أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

قراءة معاصرة (مجلة المسرح الحسيني) بين السمو بروحانية النص الحداثوي... وتقليدية الطرح

مدونة مجلة الفنون المسرحية

img1


سياق قراءة أي مجلة يبدأ المتلقي المتذوق في التصفح السريع أو قراءة عناوين من خلال الفهرست ..للبحث عن غايته التذوقية كي يمتع بصيرته وينور عقليته بالجديد الذي تطرحه المجلة من أسماء متخصصة في تصنيفها الأدبي والثقافي،ولكن حين أمسكت بيدي العدد الخامس من مجلة (المسرح الحسيني ) التي تصدر عن شعبة النشر / وحدة المسرح الحسيني في العتبة الحسينية المقدسة، وهي مجلة تعنى بالشأن المسرحي بشكل عام، والمسرح الحسيني بشكل خاص، والذي تزامن صدورها مع الأيام الأولى لمحرم الحرام لتثبيت هويتها في الثقافة العامة بفكر سيد الشهداء(عليه السلام) وتقريبها بشكل معاصر لذهنية المثقف الجاهل الذي يقف عند الباب علم الأئمة الأطهار..ويبحر في إشكالية الحق والباطل،لذلك ظهر الكثير من التنويريين للمنهجية أهل البيت عليهم السلام لتثبيت عقيدتهم وترسيخها وتجديدها،فعلى مر الأزمان يظهر رجال المدمنون على السير في قافلة العشق الحسيني يتفكرون،ويتساءلون، ماذا أراد الحسين (عليه السلام) في تضحيته الكبرى في واقعة ألطف؟ (المجلة) استذكرت بحرارة تلك المصيبة التي أبكت أملاك السماوات والأرض...بأقلام الحسينية ساهمت وشاركت، ومنحت المجلة متانة وعمق  في المعلومة الحسينية بكافة أوجهها العلمية والبحثية والتحقيقية بصورة المسرح ، وهي تقدم للثقافة العربية والعراقية ما أنتجته الأزمان عبر خلود شخصية الحسين (عليه السلام) لتكون وباستمرار، تلك الفاجعة الأليمة بمثابة ثورة ضد كل طغيان العالم على مدار الأزمان،فلم تكن على ورق بارد مخزون على رفوف التاريخ، وإنما هي ثورة يحرق حروفها الورق ليجدد قيمها السماوية كل ما مرّت ذكراها.


شيخ كتاب المسرح الكربلائي


فكانت الافتتاحية التي كتبها رئيس تحريرها الأستاذ الباحث الحسيني رضا الخفاجي حملت عنوان (محمد علي الخفاجي في ذمة الخلود) هي بمثابة رد جميل لابن كربلاء الذي كتب (ثانية يجئ الحسين) وهي النكهة الحسينية في طقوسها، لكونها من القصائد الشعرية الحسينية الممسرحة بإسقاطاتها المسرحية بواقع حال العصر الذي تطوف به ألف معركة ضد الحسين (عليه السلام ) أمام ألاف من اليزيديين وأتباعهم...بنفس الوقت  يستعرض (رضا الخفاجي ) أهم محطات الخفاجي الراحل الثقافية التي أشار بها إلى كربلائيته، وجذوره الثقافية فيها،ليقول.. بمقطع شعري من قصيدة قد قرأها في حفل تأبينه حيث ودعه صديقا وشقيقا ويأمل اللقاء به ثانيا حيث سيبقى حاضرا بين أدباء كربلاء بشكل خاص وأدباء العراق بشكل عام .


الموت حق والحياء عطاء        والمانحون جميعهم أحياء


لم تكن الافتتاحية كل عطائه بل له صولة ثقافية متفتحة يحاول من خلالها تجديد في الفكر المسرحي الحسيني وتقديمه كنص ينتمي إلى الروحانية واضعا أسسا لذلك ويناشد كتاب النصوص المسرحية أن يحذو حذوه في خلق نص مسرحي من غياهب الروح المنتمية في جوهرها إلى ثورة بحجم ثورة الحسين بن علي (عليهما السلام ) هذا ما تم توضيحه في نص فلسفي في تصنيفه القرائي على مستوى البحث التاريخي بالصفحة (42) والذي سمي تحت عنوان  (روحانية النص المسرحي الحسيني ) وهو نص ولنقل مقالة جديرة بالقراءة كما يطيب للآخرين تسميتها . شخصيا لم اقرأ للخفاجي شيئا إلا يسير ولكن حين اقتربت منه قرائيا عشقت كل حرف يكتبه إن كان شعرا أو مسرحا  أو مقالة وكلما اقرأ اقترب منه أكثر ،رغم أن شكله لا يوحي لك انه كاتب لما يمتلك من حصافة متزنة وبساطة في التعامل وروح متسامحة وكياسة في تعامله مع الآخرين مذهلة في تواضعها وهو عملاق في أدواته الأدبية وتخصصه في ذات الحسين (عليه السلام) .. وقد أشار إلى هذا التواضع في كتابه (كربائيلو بيت الرب) حيث قال :الشعر أسمى من أن يستغل لتمجيد الطغاة !انه الروح في أسمى تألقها ،لذلك التصق الشعر بالحب والحب الإيمان والإيمان بالتجلي والتجلي بالقداسة ...لكم أن تحكموا على شخصية (رضا الخفاجي) وهو يكتب للثقافة العربية لكون (كربائيلو بيت الرب)من إصدارات بغداد عاصمة الثقافة العربية لإيصال فكره الحسيني بثقافة معاصرة تنتمي إلى لغة الأدب موجه إلى  أدباء يجهلون من هو الإمام الحسين ( عليه السلام ) وما تحتويه ثورته من أفكار وتوجهات عقائدية،وما سر بقائها ؟، وما سر تناسلها باستمرار ؟ وما سر اتساعها فكرها عالميا؟ بعد أن كانت راية الحسين (عليه السلام) ترفع في كربلاء المقدسة فقط،ألآن ترفع في كل بقاع العالم بجدارة ولها هيبتها وروادها وعشاقها وشعراءها وكتابها وأدباؤها وباحثيها ومن يتلقون فهم الحسين عليه السلام بثقافة شمولية متصلة بتاريخ . 


بذلك حاول (الخفاجي) من خلال روحانية النص المسرحي الحسيني وضع  خطوات ضمنية وهي إرشادية،حاول أن   يرشد بها كتاب النصوص المسرحية الحسينية وعلى كتابها أن يستوفوا شروطها كي يصلوا أو يقتربوا إلى الهدف العام للنص المسرحي الحسيني  ومن هذه الشروط التي تطرق لها هي : الإيمان المطلق بما يكتب وعلى الكاتب أن يتقمص بحسية عالية أو يعيش الأجواء والطقوس الواجب توفرها في لحظة الكتابة، وهي تعد من روحانية النص لكي تكون مؤهلة في انتمائها،لتناول الفكر الحسيني في الأسباب والنتائج ومعالجة القضايا التي لها تماس مباشر بالفكر واستخلاص الدروس والعبر بالتأثيرات الفاعلة والايجابية بلغة عصرية،وهو ما يسعى إليه الخفاجي  مع احترام الوثيقة التاريخية لربط الماضي بالحاضر بأسلوب انتقائي يخدم الرؤية الإبداعية ،هذا الباب الأول للدخول روح النص .أما الباب الثاني هو باب الإيمان المطلق  بشخصية الحسين (عليه السلام) لكونه شخصية استثنائية مقدسة جمعت كل شرائط العصمة  .الباب الثالث باب الإيمان بما نكتب ..أن نكون صادقين ونحن ننهل من فكر المدرسة الحسينية لان الإيمان والصدق هما الوسيلتان في سهولة الطريق إلى قلوب الآخرين ..بذلك يكون المسرح الحسيني جاهزا للانطلاقة وإبعاد كل ما هو لا ينتمي لمنطقته خاصة الطارئين على المسرح الحسيني .ولم يكتف بذلك بل خاطب من خلال طرحه الفضائيات التي تتبنى فكر آل البيت الأطهار،بل يدعوهم إلى جعل المسرح الحسيني من أوائل اهتماماتهم لكون المسرح مؤهل وقادر على تقديم الفكر الحسيني إلى العالم بأسلوب يحقق التواصل مع الشعوب وعلينا ان نجتهد في كيفية تسويقها لكي تكون مطلوبة ومؤثره دائما وبنفس الوقت تنير عقول الجاهلين ويعري النهج التكفيري المعادي للعقائد الأئمة عليهم السلام. هذا ما يدركه (رضا الخفاجي) لكونه معاصر ومجايل لكثير من الإحداث وعنده الثقة بأن الكثير من أبناء شعبنا أنفسهم لا يعرفون جوهر شخصية الحسين (عليه السلام) لذلك ينادي بخطاب أهمية وضرورة المسرح الحسيني ويعتبر وجود الفضائيات والانترنت والسينما والتلفزيون فرصة لنشر الفكر ألرسائلي والتوجيهي في فكر الحسين (عليه السلام ) ... مع كل هذه الجهود الحسينية يثبت رضا الخفاجي حسينيته المتشبعة بالحب الممزوج بالعشق الحسيني، وهو يتبرع للدولة وللمهتمين فيلم سينمائي روائي مكتوب عن سيد الشهداء وعلى القائمين الإخراج والإنتاج .


مسرحية سفير النور 


ومن إبداعاته أيضا  نص لمسرحية شعرية بعنوان ( سفير النور مسلم بن عقيل ) ص99 تجلى فيها وقدم قيم إنسانية سامية،ليضرب بها الشر المكنون في داخل الإنسان الطامع بما حوله والمتمني بالحياة المرفهة الممتلئة بالشهوة والسلطان والمال ليكتمل طغيانه ..طبعا المسرحية ذات زوايا لا تخلو من الدهشة في مضمون الحدث التاريخي المعروف والمسجل والمؤرخ في العديد من كتب التراث والدراسات العصرية ..حاول (رضا الخفاجي) إعطاء لمسة روحانية لنصه وهذا دأبه وغايته لكونه يدعي ككاتب وشاعر بأنه مبتكر (روحانية النص) أي النص الذي لا روح فيه يعد نصا تقليديا تنطوي أثاره بعرض واحد أو قراءة واحدة بينما النص الروحاني يمتلك زمام الروح فيجعل القارئ يلهث مع النص وهو يغور في أعماقه متحسسا كل أحداثه وكأنها أمامه بشكل واقعي يتألم مع النص ويفرح مع النص...وهذا ما عمل عليه (الخفاجي) في (سفير النور) كان الحدث أدراميا متصاعدا بلغة الشعر...فكلما تتقدم في قراءة النص تزداد انفعالا ويزداد الانفعال والتفاعل مع الأحداث حتى وصول مشهد القتل كانت الكلمات الشعرية تنطق ثلاث أصوات بكائية في شجونه أو هي تقرأ لحظة القتل المؤلم والبشع بصور شعرية حزينة ..وهي توعد الظالمين بسوء العاقبة مرددا :لم تكن في حساب الزمان سوى لحظة قائمة ...ويدخل الظلام فيبدأ المشهد الأخير بالظلام  وكلام (طوعة):آه بن عقيل ...أدميت فم العصر بآيات البرهان ...فتقيا سم الأحداث ..كي يشعل فيها الإشجان ... هكذا تنتهي المسرحية بالظلام كما بدأها بالظلام وهذه مفارقة أو قصديه كتابية أشار الكاتب إليها قاصدا إن الحياة التي يملؤها الأئمة بالنور تنطفئ بمجرد قتلهم ..وبلا شك من بناء مسرحي متكامل عمل عليه بمهارة شيخ كتاب المسرح الكربلائي رضا الخفاجي.


إشارات مسرحية مهمة


وفي صفحة (5) مسرحية شهيد السلام للفنان والكاتب المسرحي عماد الصافي،وهي إشارات هامة لظهار نص يرتكز في حيثياته على الحسين (عليه السلام) كذلك هي أشبه بضوابط كرسها (الصافي) حول كتابة النصوص الحسينية وكيفية  إظهار جوهرها من خلال العمل وهذا الجوهر هو الحسين (عليه السلام) كقضية،أي أن يكون الكل، والعكس صحيح..فيما أشار إلى عملية الإبداع التمثيلي للمسرح ويدعو إلى  محاولة إشراك المتلقي (المشاهد) ضمنيا مع أحداث المسرحية ويعتقد بأنه أمر مهم جدا لكون المتلقي احد أطراف القضية الحسينية ... هذه هي مجمل ثيمة مقدمة مسرحيته (شهيد السلام) في قسميها  وهما عبارة عن مجموعة من الأطفال ينقسمون إلى قسمين.. ماذا أراد أن يقول الصافي في مسرحية شهيد السلام ؟ ولماذا استخدم مجاميع الأطفال ليكونوا رواد لذلك نخوض في مخاض العمل الكتابي  .


المسرحية هي عبارة عن قصائد شعرية متنوعة كتبت بلغة بليغة جدا وفيها التهويل والرعب من قبل صوت الكفر وقد سبق الصوت  مجموعة من الأطفال الموزعة على اليمين واليسار ..القسم الأول بمثابة رواة المسرحية يقصون حكايتها ..أما القسم الثاني يعلنون القسم بالله أن يقولوا الحق..ومن ثم يدخل في حيثيات المسرحية التي نقلت جانب من جوانب معركة ألطف وزع الصافي أبطال مسرحيته بشكل يوحي إن ألطف قائم ولكن على شكل مجاميع معتمدا عل الصوت بالدرجة الأولى ..وما اختياره لمجاميع الأطفال إلا لخلق البراءة والصدق وإيحاء جميل مسرحيا بأن الأطفال لا يكذبون  فلو تمكن مخرج ضليع في المسرح الحسيني أو مخرجا متمرسا في تصوير مشاهدها كفيلم أو تعد كمسلسل إذاعي والأخيرة أصلح لها في التوظيف الإخراجي ،لأخذت طريقها في الإبداع المرئي أو المسموع.إلى هنا الاكتمال في التوزيع ونستمر،ونتتبع خطوات عماد الصافي في سرد الحدث نجد المسرحية ذات طابع تاريخي معصرن بأحداثه..ولكن هناك ثغرات قد تضعف قيمة العمل كنص على الصافي أن يراعيها  حين ارجز شعرا على لسان أبا الأحرار واقصد بالضعف ليس ببلاغة الشعر بل بعملية التضعيف الشخصي لشخص مثل الحسين (عليه السلام)، نحن أمام قضية فكرية  يجب أن تطرح بتقريب واقعيتها وتحديث ما أنتجته من متغيرات في الوقت الراهن ..فأن كان لابد من استمرارية طرح أنموذجين احدهما للخير، وهي المجاميع التي تروي الحدث ،والأخر الشر وهو صوت الظلم ... على الصافي يلغي ظهور الحسين عليه السلام في بداية العرض ويكتفي بالمنشدين وبعض الأصوات لضرورة اكتمال صور واقعة ألطف كي يتحسسها المتلقي وينتظر بشغف الحدث القادم وهذا عنصر التشويق في المسرح... ويتم ظهور أبا الشهداء بعد صوت المجاميع الذين اعتبرهم أهل بيت النبوة الناطقين بنصرة الحسين (عليه السلام) ..وهذه جدلية العشق التي ينتمون إليها في قافلة العشق الحسيني ولم تكن جديدة في طرحها ولم تعاصر أحداثها أوجاع الحاضر ولم تنقل شيئا جديدا ..ولكنها  كتبت بقلم فنان في أدواته المسرحية، فهي قابلة للتوظيف بمجالات عديدة .ولو توغلنا أكثر في قراءة أحداثها نقف عند ظهور النساء(ص14) وهن يحكين للجمهور بطولة أبا الفضل العباس (عليه السلام ) وهذا نص الكلام:


 ( قاتل قمر بني هاشم حتى ضعف عن القتال )...  من قراءاتنا عبر التاريخ والمصادر والأحاديث وحتى الأحاديث المنبرية  لم يمر عليّ  إن العباس بن علي كان ضعيفا.. الكل تجمع على بسالته حتى ساعة استشهاده وهذه أيضا تحسب على كاتبنا وندعوه إلى رفعها أو معالجتها إن كان له قصديه أو غاية  أو هي مطروحة كما هي في كتب التاريخ وسير الأئمة أو تعني بلاغة أخرى.تبان قوة مشاهد المسرحية بمصرع الحسين وهي تشرف على نهايتها يستدرك الكاتب إضافة عرض سينمائي أول عن قتال الحسين (عليه السلام ) ويختم بعرض أخر عن الإحداث الذي يعيشها العراق من قتل وتفجير وسبي وخطف وغيرها من عمليات الإجرام الأخرى.


الحر ...ضمير الحرية الخالد 


 أما في الصفحة (18) أيضا مسرحية بعنوان (الحر ضمير الحرية الخالد)  للكاتب والقاص طالب عباس الظاهر .. النص يسحبك أن تقراه دون ملل وهو يبتعد عن الأسلوب النصوص المسرحية رغم توظيفه كمسرح إذاعي مسموع واعتقد هذا ما يفكر به (الظاهر) لكون شخصياته تتوزع بين صوت الحر والراوي وبينهما منولوج داخلي للحر...يبدأ الكاتب في مطلع نصه ...بتحدث الراوي عن تاريخ  مرقد الحر ألرياحي .. وكأنه يصرخ  بمعلوماته عبر الزمن ،وهي معلومات فياضة في طرحها لقلة الأشخاص الذين يعرفون خصوصية الحر وضريحه الشريف والكرامات التي جعلت أشخاصا يسعون إلى تشيد مرقده،وهذا من فضل الله حيث يسبب أسبابه لمن يريد أن يكونوا رموز طريقه الواحد.


لوتمعنا في عمق النص، نجد استخدام مصطلح الراوي في مخاض تجربة كتابة النص هو من باب التوظيف التاريخي المسند إلى أقوال وأحاديث وروايات وفعلا استخدمه الكاتب في مطلع نصه وكأنه خارج النص تماما ولكن يوحي لك ضمنيا مع النص لما لخصوصية العنوان والشخص المتمثل بالشهيد الحر ألرياحي احد شهداء واقعة ألطف الخالدة وهذه تعتمد على سعة خبرة الكاتب في تناول القضية التاريخية وقلبها عبر الأزمان لاستحداث أحداثها وفق الزمن الحالي وهذا ما كان يغرد به صوت الحر بلغة بليغة معاصرة لتظهر كينونة الحدث المتداول عبر أزمان متعددة وقراءته قراءة معاصرة التي ستقاد إلى أن تعطي لمن يقرأ تأملات قابلة للانتقال ،وتأملات مصدرة للوحي أي وحي على مستوى موهبتنا كقراء.


كل المتطلعين على التاريخ  يؤكدون إن الوثائق التاريخية هي بمثابة ثوابت لحدث مكتوب بشواهد،ويأتي الباحث أو الأديب أو القارئ لتحريكها ظاهراتيا ،فالظاهراتية (الظاهراتي) يستطيع أو يملك الملكة بأن يوقظ بوعي الحدث التاريخي وبذلك يوقظ وعي المتلقي عند ألف حدث من الأحداث النائمة في بطون الكتب ليبهره.وهذا ما يفكر به الكاتب (طالب الظاهر) هو تجديد في صنع ظاهراتية التاريخ ليجعل  عملية الوعي حاضرة.لذلك استخدم (الظاهر) الراوي في استنهاض التاريخ ليدخل في صراع بين الراوي وصوت الحر بمساجلات وظفها توظيفا بناء لتكوين مقارنات شخصية بين شخصية  المتمثل بالحر وشخص  الراوي الذي لا يشبه الراوي السارد لتاريخ مرقد وشخصية الحر.بل يختلف في طرحه تماما فهو يتساجل مع الحر بذات أهل البيت عليهم السلام  (ويلك يا بن ألرياحي فمن تكون لتقرر بدلا عن ابن علي ،وهو حجة الله على عبادة....) بهذا التوظيف البليغ في اللغة يريد أن يصل أو يقول :إن بإمكان الإنسان أن يتحول إلى أي شيء أو يصير كل شيء ..من هنا ينطلق تاريخ شخص تناوله الفكر ليكون صيرورة إنسانية بعث بها الكاتب الحياة بنثيالات لغته وطرحه المتجدد في رؤى السيرة الذاتية التي تنقل لنا الماضي بصورة الحاضر وهذا ما حصل في تقريب شخصية الحر ألرياحي  حاضرة ولكنها من صور الماضي المخلد.


ولكن هناك خطوط وضعها الكاتب بتأملات أخرى لا تنتمي لمنطقة التاريخ مستخدما هذه التأملات كظاهرة روحانية طبيعية جدا ،مفيدة جدا للاتزان الروحي والنفسي ...كما في المقطع (حرا خلق الإنسان ...ليواجه عبودية أهوائه ومطامعه وشهواته ،وحب الدنيا ..بلذة) ...فيجيبه صوت الحر(حرا جاء الإنسان ..كي يمضي حرا ....).


إذن (الظاهر) واع لجمال العالم وجمال التاريخ الذي يعيد إليه لحظة الحاضر بصورة الماضي ليحركها بوعي تاركا الروح تتداخل فيها لتثير شجن التعبير ونشعر ونتحسس في ذاتنا شيئا ما يسترخي ،وشيئا أخر يستيقظ.


الحر..ضمير الحرية الخالد..نص أعده بامتياز مسرحية إذاعية لما فيها من سجع نثري،يترأ للمتلقي وكأنه يقرأ شعرا ممسرحا ..تألق فيه الكاتب طالب عباس الظاهر إبداعيا لكونه خرج وترك التقليدي والمألوف في هذا النص وهو يرتقي به بلغة شعرية فياضة متفردة ..نصا متجدد لا يشبه نصا أخر ..فالكاتب المتجدد والحقيقي هو مزدوج اللغات ،وهو لا يخلط بين لغة التعبير واللغة الشاعرية ،وأي ترجمة لأحد هاتين اللغتين باللغة الأخرى هو عمل فقير ليس إلا . 


تراتيل طالب الظاهر ... مرفوعة الى مقام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف


يعيد طالب عباس الظاهر رسم خطواته الإبداعية بنص مغاير جدا عما سبقه في ثيمة النص ولكن لم يخرج عن تساؤلاته الحياتية وحيرته في فضاء الكون كأنه يحمل ثقل الأرض على كتفيه،فيعيش هاجس الإنسانية التي تدمرها القرارات السياسية فتعكس سوء اعملها على الإنسان بصورة مباشرة فيكون ضحية الأطماع والجهل والتخلف السلطوي..اعتقد كتب نص(ترتيل) بانفعال داخلي وصرخة مدوية باتجاه السماء وهو يعقد الآمال إلى شخصية الحجة المنقذ الوحيد لهذه الإنسانية المنكوبة والمغلوبة على أمرها فيقول(يا عدل العدل ،وجمال الحق المحجوب ،يا مزهق روح الباطل...إنا نشكوك ما ألم بنا في عين الله)...لينتقل إلى وصف حالة الدمار والحرمان بسرد وصفي يثير دهشت المتلقي،لما جمعه الظاهر من صور متعددة من الانهيار الإنساني جسدا وروحا ..ويكرر قوله إنا نشكوه(إنا نشكوك) ما ألم بنا في عين الله،يبث الظاهر ألم شكواه في الحاضر الغائب فهو يذكر أحداثا قد سجلها التاريخ بحبر من عرق الخجل على أوراق العار والفشل وهي فاجعة كربلاء حين ذبح الحسين عليه السلام وعائلته لتبقى مصيبة عالقة في أذهان جميع البشر على مر الزمان فيقول (عاد التاريخ قبح سواته فقامت ثانية كربلاء الجرح)...وعلى رغم كل هذا الأسى يحلم بصبح قادم وموعد قريب فيمحق بعدله سراب الطغيان ..وهذه هي بعض أحلامه وشكواه يرسلها الى من يناجيه في هذه السطور الإبداعية الراقية،يعتبرها هي جزء من دوره كانسان وهذه هي رسالته التي من اجلها هو يكتب واعتقد إن الدين والعلم والفلسفة والفن والأدب قد أبلوا جميعا بلاء صادقا في توعية الإنسان... الترتيل طبعا ليس مسرحا وإنما نص إبداعي مكثف في إنسانيته يرتقي أن يكتب كأنشودة ممسرحة ..او يلقى كشعر لذا يكون نصا ثريا في كل مجالاته الفنية.


على حافة النص للدكتور علي مجيد البديري


نص مسرحي اختزل زاوية من زوايا أصحاب الركب العشقي في نينوى وهذه الزاوية كتب عنها الكثير وتناولتها الأقلام الحسينية في وفاء أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وهم يضعون أرواحهم فداء للحسين عليه السلام ...ركز د.علي مجيد البديري لشخصية زهير بن القين وزوجته دلهم بنت عمر وأخوها سعيد بن عمر ..في ثلاث مشاهد متصلة للمتلقي وهو ينظر بعين الكاتب لشخصيات تاريخية مخلدة ذاكرا التفاصيل الصغيرة التي قد لا تثير شيئا في عرضها ولكنها من مكملات العرض كخروج الطعام من صندوق تحيطه بضعة صرر وحولها يتم الحوارات..رغم سابقة فتح ستارة المسرح الذي يصحبها صوت الإمام الحسين عليه السلام :أما بعد فان من لحق بي استشهد...إلى أخر الحديث.وهكذا يكون الولوج إلى داخل فضاء العمل المسرحي كتابيا ...لو تمعنا في مطلع الاستهلال نجده محيرا وركيكا نوعا ما ..أي بداية  النص المسرحي  تقليدية لا يثير أية  دهشة ...ولكن دراية الكاتب واضحة في لعبة كتابة النص المسرحي حيث تمكن من نقلك مباشرة إلى حالة تمنح النص  إمكانية الطرح السليم على بث خطاب ألعقائدي ألولائي وخلق علاقة بين النص ككيان إبداعي مستقل ،فطرح الكاتب شخصية الصحابي زهير أدراميا بين ترك القتال والاستجابة وأخيرا يخوض زهير بن اليقين الحرب ويستشهد ..بهذه الحوارات أراد النص أن يصل من هم خيرة الحسين عليه السلام وخاصته  لا أكثر بحبكة وصياغة مسرحية ..فيما ينتقل إلى المشهد الثالث نجد تغيرا كاملا في الأدوات والطرح  وكأنها  مسرحية جديدة وهي بذات الاستهلال الذي بدأ الكاتب يسرد مسرحيته في مشهدها الأول...ولكن بطل المشهد هو عبيد الله بن الحر الجعفي وقد أغنى الكاتب هذا المشهد بالمعلومة التاريخية وقد وظفها توظيفا مسرحيا معاصرا..يصل النص الى ذروته ببروز صوت زهير بن يقين (يرجز) ويحارب ومن ثم يظهر عبيد الله الجعفي أيضا يرجز بصوت حزين وهنا يضيف سنغرافيا بشرية تحمل أعلاما مكتوبا عليها لبيك يا حسين  وهي علامات دلا لية انهم ممن يسيرون باتجاه الحسين عليه السلام وينتهي النص بالإنشاد وبنفس الصور البشرية ويسدل الستار.


فيما كتب يعقوب يوسف جبر الرفاعي ص (37) قراءة توظيفية لبكائية في النصوص الحسينية وقد أطلق عليها (البكائية في النص الحسيني)وأثرها عام على الإنسان موضحا بأنها تراجيديا التطهير النفسي معولا على ما جاء به بهذا الخصوص أرسطو.معطيا خصوصية التأثر الذهني الذي يحمله النص الحسيني في التلقي رابطها بسر خلود بعض المسرحيات العالمية لكونها تتقبل القراءة بصور متعددة ..وقد عزف على الحداثة بالنص وبنفس الوقت يشابها بصور القران الكريم لكونه يحمل هذه الخاصية.وقد استوفى عرض أداء الممثل برؤية حداثوية تكلم عنها بأسلوب عصري يمكن أن ندل به على معنيين في الشكل العام لعملية الأدائية للممثل وقد لا مسناها في القراءة والمعنى الأخر التصنع الواعي الذي يمارسه الكثير من الكتاب ويعبر عن وجهة نظر السائدة باتجاه العالم المعاصر.


رؤية بشكل عام حول مجلة المسرح الحسيني


إن المميزات التي وجدناه في كل ما جاء من كتابات ونصوص مسرحية وقراءات هي ميزات فردية تنسجم مع سياق المجلة في اختيار وحدة مواضيعها  يدل على التخصص والبحث عن الارتقاء بالمسرح الحسيني ليواكب العالمية وهذا ما قراناه في أعمال المجلة بشكل عام باستثناء بحث دلالات اللون بين القران الكريم والفكر المعاصر . ومادام كل عمل يعد عالما مغلقا خاصا يمتاز بأسلوب وإيقاع معين فأننا لا نستطيع اقتراح صفة واحدة شاملة تصف أسلوب عصرنة ثورة الحسين عليه السلام بشكل حديث لذلك كانت قراءتنا منفصلة وفق رؤية كل مشارك بنص أو طرح مسرحي معين اي بمعنى تكون الحداثة بينهم حركة لها أسبابها وأصولها وتوجهاتها.


تفحصنا الاتجاهات المألوفة المشتركة بين المساهمين هناك بريق للحداثة في روحانية النص نتلمس حضورا للحداثة وجذورها على امتداد مسار صفحات المجلة .والحداثة باتجاه المسرح تعني التعامل مع أجواء المدينة والمجتمع تعاملا خياليا متعدد الجوانب لذلك الكاتب الذي يصور المدينة الخيالية لحادث مخلد ويحوله الى ثورة على شكل حديث ونفورها من التقاليد الراسخة واستخدامها الصور التهكمية الذكية واعتمادها المشاعر المترابطة وتصويرها الآلام التي تفرزها مصيبة الحسين عليه السلام في كل زمان ومكان.


نقول ان جوانب من هذه النتاجات تتماشى مع بعض جوانب الحداثة في تطوير المسرح الحسيني خاصة تلك الجوانب التي تؤكد دراسة العوالم المخفية في حياة رجل مقدس كالحسين عليه السلام وتحويلها الى روح تنبض الحياة .وأخيرا من الواضح إن هناك في كل هذه الآراء والقراءات اتفاقا ضمنيا على كون الحداثة كانت ظاهرة في أغلبية النصوص وهي ظاهرة عصرنة تاريخية متطورة واكبت فترات من التأزم والتألق لتخلق عنصر الدهشة في أسلوبها الحداثوي الذي يسير بمسار المسرح الحسيني ..التوفيق والتألق لهذا الجهد الكبير في بناء مجلة ذات قيمة ثقافية أدبية متعالية مسرحيا .


حيدر عاشور العبيدي

مركز المسرح في عكا يصدر كراسة جديدة تضم جميع الأعمال المسرحية التي يقدمها باللغة العربية

مدونة مجلة الفنون المسرحية
في مركز مسرح عكا: أعمال مسرحية مميزة لكل الأجيال *المدير موني يوسف يعطي فرصة الابداع للجميع*
 أصدر مركز المسرح في عكا في هذه الأيام، كراسة جديدة تضم جميع الأعمال المسرحية التي يقدمها باللغة العربية، ومن خلال قراءة الكراسة، يتضح للمتلقي، كم هي غنية هذه الأعمال ومميزة، بحيث تقدم لجميع الأجيال، وكل ذلك نابع من الإدارة الجيدة التي ينتهجها مدير المسرح المخرج والفنان موني يوسف، ويده اليمنى الفنان خالد أبو علي، بمساعدة الطاقم الفني الذي يعمل في المركز، وقد أثبت المسرح نجاحه، بعد أن نجح في تمرير جميع أعماله أمام لجنة "السلة الثقافية" وأصبح يقدم عروضه بدعم منها، مما يقلل التكلفة على المدارس والطلاب عند شراء العروض الخاصة بالمركز.

ويتضح أيضا، أن المدير العام موني يوسف، أتاح الفرصة أمام جميع الفنانين لتقديم اقتراحات جديدة لتطوير المسرح، وقد كان يختار الأفضل للجمهور، بحيث أصبح صيت المسرح في جميع البلدان، من الأفضل بين المسارح.

وفي نفس الوقت، اهتم موني يوسف، بكل صغيرة وكبيرة لإنجاح مهرجان "مسرحيد"، والذي يرأسه سعادة القاضي فارس فلاح، ويتولى رئاسة اللجنة الفنية فيه الكاتب والمربي جريس طنوس. وقد أصبح المهرجان علامة مميزة في البلاد، حتى أن وزارة التربية والعلوم، أخذته بعين الاعتبار ووضعته في سلم أفضلياتها، وخصصت له ميزانية لتنشره في جميع القرى والمدن العربية، وأصبح برنامج "المسرحيد المتجول" الذي يقدم جميع الأعمال التي تقدم في مهرجان "مسرحيد" مجانا لكل البلدان، ليتعرف عليه كل مواطن عربي في البلاد.

وإذا عدنا للبرنامج المسرحي الذي ورد في الكراس، فسوف نجد بالفعل أعمال مميزة ومنها:

جار وجار- مسرحية كوميدية تتحدث مسرحية "جار وجار" عن عائلة عربية تعيش في إسرائيل وتتعايش مع المشاكل اليومية التي تظهر وكأنها مشاكل عادية، لكن في الحقيقة هي نابعة من التوتر المسيطر على كل مجالات الحياة وأحيانا يصل حد الجنون.. الأب متقاعد ويناضل للحفاظ على وضع اقتصادي مستتب وآمن، لكن الأمور تخرج عن السيطرة بسبب سذاجة زوجته وجاره الماكر وابنته الذكية المشاغبة، فتخرج مواقف مضحكة جدا، بنفس المقدار التي هي مؤلمة جدا.

ديبو ونعوجي- المسرحية الكوميدية الممتعة. تتمحور قصة المسرحية حول صداقة حميمة تجمع بين ديبو الذئب – والنعجة نعوجة – ومعارضة عائلتها الخرفان – كبوش الأب وفروة الأم – لهذه العلاقة. وتقوم العائلة بصد الذئب وطرده من المنزل ويرفضوا محاولته لتغيير مفهومها عن الذئب الشرير ، إلا أن الصداقة والمحبة تتغلب على الآراء المسبقة، والجدة عفيفة تساعد أيضا بجمع شمل الأصدقاء ومواجهة الأهل. وتمزج المسرحية بين التمثيل والرقص والغناء بصورة سلسة وملائمة للأطفال.

الأميرة والضفدع- ماذا يحدث عندما تقبل أميرة الضفدع؟- مسرحية دمى مشوقة للأطفال، عن أميرة وصديقها الأرنب، يلتقيان بضفدع يعيش بالنهر، بعد أن وقعت كرة الأميرة هناك، يساعدها الضفدع بشرط أن تعطيه قبلة.. هل توافق الأميرة؟ وما هي قصة هذا الضفدع الغريب؟ 

الناس أجناس- المسرحية مأخوذة عن قصص كوميديا شعبية للكاتب اللبناني المعروف سلام الراسي، وقد أعدعا وأخرجها الفنان نبيل عازر. وهي عبارة عن عدّة مشاهد مستقلة، فيها شخصيات متنوعة، والمشترك بينها هو البساطة في التفكير والتعامل، هذه البساطة تخلق مواقف محرجة وتؤدي لإلى أزمات مضحكة، لأن الأمور عادة تسير على عكس ما نرغب.

بينوكيو- من أجمل القصص الايطالية. الولد الخشبي "بينوكيو" ووالده جيبيتو والصرصور.. قصة عجيبة عن ولد خشبي يتحول إلى طفل حقيقي.. مغامرات مثيرة وممتعة للأطفال. 

مغامرة في البحر- تجري أحداث المسرحية على شاطئ البحر، أبطال المسرحية "جودت وإيمان" يصطادا كيس خيش من أعماق البحر.. فما هي علاقة "سبونج بوب" بالبيئة؟ وكيف يتم محاربة التلوث والقذارة؟ 

الصرصار- بيت الساحرة "بربوشة" هو مأوى للفئران والصراصير أيضا. الصرصار "صراصيرو" يعاني من قسوة الفأر "فرفور" ويحاول بشتى الطرق مقاومته، إلى أن يهتدي بالصدفة لوصفة أعدتها الساحرة "بربوشة" فيها تكبّر الأحجام، ليصبح بالتالي عملاق لا يقاوم.

كان يا ما كان- هي عبارة عن فعالية مسرحية لاكتشاف مواهب وقدرة التعبير عند الطلاب لأهمية قراءة القصص، حيث يتم توزيع الممثلين على مجموعات الطلاب، وبعد قراءة قصة مختلفة لكل مجموعة، يقوم الممثل بتجهيز الطلاب لتمثيل القصص أمام باقي المجموعات.

يوم ترفيهي وفني في عكا- فعالية مسرحية مميزة، حيث تقوم إدارة المسرح بتنظيم جولة تاريخية في عكا القديمة برفقة مرشد مؤهل، وجولة بحرية في السفينة حول أسوار عكا، وزيارة لحدائق البهائيين (البهجة)، وفعالية فنية مميزة للزوار ومن ثم عرض إحدى مسرحيات مركز المسرح.

عكا- من أسامة مصري

دنيا الوطن


الاثنين، 8 ديسمبر 2014

الجمعية العربية الثقافية بفنلندا تقيم مهرجان بغداد السلام

مدونة مجلة الفنون المسرحية


تقيم الجمعية العربية الثقافية في فنلندا مهرجان بغداد السلام الثقافي في العراق بالشراكة مع منظمة صدى الديمقراطية في برئاسة على الغالبي الأمين العام للمنظمة، في الفترة من 15 يناير المقبل وتستمر لمدة ثلاثة أيام.ويشهد المهرجان في اليوم الأول افتتاح معرض للصورة الفوتوغرافية، بمشاركة 100 مصور فوتوغرافي من جميع محافظات العراق، ويفتتح في اليوم الثاني معرض للفن التشكيلي بمشاركة نخبة من الفنانين التشكيلين، ويختتم المهرجان مسرحية عراقية بمشاركة نخبة من الفنانين المسرحيين العراقيين وبعدها فقرة الشعر العراقي بمشاركة الشاعر ايهاب المالكي والشاعرة زينب صافي عباس والشاعر السوري وائل مصطفى.ومن جانبه قال سام القاسم مدير عام الجمعية العربية الثقافية في فنلندا: "قامت الجمعية بتعين لجنة تحكيمية تتكون من صباح الجماسي رئيس اتحاد مصوري العرب فرع العراق، عبد الرضا عناد رئيس منتدى فن الفوتوغراف في ذي قار، رسول بابل مدير الدورات في الجمعية العراقية للتصوير"المقر العام"، رسول علوان وحسين كولي مصورين فوتوغرافيين محترفين وأوضح القاسم:وسيتم توزيع الهدايا والدروع والميداليات وشهادات المشاركة للفائزين والمتميزين والمساهمين في هذا المهرجان الكبير، مشيرًا أن المهرجان سيشهد حضور لم تشهده المهرجانات السابقة في بغداد، وبعد الانتهاء من فعاليات مهرجان بغداد السلام سينتقل إلى كردستان العراق آربيل لإقامة مهرجان بمشاركة عدد كبير من المصورين والتشكيليين والمسرحيين العراقيين.


بدء التقديم للدورة الــ15 لمهرجان مسرح الهواة بقصور الثقافة

مدونة مجلة الفنون المسرحية
الدكتور سيد خطاب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة
الدكتور سيد خطاب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة 


 أعلنت الإدارة العامة للجمعيات الثقافية بالهيئة العامة لقصور الثقافة عن البدء فى الإعداد للدورة الخامسة عشرة لمهرجان مسرح الهواة بالجمعيات الثقافية، بعنوان "عروض ريبتوار المسرح المصرى والعربى تؤكد على قيمة الانتماء للوطن"، والذى من المزمع إقامته خلال شهر مارس 2015، وذلك تشجيعا لفرق الهواه المسرحية المنتمية إلى جمعيات ثقافية وفنية، بهدف اكتشاف وتنمية مواهبهم. وسوف يتم فتح باب التقدم وتلقى المشاركات طول شهر ديسمبر 2014، على أن يكون موعد مشاهدة العروض خلال شهر فبراير 2015. وتتضمن شروط المشاركة فى المهرجان "أن تكون إحدى فرق الهواة المسرحية التابعة للجمعيات الثقافية والمسجلة بالإدارة العامة للجمعيات والمساعدات الثقافية، عدم مشاركة العروض التى تم إنتاجها عن طريق فرق مسرحية عن طريق جهات أخرى، وعلى كل من رئيس الفرقة والمخرج التوقيع على إقرار بذلك، وفى حالة المخالفة يتم حرمان الفرقة عامين متتاليين من المشاركة فى المهرجان، يشترط فى جميع المشاركين بالعروض (سواء بالتمثيل أو من وراء الكواليس) أن يتمتعوا بعضوية الجمعية التى يمثلونها فى المهرجان، ويجب على رئيس الفريق إثبات أرقام العضوية لكل المشاركين مع توقيعه على صحة المعلومات، وفى حالة المخالفة لذلك تمنع جميع الفرق المسرحية بالجمعية المخالفة من المشاركة بالمهرجان لمدة عامين، كما يفضل أن تتناول العروض بعض القضايا ذات الطابع القومى مع الالتزام بكافة القيم والمبادئ الإنسانية، وألا تزيد مدة العرض عن 75 دقيقة، عدد المشاركين فى الفرقة لا يزيد عن 25 خمسة وعشرين عضوا تبعا للعرض المنتج، ضرورة مشاركة أعضاء الفرقة المتقدمة للمهرجان بورشة التثقيف المسرحى بحد أدنى خمسة أعضاء بما فيهم المخرج. كما تم وضع قواعد عامة للمهرجان وهى "أن يمتلك المخرج الحرية الكاملة فى التعامل الإبداعى مع النص بما يتوافق مع رؤيته الفنية، وفى إطار التفسير بشرط عدم المساس بحقوق الملكية الفكرية والأدبية للمؤلف الأصلى، وإذا حدث عكس ذلك يتعرض المخرج للإيقاف، التزام المخرجين بالعناوين الأصلية للنصوص المسرحية، لا يجوز للمخرج القيام بالمشاركة بأكثر من عمل واحد فى المهرجان، يحظر على المخرجين ومهندسى الديكور، استخدام النار الحية (مشاعل – شموع – إسبراى) فى أى عرض مسرحى. 

احمد منصور

اليوم السابع


الصورة مسرحا / علي النجار

مدونة مجلة الفنون المسرحية

الصورة مسرحا / علي النجار



الفنان علي النجار







ليس غريبا أن يكون مسرح الصورة من ضمن مكتشفات الحداثة الفائقة بغرائبية صوره التي باتت لا تعد. وما بين مسرح الصورة والصورة مسرحا زمن يمتد من أول اكتشاف احتفالي في الزمن الغابر حتى يومنا هذا. صورا شكلت إرثا غالبا ما فككت المنظومات الثقافية غرائبية تفاصيلها التي لم تكن غريبة أصلا في أزمنتها لكنها اغتربت بفعل تقادمها الثقافي المحيطي. ومابين غرائبية مندثرة وفعل ثقافي متعدي معاصر تشكلت تجارب مسرحية طليعية استلت من الصورة فعلا مغامرا هو احد أفعال المغامرة العولمية الثقافية الكونية الديناميكية.

في بغداد بداية السبعينات لم يكن في نية حميد الجمالي(*) أن يقدم عرضا مسرحيا تقليديا وهو لا يزال طالب فن. ولم يكن منه إلا أن يلغى النص المدون لصالح عرضا شكلت لغته الافصاحية أجساد الممثلين في بادرة منه لتكريس اللغة الجسدية الاشارية بكل أبعاد حركاتها المقننة بنص افتراضي كخلاصة لنص مسرحي سكن مخيلته. أو ربما اجتزأتها ذاكرة غفل بعناية توائم إمكانية تكثيفها مسرحة بصرية لا سردية. بعده ظل المخرج صلاح قصب ملتصقا بتجاربه المسرحية الصورية الرائدة عراقيا. وليكون المجرب الأبعد غورا في هذا المضمار وحتى على المستوى العربي. تجارب مسرحية كهذه غالبا ما يندمج نصها البصري الحركي وسينوكرافيا العرض وأحيانا ما يتعارض معها بحدود تصادمات تصعد من فاعلية لغته ألمشهديه., عروض كهذه هي بالتأكيد استفادت من تجارب مسرحية عالمية حداثية متنوعة وما بعدها, من تمارين (ستانسلافسكي) و مسرح(جروتوفسكي) إلى المسرح الفقير( راينهاردت و أدولف آبيا) أو مسرح (انطونيو ارتو) الصوري الميتافيزيقي. أو التجارب المسرحية الأسكندنافية الصورية الأحدث, بالعديد من أشكالها الأدائية الفنتاسية. لكن تبقى الريادة العراقية وضمن حدود اشتغالات هي وليدة لاجتهادات بحثها عن مناطق استكشافية غالبا ما كان للأثر الثقافي المحلي دور ما في إخراجها.
إن شكل مسرح الصورة لغزا للمشاهد. فان ألغازه لا تغادر منطقة الإمتاع البصري مثلما هي أيضا تفتح أفاقا عديدة للتأويل بمستوياته المتعددة لما تحمله إشاراته الحركية والإيمائية من دلالات واضحة أو مبطنة ومن إثارة مبعثها غرائبية الأداء الجسدي في اشد حالات توتره أو انبساطه وتسارع أو تباطؤ إيقاعاته الحركية. اثارات لم تقتصر على الحيز المكاني المسرحي التقليدي بل هي باتت تطل علينا في العديد من المشاهد الصورية التي يكتظ بها عالمنا المعاصر يوميات لا تخلو من غرابة, لكنها غرابة فقدت بعض من مميزاتها بعد أن كسبت الفتها وكافتراض مفتوح على التخيل ومعزز بإيقونات التكرار ألمشهدي (الصوري) اليومي, غرابة الصور الإعلانية المتلفزه هي إحداها, وبالذات تلك الصور أو اللقطات الفيلمية التي لا تربطها أية رابطة أشارية إلى المادة المعلنة عنها( فواصل الإعلانات التلفزيونية) سوى النص المكتوب والمذيل في نهاية العرض أو المادة العينية للمعلن عنه أو صورة المادة العينية للمعلن عنه. غرائبية هي في مظهريتها عبث ربما يستمد جذره من مسرح اللامعقول أو بمحاذاته, لكنها لا معقولية موظفة بذكاء تجاري جلبا للانتباه للمعلن عنه بعد أن أقصيت أساليب العرض الأخرى من اجل إعادة تفكيكها لما يخدم الغرض التجاري العابر للقارات. فاللغة الاشارية المبهمة لهذه اللقطات الصورية لا تخضع لثقافة معينة بقدر عمومية ثقافتها الاشارية كمحصلة لناتج عولمي نفعي عابر للجغرافيا.
اللا معقول هو بعض من إيحاءات الصورة الافتراضية الممسرحة على مر العصور الماضية. إن لم يكن سلوكا مداهنا لحاشية البلاط فعلى الأقل لمهرجه. وصورة المهرج يشكلها جسده وملامحه الإيحائية. مثلما تشكل غرائبية ملابسه سينوكرافيا عرضه, أما البلاط فهو فضاء عرضه المسرحي. غرائبية لا معقولة تحيط به وتخترق عبثيتها محيطه. لكنها عبثية مغلفة بفعل درامي يشكل ذات المهرج احد أركانه. وهذا الركن الأساسي هو احد إيحاءات مسرح الصورة المعاصر رغم تعدد إغراضه. ولم تكن أفلام شارلي شابلن الأولى هي الأخرى إلا مسرحا صوريا, هو يعترف بذلك حينما يؤرخ لها بان بلاتوه التمثيل وقتها كان مكانا فقيرا وصغيرا و قريب في شكله من منصة المسرح وكان يضطر للتقليد المسرحي في ضبط مسيرة حركته يمينا وشمالا عند دخول المشهد أو الخروج منه. أي بمعنى ما هو لم ينفصل عن الأداء المسرحي, كما لم يستغني عن المهرج الذي في داخله, وان كانت الكوميديا وحتى السوداء هي شاغله فان درسه الصوري هو الآخر لم يمر دون أن يترك أثرا على الفعل الصوري المعاصر مثلما هو مسرح (النو) الياباني الغني في أدائه الحركي والمغرق في تقليديته الموروثة الأثرية و تفرد إيقاعات حركات ممثليه الإيمائية الملغزة و تعدد أقنعتهم كناية عن تعدد الشخصيات وألغازها. لكن ثمة أقنعة أخرى في صور عديدة منتشرة في ساحات مدن أوربا, أجساد هي أقنعة لمهرجين وأباطرة وتماثيل برونزية أثرية تشكل جزأ من مشهد المدينة المعاصرة رغم كونها مشهدية ممسرحة بفعل استعراضي استرزاقي
لا يخلو من اثر إيمائي لصور أثرية من تواريخ ماضية غالبا ما تكون محاذية للأنصاب الأثرية المدنية.
هل شكل المسرح الاستعراضي بعضا من مرجعيات الصورة الممسرحة. مشاهدتي لمسرحية(أوه كلكتا) في مونمارتر(باريس) عام(1977) تؤكد لي ذلك. فشرط الأداء الجسدي كان هو الوحيد في هذا العرض. الجسد عاريا وكما ولدته أمه هو الذي أوصل لنا مضمون العرض الصامت وأدخلنا في متاهات الحدث ودلالاته ليس كالغاز بل بوضوح مقاصده الإيمائية السردية في الحقبة السبعينية. ورغم كون العرض منفتح على غرائبية العري الجسدي, إلا انه وظف هذا العري لغزا مضافا لبقية ألغاز التفكيك ألمشهدي ألمابعد حداثي. وان اختلف في شيء عن عروض الطاحونة الحمراء الباريسية الاستعراضية فاعتقده اختلافا بسيطا استبطن إثارة لممارسات اجتماعية أباح خلالها بعض من محظوراتها. لكن ما تبقى من مشاهدتنا لعرض كهذا يختزل في قابلية الجسد على استحضار الصورة مشهدا قابلا للمعاينة. مثلما هو استعراضا في مسارح الترفيه. رغم كون الترفيه هو الأخر كما الساحر بعض من إغراض المسرح. لكن هل من الممكن أن تكون عروض الأزياء هي الأخرى كذلك: اعتقدها نعم, فخشبة المسرح جاهزة والأداء الجسدي كذلك رغم اختلاف الأغراض(التجارة ..الثقافة..التسويق) والتقاط جزئية من هنا وجزئية من هناك هو بالتأكيد ما يحاوله مسرح الصورة المعاصر.
للرقص الإيمائي أو الحركات الإيمائية(البانتومايم) تقاليده المسرحية مثلما لرقص الباليه وغالبا ما تتشابك الصلات الصورية فيما بينهما, وان تحكمت قوانين الحركة و مديات اداءاتها الزمنية في هذه العروض فكذلك تتحكم فيما بينهما قوانين ممارسات الفعل الدرامي المسرحي. وإذا ما اتصفت المشهدية الصورية للباليه بسعتها. فان الأداء الإيمائي غالبا ما يكون متقشفا في وسائل عرضه المساعدة ويلج أحيانا الممثل الإيمائي مشهدية عرضه منفردا أو مع آخرين, لكن الممثلين غالبا ما يشكلون وحدة صورية متجانسة أو متشضية تطلق العنان لنشاط حركات الجسد حتى أقصى إمكانياتها الأدائية التي لا تخلو من شطارتها البهلوانية أحيانا. وان كان لمشهد الباليه إيقاعاته الموازية والمنسجمة مع طقس موسيقاه فان للتدخلات الإيمائية وقفاتها الخاصة التي بقدر ما تكسر بعض من زخم أو رتابة الإيقاع فإنها أيضا تفعل الحدث المسرحي الذي صاغ تفاصيل عمل الباليه. وإذ اكتسب البانتومايم تسميته اليونانية كفعل أدائي تقليدي (تقليد الشيء صوريا) فان للشرق أيضا فنونه الإيقاعية الإيمائية ,الرقص التقليدي الديني الهندي أو الصيني وبقية شعوب الشرق الأقصى, التي تكتنز كما هائلا من الحركات الإيقاعية الدلالية التي لا تستثني إثناء أداءها اصغر عضو في الجسد مثلما تتشكل فيها كل حركة من حركات أجساد الراقصين كصورة مسرحية منفردة يمكن بعد استيعاب دلالاتها إعادة صياغتها بما يناسب الفعل الأدائي المعاصر. ولم تغب صوره المسرحية بكل عناصرها عن اجتهادات تجميعية أو تفكيكية آو تلسيقية من اجل إعادة صياغاتها وبلا محدودية وليكتسب مسرح الصورة أهميته كمرادف طليعي وكتجربة ما بعد حداثية تنقب في مساحة مفاهيمية واسعة تنسجم وغرائبية عصر الصورة الجديدة.
للفن التشكيلي كذلك طرقه السرية والعلنية لولوج مسرحة الصورة وتبادل الأدوار في زمن اختلاط الوسائل والوسائط. ومثلما الفت قصائد عديدة في أزمنة ليست بعيدة على إيحاءات من رسوم ولا تزال. كذلك اكتنزت رسوما عديدة ومن فترات تاريخية متتابعة مشاهد إحداث تتماثل و المشهدية المسرحية, منها رسومات عديدة لكويا الأسباني(استيهاماته المتأخرة) أو ابن بلده فيلاسكوز(مرسمه مثلا) وان كان بشكل اغرب في لوحة(الغذاء على العشب) لمانيه. وحتى بيكاسو في غالبية أعماله ومنها (الجيرنيكا) التي هي بالأساس مثقلة بحركتها التعبيرية التراجيدية التي تتجاوز في عنفها حتى حيزها الفضائي وسط علبة مسرحها الضيق. لم يخل بشروط إخراج عمله كل من مانيه أو بيكاسو ضمن ضوابطهم الأسلوبية في مجال ابتكاراتهم المشهدية. شخوص مانيه اختارت الطبيعة سيناكرافيا معادلة لتلقائية خلوتهم. لكنه بادل هذه السيناكرافيا ببعض من عريها الطبيعي المتمثل في ممثلته(موديله) العارية, موديل الرسم الذي يتوسط مشهد الخلوة لا يعدو عن كونه غرائبية مسرحية لا معقولة سبقت زمنها. أما جيرنيكا بيكاسو فقد اختارت الفعل الأدائي الإيحائي في أقصى درجات توتره. وان كان الفضاء في عمل مانيه أثيرا(انطباعيا) فانه عند بيكاسو مفككا ومتصادما(تكعيبيا) وبما يوازي مرجعية العملين الإدراكية الثقافية والوجدانية. ولم يقتصر الأمر بعد ذلك على الفعل الصوري في الفن التشكيلي ضمن حيز لوحة الرسم بل تعداه إلى الأداء الجسدي المباشر(بيرفورمانس) في اكتشافات جيل الستينات وما بعده الأوربي. وكان الألماني(جوزيف بويز) مدركا تماما لأهمية أفعاله(العابة) المسرحية التشكيلية الاستعراضية الاستكشافية وبمحفزات الحراك الثقافي الفني ألمابعد حداثي في ولعه لتفكيك المنظومة المعرفية الثقافية وإعادة إنتاجها بما يوازي الاكتشافات التي مهدت لعولمة البحث عن مصادرها في احياز المدرك الآني وما قبله وما تحته من طبقات أخرى تصل حتى تخوم الخيال. مثلما أدرك أهمية الفعل الإنساني الاجتماعي ألابتكاري وقدرة الجسد الأدائية الإيحائية لغنى المدركات الحسية في التصالح والواقع البيئي أو إمكانية تغييره.
في صيف عام(2005)عرض متحف(بانهوف هامبورغ) بعض من أعمال الفنان (فردريش
كريستيان) التركيبية الضوئية. وإن كانت معظم الأعمال التشكيلية التي وظفت ضوء(النيون) اعتمدت نصوصا أو إشارات مدونة, فان أعمال كريستيان وظفت الجسد كوميديا سوداء لا تخلو من تصادمات هي بالأساس كشفا لجوهر الرياء الاجتماعي. حيث وظف الجنس (أنا) مرضية كابحة لكل النوازع الإنسانية والفتها(عمله الذي يظهر فيه شخصين متصافحين وتوقيتا مع امتداد أياديهم بالمصافحة تمتد من الأسفل أعضائهم الذكورية بحركة مشابهة لتلغي بشراسة فعل المجاملة), أو عمله الثاني الذي يظهر فيه بروفيل شخصين متقابلين في حالة حوار لكن أصابع أيديهم تندفع لتفقس عينيهما. وكريستيان في هذه الأعمال يختصر الفعل الدرامي الاشاري على مسطح لوحاته الكهربية في الذروة منه مع توفره على شروطه الإخراجية.
أخيرا يبقى السؤال مقلقا وهو هل كل أفعالنا(تصرفاتنا) هي بالأساس اكتملت أو تكتمل ضمن سلوكيات مجتمعية لا تخلو من إخراج مسرحي, بدءا من تبدلات ملامح وجوهنا, خطواتنا, إيماءات أيادينا, أصابعنا, نظراتنا, وحتى كل عضلة من عضلات جسدنا. وهل نحن غالبا ما نمثل أدوارا هي مجرد صور علينا أن نتقن كادر لقطاتها. مثلما هي الصورة العولمية التي تسوقنا ضمن فضاء سوقها المتعاظم. وهل بإمكاننا أن ندرك أن شاشة العرض المعاصرة ما هي إلا نافذة تبتلعنا بسيل صورها المبرمجة أثيرا متعاظما لا تحده حدود وللحد الذي ربما يدخلنا في متاهات عديدة كانت إحداها متاهتنا الاقتصادية الأخيرة. ويبقى الفعل الإنساني ومن خلال مبتكراته التقنية يقود خطواتنا وعلينا أن نحجز اطر صورنا مقدما. مع ذلك فإننا سوف نبقى نلح على البحث عن إجابات عن كل تساؤلاتنا أو علاماتنا الوجودية وصورنا المفقودة.
.......................................................................................................................
(*).. حديث مع الدكتور حميد الجمالي في مدينة مالمو السويدية.


-مابعد الحداثة والفنون الادائية - في تجارب المسرح المعاصر صميم حسب الله

مدونة مجلة الفنون المسرحية




مقدمة
كشف فن مابعد الحداثة عن مجموعة من الاشكاليات التي يقف في مقدمتها إشكالية المصطلح الذي تنوعت تسمياته فقد ورد المصطلح في الكثير من الدراسات تحت مسميات عدة من بينها (مابعد الحداثة – مابعد الحداثية ) ويذكر أن الفيلسوف الايطالي (جياني فاتيمو) قد طرح مصطلح " مابعد الحداثة في كتابه نهاية الحداثة وقام بتفسير المصطلح من خلال تمحيص دلالة المقطع الاول من المصطلح – أي مابعد وهو تمحيص تطلب بدوره تعريف مصطلح الحداثة ، ويرى جياني فاتيمو بأن الحداثة هي حالة وتوجه فكري تسيطر عليهما فكرة رئيسية فحواها أن تأريخ تطور الفكر الإنساني يمثل عملية إستنارة مطردة، تتنامى وتسعى قدماً نحو الإمتلاك الكامل والمتجدد(عبر التفسير وإعادة التفسير) لأسس الفكر وقواعده"، وكما هو الحال عادة في ظهور فكرة فلسفية او إتجاه نقدي فإن تيار (مابعد الحداثة) كشف عن قواعد أساسية في تشكيل هذا الفن ، وقد إنقسمت هذه القواعد بحسب (نك كاي) إلى قسمين أحداها تمثل القواعد الاساسية في تكوين (مابعد الحداثة ) والاخرى تكشف عن التقنيات التي يعتمدها فن مابعد الحداثة ، فأما القواعد فهي " تضم قائمة من الخصائص والممارسات والتي منها إستخدام (المحاكاة الفنية الساخرة- parody) و (الحنين إلى الماضي –Nostalgia ) و (خلط الأساليب والخامات) "،اما عن التقنيات التي تعمل (فنون مابعد الحداثة) على توظيفها والتي تشمل " إلى جانب التقنيات الاكثر تعقيدا وتركيباً والتي تظهر في فن التصوير والنحت ، و إستعادة أحداث الماضي أو إستثارة ذكريات معينة ، أو إستخدام قصص رمزية معينة ، أو الإيحاء بقصة ، وبخاصة في الأعمال التي تقيم علاقة جديدة مركبة مع الماضي"،ويبدو ان المؤلف أو المترجم قد وقعا في إشكال تعبيري ، ذلك ان التقنيات التي ذكرت ترتبط بالنص فحسب ، وفي الجزء المخصص للعرض يرد إستخدام تقنيات اخرى ، ينقل (نك كاي) رأي (جينكس) الذي يقول : " أن اكثر التقنيات المتفشية في فن مابعد الحداثة هي (إستخدام الشفرة المزدوجة – double-Coding ) و (التورية الساخرة – Irony ) و( الغموض أو إلتباس المعنى) و(التناقض) ويمضي لرصد قائمة منوعة من التقنيات والحيل البلاغية التي تمثل ملامح هامة لهذا الاسلوب ومنها التناقض الظاهري، والاتساق القائم على التنافر أو (هارمونية النشاز) والاسهاب والتضخيم، والتعقيد والتناقص، والتورية والسخرية، والاقتباس الانتقائي" ،ومن جهة اخرى فقد بدا واضحا ان التقنيات التي تعمل مابعد الحداثة على توظيفها تكون خالية من التوافق والانسجام ، وذلك مايمنحها خصوصية في التنافر فهي "لاتكتفي بإقتباس عناصر من مصادر شديدة الاختلاف والتباين ، بل تتعمد في توظيفها لهذه العناصر المنتقاة أن تقاوم أي نزعة إلى تنسيق هذه العناصر في وحدة فنية متكاملة، بل إنها غالبا ماتلجأ إلى تضخيم إحساس المتفرج بالتناقض والصراع بين هذه العناصر عن طريق إتباع أسلوب يتبنى مبدأ التناقض والتقابل ويعلي من أحساسنا بالاقتباس- وهو أسلوب تتجاوز فيه النصوص والصور المتتالية المالوفة، وتعارض بعضها البعض فتبدو جميعاً مهتزة مقلقلة "، فضلا عن ماتقدم فإن (نك كاي) يستمر في تقديم طروحات مابعد الحاثة ، مستفيداً من التداعيات التي نتجت عن ذلك التيار الفكري ، لذلك فهو يكشف عن أبرز اشتغالاتها في الفن المسرحي على وجه الخصوص ، مقتفياً بذلك أثار العديد من المخرجين الذين تبنوا أفكار (مابعد الحداثة ) والذين يقف كل من (روبرت ويلسون ، وريتشارد فورمان ، ومايكل كيربي) في مقدمتهم، ونراه يستنبط من عروضهم أبرز طروحات(مابعد الحداثة ) والتي تتبنى " صراحة التوجه المينيمالي في الفن – ويعني الاكتفاء بالحد الادنى من الفردات في التشكيل والتصوير الفني، وترفض بوضوح التعامل مع الأشكال والصور التقليدية " .
ومع كل ذلك الاكتفاء بالمفردات التي تشكل العرض المسرحي المابعد حداثي إلا أن (نك كاي) يخلص إلى " أن أي تعريف لمابعد الحداثة لايمكن ان يقوم على رصد مجموعة من الصور والأشكال المحددة الخاصة بها، وذلك لان مابعد الحداثة لاتتواجد إلا كنشاط هدام يسعى إلى خلخلة وتقويض نفس الشروط والمبادئ التي نتوهم انها تنهض عليها " ، ويشير (ليوتار) في معرض حديثه عن الحداثة بوصفها " خطاب شارح يمثل إطاره المرجعي، أي من خلال الاستناد إلى نظرية عامة مثل نظرية جدلية الروح ، أو هرمانيوطيقا المعنى، أو تحرير الذات العاقلة أو الفاعلة ، أو قصة خلود الثروة " .
وفي تعريفه لمصطلح مابعد الحداثة فإن (ليوتار) يختزال الكثير من التفرعات والكليشيهات الكلامية " سوف أتوخى التبسيط الشديد فأعرف مابعد الحداثة بانها التشكيك في كل النظريات أو القصص الشارحة " . 

تطور المنظومة البصرية
عند الحديث عن الضوء وأهميته في صناعة العرض المسرحي فإن تجربة السويسري(أدولف آبيا) تقف في مقدمة التجارب البصرية التي أسهمت في تطوير المنظومة الضوئية المعاصرة، على الرغم من ان التقنيات المسرحية التي إشتغل عليها لم تكن بالمستوى التكنولوجي الذي هي عليه اليوم ، إلا انه عمل على تطوير منظومة الاضاءة على نحو غير مسبوق وما تلك التطورات التي تبرز بين حين واخر إلا وتكون جذورها مرتبطة بتجارب (آبيا) ، وعلى الرغم من الدراسات القليلة المترجمة عن تجربته في التصميم ، إلا ان هذا الكتاب يكشف لنا حقيقة تجربته بما يمتلك من قدرة على تحويل الشكل النصي إلى أشكال بصرية متعددة ومتنوعة ، وقد تكونت تجربته على مستويين بوصفه " عاشق الجمال الفني داعية الإصلاح في مجال المشهد المسرحي (الميزانسين) " .
وقد بدا واضحاً ان حركة الإصلاح التي بدأها (آبيا) في الثورة على المناظر المرسومة والعمل على تطوير شكل مختلف عن السائد من خلال تطوير مناظر ثلاثية الأبعاد ، فقد " رفض آبيا بصورة كلية إستخدام الرسم في الديكورات المسرحية ، ونادى بإيجاد نظام يعتمد على وحدات ديكورية ثلاثية الأبعاد ، ونمط من الإضاءة المطواعة (الطليعية) التي زعم إنها ترتبط إرتباطاً عضوياً بالدراما الفاغنرية واحداثها" . 
ويكشف الكتاب عن مدى التاثير الذي خلقه (ريتشارد فاغنر) ، على أسلوب المصمم (أبيا) كما هو الحال في التأثير العميق الذي خلقته موسيقى (فاغنر) على الفيلسوف الألماني (نيتشه) وقد بدا ذلك واضحاً في بعض مؤلفات (نيتشة)، الامر الذي يدفعنا إلى الاستنتاج أن مرتكزات الثقافة الاوروبية مترابطة ولا تقتصر على مفصل معرفي دون آخر ، وفي العود ة إلى (آبيا) الذي يعمل على وضع شرطين يجب توافرهما في ادوات التعبير " أولهما ان تكون هذه الادوات تحت السيطرة الكاملة للمؤلف المسرحي ، وثانيهما ان تضم هذه العناصر وحدة عضوية واحدة " ، ونتفق مع (آبيا) في ضرورة ان تمتلك العناصر وحدة عضوية واحدة ، إلا اننا نتسائل عن سبب طرح (أبيا) لفكرة ان تكون تلك الادوات بيد المؤلف ، واعتقد أن هذا خطأ ربما يكون في الترجمة ، كما هي العادة ، ذلك أن عناصر العرض بعيدة عن أدوات تكوين النص الذي يتشكل عن طريق المؤلف إبتداءا .
وعلى الرغم من إشتغاله الرئيس على الاضاءة إلا ان ذلك لايعني عدم اهتمامه بالمنظر المسرحي ذلك انه " على يقين ان الهدف الوحيد ، إذا لم يكن الرئيس للديكورات المسرحية هو التعبير عن التماسك والانسجام والتناغم، ومن ثم فإنه يشبه الجسد الحي للممثل وحركاته، ويرى آبيا ان الديكور المسرحي المثالي هو عبارة عن ساحة للحركات الايقاعية " . 

تجارب المسرح البولندي المعاصر 
تنوعت التجربة المسرحية في بولندا ، في مراحل عدة من تأريخ المسرح العالمي المعاصر حيث رفدت المجال المسرحي بالعديد من المخرجين الذين إمتلك كل منهم خصوصيته في الاشتغال المسرحي سواء على مستوى تقديم العروض الكلاسيكية او التجريب المسرحي، وعلى الرغم من الخصوصية التي إمتاز بها المسرح البولندي ،إلا ان ماتناقلته المصادر يعد فقيراً بالمقارنة مع تنوع التجربة المسرحية، وهذا ما يكشفه لنا كتاب (المخرجون البولنديون التجريبيون والكلاسيك) حيث إختار المؤلف الكشف عن تجارب عشرة من المخرجين، وعلى الرغم من تنوع تلك التجارب وأساليب الاخراج ، إلا ان المؤلف يشير إلى ان إختيار مخرجين دون سواهم ، إلا ان اختياره هذا يعود إلى التجديد في إخراج العروض المسرحية فضلا عن تنوع المصادر الجمالية التي إعتمدها المخرجون، وبذلك يكون إختيار المؤلف لتلك الاسماء قد جاء " عن وعي؛ فهؤلاء المخرجين المجربين والكلاسيك ، بإعتبارهم أهم من مثلوا حركة التجريب المسرحي في بولندا منذ منتصف القرن العشرين وحتى نهايته منضمين بقوة إبداعاتهم إلى إبداعات حركة المسرح التجريبي الاوروبي والعالمي"، فضلا عن ذلك فقد كان لاستخدام مصطلح (الكلاسيك) في الاخراج ، بالمقارنة مع مصطلح التجريب فكرة خاصة ،إذ يشير المؤلف إلى أن " نشأة مصطلح الكلاسيكية وتصنيفهم به ، يعود إلى ان هؤلاء كانوا يعدون في زمنهم رسل التجريب الذين حملوا بإبداعاتهم رياح التجديد التي هبت؛ فإقتلعت من أمامها جذور كل ماهو تقليدي ساكن" .
وقد تميز المسرح البولندي بالعديد من التحولات في أساليب الاشتغال والتنوع في الانماط التي كانت متسيدة للعرض المسرحي ، فيذكر المؤلف ان هذه المرحلة قد إنقسمت إلى تيارين أساسيين في المسرح البولندي:" التيار الأول هو المسرح الشمولي والشعري ،والسياسي ، للمصلح المسرحي الكبير والمخرج البولندي(ليون شيللر، وكان مصدره الاساسي المسرح الرومانتيكي، اما التيار الثاني فكان المسرح الواقعي النفسي، ومن مبدعي هذا المسرح (يوليوش أوستيرفا و ستيفان ياراتش) وكان هذان المبدعان ممثلين فضلا عن كونهما مخرجين، مما كان يجعلهما يؤكدان في مسرحهما على منهج فن الممثل " .
وبحسب تلك التيارات التي كانت تسيطر على المسرح البولندي الذي لم يكن منفصلاً في قسم كبير منه عن المسرح الروسي وبخاصة مايتعلق بتدريب الممثلين على طريقة الواقعية النفسية التي طورهّا (ستانسلافسكي) الامر الذي كشف عن نوعين من المسرح هما: "المسرح البولندي الذي ينتمي إلى التجريبية الكلاسيكية أو الطليعية الكلاسيكية – إن جاز إستخدام هذا المصطلح – إنما ينقسم إلى قسمين هما : ( مسرح الممثل و مسرح الأدب) ويمثلهما كل من المخرج (أكسير) والمخرج (دايميك) " ، وفي مرحلة لاحقة تطور مفهوم آخر بات يعرف بمسرح (المخرج المؤلف) والذي يقصد به أن المخرج يعيد كتابة النص المسرحي بما ينسجم مع رؤيته الاخراجية "وينحصر مصطلح المخرج المؤلف في لغات عديدة في مفهوم يجعل المخرج بهذا المعنى ، المسؤول الرئيس عن ابداع العرض المسرحي " ، ومن جهة أخرى فإن المؤلف يؤكد على ان تطور حركة التجريب في المسرح البولندي تعود بالاساس إلى عوامل إقتصادية فرضتها الانظمة السياسية الاشتراكية التي حكمت بولندا " فقد كان لهذا الجانب الاقتصادي الأثر الكبير في نمو هذا المسرح فنياً ، ومنح الفرص للمبدعين المسرحيين للتعبير عن تجريبهم المسرحي" ، إلا أن حرية التعبير المسرحي وتطور مفهوم التجريب كان مرتبطاً بعدم التدخل في الشؤون السياسية ،" مادام هذا التجريب لايتعرض للمبادئ الاساسية لسياسة الدولة بنقد مباشر أو تقييم لاذع " ، وبذلك تكون حرية التجريب مشروطة وإن كانت منفتحة على فرضيات عدة في التعبير الفكري والجمالي .
ومن اهم الاسماء الإخراجية التي إمتلكت خصوصيتها في التجربة المسرحية البولندية الحديثة:
أولا : المخرج (أكسير) :
ويمكن تحديد ملامح تجربته الاخراجية بالاستناد على مسؤوليته عن إدارة المسرح الحديث ، وقيادته (الربرتوار) المسرحي ، على مدى سنوات طويلة والمحافظة على الانضباط الدقيق في البرنامج المسرحي، وقد إنعكس ذلك على نحو خاص في تجاربه المسرحية التي تنوعت بين الإشتغال على تقديم النصوص الكلاسيكية والمعاصرة، إذ إتسمت الرؤية الاخراجية بروح المعاصرة حتى مع النص الكلاسكي ذلك انه " أراد أن يعود إلى الكلاسيكية القديمة ، ويتعامل معها بإعتبارها إبداعاً معاصراً وحديثاً ، مستخلصاً منها قضايا إنسانية تمس الحاضر الراهن".
كما ان مسرح (إكسير) ينتمي إلى (مسرح المؤلف) ذلك انه كان كاتباً مسرحياً لذلك كانت الكلمة تعني له الشيء الكثير، إذ " يكون السيناريو الدرامي هو مادة المخرج والكلمة هي مادة الممثل ووسيطه، ففي المسرح يقال ان جوهره هو الكلمة، ومن يملك الكلمة هو ذلك الذي يمتلك الحقيقة" .
ثانياً : المخرج (كاجيمييج دايميك):
ويرتبط مسرحه على نحو خاص بالعودة إلى التراث وإستنباط الافكار المتوافرة فيه ، حيث يستمد من التراث في" عروضه المسرحية كلا من البعد السياسي واللغة الشعرية، بعضهما بالبعض الاخر في توحيد فني بليغ ". 
وقد تكون فكرة اللجوء إلى التراث مراوغة فكرية من اجل الهروب من سلطة الرقيب كما فعل العديد من المسرحيين في العراق في مرحلة سابقة وبخاصة في تجارب (منتدى المسرح ).
ثالثا: المخرج (غروتوفسكي) :
ويعد من المخرجين الذين ذاعت شهرتهم في الاوساط المسرحية العالمية ، ولم تقتصر شهرته على بولندا فحسب بل أن العديد من المسرحين تأثروا بتجربته التي عرفت (بالمسرح الفقير) وراحوا يؤسسون معاهد لتدريب الممثلين على تقنيات الاداء التي يختصر من خلالها جميع التقنيات المسرحية التي يعتبرها (غروتوفسكي) غير ضرورية والعمل على العودة بالمسرح إلى عناصره الاولى التي هي مسرح وممثل وجمهور، حتى أنه كان يختار جمهوره من أجل تحقيق مبدأ التشاركية في العرض المسرحي.
المصادر :
1- كاي ،نك : مابعد الحداثة والفنون الادائية ، تر نهاد صليحة ، ط2 ، القاهرة: ( الهيئة المصرية العامة للكتاب )، 1999.
2- هيويت ، بارنارد : من مؤلفات ادولف آبيا ، تر أمين الرباط ، القاهرة : (وزارة الثقافة – مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي -17- ، مطابع المجلس الاعلى للآثار ) 2005.
3- جرودجيتسكي ،أوجست : المخرجون البولنديون التجريبيون الكلاسيك، تر هناء عبد الفتاح ، القاهرة: (مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي -16) ،2004.

ذاكرة "المقهى " الموجعة ..الشكل البصري وهيمنة الملفوظ النصي / صميم حسب الله

مدونة مجلة الفنون المسرحية
مسرحية " المقهى"على خشبة مسرح الرافدين


ينتمي المقهى إلى تلك الشواخص المكانية التي شكلت حضورها في الذاكرة الجمعية ، بوصفه منطلقاً للعديد من التيارات الفكرية والفلسفية والسياسية والفنية في مناطق مختلفة من العالم، ولم يكن العراق بمعزل عن ذلك ، فقد شكل المقهى جزءا كبيراً من ذاكرة المدينة وتحولاتها السياسية لاسيما تلك التي إنطلقت في ذروة الصراعات الفكرية والثقافية في القرن الماضي ، الأمر الذي جعل من المكان / المقهى منبراً لجماعة فكرية او تيار سياسي معارض أو تابع للسلطة الحاكمة، او جماعة من الشعراء المتمردين على قصائد التفعلية ومتفاخرين بقصيدة النثر ، أو جماعة فنية (تنظر إلى الماضي بغضب) كما نظر (أوزبورن) سعياً وراء التجديد في الحركة الفنية، بذلك بات المقهى مرتبطاً بالصفات التي تمثل مرتاديه ، فهناك (مقهى المعقدين ، وهنا مقهى القوميين، وذاك مقهى الشيوعيين ، ومقهى أم كلثوم ، ومقهى الزهاوي ، ومقهى الشابندر.. وغيرها) الأمر الذي جعل من المقهى جزءاً من بنية المدينة الثقافي ، ويعود ذلك إلى توافره على مصدر المعلومات الوحيد في المدينة متمثلاً بمذياع قديم تنطلق عبره اخبار العالم، فضلا عن تنوع الشرائح الأجتماعية التي شكلت بمجملها طبقات المجتمع .
ويبدو ان المخرج والمؤلف (تحرير الأسدي) قد افاد من بنية المقهى الإجتماعية وعمل على تشكيل فرضيات العرض المسرحي (المقهى ) تمثيل( مرتضى حبيب ، ياس خضير، محمد بدر، وسام عدنان ، حسين وهام ، تحرير الأسدي) سينوغرافيا ( علي محمود السوداني) والذي قدم مؤخرا على قاعة مسرح الرافدين في بغداد مؤخرا

ذاكرة المكان وذاكرة النص:
إتكأ المؤلف في صياغة النص الدرامي على توافر بنية مكانية جاهزة، تمثلت بحضور (المقهى) في الذاكرة الجمعية ، إلا أنه لم يركن إليها على نحو تام بل عمل على تفكيكها ، عبر أزمنة مختلفة من اجل تحقيق الإحالة الى الماضي والحاضر في الوقت ذاته ، إلا أن ذلك لم يجعل المؤلف قادراً على الامساك بعناصر النص الاخرى ، فعلى الرغم من توافر النص على مجموعة من الثيمات المتناثرة والتي جاءت على وفق أزمنة تعاطي الشخصيات معها ، إلا ان تلك الشخصيات ظلت تنتمي إلى نسق صوتي واحد ، الامر الذي بدا فيه ان النص قد تكون من شخصية واحدة وما الشخصيات الأخرى إلا إنشطارات عنها ، وقد جاء الفعل الإخراجي على وفق التقطيعيات النصية منسجماً مع الشخصية المنشطرة عبر الزمن ، إذ بدت الشخصية في لحظة وهي تتحول إلى (جندي) في حرب عراقية لم نعتقد يوماً أنها سوف تنتهي ، وفي لحظة إنشطار مغايرة بدت الشخصية في أزياء صحفي معارض لسلطة القهر المستمر، ولكن النسق الصوتي ظل واحداً ، كذلك هو الحال مع باقي الشخصيات ، فضلا عن ذلك فإن الإعتماد على الملفوظ النصي المتمثل باللهجة المحلية التي جاءت منسجمة مع فكرة المقهى على نحو عام إلا انها لم تكن منسجمة مع الشخصيات الدرامية ، ذلك ان المكان لايلغي خصوصية الشخصيات ومرجعياتها الثقافية، ولم يقتصر الامر على الشخصيات المتزامنة بل أن النسق الصوتي الواحد بدا حاضراً وعلى نحو اكثر وضوحاً مع شخصيات رواد المقهى التقليديين وهم ( حسين وهام ، تحرير الأسدي) إذ ان المؤلف عمل على إلغاء خصوصيتهم حتى بدا ان الحوار اللفظي منقسم بين الصوت والصدى ، فضلا عن إعتماده على الموروث الشعبي الذي يحكم (المكان / المقهى) من خلال تحويل تلك الشخصيات إلى (الراوي) وهما يتناوبان على سرد وقائع الماضي والحاضر بالأعتماد على الملفوظ المباشر والملفوظ المرمز ( هذولة منو ، هذولاك منو ) ، كما ان المؤلف عمل على المزاوجة بين الألفاظ اللغوية التي تتوافر في ألعاب المقهى ( الدومينو ، و الطاولي) والعمل على مزجها بالاحداث الرئيسة التي جسدتها الشخصيات الأخرى ، مستفيداً من منظومة الضوء التي أسهمت في تغيير الفعل الدرامي، من جهة اخرى إختار المؤلف الإعتماد على فكرة الصراع بين الشخصية والحدث، مبتعداً في ذلك عن الصراع الدرامي بين الشخصيات ، الامر الذي تحول معه النص إلى مجموعة مونولوجات لفظية تعمل بمعزل عن غيرها إلا انها تدور في فلك الاحداث الدرامية ذاتها، كما ان المؤلف لم تكن به حاجة إلى إعادة استخدام ملفوظات نصية تم توظيفها في عروض اخرى كما في مشهد (تعداد السنوات التي وقعت فيها الحروب) وهو مشهد تم تداوله في مسرحية (حروب) إخراج (إبراهيم حنون)، من جهة اخرى فإن المؤلف عمد إلى توظيف فكرة نصية مثيرة تمثلت في إيجاد مقاربات زمنية بين اجيال مختلفة من (الشباب) في حقب زمنية مختلفة إرتبطت جميعها بـ (المكان /المقهى) بوصفه مجتمعاً تكسرت على مصاطبه الخشبية احلامهم وطموحاتهم ، وتبادلوا فيه رغباتهم المكبوتة، وإنهارت فيه آمالهم في بناء دولة تحترم الانسان.
إختار المؤلف التعاطي مع فكرة لم تزل حاضرة في جيل من الشباب الذي (ينتمي المخرج وفريق عمله إليه) ، على الرغم من إنتماءها إلى اجيال أخرى، وقد تم تقديمها في تجارب مسرحية سابقة كشفت عن قسوة الحرب وعذابات الغائبين وذوي الشهداء، إلا ان تبني المؤلف لتلك الفكرة إرتبط على نحو اساس بالحاضر الذي يعيشه فريق العرض وهم يراقبون الموت وهو يسير بخطى متسارعة نحو (المقهى / الذاكرة) وملاذ البوح الاخير في زمن عليك ان تصمت فيه كثيراً قبل ان تصرخ بوجه سلطة الماضي التي قصمت أعمار الكثيرين بحروب لاتنتهي وبين سلطة الحاضر التي لا تدرك ان المستقبل لن يكون متوافراً ومشرقاً اذا لم يكن للشباب حضور وأمل.

ذاكرة المكان وفرضية العرض:
لم يعمد المخرج إلى تبني توصيفات تأويليلة تمنح المتلقي فرصة المغامرة في البحث عن المضمر وراء العنوان ( المقهى) بل ركن إلى تحقيق الشكل التقليدي للمقهى المتوافر في الواقع، من خلال الكشف عن مقترحاته الجمالية في توصيف (المقهى/ المنظر) الذي بدا متحركاً في فضاء العرض على وفق متطلبات العرض ، وعلى الرغم من ان حركة المنظر لم تكن من إبتكار هذا العرض فحسب بل ان مرجعيتها إرتبطت بعروض سابقة كما في مسرحية (قلب الحدث) تأليف وإخراج ( مهند هادي) فضلا عن عروض مسرحية أجنبية أخرى ، إلا ان الإختلاف يكمن في توظيف حركة المنظر وعلاقتها الفكرية والجمالية بالفعل الدرامي ، إذ بدت في هذا العرض منسجمة مع الشكل البصري الذي أسهمت الإضاءة في تحقيقه، فضلا عن ذلك فإن إعتماد المخرج على تأسيس افكار متناغمة مع حركة (المنظر /المصاطب) قد أسهمت في تطوير فعل التحول الزمني ، كما في حركة المصاطب التي تأتي تعبيراً عن حركة الزمن وتحوله من الماضي القريب الذي تجسد في شخصية (الجندي) إلى الحاضر القريب والذي تجسد في شخصية (العاشق) ، إلا ان ذلك التحول ظلت به حاجة إلى تبني مقترحات فكرية تستفيد من الشكل المتحرك ، والتي بدا أن المخرج قادرعلى تطويرها ، وقد بدا ذلك واضحاً في المشهد الذي جاءت فيه حركة المصاطب الخاوية كأنها مجموعة من (توابيت) لشهداء الحروب وهي تزحف في حركة بطيئة بإتجاه (المدينة /المقهى)، وقد جاءت منسجمة مع المنطوق اللفظي لشخصية الجندي ، إلا ان مثل هذه الإلتماعات لم يعمل المخرج على تبنيها ضمن نسق الرؤية الأخراجية بل نراه راح يعتمد الملفوظ اللغوي في التعبير عن الافكار التي ظلت بحاجة إلى معادل بصري ، على الرغم من ان السياق الدرامي فرض في مواضع عدة خلق تحولات شكلية في بنية (المنظر/ المقهى) إلا ان المخرج لم يتفاعل معها ، نذكر منها ان تحولات الاحداث إشترطت تغيرات مكانية متعددة كما في مشاهد (العاشق، والصحفي ، والجندي)، على العكس من حركة المصاطب التي ظلت تتخذ خطوطاً حركية مستقيمة بدت مغايرة للأحداث التي كشف عنها الملفوظ النصي، بينما إكتفى المخرج بإجراء تحول فقير في شكل (المصطبة) في مشهد (العامل) الذي رفع المصطبة على ظهره تعبيراً عن ضغط الحصار الإقتصادي عليه، وهي إشارة نابهة. 

ذاكرة الاداء التمثيلي:
على الرغم من إحتكام العرض إلى عدد من الممثلين الشباب الذين إمتلك كل منهم خصوصيته الادائية في عروض سابقة ، إلا ان هيمنة الملفوظ النصي على ادائهم بدا واضحاً، ذلك ان الممثلين لم يمسكوا بسلوك الشخصيات التي إرتبط كل منها بسلوك ادائي مغاير عن الأخرى ، فضلا عن إرتباط كل شخصية بزمن مغاير عن باقي الشخصيات، إلا ان ذلك لم يمنع من توافر بعض الإضاءات الأدائية التي قدمها الممثل (محمد بدر) والذي جسد شخصية (العاشق) ، مستفيداً من مرونة جسده في الحركة والتنقل من فضاء (المقهى) إلى فضاء ( ذولاك) سعياً وراء حبيبته، كذلك هو الحال مع (ياس خضير) الذي إجتهد في تبني الملفوظ النصي حتى بات جزءاً من سلوك شخصية (الجندي) التي جسدها ، مستفيداً من توافر بعض المثيرات النصية التي تحاكي المتلقي وتثير ذاكرته الموجوعة، ويقع على عاتق المخرج والمؤلف إيجاد سلوك ادائي لكل شخصية وأن لا يكتفي بتوصيفات لفظية للتعبير عن الشخصية ، كما جاء في اللازمة اللفظية التي تبناها كل من الممثل ( حسين وهام ) والممثل ( تحرير الأسدي) التي نفترض بها ان تتحول إلى سلوك ادائي تعبيري لايقتصر حضورها على الملفوظ ، ونعتقد ان سبب ذلك يعود إلى أن المخرج إعتمد على المنولوجات الادائية للشخصيات من دون خلق صراع بين الشخصيات تسهم في الكشف عن سلوك كل منهم .

ذاكرة السمعي و البصري:
عمل المخرج على توظيف بعض المؤثرات السمعية التي شكلت حضورها في التعبير عن( ذاكرة/ المقهى) التي تشكلت عن طريق عدد من الاغاني التراثية القديمة ، الامر الذي أضفى حساً سمعياً وجمالياً على المكان ، إلا ان المخرج أغفل المكان الدائم التحول بين الماضي والحاضر ، من دون الأشارة إلى التحول السمعي ، من جهة اخرى فإن توظيف المخرج لأدوات المقهى في المشهد الاول جاء على نحو فاعل، ظل بعدها العرض يحتاج إلى وجود العديد من التنويعات السمعية التي تسهم في تنامي إيقاع العرض ، من جهة اخرى فإن إشتغالات السينوغراف ( علي محمود السوداني) داخل فضاء العرض بدت متفردة على نحو مغاير لتجاربه السابقة ، ويعود ذلك إلى أسباب عدة اهمها ، ان المنظومة الضوئية التي إشتغل عليها المصمم جاءت منسجمة مع الإخراج ولم تعمل بمعزل عنه من اجل خلق بهرجة لونية ، بل على العكس من ذلك فإن إشتغال الأضاءة في العرض إحتكم على توصيفات دلالية اسهمت في تطوير العديد من المشاهد لاسيما تلك التي ترتبط بإنضباط حركة الممثلين ، مع النسق الضوئي ، فضلا عن ذلك فإن التشكيل الضوئي أسهم في إنتاج شخصيات أخرى غائبة عن العرض في مواضع عدة منها مشهد (محمد بدر) في لقائه (بالمجاميع المسلحة التي تمنعه من لقاء حبيبته) ، إذ كان للإضاءة دور في تجسيد الشخصيات التي تتخذ من الظلمة مرتعاً ومسكناً والتي هيمنت على الحياة واطاحت بالمشاعر الإنسانية، الامر الذي أسهم في الكشف عن الوظيفة الفكرية والجمالية التي أسهمت الإضاءة في إنتاجها، ولم يقتصر الامر على الجانب الجمالي بل تعداه إلى مديات اخرى، ذلك أن إشتغالات المصمم جاءت خالية من الإرتجالات في التصميم والتنفيذ ، فضلاً عن كونها شكلت عنصراً فاعلاً في ذاكرة المقهى.

تولي المخرج سلطة العرض في الإخراج رغبة بالتحرر من ضرورة خدمة الإبداع / د.محمد سيف

مدونة مجلة الفنون المسرحية

     لقد كانت تتوجه قوانين التقديم المسرحي، قبل أن يطرأ التحول الجذري على قصة الإخراج المسرحي وتاريخه، في أنظارها وتنشأ علاقاتها الحقيقية مع المؤلفين الذين كانوا يعتبرون آنذاك المشرعين الأصليين للظاهرة على الصعيد النظري والعملي، وبناء على ذلك، كان التطور الجمالي يتركز بشكل كلي تقريبا في النص اكثر مما هو فوق الخشبة. لهذا كانت اللوحات المرسومة والتمثيل الخطابي يهيمنان على المشهد العام لهذه الظاهرة، في حين أن الديكور والأداء المختلف والمتنوع كان يخضع في تلك الفترة، إلى الذوق الأدبي. ولكن نهاية القرن التاسع عشر سجلت نوعا من القطيعة بين ما هو شعري وبين هذا الذي صار يظهر ويتطور شيئاً فشيئاً ككتابة ركحية مستقلة كليا.
بين فترة عام 1880-1890.تفجرت تأملات حول شمولية ظاهرة التطبيق المسرح التي قادت بدورها إلى تغيرات على مستوي لعب الممثلين، وفكرة تحويل الفضاء، وعلى طريقة مساءلة النص الدرامي بطريقة جديدة لا تلتزم بالضرورة بالذهنية التي يتأسس على أساسها النص من قبل المؤلف. وهكذا ظهر المخرج، وصار يلعب دور الشخصية الرئيسية والمركزية في المسرح الحديث.

 
انتوان وستانسلافسكي
    بحث اندري انتوان الفرنسي وستانسلافسكي الروسي من خلال التطبيق والتنظير عن طريقة يخلصان فيها الممثل من الأداء الذي كان يفتقر إلى الأصالة، أن صح التعبير، وان يحلا مكانه طريقة طبيعية تجعل الممثل يكون اكثر إخلاصا مع الدور ومع نفسه.
·                        آبيا وكريك
     تابع إدوارد كوردن كريك، وبشكل متواز مع بحوث ستانسلافسكي وانتوان، تجارب مسرحية مختلفة تماما، تميل في شكلها ومضمونها نحو الأسلبة وسيطرة الممثل على تقنية تمثيلية تسمح له، أن يمارس قليلا طريقة الوسيط الوحي ـ كاهن أو كاهنة عند الإغريق، يعتقد أن الإله يجيب بواسطته عن سؤال حول أمر من الأمور الغيبية ـ أن يكون مسكونا من قبل صوت شخصية دون أن يلعب شخصيته الخاصة.
أدولف آبيا، في إخراجه للدراما الفاكنرية عام 1890 تخلص من فضاء العلبة الإيطالية، شأنه في ذلك شأن كوردن كريك الذي نقض جميع المحاولات التي تعيد إنتاج الواقع بازدحام خشبة المسرح بالكثير من الإكسسوارات مؤكدا على القوة الإيحائية للإضاءة كبديل موضوعي. وبهذه الطريقة استطاع كل من آبيا وكريك، أن يقدما المعادل الموضوعي لما كان الطبيعيون (ستانسلافسكي وانتوان) ينادون به، عندما طرقوا باب محاكاة الحياة أو نقلها أو تجسيدها. ولهذا بمقدورنا أن نقول أن كريك وآبيا ، قد فتحا الطريق أمام البحث في وعن فن تصوير المشاهد (المناظر المسرحية) من خلال الكشف عن الفلسفة الحقيقية للفضاء المسرحي كزمان ومكان.

·                        المدرسة الشرقية
       في المقابل ومع بزوغ فجر القرن العشرين، بدأ اهتمام المختصين في المجال المسرحي، يميل نحو التقاليد غير الأوروبية وخاصة الشرقية منها (لينيه بو اخرج، في عام 1895، مسرحية عرب الأرض المطبوخة، دراما هندية في عشرة مشاهد). إن الأشكال الدرامية الشرقية، سمحت للأوروبيين باكتشاف نوع من التمثيل يتأسس على تعبيرية الجسد، الأسلبة وقيمة الشفرة أو الرمز. إلى جانب المؤلف والممثل صار المخرج ثالث مبدع في المسرح الحديث، حيث، ومذ ذاك، تعددت وكثرت الاتجاهات الجمالية الجديدة.
·                        المسرح الطبيعي أو المسرح الموضوعي
      لقد ثابر المسرح الأوروبي، منذ القسم الثاني للقرن الثامن عشر، على إعطاء صورة إلى المجتمع الحديث، بحيث صار يبحث فيها عن كل ما هو حقيقي ومعقول، محاولا الابتعاد قدر الإمكان عن الابتذال والإفراط بالمبالغة. ولدعم وتقوية، هذا الاتجاه، انجر المسرح نحو متابعة تيار الطبيعة: كتب زولا في عام 1881، الطبيعة في المسرح . في الوقت ذاته، جاءت الكهرباء لكي تجعل الإضاءة المسرحية اكثر مرونة وسهلة القيادة وعاملا رئيسيا في العرض. وبهذه الطريقة بدأ الفن الدرامي يفلت من أيدي المؤلفين بسبب هيمنة المخرج، التي راح في هذه الفترة ينقل الحياة إلى المسرح بكل تفاصيلها، وواقعيتها متأثرة بالطبيعة الذي نظر لها زولا في الأدب: الحقيقة.. أو شريحة الحياة TRANCHES DE VIC بحيث وصل الحال بـ انتوان أن يستعمل في عرض مسرحية القصابين على سبيل المثال: محل جزار تعلق فيه الذبائح طازجة، آتية للتو من المذابح وفي عروض أخرى، يجعل الممثل يبول ويبصق على المسرح بشكل حقيقي وليس إيحائيا. وهذا يعني أن المنظورات الجديدة للعرض صارت تبحث عن الوسائل والكيفيات التي تحاول من خلالها نقل الحياة اليومية بصغيرها وكبيرها علي الخشبة، وذلك باستعمال الملابس والإكسسوارات الأصلية.

·                        العثور ثانية على المشاعر الحقيقية
إن الذي تحمل تبعات جميع هذه التغيرات والتحولات الأكثر دلالة ومعنى هو الممثل: بالتخلص من كل التقاليد التي فضلت الخطابية، الإنشادية في الأداء والمغالاة، التشدق والتفاصح، وكذلك المخرج الذي اقترب من الطبيعة، وذلك بإضفائه الإخلاص علي التعبير التمثيلي والبحث عن إنسانية الدور، محاولا أيجاد مطابقة خارجية للواقع التاريخي من خلال بحثه في الديكور والأزياء، أو ما يمكن أن نسميه بالدراسات الاركيولوجية. ولقد تحقق ذلك بإخراج ستانسلافسكي لأعمال كل من تشيخوف في مسرحية طائر البحر عام 1889، وغوركي في مسرحية الحضيض عام1920. وعلى الرغم من الكتمان الذي رافق ظهور وبروز الفلسفة الطبيعية التي جاءت لكي تثور علي كل ما هو رومانتيكي، استطاعت جماليات المذهب الجديد (الطبيعي) أن تطغي ولفترة طويلة علي لغة العصر الحديث. ولقد تأثرت الولايات المتحدة الأمريكية بما تم تصديره إليها من مناهج، وانبهر المسرحيون بالواقعية النفسية لأستانسلافسكي. وهذا ما ساعد ايليا كازان علي تأسيس أستوديو الممثل في 1947، والذي أسندت أدارته إلى لي استراسبرغ صاحب منهج الطريقة الذي اعتمد فيه كليا علي نظرية ستانسلافسكي وتطبيقاته في فن الممثل. ولقد قدم ايليا كازان مسرحية تينسي وليامز عربة اسمها الرغبة عام 1951، وفيلم علي الرصيف أما في أوروبا، وعلي الرغم من محاولات بعض المخرجين، مثل بيتر بروك وانتوان فيتيس الذين كشفت أعمالهم عن اختلاف وميل نحو التعارض مع المذهب الجديد، استطاعوا أن يشتركوا وان يعملوا علي نشر طريقة ستانسلافسكي الخاصة في فن الممثل.

·     المسرح التفسيري النقل الفني للواقع
 إن ثمار المذهب الطبيعي الأصلية وضعت موضع تساؤل وذلك من خلال اكتشاف اللاشعوري. منذ ذلك الحين، صارت العروض المسرحية التي تبحث عن تطابق بسيط مع الحياة تعتبر غير كافية، وصار المخرجون من أمثال المخرج التعبيري النمساوي ماكس رينهارت (1874-1943) يبحثون عن كتابة وقراءة ركحية جديدة اكثر قدرة وكفاءة، وانفتاحا علي المعاني العميقة للحياة. فقد لجأ المخرجون في هذه الفترة إلى طرق أبواب حيل الاكتشافات الميكانيكية في خشبة المسرح: تأسيس السينغرافيا علي أساس اللعب بالإضاءة والألوان واختفاء وظهور الديكورات، التي تعمل علي تبجيل الواقع من خلال تغيره جماليا ونقل مواضعه، استعمال اغلي الأقمشة وافخر الإكسسوارات، وإعداد عروض ضخمة تسمح باستغلال الإمكانيات الواسعة التي تمنحها تلك النصوص إلى العرض. (أن هذا المنظر ظهر بشكل واضح في عمل شكسبير حلم ليلة صيف للمخرج رينهارت، دون جوان لموليير، إخراج جان فيلار عام 1935، مسرحية العاصفة لشكسبير، لجورجيو ستلير، عام 3791 مسرحية هاملت، لباتريك شيرو عام1988).

·     تجديد الأشكال
بين عام 1920 وعام 1933، استطاع فزيفولد مايرهولد أن يجدد الفن الدرامي باستعماله في الديكور عناصر هندسية تنشيطية مثل الشخصيات الإنسانية، وإعطاء أهمية أولية إلى الإضاءة السينغرافيا، بوضعه للممثل في مركز كيميائية المسرح. إن فن فزيفولد مايرهولد، بقدر ما كان أصيلا ونابعا من تجربة شخصية قائمة علي عناصر البحث والتقصي بقدر ما كان متأثرا أيضا أو بالأحرى مستوحي من الكوميديا دي لارتي، من المسرح الشرقي، وعروض المهرجين. إن طريقته في قيادة العرض نحو التجديد والتمرد علي واقعية مسرح موسكو الفني الذي كان مديره ستانسلافسكي، أغرت الكثير من المخرجين الذين وضعوا بصماتهم علي القسم الثاني من القرن العشرين بشكل واضح، وذلك من خلال طرقهم أبواب تقاليد مسرحية جديدة، كانت تعتبر بعيدة عن متناول اليد: جرجيو ستلير، واستأنف العمل ثانية علي الكوميديا دي لارتي، فقدم مسرحية (خادم سيدين، لكولدوني عام1974)، لوكا رونكوني وتجديده في شكل ومضمون مسرح المصاطب ، من خلال تقديمه مسرحية (اورلاندو فيريوز، المأخوذة عن ارستوفان، عام1970)، بيتر بروك والتفاتاته نحو الحكاية الأفريقية، مسرحية (العظم، عام1975الثقافة الهندية (المهاباراتا، عام 1985منوشكين، صاحبة مسرح الشمس، واعداداتها لريبورتوار أوروبي في أشكال شرقية (سلسلة مسرحيات لشكسبير بين عام 1982 وعام1984)، والتراجيديات الإغريقية في عام1990.

المسرح لملتزم

على اختلاف الفنانين الذين ينظرون إلى العرض مثل وسيلة يتهربون من خلالها من الواقع الاجتماعي، كان أصحاب المسرح السياسي يرفضون تمجيد وتعظيم المشاعر والعواطف الجميلة، التي لا تلتزم في المناقشات الفلسفية، التي تحاكم النخبة والبعيدين جدا عن انشغالات الأكثرية من البشر. لقد كان المسرح بالنسبة لهؤلاء الذين ينادون بمسرح ملتزم يتجاوز حدود العرض. وفقا لمنطلقاتهم الثورية، يجب أن يأخذ مكانه في قلب المدينة، وان يأخذ علي عاتقه مسؤولية التغير ليس علي المستوي الاجتماعي وإنما في الأقل، علي الرؤية التي يحصل عليها المشاهد أثناء العرض. أن العرض بالنسبة لهم، يجب أن لا يكتفي بعرض الأحداث الفردية، بل يتخطى ذلك إلى تحليل انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية. إذن، يجب أن يكون المسرح يقظة ووعيا سياسيا للجماهير، ومواكبا لأحداث العصر لحظة بلحظة.
بسكاتور
رغبة في وضع العرض أمام حقيقته السياسية في زمانه ومكانه، هي التي قادت اروين بسكاتور، في ألمانيا وفي سنوات العشرين من القرن الماضي، أن يصنع تصميما لمسرح جديد يحقق من خلاله غايات تتجاوز الحدود، وذلك باعتماده علي التقدم التقني والعلمي التي أدخلته الاكتشافات الجديدة: الإضاءة، المناظر الدوارة، المسارح المتحركة، السجاجيد المتحركة علي المسرح طولا وعرضا وعمقا، بل انه يتخطى تلك الحدود إلى توظيف السينما بكل إمكانياتها.

النموذج البريشت
إن بريشت نزع عن المتفرج جميع الإمكانيات التي تجعله عرضة للشفقة وتحريك المشاعر، من خلال عنصر الاندماج بالأحداث أو التوحد مع الشخصيات. لقد استخدم في عروضه: اللافتات أو لوحة إعلانية (من خشب أو مقوي) لكي يشير، يحكي، يعلن، ويذكر، مكتفيا بالإشارة التلخيصية للأحداث ـ الأم شجاعة، عام 1954 ـ مثلما استعمل أشكال دمي تهريجية إلى جانب شخصيات حقيقية، تعليقات موسيقية أو غنائية ـ دائرة الطباشير القوقازية، عام 1955، والكثير من عناصر التغريب التي يلجأ إليها بريشت في مسرحه الملحمي. ويعرف بريشت التغريب في كتابه الاورجانون الصغير ، قائلا: (أن التوصل إلى تغريب الحادثة أو الشخصية، يعني قبل كل شيء، أن تفقد الحادثة أو الشخصية كل ما هو بديهي ومألوف وواضح، بالإضافة إلى إثارة الدهشة والفضول بسبب الحادثة نفسها). وفي فرنسا استطاع، روجيه بلانشون، توسيع دائرة البحث في تقنيات هذا المنهج المسرحي الجديد من خلال اشتغاله علي نصوص موليير (مسرحية جورج داندين، عام 1958، تارتوف، عام1973). وقد تجدد وحدث النموذج البريشتي من قبل مبدعي مسرح الشمس أيضا (مسرحية منفيستو، المعدة عن رواية كلوز مان، عام1997).

L'Agit-prop
لقد حاول منظرو مسرح 
L'Agit-prop علي طول فترة ما بين الحربين العالميتين، أن يزاوجوا بين مفهومي المسرح الثوري والمسرح الشعبي، وذلك لأجل اصطحاب جمهور جديد مختلف إلى صالات العرض (ليون موسيناك، ومسرحه العمالي العالمي كان يمثل هذا النوع من المسرح). وفيما بعد، ظل المسرح الشعبي مرتبطا بشكل دائم بميوله السياسي، ولكن دون أن يجعل من هذا الأخير، هدفا أوليا أو أساسيا (جان فيلار، اخرج في المسرح الوطني الشعبي العديد من نصوص بريشت بين عام 1951 وعام1963).
مسرح التسلية
    سمح التقدم التقني العظيم الذي تحقق في القرن العشرين بتطور المسرح (إلى الجمهور العريض)، الذي صار يهب ويوفر إلى الجمهور لحظات من الانشراح والتسلية. ومن اجل تقديم هذا النوع من المسرح، لا بد لنا من اللجوء إلى الحيل السينغرافية، وإلى ممثلين يستطيعون التلاعب بالكلام والفكر وخفة الحركة، وإلى بهلوانية وموسيقيين في عروض صوتية تعتمد علي المقاطع النبرية والكلام الفظ، مثل عرض مسرحية (البرجوازي النبيل، تأليف موليير وإحراج جيروم سافري)، والعروض ذات البناء الباذخ (مسرحية كين، المعدة عن رواية الكسندر ديماس، التي قدمها روبرت حسين). إن هذا النوع من العروض ظل قريبا بشكل كاف من أصحابه الذين صمموه، بين عام 1911 حتى عام 1913، مثل، فرمن فرميه، مدير مسرح الجوال الوطني، مثلما ظل قريبا أيضا للجمهور الفرنسي الذي شاهده علي مسرح شاتلي فترة ما بين الحربين العالميتين، وقد كانت هذه العروض تقدم علي مسارح ذات صالات كبيرة جدة تتسع لأكثر من ألف متفرج. تحتوي هذه العروض، علي ديكورات، ومؤثرات نارية، وعلي العديد من البروجكتورات، والخدع وعشرات بل مئات الأشخاص من الكومبارس، مع بذخ في الملابس والإكسسوارات التي تتجاوز في بعض الأحيان حدود المعقول. وتروي هذه العروض مغامرات تاريخية مثيرة أو أحداثا بسيطة لكنها جذابة (عرض كباريه، للمخرج جيروم سافري، عام1986).

المسرح التجريبي
وهو المسرح الذي كف عن التقاليد السردية والوصفية واعتمد علي الفعل المسرحي كتجربة حيوية تضع فكرة العرض نفسه في مساءلة وامتحان. ففي المسرح التجريبي، لم يعد العرض هو المقصود بقدر ما هو الحدث، الذي يوجه لكي يمارس تأثيرات سيكولوجية علي المتفرج. وقد ارتبط هذا المسرح التجريبي بالبعد الطقسي للمسرح وأصوله.

مسرح القسوة
إن الحركة السريالية في القرن العشرين التي اجتهدت في تحرير الخيال واللاشعوري من سيطرة العقل، اعتبرت المسرح مثل مكان خيالي ومخرب وهادم للحدود التي تفصل ما بين الحلم والحقيقة. وكان انطوان آرتو، في تلك الفترة يحلم بمسرح آخر، مختلف كل الاختلاف عن المسرح الفرنسي الذي كان لا يزال يبحث عن التوازن بين النص والعرض، وخاصة بعد أن انظم لرواد حركة السرياليين. ومن خلال مفهوم المسرح المقدس، حرر ارتو المسرح من رؤى وأحلام السرياليين التي ظلوا ينادون فيها لسنوات طويلة: (أننا نلعب حياتنا في عرض يتجلى للعيان علي خشبة المسرح) كتب ارتو عام 1962، في المنفستو الأول لمسرح الفريد غاري. وبعد أن شاهد عام 1931 عرضا لمسرحية ريفية، اكتشف حقيقة حلمه في (مسرح القسوة): أن مؤشرات روحية، لها معان محددة تصيب المتفرج الإيحاء، ولكن في قسوة يستحيل التعبير عنها في لغة منطقية قابلة للمناقشة. وهكذا صار يعلن بان علي المسرح أن يخلق لغة تمثيلية وسينغرافية رمزية، تقريبا علي طريقة المسرح الشرقي. ولقد نادي لأجل ذلك، بشكل مسرحي خاص ينتمي إلى البانتوميم واستعمال دمي ضخمة، وأشكال شعارية ومكتنفة بالأسرار، لتحرير القدرات السحرية، والميتافيزيقية الكامنة في الفراغ المسرحي، وفي جسم الممثل. ولكن المسرح يجب أن لا يتوقف عند حدود تجديد لغته، بقدر ما يتوجب عليه أن يعثر علي أساليبه المقدسة، يجب أن يتحول إلى نار حارقة، وليس إلى مرآة عاكسة، مثلما يريد له الأخلاقيون. يجب أن يكون الطاعون بين البشر. أن ما يطلق عليه ارتو (القسوة)، هو تلك الطريقة التي تحرر كل متفرج من غرائزه الأكثر غموضا وسرانية، أي تذوقه للجريمة، استحواذ الأفكار الجنسية عليه، تحرره من طاعون وهمه . إن هذا النوع من المسرح يقارن بالطاعون، ويكشف عن الطبيعة البدائية للإنسان وذلك بتجاوزه للحياة الواقعية والذهاب به نحو الحياة الأسرية والميتافيزيقية، والروحية.

 
المكان الخارق
في مطلع الستينيات، وبعد عشر سنوات علي موت ارتو، كثيرون ممن يشتغلون في حقل المسرح، تبنوا نظرياته وآراءه الجديدة وخاصة مؤسسي المسرح الحي جوليان بك وجوديث مالينا، Le bread and Puppet theatre، وروبير بوب ولسون، كروتوفسكي، وهكذا ظهرت وتألقت دمي ارتو الضخمة الحجم التي كان يستعملها ارتو في مسرحه، في عروض مسرح Le bread and Puppet theatre الذي يمزج بشكل قصدي وارادي صورا وأشكالا يستعيرها من مختلف التقاليد الدينية، ابتداء من العبادات الوثنية إلى المسيحية مرورا بالميثولوجيا الإغريقية (عرض Fire، عام1966) مثلما نجد دمي ارتو الضخمة أيضا، في عروض بوب ولسون (Civil Wars, 1988, DeathDestrution and Detroi, 1977)، وفي عروض تاديوز كانتور. ومع هؤلاء المبدعين المحدثين في مجال المسرح، أخذت الحركات والإيماءات، أبعادا طقسية مقدسة، مثل هذا الذي يعبر باستمرار المسرح راكضا، في عرض النظرة الأصم ، عام (1970)، لبوب ولسون. إن هؤلاء الفنانين جميعا يتعاملون مع المسرح باستمرار، مثل مكان خارق، تجربة غير مستقرة طوعا أو مثل مكان جذاب وفي نفس الوقت، خطر ويحتاج إلى المغامرة. إن جوليان بك وجوديث مالينا، اشتغلا في عرضيهما (1966، The Brig، والجنة ألان،1968) في هذا الاتجاه والمعني أيضا، أي انهما، واجها المتفرج بصور وحشية ومتطرفة لدرجة أن ضمنا الحدث نفسه، في بعض أتلاحيان، بعضا منها والصقوها بالفعل، بحيث أصبحت جزءا منه، أما كروتوفسكي (صاحب المسرح الفقير) فقد سعي في عروضه إلى خلق طقوس مسرحية حديثة مستوحاة من الطقوس الدينية القديمة، لغرض: إثارة الدهشة والإعجاب، الإيحاء، واستفزاز الطاقة العضوية للمتفرج والممثل في الكلمات والإشارات السحرية. ولم يكتف بهذا وإنما أضاف عناصر أخرى وظفها لاستفزاز الجمهور وإجباره علي المشاركة فيما يجري من أحداث (مسرحية الأمير كونستان،1962). في حين أن تاديوز كانتور، متبعا نفس الرغبة في إقحام المتفجر في كيمياء العرض من خلال تغذية عروضه بذكرياته الخاص، المعاشة منها والمتخيلة، ملتجئا في ذلك إلى القيء والرغبات التي يمكن أن يشترك فيها كل فرد من الأفراد (مسرحية الصف الميت، عام1977).
إن المسرح التجريبي، وفقا لما شاهدناه من تجارب وقرأناه من آراء ونظريات، بعيد عن أن يكون، حبيس بحث سيكولوجي غير محدد زمانيا، انه يتغذى علي أحداث ومظاهر من التاريخ الحديث التي صدمت الجمهور. ولهذا نجد أن وارثي ارتو الروحيين استحضروا العوالم الاعتقالية (المتعلقة بالمعتقلات)، أن صح التعبير، مثل عرض (اكر وبولي، لكروتوفسكي عام1962)، استحضروا حرب فيتنام (Frie, au Le bread and Puppet،) وضع الجنود الأمريكان (The Brig، المسرح الحي،1966) انفجار القنبلة الذرية (Einstein on the Beach، لبوب ولسون عام1967)، أحداث ومحاولات يتناولونها بذهنية تصميميه إنسانية.



مبدعون أم منشطون
النص في خدمة الإخراج
إن المخرج، في الوقت الحاضر، غالبا ما يقترح علي الأعمال الدرامية رؤيته الإخراجية الخاصة. بعض المخرجين يفرضون علي أجزاء كبيرة من العرض رؤية صورية، تحتاج دائما إلى إمكانيات كبيرة، ويطالبون بحرية مطلقة بخصوص النصوص الخاضعة للريبتوار الكلاسيكي: روجيه بلانشون غير تنظيم تسلسل المشاهد في بعض نصوص موليير، دانيل مزكيش اعد نص روميو وجولييت لشكسبير، روجيه لافيليه، اخرج مسرحية حلم ليلة صيف ، في ديكور تذكاري، استخدم فيه الكثير من الخداع، والألعاب الضوئية والصوتية الغربية.
إن الشاهد علي سلطة المخرج المطلقة، هي الحرية التي يأخذها المخرج اتجاه النصوص، وتكوين صور مسرحية منذ بدء تنفيذ العمل، لسحب البساط كليا أو جزئيا من الممثل أو الدراماتورج الدرامي من ممارسة سلطتهما في التأثير علي معني العمل ودلالاته. إذن، أن الإخراج يميل في مثل هذه الحالة لأن يكون هو العرض بشكل كامل ومستقل، والتحرر من ضرورة خدمة إبداع قد سبقه من قبل، والذي هو (النص) وينشغل بخدمة إبداع مستقبلي، ويتمثل (باللعب الركحي).

الإخراج في خدمة النص
على النقيض تماما مما كان سائدا في عشرينات القرن السابق، عندما كان جاك كوبو يبجل ويعظم مسرح المصطبات العارية théâtreux nu فبالنسبة لكوبو، هو المخرج، الناقد، الممثل، والمؤلف، أن المسرح يجب أن لا يكون مجرد مكان تنبثق فيه وتسيطر عليه عوالم شخصية بقدر ما هو فضاء يجب أن يتأسس علي الفهم الحقيقي للعلاقة القائمة ما بين الكاتب، الممثل، والمخرج، لأن العمل المسرحي، عمل جماعي، ولا يملك المخرج فيه سلطة عظمي أو مطلقة، مثلما تم تخيل ذلك من قبل (كوردن كريك). إن المخرج، وفقا لجان فيلار (منشط) ينحصر عمله في تأسيس علاقة حوار حقيقي ما بينه وبين الممثل والمؤلف. ولهذا لابد من وضع حدود قانونية وأخلاقية جديدة لتحديد سلطة المخرج في مواجهة إبداع المؤلف والممثل.
إن الإحساس بأن النص، هو أساس الإبداع الدرامي، قاد وبشكل دائم تقريبا إلى مواجهات مع مؤلفي الماضي العظام، وادي إلى بحث نوع من المشاركة معهم، مثلما شجع علي أيجاد برنامج مسرحي جديد في التعامل. ومن الذين نهجوا هذا النهج، هم: جاك كابو، شارل ديلان، لوي جوفيه، وجان لوي بارو. من هذه المواجهة كان يولد غالبا تقارب مع مؤلف خاص ومميز: في العصر الحديث، ولد تقارب بين شكسبير وبيتر بروك، آريان منوشكين، وبالنسبة لموليير ولد هذا التقارب مع المخرج انتوان فيتيس، (الذي مات عام1990). والمقصود من هذا المنظور التقاربي، هو عرض النص، وتحاشي تقديمه علي طريقة أولئك الذين يسعون إلى تجزئته أو التقليل من قيمته، أي يصبح النص مجرد عنصر من عناصر العرض الكثيرة، ومع ذلك فهو ليس اقل هذا العناصر أهمية. إن قلق الانفتاح علي النص بهذه الطريقة أو تلك صار يمس علاقة الممثل بالنص: يجب علي المخرج أن لا يفرض رؤيته علي الممثل، بقدر ما تترتب عليه قيادته ، أن يسترعي انتباهه وحث مخيلته علي استعمال شخصيته كفرد، في التعبير بشكل واضح ومحدد عن رغباته، عواطفه، وأفكاره.. الخ. إن الديكور والأزياء والإكسسوارات، وفقا (لكروتوفسكي)، لا يمكن أن تحل محل فن الممثل، لهذا فأما أن تكون بمثابة شخصيات تشارك الممثل أداءه وتقيم حوارا معه ومع الآخرين، وأما أن تترك، لأنها في هذه الحالة تكون امتدادات صناعية زائدة. وبهذه الطريقة، يصبح المسرح الفضاء الذي يلتقي فيه خيال المؤلف بخيال الممثل، المخرج والجمهور.


تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption