتدريبهم للمسرحيين الإماراتيين، على عنصرين مهمين هما عاملي النص المحلي والخبرة. وفي تلك الفترة، كان الاعتماد على النص المحلي بما يحويه من مضامين اتسمت معظمها بتحولات المجتمع والتركيبة السكانية التي أرقت المجتمع وكتاب المسرح، بعد العمالة التي وفدت إلى الإمارات من كل حدب وصوب، فكتب أحمد راشد ثاني، “الأرض بتتكلم اوردو” التي اعتبرت في وقتها نقلة في الكتابة المسرحية الإماراتية، بعد تصديها لموضوعة اجتماعية شائكة عن حكاية واقعية لطفلة تم اغتصابها من قبل أحد الذئاب البشرية.
وفي حقبة التسعينات شهدت هذه الفترة ظهور اسم الكاتب المسرحي الإماراتي المغفور له بإذن الله سالم الحتاوي، الذي اتخذ من موضوعات السحر وطقوسه المتعددة مضمونا طرح من خلاله العديد من القضايا الاجتماعية، معتمدا في كل ذلك على الموروث الشعبي من أمثال وقصص وحكايات بالرواية الشفهية والمنقولة، وكذلك استقى من المجتمع بعض المواضيع التي وظفها في خدمة مشروعه المسرحي، فجاءت البداية في العام 1993 مع مسرحية أحلام مسعود، إذ شكل الحلم في مسرحيات الحتاوي نصيبا لا يستهان به، يضاف إلى المضامين التي تطرق إليها الحتاوي في كتاباته التي تمتاز ببساطتها وقربها الشديد من المتلقي العادي الذي لا يحتاج إلى أن يمتلك الكثير من الثقافة لفهمها. فطرح الحتاوي قضايا عديدة خلال 30 نص مسرحي، تعددت وتنوعت في مضامينها للكبار (أحلام مسعود، زمزمية، إنها زجاجة فارغة، الملة، زهرة، ترنيمة الليلة الأخيرة، النخاس، الجنرال، خلخال، حكاية رأس وجسد، مواويل، صمت القبور، جوهرة، عرج السواحل، الياثوم، ليلة زفاف، جنون البشر، مراديه، كل الناس يدرون، جنة ياقوت، هود يا أهل البيت) وللأطفال (أرض الخير، الأميرة والساحر العجوز، جزيرة الطيبين، زهور والمنظرة المسحورة، ياسمين والمارد الشرير، مملكة السلام) عالج بها الكثير من القضايا التي كانت تؤرق المجتمع الإماراتي في تسعينيات القرن الفائت، منها الجهل، الفقر، الأخلاق، العادات الاجتماعية البالية، العبودية.. الخ، وربما تكون السمة المميزة لأعمال الحتاوي هي اشتغاله على مضامين “السحر والشعوذة وأثرهما على المجتمع من خلال نماذج حكائية وشخصيات أراد لها المؤلف أن تكشف واقعا مرّا لم يكن مرئيا أو لم يسلط عليه الضوء جيدا كونه يقع في فترة خلت غاب عنها التوثيق والأرشفة.
وكذلك وفي نفس الفترة بزغ اسم الكاتب المسرحي ناجي الحاي، والذي كتب (حبة رمل، المسيرة، بنت عيسى، خرزة الجن، زكريا حبيبي، ماكان لأحمد بنت سليمان، سلام يا سلامة، سفر العميان) وإعداد المسرحيات التالية عن نصوص مسرحية عربية وعالمية (الأشجار لا تموت، الهوى غربي، يا ويلي، سوبرمارمكت).
وما يميز تجربة ناجي الحاي هو إصراره على الاشتغال على مضمون أن المسرح للناس وأنه ذاكرتهم وهمومهم، فهو يقرأ الحياة الاجتماعية جماليا عبر استثمار موضوعاتها ومفرداتها اليومية، عبر افتضاض تلك الذاكرة المثقلة بالتداعيات والأسئلة. فالفضاء الشعبي الأنيق والمبهج، هو نفسه المأساوي والنقدي، فضاء يحمل دلالاته وسحره، دون تطرف أو تجريد مقحم عند معالجته لمرارة الواقع وجرح المكان، سحر وافتتان وولع شخصي تدفق في أعمال أخرى لافتة عززت مكانة ناجي الحاي في المشهد المسرحي، وجعلته أكثر إيغالا في مناطق الجمال وفي مناطق الألم أيضا.
وكذلك ظهرت أسماء عدة كتاب مسرحيين خلال فترة قيام وانتشار المسرح الإماراتي في الألفية الفائتة، مثل الكاتب عبدالرحمن الصالح، الكاتب جمال سالم، الكاتب عبدالله صالح، الذي يعتبر الإزر نصوصا بين كتاب المسرح الإماراتي، بالإضافة إلى تجارب محدودة لعدد من الكتاب الإماراتيين، منهم من اكتفى بنص واحد أو نصين، وغادر إلى التمثيل أو الإخراج، ومنهم من غادر المسرح كليا دون رجعة، وما ذكرناه من أسماء لكتّاب هو على سبيل المثال لا الحصر.
أما فترة الألفية الجديدة، فأعتبرها من وجهة نظري فترة جني الثمار بالنسبة للمشهد المسرحي الإماراتي، فقد شهد وعلى مدى عقد من الزمن، ارتفاعا كبيرا في منسوب الإبداع، وفي جميع مجريات وعناصر العرض المسرحي، وكذلك باتت الإمارات وخاصة الشارقة قلبا للمسرح العربي وكذلك العالمي، من خلال المؤسسات والهيئات المسرحية، منها الهيئة العربية للمسرح، التي أخذت على عاتقها مسؤولية تطوير المسرح العربي، وكذلك الهيئة العالمية للمسرح والتي اتخذت من إمارة الفجيرة مقرا لها، بالإضافة إلى ما تضطلع به دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة من رفد المسرح المحلي وكذلك العربي بأسباب استمراريته وتألقه، كذلك تقوم هيئة دبي للثقافة وهيئة الفجيرة للثقافة والإعلام وجمعية المسرحيين ونادي تراث الإمارات بأبوظبي، بالكثير من الأعمال والنشاطات التي تخدم واقع الحركة المسرحية المحلية. وفي هذه الفترة – أي فترة ما بعد 2000م – واكبت مرحلة النهوض المسرحي ظهور أسماء جديدة أخذت مكانها في سجلات كتّاب المسرح الإماراتي، منهم الكاتب مرعي الحليان الذي كانت له تجارب مميزة على الرغم من قلتها (التراب الأحمر، باب البراحة، نهارات علول).
إن تجارب الحليان طرحت قضايا الهوية والمواطنة التي يعاني منها المجتمع الإماراتي، في ظل التركيبة السكانية وفي ظل الانفتاح الذي شهدته الإمارات على العالم من وفود ثقافات عدة بصورة كثيفة، الأمر الذي خلق تمايلا في ميزان المجتمع بين ما هو ثابت وما هو طارئ.
وربما تكون العلامة الأبرز في تاريخ النص المسرحي الإماراتي، بزوغ نجم الكاتب اسماعيل عبدالله حيث إنه ولج في صلب الكتابة المسرحية ومنذ العام 2003 – بعد تجربتين في التسعينات من القرن المنصرم – داخلا في طروحات ومضامين جديدة، بل وأساليب مختلفة للكتابة المسرحية الإماراتية، حيث خلقت نصوصه الحداثية بما تحويها من عمق في المضمون وثراء في اللغة وشاعرية الجملة وبراعة الأسلوب وغنى المفردات، مناخا آخر يعيشه النص الإماراتي، خاصة وأن نصوصه تجنح جميعها إلى الانتصار للإنسان وقضاياه العديدة منها تلك التي يشار إليها بأنها من القضايا الشائكة أو المسكوت عنها في الدراما والمسرح، كذلك امتازت نصوصه بتنوع المضامين، كما امتازت بقربها والتصاقها الشديد بالواقع وبالمجتمع، وهذا برأيي الغاية الأهم والهدف الأسمى من وجود المسرح منذ الخليقة، لقد خرج اسماعيل عبدالله بالنص المسرحي الإماراتي من انغلاقيته، وجدد في خطاب النص من خلال العمل على تطوير حرفية الكتابة المسرحية بالاعتماد على ثيم جديدة ومتشظية وما الشاهد على ذلك إلا كثرة النصوص التي قدمت له على خشبات المسارح الخليجية، والتي حازت على إعجاب النقاد والمسرحيين ونالت العديد من الجوائز، وربما كون عبدالله اشتغل في التمثيل وفي الإخراج في مرحلة البدايات، هي من منحته بعدا آخر ينظر من خلاله للنص، بعيون مجسمة تؤلف وتمثل وتخرج النص على الورق.. فكتب اسماعيل: (غصيت بك يا ماي، زمان الكاز ، ليلة مقتل العنكبوت، بقايا جروح، مولاي يا مولاي، قوم عنتر “إعداد” ، بين يومين، البقشة، مجاريح، خبز خبزتوه “إعداد” ، اللّوال، صرخة، ميادير، حرم معالي الوزير”إعداد”، سمنهرور “إعداد”، حاميها حراميها “إعداد”، الرجل الذي نسي أن يموت، العرس الأكبر، السلوقي، حرب النعل، أصايل، البوشية، زهرة مهرة، صهيل الطين، خلطة ورطة). بالإضافة إلى تجربتين كانتا في مرحلة البدايات في تسعينات القرن الفائت وهما (راعي البوم عبرني 1992 والبشتختة 1996) واللتان هما مسقط رأس قلم إسماعيل ومحطتاه اللتان عبر بهما نحو رحلة الألق.
من هذا يمكن أن نستنتج أن النص الإماراتي وما يحمله من خطاب، لم يكن ليوجد مصادفة ولم ينبت اعتباطا بل أوجدته عوامل اجتماعية وسياسية وجغرافية ودينية، وساعدت على ازدهاره ظروف مواتية تضافرت كلها كي تخلق مناخا صالحا ينبت فيه هذا الفن الأدبي الأصيل حتى يبلغ قمته عن طريق المسرح.


 مجلة الإمارات الثقافية – عدد ديسمبر 2014

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

هستيريا .. الحرب السورية على المسرح

مدونة مجلة الفنون المسرحية

قدم الفنان السوري جهاد سعد العرض المسرحي المعنّون بـ (هيستيريا) في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. وهو نص يحاول نقل إفرازات الأزمة السورية على الأجيال المختلفة ولاسيما جيل الشباب، إلى خشبة المسرح.

عنف وضجيج في الحياة والمسرح ..
تشتت وغياب للعقلانية والمحاكمات المنطقية هي ما يحدث الآن على أرض الواقع، وغياب واضح لأي فعل فردي أو جمعي قد يسهم في التأثير في مجرى الأحداث، وهو حال الغالبية العظمى من الشعب السوري.

في المسرح يتشابه الأمر، ثمة ممثلون يركضون يقعون ويعاودوا الوقوف والركض وتبادل الأدوار. إنها هيستيريا، حالة مرضية تصيب الجميع وتتركهم يعيشون في ظل المجهول.

في المستوى الفني، يلاحظ غياب النص الواضح للعرض، فهو يعتمد على حوارات داخلية مشتتة متداخلة لجميع الشخصيات في العرض. فتتداخل الحكايات الفردية والتجارب الشخصية المؤلمة مع غيرها لترينا حكايات الموت والكراهية والحب والاغتصاب والضياع، ما هو مستقبل البلاد على وشك فقدان بوصلة الحياة.

كوميديا سوداء ..
اعتمد العرض على "الأفيهات" المضحكة التي تتداخل فيها اللهجات الشامية والحلبية والمصرية كمؤشر على السخرية من المأساة السورية المفاجئة، وهو أقصى ما يمكن أن يقوم به الفرد في أزمة استنفدت حدود تحليلاته وتوقعاته.

العرض هو مجموعة من المشاهد القصيرة، وكما في أعراض حالة الهيستيريا المرضية، لا يتوقف الشجار المرافق لنوبات من التشنجات، والصمت والانقياد وراء سيطرة الشعور الآني، فتصبح علاقات الحب مهينة وقاتلة، والموت حاضر ويتجول في المكان، الانتقال من حالات الاغتصاب والحب الفاشل إلى حالات السعادة والغناء والرقص، ومن ثم العرس القريب من أجواء المآتم. كل ذلك تحت أعين الرقابة التي لا تغفل عن قمع أية بادرة.

الهستيريا Hysteria
الهستيريا وتسمى بالاضطراب التحولي، هي مرض نفسي عصبي أطلق عليه أيضا الهستيريا التحولية، حيث تتحول فيه الانفعالات المزمنة والصراعات إلى أعراض جسمانية دون وجود مرض عضوي، وتظهر الأعراض الجسمانية بصورة تماثل الاضطرابات العصبية على شكل خلل في الإحساس والحركة، ويحدث ذلك دون إرادة أو شعور بالنسبة للمريض، ويكون تحويل الاضطرابات النفسية إلى أعراض جسمانية بسبب عوامل ذهنية ويكون الغرض وراء الحيلة الدفاعية هو الهروب من الصراع النفسي أو من القلق أو من موقف مؤلم دون إدراك الدافع وراء ذلك.


سيف الدين محمد

دمشق- سوريا


أخبار الآن

الجنة تفتح أبوابها…متأخرة لفلاح شاكر

مدونة مجلة الفنون المسرحية














يبدو من هذا العنوان شبه المتفائل، أن العرض العراقي الذي قدم في الدورة التاسعة لأيام قرطاج المسرحية والذي حاز على الجائزة الكبرى للمهرجان كان بمثابة انفتاح على جنة الألم وجهنم الفرح، إن صح القول، فالجنة التي شيع لها العرض وقال عنوانها إنها ستفتح، لم تشرع أبوابها ولن تغلقها بحق وحقيقة،
بل ظلت تتأرجح ما بين البين والبين.. على الرغم من أن مسرحية "الجنة تفتح أبوابها متأخرة " هي الجزء الأخير من خماسية الحب والحرب، مثلما يقول مؤلفها المبدع فلاح شاكر. ابتدأت خماسية الحب في " قصة حب معاصرة" التي قدمها المخرج والممثل الصديق الراحل هاني هاني، و" مئة عام من المحبة" و في "أعالي الحب" التي أخرجهما الفنان الدكتور فاضل خليل، و "مأساة مؤلف النكات" التي لازالت مخطوطا، وهذه "الجنة" التي قدمها المخرج العراقي محسن المجتهد تيمنا بما قاله عنه مؤلف العمل نفسه.  نسابا
        يقول المؤلف: ( لقد أوجعت الحرب نومي بكوابيس كأن جهنم تتمرن على ذاكرتي ورجف قلبي- قلت شهادتي- وأرجو أن يؤجل استشهادي فربما يستجد قول- عن شعب أكلت منه عشرون عاما من الحروب والحصار كل أحلام التشهي، شعب وكأنه أُعِدَّ للنحر- ولولا ضمائر بعض الأصوات- لرمينا في النسيان فالعالم الجديد لا يعلمك بعذابات المقتول بقدر ما يبهجنا بشجاعة القاتل.. فوسط الانترنيت والبث الفضائي المباشر والأقمار الصناعية أقف وحدي أصرخ في البرية بملء صوتي هل تحسون بآلام الضحية؟ ) إذن، إننا أمام عرض مسرحي يشبه إلى حد كبير نشيد من الحزن وتلاوة من الصراخ المكظوم لكاتب تتجلى براعته بقول الصدق وإن كان هذا الأخير أليما وغير كاف في مغالاته في وجعه ومكاشفته. إن ما يربطني مع نتاج فلاح شاكر كمؤلف ومحسن كمخرج وشذى طه سالم وجواد الشكرجي ورائد محسن  وفلاح إبراهيم، كممثلين عدة أمور، أولها هي أنني مولع  في البحث عن أصل تلك النيران الملتهبة التي تحيل الوجود الإنساني المتكاسل بعدما يكتوي المرء فيها إلى شعلة سماوية تحلق فوق أعالي البحار والجبال وكل ما هو عال لا تطاله اليد بسهولة؛ وثانيا، إن عملهم هذا كان بمثابة إجابة إبداعية وفنية على تساؤلات ظلت تحتل وتشغل فكري فترة طويلة..
ومن بين هذه الأسئلة يمكن أن نذكر: كيف سيكتب المسرحيون العراقيون والعرب عن ما حدث وما زال يحدث في العراق؟ كيف يمكن تصوير الإبادة الجماعية لهذا الشعب؟ عن ارتهان هذا الشعب كل هذا الوقت والظرف؟ هل سيلجأ الكاتب العراقي للمباشرة والشعائر الفجة كما كان يفعل المسرح العربي في ستينيات هذا القرن وسبعينياته، أم أنه سيولي وجهته نحو مسرح العبث واللامعقول في منطقة اللامنطقي؟؛ أي اللغات سيعتمد في عملية الخداع التي توهم بتحقيق اتصال غير موجود؟ ثم هل أنه حقا، سيختار طريق المسرح الغربي بأساليبه المتعددة أم أنه سيخلق هذه المرة مسرحا عراقيا معاصرا، بعيدا عن الفردية والتجريد العبثي؟
لقد بدأ فلاح شاكر في كتابته للمسرحية مسيطرا على متن النص وما فيه من ثيمات، منذ الوهلة الأولى. فالمسرحية تتحدث عن قصة أسير يعود إلى بيته بعد سنوات من الغياب والتغيب، ولكن عند وصوله يكتشف أن أول من يتنكر له في هذه الحياة التي غادرها عنوة ثم عاد أليها بقدرة قادر، هي زوجته. والمصيبة أنها تتنكر إليه لا لأنها لم تعد تحبه أو لا تميل له أو إنها استبدلته برجل آخر مثل ما حدث في بعض الأفلام والقصص التي عالجت تقريبا الموضوع نفسه بقدر ما إنها لم تعد تعرفه.. ( أنت لست زوجي) ويجيبها الأسير ( إلى هذا الحد غيَّرني الأسر). هذا هو الخط الدرامي الرئيسي الذي تأسست عليه حكاية المسرحية ومنعطفاتها التي اعتمدت عدة مثالب اجتماعية، سياسية، عاطفية، دينية، و وجودية لم يعالجها المؤلف على حِدَة أو بطريقة كلاسيكية تقليدية، وإنما عالجها جميعها دفعة واحدة باعتبارها سببا ومسببا مركزيا للحدث الرئيسي الذي تتمحور حوله وفيه المسرحية والغرض من كتابتها. نسابا
تأمل في صناعة العمل الدرامي
        نرى من خلال قراءتنا للأحداث على صعيد النص والعرض، إن المؤلف فلاح شاكر والمخرج محسن العلي قد أحكما بشكل جيد ومتماسك تلك المثالب المتعددة للحكاية وسارا بها قدما نحو نهاياتها المحتومة بكل جرأة وجمال، فالأسير العائد الذي يتوسل أن تتعرف عليه زوجته، وزوجته التي تصر على عدم معرفتها له بحجة أن الأسر قد غيَّره، نراهما منذ بداية العرض حتى نهايته في حالة من الركض واللهاث وراء حقيقة تتأرجح ما بين المؤكد واللامؤكد. ولقد أراد المؤلف من وراء هذا التأرجح أن يكشف عن ثيمات مأساوية أخرى ارتبطت بمحور الحدث الرئيسي وتحلقت حوله بمجموعة من الروافد التي صارت تتضح وتتطور ثيماتها الشبه رئيسية من خلال ابراز واختفاء شخصيات أخرى دون التقيد بالتسلسل التقليدي للأحداث، أي وفقا لإملاءات مخيلة المؤلف وعقله الباطن. فنحن أمام مسرح تعبيري، استخدم فيه المؤلف لا شعوره ومخزونه الصوري للأحداث التي أنتجت واقع مبعثرا، مشوها، على الرغم من انتظامه ودقة فبركته. ونتيجة لهذا التفرع المأساوي للحدث وتعدد مجالات البحث فيه، كان من المنطقي أن يختار المؤلف على المستوى الفني أسلوب المأساة التي هي في احسن أحوالها ساخرة في مثل هذه الحالة، تبعث لقسوتها على الضحك والبكاء في أن واحد.
ولقد كان اتفاق المؤلف والمخرج على هذا الأسلوب الساخر في تقديم المأساة، موفقا ومعتدلا وفقا لمبدأ لا منطقية المنطق ومنطقية اللامنطق الذي شيده طبيعة الصراع ما بين الزوجة والأسير، وخاصة في المشهد الذي يعتذر فيه الأسير لزوجته عن آسره، إذ يقول: (انه ذنبي أنا، فأنا الذي ذهبت إلى الحرب، وأنا الذي أسرت نفسي وحجزتها وحرمتها من رؤية احب ما احب، لقد كنت قاسيا عليك حين حجزتك نفسي كل هذه السنوات، أنا اعتذر، عن عشر سنوات أضعتها هدرا في الجوع والبكاء عليك، أضعتها في الشقاء من الشوق والتوق إلى العودة). نسابا
إن هذا الأسلوب المأساوي الساخر والموجع الذي استخدمه المؤلف من اجل تحريك وتنويع وقيادة إيقاع العمل نحو الأمام، لا يتوانى عن قلب المأساة رأسا على عقب لدرجة إن جعلنا نتساءل نحن المتفرجين بسرية معلنة: إلى أين تقودنا هذه المأساة التي لم تعد مجرد مأساة ؟! إلى أين يقودنا هذا الأسير الذي لم يعد مجرد أسير عاد ليبحث عن بيته وزوجته؟!. وما بين تسارع خطى الإيقاع وتنامي الحدث وفقا للخطوط والمنعطفات الدرامية المرسومة بدقة وصرامة، هنالك تداعيات وتداخلات واستنطاقات وتعرية وحشية لواقع الجوع والموت المجاني والشهادة التي يتعرض أليها آهل البلد الذي ينتمي أليه الأسير. ولكي يتحقق ذلك لا بد من أن ينعطف العمل عن خطه الرئيسي المتمثل في علاقة الأسير بالزوجة بغية إلقاء الضوء على حالة الجوع والفقر وموت الأطفال.
وهذا ما ترجمه مشهد لقاء الأسير بمعلمه الأستاذ يوسف – الذي مثله الفنان رائد محسن بكل براعة وإتقان ووجع منتقلا ما بين شخصيتين: شخصية الأستاذ يوسف وشخصية حارس المدرسة ، واللتين تقصّد  المخرج والمؤلف في جعلهما متشابهتين بحيث يصعب التفريق بينهما- وعندما تختلط الأمور على الأسير العائد ويصير لا يعرف رأسه من رجليه ولا يفرق ما بين الحارس والأستاذ، يقول له أستاذه : (الجوع جعلنا كلنا متشابهين..أنا أستاذ  يوسف، لقد تعبت من عزيز قوم ..)، الأسير يكمل الجملة إلى أستاذه: "ذل"، أستاذ يوسف: "مقاطعا" (مل .. أبدا الذل ليس الحاجة، الذل أن تأكل كل وقتك مفكرا ماذا ستأكل). وحينما يهجم الأسير على أستاذه لمعانقته شوقا وبحثا عن صدر يضمه، يرده الأستاذ ثائرا: (لا عناق.. إصبعي الصغير يخاف أن أطبق كفي لئلا يأكله الإصبع الذي يجاوره). 
إن ما يثير في هذا النص/العرض هو الحوار بين الشخصيات وكيفية صناعته، وتحريكه، وتبادله بينها، إنها تتبادل الحوار وفقا للمنطق الانعكاسي الذي أستخدمه المؤلف كأداة للتعبير عما في الوضع الإنساني في العراق من مأساة. بحيث جاء الحوار قريب من الشعر إذا لم يكن الشعر نفسه، وجدانيا ملئ بالعواطف المتأججة المشاعر، فهو يسترعي الانتباه بكيفية خاصة، وذات وقع متميز على الإذن والقلب والعقل معا، مما جعل الممثلين عند قوله وأداءه يرقصون من الألم والمشاعر بدلا من أن يكتفوا بالحركة والإيماءة، وخاصة في حوار الأسير الدامي مع زوجته حول مصداقية وجوده بعد فصول من التشكيك: ( لست أنا؟! وما ذنبي إذا الحرب تهدي الأطفال شواربا بيضاء .. كلنا عميان بلهاث القلب نهتدي إلى بعضنا) أو حوارهما حول موضوع الأولاد ومحاولتهما في الكشف عن الأوراق ومعرفة حقيقة أعماق القلب .المرأة: ( ليس لنا أولاد لان الحرب أكلت نصف السرير)، فيجيب الأسير: ( كان من الممكن أن ننام على نصفه الآخر..)، المرأة: ( ولكنك أسرت قبل أن نتناصف السرير). يبدو على الحوار، عند سماعه ورؤيته مثلما لو انه كلام محكي ولكنه في نفس الوقت ملئ بالمشاعر الرقيقة، لا يخلو من النشيد الوجداني الذي لا يتنازل عن مهمته الانتقادية والإشارية الاستعارية.
ويتمثل هذا خير تمثيل في نهاية المشهد، عندما يقول الأسير لزوجته: ( فأنت زوجتي حين يكون لنا أطفال) وتجيبه الزوجة: ( ولكن لم يصبح لنا أطفال بعد..) فيجيبها: ( سيكون لنا أطفال .. وآلا كيف ستستمر الحروب). نلاحظ من خلال كلمة المؤلف وحواراته وتأسيس فكرته، إن لدى فلاح شاكر إحساس دفين بعدم نهاية الحرب أو الحروب. وهذا بحد ذاته ليس من صفات الإنسان في الأصل وإنما هي صفات راكمتها الحروب المتلاحقة الحروب على العراق ولازالت تتلاحق أو تنتظر أن تتلاحق. فالحرب لم تكن على جبهات القتال فحسب وإنما (في الشمس) مثلما يقول حارس المدرسة، وهو يتحدث عن حرارة ابنه المرتفعة (كانت حرارته تخجل الشمس، واصرخ فوق السجادة، رباه .. خذه لبرد الجنة، وكبريائي الذليل يتوسل بالرغيف .. يا رغيف كن عافية، كن قمحا لا شعيرا ..) .
إن الجوع والمرض والموت وامتزاج الكفر بالأيمان، كل هذه الأشياء نتيجة حتمية للحروب الحديثة؛ هذه الحروب التي تُكمّلْ ما بدأته الثورات؛ هذه الحروب التي تعيد النظر في الإيمان والإلحاد وفكرة الله كأب للبشر. في هذا المشهد، حارس المدرسة المؤمن المسكين أمام مشهد موت ابنه، يفقد صوابه ويبدأ بمناجاة ربه مثل أي صوفي فقد السيطرة على نفسه فصار يلهج باسم الرب لأنه أحس في قرارة نفسه إن الرب قد تخلى عنه في أحلك اللحظات واشدها قسوة : (  يا لله لمَّ تركت ابنك في الحصار .. استغفرك، ما اقرب الكفر من كفن جاء في غير أوانه. اصمد .. حامد .. ووو إننا نموت يا لله .. فهل كان في حساب عزرائيل أن يموت عشرين مليون في ساعة .. رأفة به أرحمنا .. اللهم اجعل حجارة السجيل رغيفا .. اللهم نسألك بعض جنتك في جحيمنا الأرضي .. والجنة تحت أقدام الأمهات، فأي جنة إن كان الصدر يرضع جوعا ..) .  نسابا
الإخراج
        أننا حينما تحدثنا عن النص وكيفية صناعته دراميا، كنا نتحدث بشكل ضمني عن الإخراج أيضا، لان قراءتنا الأولى للنص كانت بادئ ذي بدء، من على الخشبة، أي أننا عندما شاهدنا العرض لأول مرة، قبل أن نقرا النص ونتعرف على تفاصيله، وهذا يعني إن المخرج محسن العلي وفريق عمله( شذى سالم، جواد الشكرجي، رائد محسن وفلاح إبراهيم)  استطاعوا أن يوصلونا إلى ابعد ما كان يمكن أن يقوم به النص في حالة القراءة المجردة والتخيل المنفرد. لقد انطلق محسن العلي في إخراجه للمسرحية من فكرة تحويل الأوضاع التي يشير إليها النص إلى لعبة مسرحية جد واقعية ارتكزت على عملية تحريك مفردات الديكور وتشكيل فضاء مسرحي تاركا العرض في مواجهة مع جمهوره. انه قام بتفسير الكلمة عبر الحالة والمشهد والتكوين الجمالي الذي ساهم في حركيته الممثلين وادائهم العميق؛ وتشكيل الفضاء المسرحي من قبل مصمم الديكور "سهيل نجم" وفق رؤية المخرج وذلك باستخدام مفردات تصميميه متحركة يمكن استخدامها بمطواعية في العديد من المواقف والأغراض المختلفة.
لقد كانت جميع هذه العناصر مرتكزات أولية في الرؤية الكلية لمحسن العلي في تقديمه للعرض. هذا بالإضافة إلى إن التمثل كان يشكل الدعامة الرئيسية في نقل تلك الرؤية والتعبير عنها من خلال أداء الشخصية ومدى انسجامها مع الإطارين التشكيلي والصوتي الحي الذي اشرف عليهما المخرج بكيفية واعية ومدركة تتماشى مع هموم النص وتجلياته المتعددة. وقبل الحديث عن الممثلين وبراعتهم الاقتدارية، لا بد لنا نذكر الإطار التشكيلي لمصمم الديكور"سهيل نجم" الذي اعتمد في مفرداته على الأسلوب التلخيصي الذي يشي بالمكان ويرمز لمضمونه دون اللجوء إلى التفاصيل الواقعية.  نسابا
التمثيل
        لقد اعتمد هذا العرض بشكل خاص، سواء على صعيد النص أو الإخراج على الممثل وإمكانية لعبه في ذلك المكان السحري الذي يدعى خشبة المسرح. فقد كانت الممثلة " شذى سالم" الرائعة بجمالها وعمق دواخلها وكبرياء أنوثتها، تعيش بين حبها لذاكرة زوجها وعودته غير المتوقعة المليئة بالمتغيرات .. بحيث كانت جريئة في تعاملها مع التفاصيل وبارعة في تعبيرها عن الحزن الذي يمكن أن يسكن أمراه مهجورة، ورشيقة في حركتها وكأنها حمامة ترقص من الألم ومن شدة الذبح. لقد كانت ترقص معبرة عن انفعالاتها المتباينة، تسكب خلجاتها في قسمات وجهها وتعكسها في نبرات صوتها المنشد، بينما راح جسدها يتلوى وينتفض معبرا عن حرقة الألم وضياع العمر في الانتظار.
وكان في مقابل شذى سالم، جواد الشكرجي، ذلك الممثل المسكون بالاحتراف والحزن والتعقل. فقد كان وهو يؤدي دور الأسير الخاسر حتى بيته ودفئ زوجته عال في أحاسيسه، مختلف ومتنوع في انفعالاته، كان يتجول في الشخصية من حالة الرغبة والعطش، إلى الغرور، إلى الإصرار ثم الانكسار والحساسية والجنون والهلوسة بتلقائية غير معهودة. كان صوته المتكسر مرة والمتواصل ثانية وثالثة باكيا حزينا ينشد عزائيته بنوع من النشوة التائه، بحيث لا يمكننا أن ننسى صرخته العالية وهو ينشد: ( يا حصار انك تجعل من كل أطفالنا أنبياء لأنهم كفروا بملذات الحياة قبل أن يعرفوها، طفل زاهد عن مباهج الدنيا؟ كيف يكون الكفر إذاً .. وكيف يصنع الأنبياء؟).
لقد كان جواد الشكرجي مؤثرا ومتأثرا في ذات الوقت، الوجع الداخلي بادٍ عليه، مرسوم على هيئته، على محياه، يتلون شكله وفقا للحالة والموقف، مثلما لو كان لوحة تملئه فرشاة رسام بالألوان. في حين إن رائد محسن، الذي مثل دورين في آن واحد( الأستاذ يوسف وحارس المدرسة)، كان بارعا وذكيا في انتقاله من شخصية لأخرى، كان يشبه الشخصية ولا يشبه الشخصيتين اللتين يفترض أن تكونا في العرض متشابهتين بشكل قصدي، انه يتشابه في شخصيته في الشكل، ولكنه يختلف في الأداء والتعبير والطبقة. ولقد كان يجمع أداءه بين المسكنة والصرامة؛ بين الأيمان والإلحاد؛ بين الشك واليقين. إن فلاح ابراهيم، على الرغم من صغر دوره، كان حضوره خاصا، لا سيما انه قد حلق رأسه وأعد نفسه إعدادا جيدا لحضوره السريع والمؤثر، إيماننا منه بمقولة المعلم الأول لفن التمثيل ستانسلافسكي: ( ليس هنالك دور صغير ودور كبير، وإنما هنالك ممثل كبير وممثل صغير)

د.محمد سيف
مسرحي عراقي مقيم بباريس

انطلاق الدورة الـ15 لمهرجان المسرح الكويتى 10 ديسمبر

مدونة مجلة الفنون المسرحية

 تنطلق فعاليات الدورة الخامسة عشر من مهرجان المسرح الكويتى الذى ينظمه المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب فى الفترة من 10: 20 ديسمبر 2014، وسيتضمن المهرجان عروضا مسرحية متنوعة بالإضافة لندوات نقدى لمناقشة قضايا وهموم المسرح العربى.

يذكر أن الدورة الرابعة عشرة شهدت تنافسا كبيرا بين الفرق المسرحية المشاركة وحصل على جوائزها كل من ميثم الحسينى جائزة أفضل ممثل واعد عن مسرحية «عتيج الصوف» التى قدمتها فرقة المسرح الجامعي، فى حين اقتنصت الممثلة هنادى قربان أحسن ممثلة واعدة عن مسرحية «بروباجندا» عن شركة سوبر ستار، وجاء هانى عبد الصمد كأفضل مؤثرات صوتية عن مسرحية «راديكاليا» لفرقة مسرح الشباب، فى حين جاءت جائزة أفضل اضاءة من نصيب بدر المعتوق عن مسرحية «من منهم هو» لفرقة المسرح الشعبى.
جدول فعاليات مهرجان الكويت المسرحي الخامس عشر خلال الفترة من ١٠ - ٢٠ ديسمبر ٢٠١٤




إيزابيل إيجاني تتألق على مسرح ديباري بباريس

مدونة مجلة الفنون المسرحية
 الفنانة الفرنسيةالفنانة الفرنسية السينمائية الكوميدية إيزابيل ايجاني
 
تألقت الفنانة الفرنسية السينمائية الكوميدية إيزابيل ايجاني، في دورها الذي جسدته في مسرحية "فيدرا"، للكاتب المسرحي الفرنسي الراحل "راسين"، التي تعرض حاليا على مسرح "ديبارى" بباريس للمخرج دومينيك بورج.
وتلعب إيزابيل في المسرحية دور مدير تحرير جريدة أمريكية متزوجة وأم لطفلين تقع في غرام شاب وسيم لا تعرف أنه ابن أفضل صديقاتها التي لم تتمكن من تبرير ذلك لها.
أ ش أ

مريم بوسالمي أفضل مؤلفة / هلالي (تونس)

مدونة مجلة الفنون المسرحية

مريم بوسالمي أفضل مؤلفة / هلالي (تونس)
توّجت مؤخرا المؤلفة والمخرجة المسرحية مريم بوسالمي بجائزة أحسن مؤلفة، من «هيئة جوائز إفريقيا الكبرى للمسرح الفرنكفوني» في دورتها السابعة.
وبالنسبة إلى بقية المتوجين بحسب البلاغ الصادر عن هيئة الجائزة بتاريخ 30 نوفمبر 2014، نشير إلى حصول مسرح الأغورا من كونغو برازافيل على جائزة أحسن مسرح تحسيسي وأداما كاهيكو من ساحل العاج على جائزة أحسن ممثل فكاهي وناتالي هونغو من البنين على جائزة أحسن ممثلة وأحمد سومات من جزر القمور على جائزة أحسن ممثل وولسي أكبان صاموئيل من التوغو على جائزة أحسن مخرج.
ويذكر أن الدورة الجديدة السابعة من «جوائز افريقيا الكبرى للمسرح الفرنكفوني»، تقام بعاصمة «التوغو» كما نشير إلى أن الجائزة نشأت ببادرة من المخرج البنيني أيلوغو بيو أغيار، لخلق مواهب مسرحية افريقية لأنه «لاشيء يوجد سلفا»، كما تهدف الجائزة إلى تكريم القامات المسرحية الإفريقية التي لا تزال على قيد الحياة.
وسبق لمريم البوسالمي أن تحصلت على جائزة أفضل عمل مسرحي عربي بمهرجان المسرح العربي سنة 2012  دورة الرابعة بعمان/ الأردن عن مسرحية “زهايمر”.

الخميس، 4 ديسمبر 2014

تهريج الإيطالي داريو فو يشعل النار في مسارح فرنسا

مدونة مجلة الفنون المسرحية
 عشق قديم يجمع بين جمهور المسرح الفرنسي، خاصة في العاصمة باريس، ونصوص الكاتب والممثل المسرحي الإيطالي داريو فو (جائزة نوبل للأدب سنة 1997)، ويحدث غالباً أن تتقاطع العروض على مسارح المدينة وضواحيها، أو في مدن كبرى أخرى مثل بوردو وليون ومرسيليا، خلال الأسابيع ذاتها.
وهكذا يعرض المسرح الموسيقي في ضاحية مونتروي، شرق باريس، مسرحية غنائية مستوحاة من فو، بعنوان «القمر والمصباح الكهربائي»، تتألف من فصلين، بإخراج كاتي بياسان وتمثيل باتريك دراي ولوشيانو ترافاغلينـــو، وتعتـــمد على صيغة متوازنة بين المسرح والكابــاريه، فتشهد الخشبة مزيداً من الأفراح والأتراح، التسلية الضاحكة والتأملات الفلسفية، الجدّ والهزل.
ويقول الممثلان إنهما انطلقا من الرغبة في تلحين وغناء نصوص داريو فو، واستكشاف ما تخفيه قبل ما تعلنه. عالم آخر؟ ربما، فخلف هذه الحكايات والأغنيات المستمدة من داريو فو يطهر الكائن الإنساني بكل تردده وإقدامه، وضعفه وقوّته، ومهازله ومآسيه. هنالك أيضاً أجواء فيللينية، نسبة الى المخرج السينمائي الإيطالي الشهير، يتبادل تطويرها مهرجان اثنان على الخشبة.
مسرح «رون بوان» في قلب الشانزيليزيه اختار ثلاثة نصوص من داريو فو وشريكته فرانكا راميه، هي «اليس في بلاد بلا عجائب» و»أعود إلى البيت» و»ثنائي منفتح»، لإعداد عرض واحد أخرجه ستوارت سيد، ويطرح في الجوهر سلسلة أسئلة: إلى أين انتهت «الثورة الجنسية؟» وهل وقعت، حقاً، في أي يوم؟ وما الذي تبقى منها؟ وأي ألغاز وأسرار تنطوي عليها كلمتا «رجل» و»امرأة»؟
وعبر الفكاهة الهادفة، والسخرية المريرة، واختلاط الرمز بالواقع، تناقش النصوص ما انتهى إليه الحبّ الطبيعي في عصر يشهد شاشات التلفزة وهي تعرض آلاف الأفلام البورنوغرافية التي تجعل الجنس ممارسة ميكانيكية، بعضها لم يعد يثير الغرائز بقدر ما يبعث على التثاؤب!
التهريج لا يغيب عن هذه العروض، بل هو ركن أساسي في فنّ داريو فو. وفي حوار مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، كان الفنان الكبير قد كرّر اعتزازه بأن يحمل لقب «ملك المهرجين» والمشعوذين والمحتالين، الذين سخروا من البلاط الملــكي في العصور الوسطى وثأروا للعامة والفقراء، وردّوا لهم كرامتهم.
وقال إنه في ذلك يستلهم تراث أستاذه المهرّج الإيطالي الكبير روزانتي، «الذي لا يرقى إلى مستواه الكوميدي سوى أناس من أمثال موليير وشكسبير»، والذي تعلّم منه طرائق «تدمير وإعادة تعمير اللغة، واستخدام الكلمات التي لا توجد في أي قاموس آخر سوى ذاك الذي يبتدعه الشارع المقهور». في ما بعد سوف يهتدي النقد المسرحيّ إلى المصطلح الذهبيّ الذي يليق بهذا المسرحي الفذ: سيّد «التهريج الملحمي!».
كذلك فإن عروضاً كهذه، وسواها كثير، تثبت مجدداً أن داريو فـــو يتربع دائماً على عرش التهريج المعاصر، في طـــول العـــالم وعرضه، بلا منازع عملـــياً. إنه، أيضاً وأساساً، سيّد الكوميديا الهـــادفة اللاذعة التي جلبت وتجـــلب عليه سخط الساسة ورجال الدين وأساطين المافـــيا والمال والأعمال. 
وأعماله الكوميدية أولاً هي لوحات في السيرة الذاتية تعتمد سرداً استعادياً تسجيلياً وتخييلياً كثيفاً يذكّرنا بفرادة أمثال مارسيل بروست في «البحث عن الزمن المفقود»، وآلان فورنييه في «مولن الكبير»، وإيتالو كالفينو في «أقاصيص ماركوفالدو».
وإذ كان داريو فو استحقّ جائزة نوبل بكلّ ما ينطوي عليه هذا الاستحقاق من معانٍ، فإن صياغة حيثيات القرار لم تكن أقلّ إنطواء على ما يدهش، بل ويدهش كثيراً في الواقع. فالأكاديمية اعتبرت أنّ فو «اقتفى خطى مهرّجي الملوك في القرون الوسطى، وألهب السلطة بسوط النقد، مسترداً بذلك كرامة المهانين والضعفاء». وتابع البيان يقول: «إذا كان من شخص يستحقّ صفة المهرّج بالمعنى الحقيقي لهذا التعبير، فإنه داريو فو. وبمزيج من الضحك والرصانة فتح أعيننا على مفاسد ومظالم المجتمع، وكذلك على المنظور التاريخي العريض الذي يمكن أن تُوضع فيه. وأعمال فو المتعددة الأوجه تبرهن على أنه فنّان ساخر، ولكنه بالغ الجدّية في الآن ذاته. واستقلال وصفاء رؤيته دفعاه إلى مجازفات خطيرة، عانى مباشرة من عواقبها، ولكنها في الوقت ذاته كفلت له استجابات هائلة في أوساط عريضة مختلفة».
ولا تُنسى تلك الصيغة الكوميدية المبتكرة العجيبة التي اختار أن تأخذها محاضرته ساعة استلام جائزة نوبل. وكما هو معروف، تقضي التقاليد العريقة السائدة في الأكاديمية السويدية أن يقوم الحائز على جائزة نوبل (في أي ميدان، وليس في الآداب وحدها) بإلقاء ما يسمّى «محاضرة نوبل»، وفيها يُنتظر من الفائز أن يقدّم خلاصة تجربته الشخصية في حقل نشاطه الإبداعي أو العلمي أو العملي الذي استحقّ عليه الجائزة. كما جرت العادة أن تحتوي المحاضرة على «رؤيا» فلسفية من نوع ما، تغطّي واقع وآفاق ذلك الحقل من النشاط وتدخل في أرشيف الأكاديمية الرسمي كوثيقة أساسية.
وبدل المحاضرة الموعودة، وصل داريو فو إلى ستوكهولم متأبطاً 25 رسماً كاريكاتورياً، أنجزها بنفسه على طريقة الرسوم المتحركة، واختصر فيها مراحل حياته الفنية، ومواقفه الأخلاقية والفلسفية، والمحطات التي مرّ بها وهو يشيّد أركان تجربته الفذّة كمسرحي مهرّج ساخر من «بَلاط» المؤسسة على اختلاف أنماطها. ثمّ وزّع تلك الرسومات على أعضاء الأكاديمية بوصفها… محاضرة نوبل للآداب لعام 1997!.
وليس غريباً أن يتواصل العشق بين داريو فو وجمهور المسرح في العالم بأسره، فهذا في نهاية الأمر هو المسرحيّ الكبير الذي لم تجد المافيا من وسيلة ناجعة للضغط عليه سوى اختطاف زوجته وشريكته في العمل المسرحي فرانكا راميه، وتعذيبها جسدياً. وهو الذي أنزلته الشرطة الإيطالية من خشبة المسرح أثناء العرض، لكي تقتاده إلى السجن بتهمة… الخروج عن النصّ المسرحي!.
وهذا هو المسرحي الذي كان عضواً في الحزب الشيوعي الإيطالي وفي لجان يسارية متعددة للدفاع عن السجناء السياسيين، والذي سخر بشدّة من المؤسسة البابوية، ومن الأحزاب السياسية الإيطالية بيمينها ويسارها، ومن أوروبا الإمبريالية، ومن الولايات المتحدة (التي ظلّ ممنوعاً من دخول أراضيها طيلة عقود). 
وأخيراً، هذا هو داريو فو المتعاطف، في الحياة كما على خشبة المسرح، مع المقاومة الفلسطينية التي كانت في مطلع السبعينيات بمثابة التجسيد الأقصى لـ«الإرهاب المطلق» في أنظار أوروبا والغرب إجمالاً.

باريس – القدس العربي

جرعة" مختار حسين: أبعد من التمويل

مدونة مجلة الفنون المسرحية
جرعة" مختار حسين: أبعد من التمويلPDFطباعةإرسال إلى صديق


يسيّر "المسرح الوطني"، وإلى جانبه أربعة عشر مسرحاً جهوياً، واقع الفن الرابع في الجزائر. تنتج هذه الجهات أعمالاً لا تقل ميزانية الواحدة منها عن مئة ألف دولار، بل إن بعض العروض استنزفت ما يفوق المليون دولار من دون أن تقدّم جديداً، أو تلفت النظر وتحصل على جائزة لافتة في إحدى المهرجانات المختلفة التي تشارك فيها.
آخر هذه العروض المسرحية الضخمة والمكلفة، كان "ملحمة الجزائر الكبرى"، الذي أنتِج في مناسبة الذكرى الستين لاندلاع ثورة التحرير. وقد أثير حول هذه العمل "الملحمي" الكثير من اللغط ما بين الحديث عن ميزانيته المجهولة، وأعداد المشاركين الغفيرة، واستقدام طاقم عمل صيني، إضافة إلى تبديل ثلاثة مخرجين، كان العراقي جواد الأسدي أوّلهم، قبل أن يظهر العرض بصورته الأخيرة.
وسط هذه المعمعة الرسمية، يجيء "مسرح القوس"، التابع لـ"جمعية الشروق الثقافية" في مدينة معسكر، غرب الجزائر العاصمة، ويشرف عليه المخرج والممثل مختار حسين (1987). إنه فضاء صغير يلمّ شتات الشباب الهاوي والمغرم بالفن الرابع، يأوون إليه هرباً من الفراغات المختلفة، فيلتقون فنانين ومسرحيين يأتون إلى الفضاء من كل المحافظات، يسمونه "المعبد" ويفضّلون المبيت فيه على الفنادق المريحة، بل إن هناك كتّاباً اتخذوا منه إقامة لكتابة رواياتهم ومشاريعهم الإبداعية.
أقدم "مسرح القوس" على إنتاج مسرحية بميزانية معدومة. وضاعف مختار حسين من جرعة التحدّي لهذا الواقع المسرحي المتعثر (الواقع الذي أدانته لجنة تحكيم "المهرجان الوطني للمسرح المحترف" في دورته الأخيرة) عبر استقطاب المتوّجين في هذا المهرجان، تمثيلاً وسينوغرافيا وموسيقى وكوليغرافيا، للمشاركة في عرضه الذي حمل عنوان "جرعة". اقتبس النص وكتبه المسرحي فتحي كافي عن نص "مذبحة حدثت منذ عام" للكاتب المصري حسام قنديل.
سنتان من البحث والتفكير، وشهر من التدريبات، تحمّل خلاله أفراد المسرحية عبء مصاريفهم الخاصة، وتنقلاتهم إلى مدينة معسكر من مناطق مختلفة من البلد. لكن هذه المبادرات لم تذهب سدى، بل أسفرت عن مسرحية "جرعة" التي اشتغلها رفاق المسرح هؤلاء بمحبة وتطوّع. وبالفعل، قُدّم العرض الأول على المسرح الجهوي لمدينة سيدي بلعباس، الذي كان يديره كاتب ياسين، لتشكّل "جرعة" ثمرة لرؤى جديدة يحملها ويطمح إليها جيل جديد من المسرحيين الجزائريين.
أمّا موضوع المسرحية، فليس ببعيد عن الواقع العربي، ولا عما يتوقعه المتفرج العربي في هذه اللحظة من العنف، فثيمة العمل بالدرجة الأولى هي العنف الجسدي والنفسي. نجد في العرض شخصيات خائنة وأخرى تحولت إلى آلة قتل. العنف في "جرعة" يبدأ في البيت والعائلة، بعد أن تخون الزوجة (الممثلة خامسة مباركية) زوجها (هشام قرقاح)، فيتفنّن الأخير في تعذيبها وينتهي به الأمر إلى قتلها. ثم ينمو العنف ليخرج من دائرة العائلة إلى السلطة السياسية التي سيظهر أنها رتبت هذا الزواج، وأن الزوجة "عميلة" لها ومُرسَلة لتجنيد الزوج.
هكذا يتناول النص العلاقة العنيفة والاستغلالية بين الفرد والسلطة في الديكتاتوريات، وينتهي بانكشاف الخدعة التي انطلت على "الفرد"، حين يدرك أنه مجرد حجر شطرنج تم تحريكه إلى هذا المربع أو ذاك في الوقت الذي كان يعتقد أنه يتصرف بحرية. وبالطبع، ينطلق الزوج في محاولة ثانية للثأر لنفسه، لكن من السلطة هذه المرة، فيقع في فخها من جديد.
النجاح الذي لقيته مسرحية "جرعة"، يعود لعوامل وشخصيات عديدة، إلى جانب الشخصيات المسرحية. أسهم فيه تكامل وتعاضد الرؤى الفنية للمخرج مختار حسين، والسينوغرافي حمزة جاب الله، الذي حصل على جائزتين في مهرجان "المحترف"، إضافة إلى الموسيقي حسان العمامرة، الذي نال جائزة أفضل موسيقى في المهرجان نفسه.
جاءت هذه العناصر، لتصنع الانسجام الجمالي وتساعد المتفرج على تجاوز فخاخ تداخل الأزمنة الذي اعتمده المخرج، والتي قد تقود لشيء من التشويش. في ما يتعلق بالديكور، فقد صُمِّمت الخشبة بحيث تكون مفردات المسرحية متحركة وعلى شكل حرف T، الأقرب لشكل الصليب، وتكون الشاشة في الوسط، والأطراف قضبان زنزانة. هذا التصميم جعل التنقل بين المشاهد مريحاً ومتيحاً رؤيتها من زوايا مختلفة، وكأننا نشاهد فيلماً، وهو المعطى الذي راعته الموسيقى، من خلال اعتمادها على آلات ذات أصوات حديدية، ما زاد من حدة الدراما في العمل.
يقول المخرج حسين، لـ"العربي الجديد"، إن ثلاثين فناناً شاباً ساهموا في العمل بأموالهم وجهودهم، ويرى في ذلك خطوة تؤسس لفعل مسرحي حر في الجزائر. بل إنها مبادرة تطرح أكثر من سؤال على مستوى جدوى الأموال التي تخصصها وزارة الثقافة للمسارح الحكومية، من غير أن تتقدم بالمسرح الجزائري خطوة إلى الأمام.
ويكشف حسين أن مسرحية "جرعة" ستقدم 22 عرضاً لها في محافظات مختلفة، داعياً القائمين على المسارح الحكومية والمنتمين إليها في هذه المحافظات إلى الحضور، وإلى أن يفتح المسرحيون حواراً يصبّ في مسعى التقييم المشترك لأداء مسارح الدولة وجدوى مشاريعها، إضافة إلى مناقشة قضايا المسرحيين الشباب، وما يمكن إصلاحه أو مراجعته أو تحسين أدائه في الواقع المسرحي الجزائري.


الجزائر ــ عبد الرزاق بوكبة

المسرح في مدينة طرابلس: مسرح لبدة الأثري

مدونة مجلة الفنون المسرحية
المسرح في مدينة طرابلس: مسرح لبدة الأثري

المسرح في مدينة طرابلس: مسرح لبدة الأثري

عرف المسرح في الولاية منذ أقدم العصور، فالمسارح الأثرية الموجودة حالياً في أغلب المدن الأثرية القديمة، كصبراتة، ولبدة، وقورينا، أكبر دليل على ازدهار المسرح.
ودخل المسرح نوعان من الأعمال الأدبية التي دخلت الولاية في عهد التنظيمات، وللمسرح فرعان أولهنا عملية التمثيل على خشبة المسرح، والثاني النص المسرحي نفسه.
      ويوجد إلى جانب ذلك فن” القراقوز”، وهو من الأعمال الاستعراضية، وإن كانت هذه الفنون تعاني ضعفاً نتيجة طول فترة العهد العثماني، إلاّ أننا نشهد في مدينة طرابلس بداية نهضة فنية حيث كـانت الموسيقى تلحن بآلات بسيطة مثل الصنوج، والآلات الوترية.
وكانت الفرق الفنية والمسرحية سواء المحلية، أو القادمة من مصر تقدم فنّاً على مسرح تم إنشاؤه في عهد الوالي عثمان باشا الساقزلي ( 1650  – 1672) عام 1654 الذي يقع بشارع سوق الترك رقم 122، وله مدخل آخر بسوق الحرير رقم 26، وتتسع قاعته لحوالي 500 كرسي، وشرفة، وبه مدرج يسع 300 كرسي .
إلى جانب ذلك يوجد مسرح ” أمبوراخ ” الكائن بزنقة الحمري قرب مدرسة عثمان باشا بمحلة باب البحر، وكذلك مسرح سوق الترك بزنقة ميزران الذي قدمت فيه فرقة طرب بتاريخ 05 ـ 03 ـ 1908 قادمة من الإسكندرية عن طريق البحر أغلب عروضها الفنية الغنائية، وعرفت في الأوساط الفنية بطرابلس باسم فرقة المطربة ( طيره ) ، وكانت تقيم  حفلاتها في فندق ” القرقني ” بسوق الترك وراء مصنع البارود القديم، ويكون حضورها في المدينة موسماً للغناء، وإقامة الحفلات الفنية.
انضم إليها بعض الشبان المهتمين بالفن بطرابلس لمساعدتها على المسرح، حيث بقيت هذه الفرقة مدة طويلة بطرابلس ولاقت إقبالاً شديداً، وسمح لها أيضاً بإحياء حفلات الأعراس، وقد حفظ عنها كثير من الأدوار والأغاني التي كانت ترددها، فأصبحوا هم بدورهم يرددونها في الاحتفالات الفنية بعد سفر الفرقة.
وقِدمت عام 1908 فرقة من مصر للتمثيل برئاسة سليمان القرداحي، وقامت بجولة مسرحية في الولاية وقدّمت عروضاً مسرحية في الفضاءات.
وتضامناً مع مقاطعتي البوسنة والهرسك التي قامت الدولة النمساوية بضمها إليها، قام العمال بميناء طرابلس البحري بالإضراب، وعدم تفريغ البواخر النمساوية الراسية بالميناء، ومقاطعة بضائعها، وفي اثر ذلك قامت فرقة التمثيل العربي بطرابلس التي كانت برئاسة المحامي محمد قدري رئيس تحرير صحيفة ” تعميم حريت “، بعرض مسرحية ( شهداء الحرية )، وقدمت مداخيل عرض هذه المسرحية لتغطية أجور العمال بالميناء، وتعويضاً للأضرار المادية التي لحقت العمال نتيجة توقفهم عن العمل.
أما رواية صلاح الدين، ورواية ( حمدان ) التي تمثل شهامة العرب في أبهى مناظرها فقَدْ تَمَّ عرضها من إحدى الفرق المصرية التي زارت الولاية، ورواية “وطن” قامت بعرضها الفرقة المسرحية بطرابلس بمناسبة قدوم الطرّادة الحربية الدنماركية ( هايمدان ) للولاية، وكان على متنها الأميـر ( أوسل ) من العائلة المالكة للدنمارك، إكراماً لهؤلاء الضيوف، وحضرها جمع من القناصل الأجانب، وأعضاء الحكومة، وجمع غفيـر من الأهالي، وقبل رفع الستارة تقدم المحامي محمد قدري بخطبةٍ رحب فيها بالضيوف، ووضح في خطابه استعداد المسلمين للرقي العقلي، وأنهم أقرب الشعوب إلى حسن المعاملة، وأبعد الأمم عن التعصب الأعمى، وأن كل ما يرميهم به أعداؤهم من الأوصاف الذميمة إنما كان من تأثيرات إدارة الاستبداد، إذ كانت التقارير الكاذبة لا نهاية لها، وكان الإنسان لا يأمن على نفسه وماله لحظة.
وبعدها جرى رفع الستارة، وتمثيل الرواية فأجاد الممثلون، ونالوا استحسان الحاضرين، وإعجابهم، وكان من ضمن فصول المسرحية فاجعة انتحار أحد المسجونين حيث قدم نفسه فداءً في سبيل نيل الحرية.
وكان لمدرسة الفنون والصنائع نصيب من هذه الزيارة حيث قامت الفرقة الموسيقية للمدرسة بتقديم عروضٍ موسيقية عند زيارة الأمير ( أوسل ) للمدرسة وقدمت من بين عروضها السلام الدنماركي، وبعدها طاف الأمير بفروع المدرسة، وسُرّ بنظام الطلبة، وأعجبه حيث قال:” إنني لا أنسى زيارتي لهذه الولاية طول حياتي “.
ويفيد نظام الجمعية النسائية الصادر عام 1909، المادة 21 أن واردات الجمعية تتكون من الاشتراكات، والمساعدات، ومن بيع الأشياء المهداة في الأسواق الخيرية، واليانصيب، وحفلات التمثيل، وغيرها من أنواع التسلية، وبذلك تعمد الجمعية على دفعها مقابل ما تقدمه من حفلات تمثيلية.
زار مدينة طرابلس عدد من أبرز الفنانين العرب، وأغلب هؤلاء الفنانين كانوا في الطليعة، أو القمة من حيث المقام الذي كانوا يمثلونه في عالم الموسيقى والطرب، وفن التمثيل، والغناء العربي، وقوبل هؤلاء بما يستحقونه من الحفاوة والتكريم من جميع الأهالي، وأقام لهم بعض هواة الفن والأدباء ، الولائم  والحفلات احتفاءً بزيارتهم.
جاءت هذه الفرق لتغذية الشعور والوجدان بالذوق الفني العربي الأصيل في هذه الولاية، فزيارتهم سجلت على أنها من الأحداث المهمة في حياة هذه الولاية.
ولا يفوتنا أن نسجل بأن وعياً فنّياً كان موجوداً بمدينة طرابلس، وإن ملكات ومواهب وتذوقاً للفنون كان ظاهراً وموجوداً بالولاية، وكان هناك جماعات وسهرات وهواة، وأن عدداً من الفنانين قد نبغوا في ترديد ألحان عباقرة من الغناء المصري، وآخرون برعوا على الآلات الموسيقية المختلفة من عودٍ وكمان وقانون.
تناول أحد المثقفين في صحيفة ” الترقي ” مقالاً عن المسرح أو فن التشخيص كما يسميه نقاد تلك الفترة، أظهر فيه الكاتب سعة إطلاعه، ومعرفة بتاريخ المسرح ونشأته من لدن اليونانيين، وقدم لقرائه عرضاً تاريخياً أجمل فيه أطوار نمو الحركة المسرحية، ثم تعرض لهيكل المسرحية، وتصاعد عقدة الصراع أو ما يسميه التشوق المتدرج، إلى غير ذلك من الأصول الفنية للبناء المسرحي، وبالرغم من هذا العرض الجميل فإن الكاتب يسجل لنا بكل أمانة بأن هذا الفن” غير موجود في قطرنا إلا نادراً، ولم يكن له شأن عندنا بسبب استعمال اللغة الأجنبية”، لكن مهمة شبيبتنا الذين جاهدوا لكسر أبواب المحافظة على العادات كيفما تكون وقد توفقوا في استعماله باللغة العربية وأن طالعه يبشرنا بنتائجه المادية والأدبية.
إن تمثيل الروايات على المسارح أعظم درس ترتقي به الأمة إلى
أوج الكمال، ويكفي شاهداً على ذلك إصلاح الشعب الإنكليزي تماماً بما كتبه ( شكسبير) من الروايات، إذ به تتجلى التأملات، وتظهر الفضيلة عن الرذيلة أمام مرأى العين.

وإلى جانب المسرح ظهرت الخيالة “السينما” في الولاية عام 1910 عند إنشاء دور عرض بدائية بسيطة بواسطة بعض الأجانب، حيث تعرض بعض الأشرطة الأجنبية الصامتة المستوردة، وكان ذلك بعد اختراع وظهور الخيالة في العالم بسنوات قلائل، ولعل أول دار عرض ( سينما توغراف ) كانت بباب البحر بمدينة طرابلس بالمدينة القديمة، وقام الإيطاليون بهدمها، وإزالتها فور احتلالهم للولاية عام 1911.

التراث والموروث الشعبي في المسرح العربي

مدونة مجلة الفنون المسرحية
من المعلوم أن الموروث الشعبي بأشكاله ومفرداته له أهمية في العرض المسرحي بإعتباره  الأطار التشكيلي واللوني الذي يتجاوب مع أحداث المسرحية ويسهم بدور فعال في إبراز مضمونها  حيث يتخذ الموروث الشنعبي كوسيلة لتأكيدالقيم الفنية اولتكنوين العقلني والروحني للشخصيات  الشعبية . كما إن الموروث الشعبي في هذا اإلطار يحقق دوره الوظيفي السباق في الإيحاء مستوى الشخصية إجتماعياً وطبقياً وفكرياً من خالل سمة التصميم المنظري المجاور للشخصية
يحاءاته المنظورة، ليضفي ذلك الشكل الشعبي على مشاعر الشخصية ومسارها الخلقي والسلوكي مستوى يتطابق وأفكار المتلقي المستفزة في ذاكرة الجمعي وجماليات البيئة يمكن أن تخلق من خلال "اإلاستمتاع الجمالي من داخل الجدران -قاعات
إلى خارجها لكن يهتم أيضاً العرض وأماكن القراءة والمشاهدة ...إلخ- في الوقت نفسه بالصورة إلى
الداخل –طبيعة التصميم الخاص بقاعات العرض والمشاهدة والمنازل وأماكن الحياة، والمطاعم والمقاهي،"  فالموروث الشعبي  يطلق دائما على الشفوي من التراث الروحي للشعوب  ، وقد يطلق تحديداً على الأدب الشعبي الذي ينتقل شفوياً ، وقد يطلق على الشفوي من الثقافة عموماً .ولكن ( شعبية ) أي عمل ( فلكلوري ) تحدد من خلال تعبيره عن ذاتية الشعوب ، بغض النظر عن كونه شفوياً أو مكتوباً ، عامياً أو فصيحاً ، مجهول المؤلف أو معلومه .
وتوظيف التراث الشعبي في المسرح يمكن أن يكون مرئياً أو مسموعاً أو بنيوياً نصياً . وإذا كان التوظيف المرئي والمسموع مرتبطاً بالحرفة المسرحية ، أي بالإخراج ، فإن التوظيف البنيوي النصي مرتبط بالتأليف ،ومن  الكتّاب المسرحيين العرب  الذين  تعاملوا مع التراث الشعبي السردي الشفوي و المكتوب على حدٍ سواء تعاملاً مبدعاً الكاتب سعد الله ونوس و تجلّى ذلك في كثير من مسرحياته ، مثل " مغامرة المملوك جابر " و " سهرة مع أبي خليل القباني " و " الملك هو الملك " .
                      
لم يكن سعد الله ونوس في المرحلة الأولى من حياته المسرحية يتعامل مع التراث الشعبي تعاملاً مبدعاً ، بل كان كان يتعامل معه تعاملاً يكاد يكون حرفياً ، فيكتفي بمسرحة الخامات التراثية دون حرص كبير على توظيفها ، ونقصد بهذه المرحلة الأولى مرحلة " مأساة بائع الدبس " و " الرسول المجهول مأتم أنتجونا " و " فصد الدم " و " المقهى الزجاجي " .
ففي مسرحية " الفيل يا ملك الزمان " يعمد ونوس إلى حكاية تتردد على الألسنة في مشرق الوطن العربي ومغربه ، لقد مسرح سعد الله ونوس هذه الحكاية الشعبية ، وقسمها إلى مشاهد ، وزرع الأدوار وأطلق أسماء على الشخصيات ، أي أنه فصلها . وكل ما أضافه إليها هو وقوف الممثلين في نهايتها ليؤكدوا للمتفرجين أنها حكاية ، وأنهم ممثلون عرضوها عليهم كي يتعلموا ويعلموا عبرتها ، وهي أن الفيلة توجد حين يجبن الشعب ويستكين ، فلا يطالب بحقوقه – كما جاء في الحكاية - . إلا إن سعد الله ونوس حين يتخطى المرحلة لأولى يتحرر من هذه السطحية في مسرحة التراث فيوظفه ، ويتخذه مجرد مسمار يعلق عليه لوحاته النابضة التي نذكر منها " مغامرة المملوك جابر " و " الملك هو الملك " التي وظف فيها حكاية رئيسة من حكايات ألف ليلة وليلة ، وإضافة إلى هذه الحكاية ، نراه يستفيد كذلك من بعض الحكايات الأخرى ، ولكن استفادته منها تظل محدودة جداً إذا قيست باستفادته من حكاية الملك هو الملك .. ويجدر بنا أن نتساءل عما أضافه سعد الله ونوس إلى تلك الحكاية الرئيسة بعد مسرحتها ؟ لقد أحدث ونوس تغييراً ما في الحكاية الأصلية شمل بناءها وشخصياتها وفكرتها على حد سواء . وبطبيعة الحال فإن التغييرات كانت تستهدف خدمة الأفكار التي أراد المؤلف أن يعالجها في مسرحيته ، وهي الأفكار والتي يؤكدها من خلال ان الأنظمة السياسية في العصور القديمة والحديثة ، لا يمكن أن تتغير بإحلال فرد مكان آخر , و أن الحاكم ذاته قد يكون ضحيةً للنظام الذي يمثله والذي أفرزه . , و إن الشعب في هذه المسرحية التي تجري أحداثها في العصر العباسي ظاهرياً يحكم عليه هو الآخر بالتنكر بوصفه طرفاً مناقضاً ، وهذا التنكر لا يمكن أن يزول في نظر ونوس إلا عن طريق العودة لحياة الفطرة الأولى عندما كانت حياة الإنسان " تجري كالجدول العذب " ، على حد تعبير عبيد في المسرحية .
إن ما يهمنا هنا هو أن سعد الله ونوس الذي قدم أحداثاً تراثية شعبية مستقاة من " ألف ليلة وليلة " ، جرت في العصر العباسي ، نجح إلى حدٍ بعيد في تجاوز ذلك الإطار الزماني الذي أسقط رؤاه على العصور الحديثة موظفاً ذلك التراث توظيفاً مسرحياً مبدعاً ، أي أن سعد الله ونوس لم يمسرح التراث مسرحة حرفية عقيمة ، بل استلهم التراث وجعل خاماته تخدم رؤيته الفكرية والجمالية.
ومن الكتاب المسرحيين العرب الذين وظفوا التراث الشعبي توظيفاً ذكياً مبدعاً الكاتب ألفريد فرج في مسرحياته " حلاق بغداد " و " علي جناح التبريزي وتابعه قفة " و " الزير سالم " . ففي المسرحية الأولى يمسرح فرج حكاية " محسّن بغداد " الواردة في كتاب " ألف ليلة وليلة " فيعيد بناء شخصية ذلك الحلاّق الذي كان مجرد ثرثار فضولي في " ألف ليلة " ثم أضحى في المسرحية رجلاً يحمل قضية كبرى ، فيحاول أن يصلح العالم ويغيث الملهوف ويرفع الضيم عن المظلومين ، ولكن عزيمته تفتر عندما تصادفه بعض الشدائد ، ويتوب عن التدخل في شئون الآخرين .
وفي مسرحية " على جناح التبريزي وتابعه قفة " نرى ألفريد فرج يستفيد من خامات سردية وردت في الألف ليلة ويعيد صياغة تلك الخامات موظفاً إياها بأسلوب متميز ومحكم . وهذا ما يفعله في مسرحيته " الزير سالم " التي استقى أحداثها من سيرة الهلاليين الشعبية ، واستطاع أن يشحنها بصراع درامي عاتٍ يجعلها تقترب كثيراً من التراجيديا الإغريقية . وهذا ما يؤكد براعة ألفريد فرج في إعادة صياغة هذه العناصر التراثية الشعبية وتوظيفها جمالياً فكرياً ، فالتاً من الوقوع في إعادة كتابة التراث كتابة شكلية بدلاً من قراءته قراءة واعية مبدعة .
ومن الكتاب المسرحيين العرب الذين وظفوا التراث الشعبي الكاتب العراقي يوسف العاني ، وخاصة في مسرحيته " المفتاح " التي استطاع أن يستفيد فيها من أغنية شعبية هذه المرة وليس من خامات سردية مكتوبة .
" والمفتاح عند الحداد – والحداد يريد فلوس – والفلوس عند العروس – والعروس بالحمّام – والحمام يريد قنديل – والقنديل واكع بالبير – والبير يريد حبل – والحبل بقرون الثور – والثور يريد حشيش – والحشيش بالبستان – والبستان يريد مطر – والمطر عند الله "
هكذا تقول الأغنية الشعبية التي لها نظائر في أرجاء الوطن العربي . والمفتاح الحقيقي الذي يقصده العاني هو مفتاح فلسطين السليبة ، ولكن الدرس المستفاد من المسرحية يمكن أن يعمم فيكون حصيلة للصراع بين ثنائيات الفقر والغنى ، والتطور والتقهقر ، والعبودية والتحرر ، ويؤنسنا إلى ذلك تلميحات وتصريحات شخوص المسرحية .
وهكذا نرى يوسف العاني هو الآخر يوظف الحكاية التراثية الشعبية توظيفاً مبدعاً ، ويجعلها تتمخض عن أفكار ورؤى لم تكن حبلى بها في صيغتها الأصلية .
وإذا كان هؤلاء الكتاب المسرحيون قد وظفوا التراث الشعبي فكرياً ، فإن هناك من استطاع أن يوظفه جمالياً مثل يوسف إدريس في مسرحية الفرافير ، وعبد القادر علولة الذي استخلص منهجاً فنياً في كتابة المسرحية وعرضها يعتمد على تقاليد " القوالين " الذين يتعاملون مع خيال المستمع عن طريق الكلمة .
وبعد ، فالذي نخلص إليه أن العودة إلى التراث الشعبي في المسرح العربي تأتي في سياق البحث عن الهوية والأصالة ، وإن  العدد الكثير من كتابنا المسرحيين المعاصرين يهتمون  بالتراث الشعبي فيوظفونه مستهدفين التعبير من خلاله عن رؤاهم الفكرية والجمالية ،   وهو ما يشكل إتجاه مسرحي جديد في  المسرح العربي والمسرح العالمي .

محسن النصار

المصادر

1- خورشيد، فاروق، التراث الشعبي في المسرح العربي، ندوة التراث الشعبي والمسرح، الكويت:

 2-كتاب " دراسات في المسرح العربي المعاصر" 
دار الأهالي – الطبعة الأولى 1997

3 د.عقينل مهندي، السنؤال الجمنالي، سلسنلة عشنتار الثقافينة، إصندار جمعينة الفننانين التشنكيليين العنراقيين - بغداد 2007

كتاب الفرجة الشعبية وثقافة الطفل .. إطلالة فنية علمية

مدونة مجلة الفنون المسرحية
تعتبر الفرجة الشعبية التي أرهصت فن المسرح في العالم إحدى الوسائل التثقيفية التي جذبت ومازالت تجذب الأطفال وتأخذهم إلى عالم يتوحد مع شخصيتهم وتجاربهم وقيمهم لتعلمهم وتثقفهم.
هذا الكتاب "فنون الفرجة الشعبية… وثقافة الطفل" يعد إطلالة علمية على الفرجة الشعبية بوصفها موضوعاً مهماً من موضوعات المأثورات الشعبية المصرية، وتأتي هذه الإطلالة لتستعين بالأراجوز تبث من خلاله منه بعض المفاهيم والقيم للأطفال.
في مقدمة الكتاب، تقول الباحثة أماني الجندي: الفنون الشعبية تتمثل تعبيراً لغوياً، جرى في اللغات العالمية ثم العربية ليقابل جانب التراث الشعبي فيما تدل عليه كلمة فولكلور. وأما اصطلاح "الفولكلور" فيعتبر أقدم هذه التعبيرات، وقد تم صياغة هذه الكلمة من لفظين هما "فولك" بمعنى الشعب، و"لور" بمعني الحكمة.
ويرى بعض العلماء أن الفولكلور هو الثقافة التي انتقلت مشافهة بشكل عام وهو التراث الشعبي. أما علماء الأنثرولوجيا، فقد وسعوا دائرة الفولكلور بحيث لم يصبح منصباً على الأدب وحده، ولكنه شمل كل ما يتصل بالثقافة الشعبية من عادات وتقاليد وعرف سائد وطقوس الدين أي هو المأثورات والممارسات والمعتقدات الخرافية.
وتقول الباحثة: عندما نتحدث عن الطفولة كواحدة من المراحل العمرية التي يمر بها الإنسان، كما تعد أيضا ثقافة الطفل البنية الأولى الثقافة الإنسان والمجتمع ويحرص كل مجتمع متقدم على أن يتمتع الطفل بكل أسباب السعادة والرفاهية والتثقيف والتفكير السليم، حيث إن الطفولة هي حجر الأساس في بناء المجتمعات الحديثة، والطفل هو الثورة التحتية لأي أمة.
وتوضح الباحثة مفهوم الانتماء قائلة: الانتماء هو شعور الفرد بأنه جزء أساسي من جماعة مرتبط بها متوحد معها، وشعور بالمسئولية تجاهها، ويعرفه آخرون بأنه رغبة الفرد في الارتباط بالآخرين داخل الأسرة وفي المدرسة وجماعة الأفراد، والأبناء على علاقات طيبة معهم تسودها مشاعر الود والمحبة.
أما عن الانتماء والطفل: فيعتبر الانتماء قيمة معنوية تربط الإنسان بمكان ما أو أشخاص أو بفكرة ، وقبل كل شيء بوطن ودولة يحمل جنسيتها، فهو لا يدرس في الكتب ولكن من خلال مرور الطفل بالكثير من الخبرات والتجارب التي يكتسبها عن طريق الاحتكاك بالمجموعات التي يتعايش معها في وطنه الصغير المتمثل في أسرته ومدرسته وزملائه في الرياضة التي يمارسها، والمحافظة على نظافة المكان الذي ينتمي إليه، ثم يأتي الانتماء تلقائياً إلى كل جزء في الوطن الكبير.
ويرتبط النمو الثقافي للطفل بالمعرفة والقراءة، حيث ينتقل منها من مرحلة تعلم القراءة إلى القراءة للتعلم، والطفل يستخدم عاداته واتجاهاته التي اكتسبها في المراحل السابقة من أجل تحصيل المعلومات. ويقبل الطفل في هذه المرحلة على قصص المغامرات والرحلات والأبطال والقادة والمكتشفين والقصص البوليسية، والمعلومات.
وتعرف الباحثة "مفهوم الفرجة" قائلة: الفرجة من الانفراج، وهي عكس الكبت، وعكس التأزم، والفرجة هي (الخلوص من الشدة، وعند المولدين اسم لما يتفرج عليه من الغرائب) وهي المشاهدة.
أما عن الشكل العام الذي نسميه بالفن الشعبي، فينظر إلى الفن الشعبي في جميع صوره وأشكاله على أنه إنتاج فني فيه أصالة ابتكارية، وهو مليء بالرمز ومرتبط بالتاريخ وبالأسطورة، وهو سريع مباشر عن قرب الحياة والمجتمع منطلق غاية الانطلاق يعد أبلغ تعبير، وهو مع ذلك الفن الذي يعكس نفسه الخبرة التي عاشها الفنان الشعبي نفسه تجاه أحاسيسه وأحاسيس الشعب الذي يعيش فيه.
ويعتبر "الأراجواز" من الفنون الترفيهية الشعية المصرية، حيث ينتشر هذا الفن في المناطق الريفية والشعبية خاصة في المواسم والأعياد والموالد. أما "صندوق الدنيا" فهو أحد مظاهر الفرجة الشعبية التي تتوسل بالصور والرقي في عروضها، كما أنه أحد مظاهر الفرجة الشعبية التي يمكن أن تتضمن بعض العناصر الدرامية. و"صندوق الدنيا" لا يعرف أحد تاريخه ونشأته وموطنه، ولكن الثابت تاريخياً أن صندوق الدنيا ظهر قبل خيال الظل وكان منتشراً مصرياً وعربياً، ثم انقرض لأسباب متعددة.
وتذكر الباحثة: المقلداتي هو المؤلف والمخرج المؤدي، إنه ممثل تلقائي مدرب من خلال الممارسة الطويلة بالاعتماد على موهبته التي اختبرها من خلال تفاعله الطويل مع الجمهور. والمقلداتي يقدم فناً يعتمد على (مود) واحد وعلى موقف بسيط في تكوينه أو على حدث بسيط وقصير، وهو يقدم شكلاً من أشكال الفرجة الشعبية المسرحية.
فإن المقلداتي هو أحد مفردات الدراما الشعبية التي تعتمد على الممثل، وعلى الحضور الحي المباشر أمام الجمهور، وهو إلى جانب هذا يشكل جزءا أمن الظاهرة المسرحية الفولكلورية.
وتعرف الباحثة "السامر" قائلة: هو مظهر من مظاهر الفرجة الشعبية البشرية، فالسامر ليس فناً أو تقنية، بقدر ما هو مكان عرض شعبي تقدم فيه مجموعة من الفصول المتنوعة الشعبية المنبع، فهو أشبه بمسرح المنوعات المعروف الآن.
وقد اختلف الباحثون حول نشأة السامر المصري، فالبعض يعتقد أنه نشأ في ظل الاحتلال العثماني، والبعض الآخر يعتقد أنه نشأ في ظل الاحتلال الفرنسي، عندما دعت الحملة الفرنسية إحدى فرقها المسرحية لتقديم عروضها على جنود الحملة في القاهرة.
وتضيف الباحثة: السمر والسامرة في اللغة العربية هو "حديث الليل"، والسمار هم الذين يسمرون ويسهرون للاستماع إلى هذه الحكايات.
وتشير الباحثة إلى المحبظين (المحبطين)، قائلة: كلمة محبظين جمع مذكر سالم للمفرد محبظ، ولم يجد هذا المعنى إلا في قاموس اللهجة العامية المصرية المنشورة في القاهرة عام 1895، وفيه حبظ معناه يمثل مسرحية هابطة أو يعمل شيئاً برقة وغرابة، والمحبظ بالباء المفتوحة المشددة هو إذن "ممثل المسرحية الهابطة".
وكانت فرق المحبظين فرقاً جوالة مسرحية تعتمد على مختلف عناصر العرض المسرحي من خلال نص وشخصيات وحوار ولغة مسرحية. ومسرح المحبظين لم يكن رسمياً أو نظامياً بل كان شعبياً وخالياً من التأثر الأجنبي وكانت نصوصهم نابعة من البيئة المحلية. كما أن مسرح المحبظين هو دراما شعبية صدر عن الشعب الضرورات اجتماعية ونفسية وسياسية وجمالية،
والمحبظون هم الشكل الحصري لسامر القرية، وأي شكل من هذه الدراما المسرحية (السامر – المقلداتي – المحبظون) تعتمد على الممثل، وعلى حضوره الحي وتلجأ إلى الفضاء المسرحي للتعبير، كما يستخدم كل أدوات المسرح من ديكور وإكسسوار وأداء وحركة … إلخ وفرقة المحبظين هي سامر المدينة، وهي ممثل سامر القرية تبدأ بالغناء والرقص ثم تقدم تمثليتين يليهما فاصل ضاحك. ومن أروع المسرحيات تلك التي وضعها لين، وهي عن الفلاح عوض تجسد الاستغلال الاجتماعي ومدى الاستغلال لزوجة الفلاح عوض.
وفي خاتمة الكتاب، تقدم الباحثة: دراسة استهدفت دور واستخدام الفرجة الشعبية بقصور الثقافة في تنمية الوعي الثقافي لطفل الريف ممثلة في فن "الأراجوز" على مسرح العرائس من خلال استبيان أعدته لهذا الغرض، حيث يعد من أنسب أدوات جمع البيانات والمعلومات وصولا لنتائج الدراسة الميدانية.
يذكر أن كتاب "فنون الفرجة الشعبية .. وثقافة الطفل" للكاتبة أماني الجندي صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة. ويقع في نحو مائتي صفحة من الحجم المتوسط. (خدمة وكالة الصحافة العربية)

أيمن رفعت 

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption